دراسة أيمن إبراهيم تعيلب - أشكال السرد فى القصة القصيرة دراسة فى مجموعة ( رجل وامرأة)

د

د.أيمن تعيلب

أشكال السرد فى القصة القصيرة

دراسة فى مجموعة ( رجل وامرأة)

د. أيمن إبراهيم تعيلب



بداية يجب أن نقر أن الشكل فى الفن أو فى الحياة بصورة عامة حقيقة عتيدة من حقائق الوجود، فالحلق نفسه شكل، والوجود ذاته كان فوضى فصار إلى النظام بالشكل، والحقائق العلمية التجريبية، وإلإنسانية الروحية لاتصير لها معنى ودلالة إلا بالشكل المحدد الدال، بل إن إدراك الحقيقة وتعدد صورها وتطورات أنماطها موقوف على إدراك العلاقات والنسب بين مكونات الشكل المعبر عنها، وكل تغيير فى أنماط هذه العلاقات هو تغيير جذرى فى صورة هذه الحقيقة. ومن هنا كان مدخلنا إلى هذه المجموعة القصصية ( رجل وامرأة) للكاتب محمد عبد الحليم غنيم

والكاتب محمد عبد الحليم غنيم أحد كتاب القصة القصيرة المعروفين وله حتى الآن مجموعتان قصصيتان منشورتان وثالثة قيد الطبع ، وقد سبق لي مناقشة مجموعته القصصية ( رجل وامرأة)(1) التى نحن بصدد الكتابة عنها فى هذا البحث فى اتحاد كتاب المنصورة، وقد تناولها بالمناقشة معى الأستاذ الدكتور عبد الحميد القط ، وسوف أحاول أن أعالج الشكل القصصى فى هذه المجموعة فى هذا المؤتمر الأدبى، على اعتبار أن الشكل فى العمل الأدبى هو الفيصل الحقيقى للمحتوى الدال، أو قل إن الشكل الفنى عندما يصل إلى درجة النضج الجمالى يرقى إلى مستوى الشكل الدال الذى لاتنفصل فيه البنية عن الوظيفة،عندئذ لايصبح الاهتمام بالشكل مجانيا بل هو تعبير عن مدى قدرة النص القصصى على تحقيق الغرض الدلالى منه، جماليا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا، وثمة فارق جوهرى بين الموضوع فى الحياة، والموضوع فى الفن، فبقدر ماينفصل الفنان عن معاناته الداخلية اللاهثة، بقدر ما يحقق مسافة موضوعية بينه وبين فنه تتيح له خلق الشكل الجمالى الدال، الذى يعد المقابل الجمالى الموضوعى للانفعال أو الحدس أو الفكرة، فالأعمال الفنية الجيدة على مدى التاريخ لم تحرز تفوقها بسبب مضمونها الذى يعرفه العربى والعجمى، والحضرى والبدوى، بل بسبب حسن تجسيدها الجمالى للحقائق الإنسانية الكلية، ومن هنا فإن الشكل القصصى فى هذه المجموعة يمثل فيما نرى ممرا إجباريا للناقد، لامندوحة عنه لمن يريد الإيغال فى الدلالة النهائية للنص القصصى، وهذا يعنى أن الشكل القصصى ليس مجرد وعاء لغوى أو رمزى أو تصويرى للدلالة القصصية، بل هو الوسيلة الجمالية والغاية التشكيلية معا، فالشكل بنيان تعبيرى كلى يسيطر على مادة القص من البداية وحتى النهاية، وليس مجرد وعاء لغوى أو رمزى خارجى قادر على الامتلاء والإفراغ، ومن هنا كان على القصاص الجيد أن يحقق قدرا مقبولا من التوازن والوحدة والاستمرار فى بنائه القصصى وإلا تحولت القصة لديه إلى أمشاج وجدانية مبعثرة، وأخداج شكلية متنافرة، وهنا تتحقق مقولة ( كولردج) فى أن ليس ثمة ما يمتع باستمرار إذا لم يحتوى بذاته على السبب، وهذا يعنى أن سبر الشكل ومكوناته، هو سبر للمحتوى ودلالاته، وطالما ليس أمامنا فى النص سوى وجوده المادى اللغوى، فلا إمكان أمامنا لوعى الدلالة القصصية إلا من خلال شكلها المادى اللغوى الخاص بها، والقدرة على الوعى الحسى الجمالى بهذه المادة اللغوية، وسبر مكوناتها الداخلية الخاصة، وفض علاقاتها التصويرية والترميزية، ثم الإذعان الجمالى لمنطقها الشكلى الخاص بها :(( هذا الإذعان الذى يبدأ طوعا ثم يستحيل إلزاما تنتظم تجاربنا وتصقل وتنسق وتحشد على قنوات مختلفة من الوعى، وتوزع على نحو هارمونى متسق ومن ثم تتم الاستجابة التقويمية لكلية العمل الفنى))(2)



ومن هنا آثرت أن أعالج الشكل وأنماطه فى هذه المجموعة القصصية للقاص محمد عبدالحليم غنيم فى مجموعته( رجل وامرأة) ومنذ البداية أحب أن أشير إلى هذا الترابط النسقى الحتمى بين الشكل فى القص وبين الوظيفة الجمالية والأخلاقية والإنسانية فى هذه المجموعة، وعندما أربط بين الفن والأخلاق فى هذه المجموعة فلا أعنى هذا المعنى الضيق للخلق أو حتى للقيم التى يهدف إليها القاص من وراء قصصه، فلا يوصف الفن بالخير أو بالشر، وكليهما مفهوم أخلاقى، بل يوصف بالحسن والرداءة، والفن الحسن أو الشكل الجمالى المحكم، يحوى ضمن ما يحوى، الخلق الجميل بالضرورة، فعندما يسيطر الكاتب على فنه سيطرة جمالية منظمة ومتقنة، يدفع بنا بفضل هذه السيطرة المنظمة ـ ودون وعى منه فى الغالب ـ إلى التأثير الجمالى، ويكون الكاتب قد أدخلنا فى رحاب الحلق والقيمة بمعناهما الواسع الرحيب فى الوقت نفسه،فكل عمل جمالى هو حالة إنسانية خيرة بالضرورة، فدائما تترابط وتتواثق قيم الحق والخير والجمال فى وقت واحد، سواء على المستوى الوجودى الفعلى، أو المستوى الفنى، والكاتب فى هذه المجموعة يعى أن الضمير الإنسانى ليس شيئا جاهزا نتلقاه يسيرا سهلا، بل الكاتب يعيد ((خلق ضمائرنا بأشكاله الدالة حتى لو لم يكن يفطن لذلك، وكلنا يشارك فى خلقه بالتلقى الاستطيقى والإبداع الخاص 0000 ونحن إذ نفعل ذلك إنما نشارك فى تشكيل عالم جديد نفترض أنه يسير فى ارتقاء قيمى دائم))(3)



فى البداية نود أن نشير إلى أن القصة القصيرة الجيدة أشبه بومضة فلاشية مركزة، أو موجة تمتد ثم تنحسر مبينة عن عمقها، أو ضربات فرشاة حاذقة تجسد الجمال فى أضيق حيز ممكن، فدائماً القصة القصيرة مائجة بهذا التركيز البالغ الثراء والتكثيف فى آن، بما يجعلها قادرة على الإيحاء والإشعاع الكلى، ومن هنا أستطيع أن أقول إن مجموعة (رجل وامرأة) تقع ضمن هذا التصور الفنى للقصة القصيرة، فدائماً الكاتب محمد غنيم يضغط قصصه فى عمق تصويرى جمالى قادر على الإشعاع المتعدد الضوء والإيماء، ونظراً لأن فن القصة القصيرة فن مراوغ وصعب فى تشكيلة الجمالى، إذ يقع فى المنتصف من فنيات الرواية وفنيات الرواية القصيرة، بل يقع فى مفترق الطرق جماليات فنون متعددة حيث يأخذ من الشعر التكثيف والتركيز والتصوير، ومن الرواية القصيرة القصر وعدم التمدد، إلى آخر ما أفاض فيه منظروالفن من أن ((القصة القصيرة الجيدة هى التى تصور حالة إنسانية، أو انطباعاً وجودياً، أو مشهداً مكثفاً، أو لقطة إنسانية مركزة، وتكتفى غالباً بأضيق مساحة من الشخصيات والأحداث لتكون قادرة على إ نجاز رؤيتها الجمالية فى أضيق مساحة جمالية وأكثفها))(4)

وإذا كانت القصة القصيرة عند محمد غنيم قد خضعت لهذا التكثيف الجمالي المشع،فإنه قد أخضعها أيضاً لقدرتي الانتقاء والتشكيل معاً، وهما قدرتان فنيتان لاغنى عنهما للفنان الحق، نلمحهما دائماً عند أى كاتب أصيل ،القدرة على انتقاء المنظور الرؤيوى الإنسانى وهذا أمر يوجهه رؤية الكاتب للعالم أوحدسه الجمالى الخاص ،ثم قدرة الكاتب على التشكيل الجمالى والتوزيع البنائى، بما يجعلها قادرا على نسج المفردات الجمالية المنتقاة وخلق تفاصيلها البنائية المتعددة، وتوجيها إلى مسار جمالى ودلالى خاص.



ومحمد غنيم يلتقط موضوعاته القصصية فى(رجل وامرأة)من جميع ظواهر العالم، لا فرق لديه بين موضوعات تصلح للقص وأخرى لا تصلح، بل تصير الحياة بكل موجوداتها، وكائناتها، وأشيائها وجوامدها مادة للقص والإبداع، وقابلة للإشعاع الجمالى، العميق،(فالقطار البطئ) يكون موضوعاً لقصة ،و(اللمس) يكون صالحاً لقصة أخرى،وصورة معلقة على الجدار لقصة ثالثة وهكذا.فكل ما فى الوجود أشكال لا تتناهى للقص والجمال ،فالعالم نفسه قصة لا متناهية من الأشكال والألوان والدلالات ،وبذلك فإن الكاتب محمد غنيم يتمتع بهذا الإدراك الجمالى الخصيب للعالم من حوله فهو يفصل بين (الإدراك العملى )أو(الاقتصاد الإدراكى) كما نراه فى حياتنا العملية اليومية، والإدراك الجمالى الثر الفياض للعالم من حوله،ففى الإدراك الاقتصادى يقرأ الناس الأشياء والموجودات قراءة توجيه وضبط وتنميط، بمعنى قراءة الوسيلة للغاية (ذلك إن ما ندركه ونخبره ونحسه لا يتوقف فحسب على ما هو موجود بيننا ،بل يتوقف أيضاً على اهتمامنا وانتباهنا الانتقائيين)(5)

وهذا يعنى أننا لا نلتقط كل شيْ فى العالم المائج بالثراء من حولنا، بل نلتقط ما ركزنا عليه ساعة نفعنا، وإدراك ما ينفعنا إدراكه، أما الفنان فهو لا يجرد العالم من ثرائه الخصيب إلى مجرد أنماط أو نماذج عامة باهته، بل ينغرس فى عمق العالم ويسرف فى إدراكه من الداخل، ولا يعزل الفن عن إدراكه للأشياء، بل يرى المتناهى فى الكبر فى المتناهى فى الصغر، فالكاتب يرى العالم بصورة انفعاليه جمالية بما يوسع من أبصارنا وبصائرنا معا،ً لنرى معه العالم من جديد طازجاً غضاً كأنه خلق لتوه ،إنه يرى الأشياء فى ذاتها ولذاتها ـ لو صح التعبير ـ فيرينا معه هذا الغنى الفنى المذهل المترسب فى أعماق كل شيْ من حولنا ،ومن هنا يصير الفن اكتشافاً لدى محمد غنيم، اكتشاف ما اعتدنا علي رؤيته حتى لم نعد نراه، ثم يعيد الفنان ما نراه واقعاً إلى حقيقته الأولى النضيرة، فليس كل ما هو واقعى حقيقيا بالضرورةً،وبالتالى فإن محمد غنيم فى هذه المجوعة القصصية(( رجل وامرأة)) يفتح لنا الأبواب المجهولة فى هذا الوجود من خلال طرقة للأبواب المعلومة،والتي ألفنا طرقها معه حتى لم تعد تنفتح لنا عن أى شيْ جديد، (فالأديب هو من حبته قوة الخلق بعين لا يتمتع بمثلها أى شخص آخر ،وقد أدرك أهل التصوف الإسلامى هذه الفكرة فقالوا منذ مئات السنين (لكل منظر عين تخصه)(6)



وتحتوى مجموعة( رجل وامرأة ) على عناوين قصصية عديدة، تجسد رؤى الكاتب المتعددة مثل( عسرانة ـ أين أنت يا أبا نواس ـ اللمس ـ شاى بالنعناع ـ القطار البطئ ـ عم شحاته أبو رشفة ـ الخوف ـ صورة معلقة على الجدار ـ المتفرجون ـ حكاية رجل بلا زيل ـ حكاية الشاعر المنكود وزوجته النكداء ) وهى عناوين تجسد هموما إنساية وحضارية ووجودية يعانيها الكاتب والمتلقي معا، ولعلنا لو أمعنا النظر منذ الصفحة الأولى للمجموعة لفت نظرنا هذا الإهداء من القاص للكاتب العباسي ( عبد الله بن المقفع) مما يشى منذ البداية إلى هذا التواشج العميق بين هموم الكاتب المعاصر وهموم الكاتب القديم من جهة، كما يشير إلى غلبة الهم الحضارى والسياسى على هذه المجموعة القصصية من جهة ثانية، وسوف أقصر معالجتى النقدية للمجموعة على قصص ( أين أنت يا أبا نواس ـ واللمس ـ والقطار البطئ ـ والخوف ) فأنا أرى أن هذه القصص قادرة على تمثيل الهم الشكلى الجمالي والمحتوى الدلالي لدى الكاتب فى هذه المجموعة القصصية.







رمزية الجسد وبنية الواقع:







فى قصتى (( أين أنت يا أبا نواس و قصة اللمس)) يتخذ الشكل القصصى من بنية الجسد رمزا موضوعيا لمعالجة هموم الواقع والحضارة معا، فالجسد هنا مكمن اجتماعى ونفسى وأنطولوجى معا وليس مجرد حامل مادى للإنسان، بل هو هوية إنسانية معقدة، متعددة السياقات السياسية والنفسية والحضارية، ومنذ البداية يستحضر العنوان فى القصة، الشاعر العباسى الشهير أبا نواس وما يستقطبه من هموم فكرية وإنسانية فى الموروث الشعرى القديم، فقد كان أبا نواس ممثلا لقيم الرفض والخروج على تقاليد الشعر العربى القديم، وقد اتخذ من الخمر والجسد مدخلا مناسبا لهذا التمرد الفنى والحضارى معا، وقد مثل الجسد فى هذه القصة المكون الشكلى الغالب على الفضاء السردى منذ البداية وحتى النهاية، فقد بنى الكاتب الحدث والشخصية والحوار بناءا جسديا رمزيا منذ اللحظة الأولى للقصة ولننظر هذا المشهد القصصى فى بداية القصة(( رائحة العرق يفحها الجسم بتؤدة وصمت، رائحة أعرفها تشبه رائحة الجنود المتوحدين فى الصحراء، تذكرنى بأيام الجندية والقوة والفحولة الجنسية والآن وأنا أسير فى شوارع المدينة النظيفة، تواجهني الفتيات بجمالهن الصارخ، أذرع بضة ووجوه ملونة وشعر لا أعرف لونه، أما الرجال فألامس فى أيديهم رائحة الترف وكثرة النقود، فأقول لنفسي كان لابد أن أستحم بماء الورد لأزيل هذه الرائحة))



ثم ينتقل الكاتب فيصور شخصياته القصصية وهى فى حالة من التوتر الجسدي بين التجاذب والتنافر فنراه يصور لقاءه بصاحب العمل فى هذه الصورة الجسدية القائمة على التنافر والتنابذ يقول الراوي(( غسلت وجهي وفمي بالماء البارد وشربت أيضا قبل أن أدخل إليه، هل وصلت فى الموعد؟؟



قال: أهلا، وأعطاني أصابعه البضة، فأمسكت بها برفق غير أنى تركتها على الفور، لأعرف أيا منا سحب يده أولا))



إن الكاتب هنا يبنى الشخصية والحوار بناءا جسديا فهو لا يركز على اللغوي والبنيوى والمؤسساتي بقدر ما يركز على الهامشي والجسدي وكل ما هو خارج حدود المؤسسة الرسمية، إن الكاتب عندما يركز على الجسدي فهو يعيدنا إلى تعبيرية غير رسمية، تعبيرية مستبعدة من وجودنا الاجتماعي المنمط بما يعيدنا ثانية إلى حقائقنا الجسدية الأولى التى تعبر ببساطة وعمق علن جوهر علاقاتنا الاجتماعية اليومية بعيدا عن جو السائد والمتبع، إن الجسد هنا فى السرد: هو اللغة الأولى القادرة على توصيل حسية العالم والأشخاص بصورة مباشرة بعيدة عن الترميز والتنميط والضبط والتوجيه، إن الكاتب فى تصويره هذا الحوار الجسدي الصامت البارد الغليظ، حتى لينكر معرفته بمن سحب يده قبل الآخر، وكأن الأيدي لم تتلامس أبدا على الرغم من التسليم الظاهري باليدين، عندئذ يصير الظاهر حجابا حاجزا عن التواصل الحق الفعال، يعمق هذا المعنى هذا السرد الو صفى(( نظرت إلى مضيفى ولكنه كان مشغولا عنى، أردت أن أقول شيئا أى شئ، تشاغلت بتصفح وجوه الجالسين فى الحجرة الواسعة، لم يبادلني أحد الابتسام، هل ابتسمت لأحد؟؟ ربما أكون فعلت، فجأة التفت إلى قائلا:

لاتقلق سنقوم حالا.



إن الجسد هنا وجود مهمل، لغة لا تتواصل مع الآخر، ركام مادى غليظ لاتحيا فيه وبه الروح، عندئذ يصير النظر فى وجوه الآخرين مشغلة وليس نشاطا وحيوية، حتى لينسى الكاتب حين يبتسم هل ابتسم بالفعل أم لا؟؟ ويصير اهتمام الآخرين به مجرد لفتة عابرة ، أو فجاءة سانحة،ويستقطب الإهمال الجسدى عدم الجدوى فى الكتابة أصلا، فكل من الجسد والكتابة قوام الوجود الحى الفعال كلاهما يترتب وجوده على الآخر ويصير نفى أحدهما نفيا للآخر بالضرورة.

إن السرد القصصى السابق يجسد اللامبالاة والتنابذ الاجتماعى والفجوات الإنسانية العميقة،ويمتد هذا التنابذ والتنافر الجسدى على طوال السرد، نراه فى تعليق الكاتب على السكرتيره قائلا:

هل ابتسمت هى الأخرى؟؟ لا أعرف، بيد أنها جلست فى مقعد كبير، على مقربة منى وجلست أنا بجوار النافذة فوق مقعد هزاز، تصورت فى البدء أنه سيكون مريحا آه مازلت أشعر بآلام فى ظهري))



هنا تصير الشخصية محض قلق جسدي نافر عن الآخرين، ويواصل الكاتب تصوير التنابذ الجسدي حتى يصل إلى قهره وابتذاله فى تعليقه على الفتى صاحب اللحم المرتج والجلباب القصير، الذى يعمل سكرتيرا أيضا بما يذكرنا بظاهرة الغلمان التى أفاض فيها أبا نواس فى شعره بما يجعلنا نربط بين دال العنوان ودلالات السرد القصصي فى القصة، وظاهرة الغلمان هنا تعكس السقوط الحضاري وعبثية المنطق الإنساني المعكوس



وعلى طوال السرد القصصي نلمح هذا الصمت البليد الجاثم على العلاقات الإنسانية بين الشخصيات على الرغم من كثرة الكلام غير المجدى، ودائما يقدم الكاتب شخصياته من الخارج من خلال جسدها البارد الشقي، ومن خلال حوارها الظاهري الضحل، حتى أسماء الشخصيات معدومة فنرى الكاتب يطلق على محاوره اسم (( مضيفي)) وهى تسمية لا تحدد ولا تجسد بل ترمينا فى الفراغ المقيت، ويصل التوتر السردي للجسد قمته المأساوية فى هذا المشهد القصصي:

(( لايا مضيفى العزيز أنا أقرأ جيدا ما خلف الكلمات، إنها حرفتى صوتك مختنق وذهنك بليد وزوجتك وابنتك جميلتان وأنا فلاح وعيناى رصاصتان من جوع وشبق، الظهر أبيض وفى الصدر شق مبهم يحتوى حرمانى المقهور))



إن دلالات الصوت المختنق، والعينان المخلوقتان من شبق ورصاص، والظهر الأبيض المقهور سواء كان لدى الراوى ملتهمه أو لدى صاحبه البض، تتضافر جميع الدلالات الجسدية هنا مع الدلالات السابقة فى رائحة العرق والابتسامة الباردة، والتصافح الأبله البليد، يتضافر كل ذلك ليمهد للسرد القصصي أن يصل إلى منتهاه من القطيعة الجسدية والروحية والفكرية والاجتماعية أيضا، فى المشهد الأخير من القصة الذى يبدأه الكاتب بقوله:



(( كان لابد أن أترك الجنة وأنزل، 00000فجأة وجدتني وسط الطريق على حدود القاهرة الشرقية وحيدا تائها وتساءلت هل يمكن أن أعود للبيت سالما))



وبهذه الصورة السردية المتنامية للجسد على طوال هذه القصة يتبين لنا أن الجسد هنا كان سياقا إنسانيا كليا قادرا على بلورة روح الواقع الاجتماعي والسياسى والفكرى المحيط بالكاتب، و قد كانت رمزية الجسد تمثل مدخلا شكليا وجوديا لتصوير ذلك فى القصة، فكل واقع خاص قادر على خلق جسده الخاص به الذى يتجلى بأشكال متعددة فى جميع صور الواقع الاجتماعي المحيط بنا.



فإذا انتقلنا إلى قصة (( اللمس)) وأنا أعدها أجمل قصة فى المجموعة، وجدنا دال الجسد يتجلى فى صور سردية عديدة قادرة على تجسيد الدلالة الكلية للقصة والمتمثلة فيما أرى فى هذا الحس الإنسانى العام بالانفكاك والقطيعة والتنابذ، وذلك من خلال قصة حب ظاهرها الوصال وباطنها الملال والفراغ، وقد كان الجسد مدخل الكاتب لتصوير ذلك، على اعتبار الجسد معيارنا الأول في الوجود، فهو يشكل مركز الكون …. فالإنسان أصلاً حضور جسدي في العالم …. ومن ثمة فإن الجسد يمسرح دائماً تعبيريته تلك عبر صور متعددة. فهناك الجسد الصامت،كالمظهر الجسدى، وتعبير الوجه، وهناك الجسدي الحركي)(7)



إن العلاقة فى هذه القصة( اللمس) بين الجسد والوعي والروح ليست برانية، فالجسد والروح كلاهما يتجلى عبرا لآخر، وعلاقة الذات بالعالم تتم عبر الجسد، فالجسد هو مجمع وجودنا الشخصي، كما أنه مكمن علاقتنا بجسد العالم كله ( فالجسد والحياة والروح، ليست تشكل ثلاثة أنظمة من الوجود المستقل ـ و من الواقع وإنما ثلاثة مستويات من الدلالة أو ثلاثة أشكال من الوحدة

إن الكاتب في اعتماده الكلي علي بناء الحدث والشخصية منذ بداية القصة وحتى نهايتها علي دوال جمالية جسدية، يعمق ظننا بأن الكاتب يطرح هنا قضايا إنسانية غاية فى الأهمية والخطورة، قضايا لها علاقة بالمجتمع والحضارة، وحقيقة التطور البشري، ومسألة التواصل اللغوي الرمزي الزائف، الذي يخفي أكثر مما يظهر، ويحجز أكثر مما يطلق، ومسألة العنف الرمزي الفكرى الذى ابتكرته العلاقات اليومية المعاصرة لتوقع الإنسان فى شباكه وتدمر ذاتيته الخاصة، مباعدة بينه وبين تواصله الحى الخلاق بذاته وجوهر العالم من حوله، وقد استطاعت لغة الجسد وحدها ف هذه القصة فيما أرى بناء الشخصية والحدث القصصي، وبناء الدلالة القصصية، وربما أراد الكاتب عبر هذا المغزى الفنى التوصل إلى جسارة التواصل الحي الأول أيام كان الإنسان الأول أكثر انسجاماً مع ذاته والعالم من حوله، وأصدق اتصالاً بروح العالم وذوات الآخرين، قبل أن ( يتمأسس) الجسد ويتطور الرمز اللغوي الذي يختزل حسية الأشياء، وثرائها المعقد، إلي قوالب لغوية تجريدية تشوه انسجام الإنسان مع ذاته والعالم من حوله!!!



منذ البداية يلعب العنوان دورا تأسيسا فى بنية السرد فى القصة، وتنفتح عتبة العنوان على تقنيات أسلوبية ودلالية متعددة وشيجة الصلة بالمتن السردى، ولعل الوضع التعريفى الوثوقى للعنوان(( اللمس)) بألف ولام التعريف يعد بالحكاية منذ البداية الأولى، كما يوحى لنا بشبكة من الاحتمالات المتعددة التى تشحن الخيال المتلقى بأفق سردى درامى، فهل اللمس هنا سينصرف إلى الذات أم إلى الآخر أم إلى الوجود، أم إلى الأعماق الإنسانية الخبيئة وراء المظاهر الحسية للأشياء والموجودات؟؟ لعل العنوان (( اللمس)) بأنموذجه التعريفى والمستقل من جهة الإسناد النحوى، يبلور نصا سرديا موازيا للنص القصصي كله، فالمؤلف غالبا ما يضع عنوانه بعد أن يكون قد انتهى من قصته تماما، وهذا يؤكد قصدية الوعى الفنى فى وضعية العنوان، بما يبلور رؤية كلية شاملة للنص السردى، ومن هنا نرى عنوان(( اللمس)) ممثلا لــ(( لمجموع الدلائل اللسانية من كلمات وجمل وحتى من نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتهيئه وتشير لمحتواه الكلى ولتجذب جمهوره المستهدف))(8)





ولعلنا نلحظ مقدرة الراوى منذ السطر الأول من القصة فى تعبيره بلفظة الدخول وما تترامى إليه من محاولة اللمس والتواصل، وذلك فى قوله



(( بدأ الاجتماع منذ قليل، عليه أن يسرع بالدخول حتى لا يتعرض لأي لوم))



إن التعبير بالرغبة فى الدخول منذ السطر الأول من القصة يوجه حواسنا ومداركنا إلى خط سير الدلالة النهائية للقصة منذ الآن فصاعدا، ثم يبدأ الراوى فى حشد جميع ألوان التعبير الجسدى من صوت وصورة وإيقاع وحوار ليبنى حدثه القصصي متخذا من الجسد معادلا رمزيا موضوعيا لما يرمى إليه من معان ودلالات، يقول الراوى بضمير الغائب(( تكاد ركبته تلامس ركبة المدرسة العارية، بل بالفعل لامستها، ركبة شمعية بيضاء عجز الشراب الأبيض القصير أن يصل إليها، شعر بالحرج الشديد، لم تكن هذه المرة الأولى التى يرى فيها ركبتين عاريتين أو حتى يلامسهما، ولكن آلمه احتكاك بنطلونه الخشن بهذا الشمع الأبيض الشفاف، 0000أحس بشئ يسرى فى جسده،شئ دافئ من الصعب تمييزه عندما لمست يديها لأول مرة أحسست أن للمس لغة أخرى أفضل ألف مرة من لغة الكلام نثرا وشعرا000 لكننا افترقنا منذ ذلك اليوم الذى لامست فيه يديها))



إن هذا المشهد السردى الذى يتحدث فيه الراوى عن علاقة البطل بالبطلة من خلال الجسد سوف يتنامى ليجعل من لغة الجسد الموازى الجمالى الموضوعى لجوهر العلاقات الإنسانية والاجتماعية والثقافية المحيطة به فى واقعه، فالراوى على طوال الفضاء السردى تتجاذبه هذه المفارقة الجسدية المريرة بين رغبته فى الالتحام والتواصل، وبين زيف الأشياء وجفافها من روح الحياة، وفى كل مرة يحاول الراوى تكرار المحاولة عله يصل إلى عمق ما لكنه دائما يرى نفسه فى فراغ الأشياء وليس امتلائها وحسيتها،ودائما يؤرقه قول كاتب مجهول فى ((أننا جميعا ممثلون فوق الأرض)) لكن الراوى تتجاذبه تيارات شتى من الرغبة فى تصديق مايرى، والشك فى حقيقة مايرى، فهو دائما حائر بين قوله:

(( كنت أقول عنها: طفلة ساذجة بريئة، يعجبنى فيها طفولتها، وكنت أقول عنها: إنها لاتجيد التمثيل))



ثم يعود فيقول(( ثم اكتشفت أنني مخدوع وأنها تفوق فاتن حمامة فى التمثيل وإن كان اسمها سلوى أحمد))



ثم تحدث مفارقة أخرى بعد أن يكون لامس يدها للمرة الثانية حيث نراه يتحدث بعدها عن أشياء عامة تتعلق بالدراسة، وغباء الأساتذة وتطفل الطلاب وأشعاره التى لم تلق إقبالا، إن الكاتب هنا يصنع مفارقة للتضاد بين ما هو حميم وما هو عام، فكلما حانت ساعة البوح مع الحبية وجد نفسه يتكلم عن أشياء أخرى، والبطلة تبادله صمتا بصمت، فهى لم تحدثه عن حياتها، وهو لم يحدثها عن أبيه العجوز، ولا عن أمه التى هدها المرض، ولا عن إخوته الصغار المسؤل عن إعالتهم، غير أنهكما تواعدا ويصور الكاتب المكان عبر تفاصيل حسية تجسد الانقباض والعمومية، إنه يجرد المكان من حسيته الدافئة، وتفاصيله الإنسانية الحميمة ليكون موازيا سرديا رمزيا لعدم القدرة على لمس الحياة الحقة، يقول الكاتب:



(( تلاقيا فى الموعد المحدد، السابعة مساء، جلسا متقابلين حول منضدة ذات مفرش أخضر قديم، المكان عام، الأشجار الخضراء الطبيعية القليلة احتل آخرون المكان تحتها، لم يبق إلا الأشجار البلاستيكية التى تزينها لمبات كهر بائية، فبدت كامرأة فى زى متبهرج، بدا المكان له فاضحا، ومع ذلك لم يبال))



إن الراوي فى هذا المشهد الوصفى للمكان يجسد لنا فراغه من محتواه الإنسانى الملموس، إنه المكان مجردا من ناسه وأشيائه وحميميته، فالأشجار بلاستيكية والنور صناعي متكلف إذ ينبعث من الكهرباء وليس من الأفق، إنه إضاءة كاشفة فاضحة، وليس نورا مبهجا مشعا بالحياة، إن المكان هنا غير ملموس، وكل من البطلة والبطل يجتر وجوده عبر صور مصطنعة، وكلاهما لا يلامس قلبه حقا مع الآخر، إن البطل يتكلم والبطلة تأكل، إنه منغمر فى الحديث وهى مند غمة فى الصمت واللامبالاة، وبعد أن لامس ركبتها للمرة الأخير أحس إحساسا مختلفا بعد مرور جميع الأحداث السابقة بينه وبين البطلة فالبطل (( لم يشعر لذلك الإحساس الدافئ الحنون يسرى فى جسده000 انتقل بنظره إلى سطح المنضدة، أطباقها فارغة تماما إلى جانب أطباقه المليئة لم تمسها يداه))



وهنا يصرح الكاتب للمرة الأولى بعدم المس واللمس بصورة مباشرة، بعد أن دفعت الأحداث والشخصيات بالبناء السردي إلى ذروته الدلالية المتمثلة فى حياة بلاستيكية جافة مكتوب عليها ((أن لا مساس)) وفى النهاية كان الراوي البطل بعد أن دفع الحساب فى المطعم:

(( يحدق فى الأشجار الخضراء المصنوعة من البلاستيك تزينها اللمبات الكهربائية الملونة))



لا أدرى هل دفع الكاتب الحساب ثمن حياته القاحلة، أم دفع حساب الحياة الجميلة الممتلئة ثمن اللقاء مع حبيبته؟؟ إن الدلالة القصصية تشي على طوال السرد بهذه المفارقة القصصية العميقة بين الخضرة الحية رمز حسية الحياة وقدرتها على التجسيد والتلامس، والبلاستيك الجاف المنعزل، الذى تزينه أنوار كهربائية شاحبة تكشف وتفضح، ولكنها لاتنير وتبهج، بما يؤكد عدم إمكان القدرة على التلامس والتواصل مع جسد الحياة الحى، أو جسد الواقع الحقيقي، أو حميمية العلاقات الإنسانية الفوارة بحسية الأشياء والموجودات، إن قصة اللمس تتنقل عبر بنائها السردي المحكم من مشهد إلى آخر عبر تفاصيل واقعية متعددة فى العلاقة بين الرجل والمرأة، أوبين البلاستيك والخضرة، أوبين الجسد والروح، أوبين النور والكهرباء، لتتخذ من جميع هذه التفاصيل معادلا رمزيا جسديا يبلور هذا الإحساس الوجودى العام بعد القدرة على ملامسة روح الحياة والأشياء والأحياء.







رمزية الفراغ وانعدام المعنى





فى قصتي (القطار البطىء، والخوف ) يجسد الكاتب هذا الإحساس المر بعدم الجدوى وعبثية الواقع الذى نركب سبله وطرائقه، علها توصلنا إلى ما نريد ولكننا نصل دائما إلى لاشئ، والكاتب يبنى قصته عبر مشاهد قصصية متنوعة تصب جميعها فى هذا الشكل السردي الدرامى الذى يجسد عدم الجدوى السارية فى جميع تفاصيل الواقع الذى نعيشه كل يوم، وعنونة الكاتب قصته بـ (( القطار البطئ)) يضع أيدينا منذ البداية على مفاتيح أولى للدلالة الكلية للقصة، حيث يأتى القطار هنا رمزا حسيا لشكل الحياة المحيطة بنا فى كل شئ، فهى قطار يمشى ولايمشى، يصل ولايصل، ويحس الجميع فى نهاية الرحلة بأنهم راكبين إلى حيث محطات الإحباط والتراجع وعدم الجدوى، والقطار رمز فنى يحظى بأهمية استثنائية لدى جميع الروائيين على مستوى العالم، فلقد كان القطار تيمة فنية رئيسة فى أمهات القصص، فعند (تولوستوى)مثلاً يأتى ذكر القطار فى المواقف الفاصلة من كل قصة من قصصه ففى قصة:((أناكارنينا)تأتى رمزية القطار على أتم صورة، وكان ذلك يظهر فى كل نقطة تحول من القصة كأنه الباعث الأساسى..وأما فى القصة المسماة (أنشودة كروتزر)فإننا نجد للقطار عملين،فهو يرويها مسافر لرفيق مصادفة جمعه به القطار،…وثانياً يأتي القطار لا كمسرح لحوادث القصة فحسب بل كعامل مليْ بالانفعالات وذى أثر فنى قوى، فوصفه لسفره الأخير الذى كان فيه فريسة لعاطفة الغيرة..هو مأساة قوية )(9) فإذا تركنا(تولوستوى)، وجدنا فكرة القطار موجودة أيضاً فى قصة (المعتوه) (لديستوفسكى)وتأتى رمزية القطار على أتم رمزيتها فى قصة(الجبل السحرى)(لتوماس مان)و(الوحش البشرى)(لإميل زولا)



إن القطار يعد أحد الرموز الكبرى التى ابتكرها الأدب الحديث سواء فى الشرق أو الغرب، وقد وظفه المبدعون فى كل مجالات الفنون، سواء فى الشعر والقصة والمسرحية، وربنا كانت هناك مشابه بين الناقة والجمل والفرس فى الأدب القديم بوصفهم رموزا كبرى على قلق الإنسان وصنع مصيره وتقلبات وجوده وبين القطار المعاصر ناقة العصر الحديث، وما يحمله من هموم إنسانية وسياسية وفكرية وحضارية، ومنذ كتب محمود تيمور قصته القصيرة عن ((القطار)) فى منتصف القرن الماضي والقطارات الفنية تتابع رموزها فى الأدب العربى المعاصر، ولولا ضيق المساحة المتاحة فى هذا البحث لأفضت فى تبين أشكال الرموز والصور لرمز القطار فى الأدب العربى الحديث، ولكن يكفينى أن أحيل القارئ الكريم إلى دراسة كبيرة لى بهذا الصدد عن (( رمزية القطار وبنية التحول الدلالى))(10)



وفى قصة محمد عبدالحليم غنيم السابقة عن ((القطار البطئ)) يستوقفنا هذا الرمز القصصي وما أكثر الرموز فى هذه المجموعة القصصية، ولكن الكاتب يوفق توفيقا بعيدا فى خلق رمزه الفنى فى هذه القصة، وإذا اعتبرنا أن درجة الأصالة الفنية فى خلق الرمز الفنى متوقفة على مجموعة محددات فنية وجدنا الكاتب يستوفى هذه المحددات الفنية القادرة على خلق رمزية القصة ، وقبل أن ندلل على ذلك من خلال البنية السردية نفسها نحب أن نشير إلى بعض المقومات الفنية للرمز الفنى الأصيل.



من المعروف أن الإنسان كائن رمزي، بمعنى أنه يحيا بالرموز، فكل ما في هذا الكون الفسيح رموز تتجلى في المعاني والتواصل والوعي والإدراك، وما من نشاط يتم في كوننا الواسع إلا من خلال الرموز، أياً كان شكلها ونمط تواصلها، فالبدائي كان له رموزه، وأيضاً للحضارة المعاصرة التي نحياها رموزها الخاصة، ولكل نمط من أنماط الفكر رموزه، وحتى في غياب الدلالات اللغوية المتعارف عليها في الاتصال، توجد الرموز غير اللغوية التي يعج بها العالم كله أداة للاتصال والتواصل، وحتى نظريات المعرفة والفلسفة والأدب هي في التحليل الأخير ميراث رمزي، يبدأ بالرمز وينتهي إليه.ودون الدخول في تتبع فلسفة الرمز عبر المدارس الفلسفية والأدبية المختلفة، أو حتى تتبع الفروق بين الرمز، وبين مصطلح العلامة، أكتفي هنا في هذا البحث المحدود الذي لا يسمح بذلك - اكتفي بما له علاقة مباشرة بموضوع هذا البحث، وهو تعريف مصطلح الصورة الرمزية كما تجلت في الخطاب النقدى المعاصر

ونستطيع أن نحدد طبيعة الصورة الرمزية في محددات سبع كما ألمح إلى ذلك الدكتور(نعيم إليافى) فى كتابه عن الصورة الفنية :



1-الأصالة والابتكار: يتميز الرمز الفني بأصالته وجدته وحيوية،وهذا لا يعني أن الرموز القديمة غير جديرة بالأصالة والجدة ،فقد يعمد الشاعر إلى رمز قديم فيحطمه ويعيد صياغته ويهبه الجدة والأصالة.



2- الحرية الكاملة غير المقيدة:يتميز الرمز الفني على عكس جميع الرموز بالحرية الكاملة التي لا يقيدها سوى نسقها.



3- الطبيعة الحسية: ويوصف الرمز بالحسية لأنه معادل ملموس يجسد الإحساس الأصيل.



4- الكيفية التجريدية: إذا كان من شأن كل عمل فني إن لم يبدأ بالتجريد أن يسير إليه فإن الرمز الفني يعبر عن علاقات ذات طابع تجريدي فكري عام.



5- النسقية: الرمز الفني ابن السياق وأبوه معا،ً لا حياة له خارجه، وهذا ما يبعده عن كثير من الألفاظ المفردة المجسمة، التي يحكم عليها من خارج النص،أو تلك التي يحكم عليها من داخله.لأن الإفراد والتداول يقتلانه، الأول يجعله استعارة، والثاني يعرضه للجدب والتدليس.



6- ثنائية الدلالة: حيث يجمع الرمز بين الحقيقي وغير الحقيقي، بين الواقع وغير الواقع ، ويشير إلى دلالتين إحداهما مباشرة، والأخرى غير مباشرة، وإذا كانت إحدى هاتين الدلالتين هي المقصودة، فإن الأخرى لا تبطل بل تظل قائمة إلى جوارها(11)



وعند تأملنا فى الشكل الجمالى لقصة القطار البطئ لمحمد غنيم نلحظ قدرة الشكل الفنى للسرد على التوفيق بين النسقية الرمزية للبناء من جهة، وقدرة الرمز على الحسية والتجريدية والقدرة على الانطلاق التأويلى للدلالة من جهة ثانية، فقد تضافرت مقومات المكان والزمان والحدث والشخصية فى البناء السردي لخلق هذا النسق الرمزى العام الدال على التراجع والنكوص والتلاشى وعدم الجدوى سواء فى السرد الوصفى فى البداية القصصية فى قول الكاتب :



(( كانت العربة مزدحمة والجو حار شديد القيظ لايشجع مباشرة على اختراع الأفكار))



ثم تتنامى هذه البذرة السردية المعبرة عن الزحام والحر الشديد المؤدى إلى الاختناق لتصل إلى وصف البطل بهذه الصفات الدالة على الاختناق أيضا فى قوله:



(( قال الرجل النحيف الممصوص الوجه وهو ينقل نظراته بين الشاب الجالس فوق المقعد يدمن نظراته بين سطور الجريدة والعجوز المتورمة الوجه كادت تختفى عيناها تقف خلفه وكانت تعض أسنانها من الألم: لم يعد عند الناس دين أين الإسلام؟؟))



إن الكاتب هنا يمهد لفكرته ويخلقها عبر تفاصيل حسية عديدة من خلال الواقع المترامي أمامه ممثلا فى العجوز المتورمة والشاب المختنق من الزحام والعربة المزدحمة والحر الشديد القيظ، حتى يصل الكاتب إلى فكرة اليقين المفقود المتمثل فى عدم جدوى الدعاء وسط واقع اجتماعي زائف تنبنى علاقاته اليومية على الزيف والمراءاة والادعاء اليومى، فالشحاذ كاذب مدعى والبطل مدعى فى دعائه العقلانى الذى يأتيه كفكرة نابعة من العقل الواعى الحريص على وضعه المادى ولاينبع الدعاء من حاجة روحية أصيلة تتجرد عن المطالب والأهواء، وتصعد لوجه الله الكريم، فنجاة البطل تتمثل فى مجموعة أفكار تواتيه ودائما ترمى به أفكاره إلى مدارات الوحشة والإحباط، فا لإيمان ليس فكرة بقدر ما هو قدرة على الصفاء والتجرد والفعل الخلاق الموجه من السماء إلى الأرض وليس الموجه من الأرض إلى السماء، ومن هنا ندرك دقة التركيب الشكلى فى تسلسل المشاهد القصصية من عنوان ( الفكرة وكيف واتته )) ثم عنوان (( فكرة فرعية )) الذى يعقبه مباشرة عنوان (( اليقين المفقود)) الذى يأتى طبيعيا فى بنية الشكل السردي بعد أن تحولت حياة البطل إلى مجموعة أفكار نظرية يحاول بها أن يحرك الحياة، والحياة نفسها فى أعماقه البعيدة لاتحرك بالأفكار بقد ما تعاش بالواقع اليومى الحى وعبر تفاصيله الحسية اليومية التى تكون جماع حيويتنا ونشاطنا ووجودنا الحى، ثم يفاجأ الكاتب بعد أن حشر نفسه فى القطار وبدأ يعود إليه تنفسه الطبيعى، بصورة موظف الجوازات تتراءى له من خلال نافذة الخيال والتمنى، وهنا لاندرى هل القطار هنا رمز للغربة داخل الوطن أم رمز لرغبة الارتحال خارج الوطن، أم هو حصار كلى لانستطيع معه أن نسافر إلى ذواتنا الحقة داخل الوطن أو خارجه؟؟



ربما لهذا السبب بدأ الراوى فى النظر من خلال نافذة الشباك، بعد أن دفع التذكرة للكمسارى، لمثل النافذة هنا حيز مكانى زمانى يطلق المكان والزمان من محدوديتهما إلى آفاق غير محدودة، تكون قادرة على تحقيق آمالنا فى سفر الحياة الطويل، لكن الكاتب على لسان بطله:



(( مد بصره من خلال النافذة يتابع الحقول وأعمدة التليفونات: فوجئ بانحسار اللون الأخضر فى الحقول ثم اكتشف أن القطار يسر ببطء شديد.))



إن المتناهى فى الكبر من خلال الأعمدة والحقول واللون الأخضر الممتد، يتحول إلى سجن متناهى فى الصغر من خلال هذه الدوال المكانية المتعددة (( النافذة ـــــــــ الحقول ـــــــــ اللون الأحضرــــــ )) ويحس الكاتب على لسان بطله بأنه كان يسافر فى الفراغ الموحش، وما كان يظنه سفرا إلى الأمام واهما، كان تراجعا إلى الخلف فى الحقيقة، ليصير جواز السفر رمزا للهوية الضائعة، والقطار رمزا للحركة غير المجدية، والمكان الممتد ينحسر يوما بعد يوم، والأجازة الرسمية رمز الحياة الغائبة، كل ذلك يؤول فى النهاية إلى عنوان المشهد القصصي الأخير (( خاتمة حزينة))

الدكتور أيمن إبراهيم تعيلب


الهوامش :


1 . د.محمد عبد الحليم غنيم، رجل وامرأة، سلسلة أصوات معاصرة، دار السلام للطباعة والنشر،2005



2. د. خلدون الشمعة، معنى الشكل فى العمل الأدبى،مجلة المعرفة السورية، ع135، أيار، 1973،ص158





3. د. عادل مصطفى، دلالة الشكل، دراسة فى الاستطيقا الشكلية، وقراءة فى كتاب الفن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2001 ص92،93



4. آيان ريد،القصة القصيرة، ترجمة منى مؤنس، الهيئة العامة للكتاب،ط1،1990،ص22





5. د. عادل مصطفى،دلالة الشكل، قراءة فى الاستطيقا الشكلية ةقراءة فى كتاب الفن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2001،ص15



6. د. يوسف سامى اليوسف، الخيال والحرية، مساهمة فى نظرية الأدب، دار كنعان، سوريا، ط1،2001،ص77





7. فريد الزاهى، الجسد والصورة والمقدس فى الإسلام، ط أفريقيا، الشرق، المغرب، 1999،ص27



8. د. رشيد يحياوى، الشعر العربى الحديث، دراسة فى المنجز النصى، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء،ط1، 1998،ص115



9. هيلد زالوشر، القطار فى الأدب الروسى وسيلة لإثارة الانفعال النفسى، مجلة الكاتب المصرى، ع13 ــ 15، مج 4، ط 1946،ص476



10. للباحث دراسة كبيرة بهذا العنوان تتبع فيها أشكال رموز القطار وبنية التحول الدلالى للقطار من الخطاب الشعرى القديم إلى الخطاب الشعرى العربى المعاصر، وقد تناول الباحث أشكال رمزية القطار وما تنطوى عليه من الدلالات السياسية والاجتماعية والحضارية للبنية الجمالية للنص الشعرى فى الخطاب الشعرى المعاصر، والدراسة مقدمة للنشر للدار الثقافية بالقاهرة.

11. د.نعيم إليافى،تطور الصورة الشعرية فى الشعر العربى الحديث،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق،ط1983،ص281،282
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
أعلى