قصة قصيرة إسماعيل كاداريه - الإمبراطور العجوز

كانت الزيارة الأولى التي يقوم بها الإمبراطور الإيطالي للأرض الألبانية, تلك الأرض لم تطأها قدماه من قبل, وقد ألحقت أخيرًا بإمبراطوريته الواسعة. لقد حدثوه عنها, إنها بلاد ساحرة, جبالها شامخة وأساطيرها عريقة, ورجالها أشداء, فلما شاهدها الإمبراطور أول مرة, تأكد في سره (أن ألبانيا ذات طبيعة ساحرة حقًا), وارتاحت عيناه وهو يسرح نظره من سيارته المكشوفة في امتداد الجبال في الأفق.. فخاطب نفسه:

- من حسن حظنا أن تغدو هذه الأرض تابعة لنا, ومن الأجدر بنا أن نستمتع بأرضنا لا بأرض غيرنا.

تمت الزيارة في الصباح, وكان النسيم يهبّ منعشًا, فالتفت الإمبراطور إلى رئيس وزراء ألبانيا مرافقه, والذي استقبله, وتبادلا بعض الجمل والكلمات الترحيبية, وضحك الإمبراطور, ثم أقَلَّتْهما سيارة مكشوفة انطلقت بين الجماهير المحتشدة, تتقدمها وتتبعها سيارات الحرس. كان أفراد الحرس قساة الملامح, وكانت الريح تعبث بريش خوذهم المتعالية بأبهة وكبرياء, وقد أَلِفَ الإمبراطور لون بزّات جنوده الأخضر, وبريق خوذهم الذي يعكس ظلال الطبيعة كلها بما فيها من جبال وسحب متقطعة.

- (الأرض كلها أصبحت أرضي..) قال الإمبراطور في سره (غير أنني الآن عجوز كهل, لا أتمتع بالرحلات, ولذة كشف المناطق المجهولة), كان الإمبراطور يسرّح بصره بين حين وآخر, متفرسًا في السكان المحليين بأزيائهم القاتمة ورءوسهم المعصوبة بالمناديل وهم يسيرون على جانبي الطريق, فرادى أو جماعات أو وراء خيولهم, فيردد في سره معتزًا:

- هذه هي رعيتي الجديدة..!

ورفع رأسه وهو يستعرض ذرى الجبال السامقة, وأسرّ لرئيس الوزراء هامسًا:

- طفت في دول قصية, وزرت بلدانًا مختلفة, لكني لا أشعر الآن بأي متعة, ربما لأنني طعنت في السن, أو لعل قلة اكتراثي بسبب شيخوختي.

وحاول بذاكرته المجهدة أن يتذكر البلدان التي زارها, كانت أكثر من أن تُحصى أو تبقى في الذاكرة, وقد سئم لكثرة تجواله, فاختلطت عليه الصور حتى بات يتحدث عن بلدان زارها, لكنه في الواقع لم يزرها أبدًا.

تُرى.. هل زار إفريقيا حقًا? هل داست قدمه رمالها المحرقة? وهل مرّ ببلاد الحبشة القصية, التي كانت جزءًا من إمبراطوريته?

إنه يؤكد ذلك بينما هو لم يزرها.

- أهذه الأرض حقًا هي أرضنا?

راوده السؤال لأنه لم يشعر وهو فوقها كأنه فوق تراب بلده:

- يا لهذه الجبال التي تبدو عالية القمم.. يا لهذه الطبيعة الغريبة التي تمنح كلّ أرض ملامح مميزة حتى في وجوه الناس.

وقفزت إلى ذهنه صور بلدان أخرى تابعة له.. منها أجزاء من القارة الإفريقية, ورعيته فيها ذات البشرة السمراء.

وأردف في سره: ما أوسع إمبراطوريتي, لكن كهولتي وعجزي البالغ يحولان بيني وبين التمتع بما أرى, لقد شخت حقًا على ما يبدو.

كانت صور الجسور وشارات الطريق والسحب الراكضة في السماء تنعكس على خوذ حراسه, ثم لاحت طلائع المنازل ومراكز التفتيش, وفي مدخل المدينة ظهر الناس في حشود متزايدة.. فقال الإمبراطور في سره:

- لا بد أنهم خرجوا جميعا لاستقبالي والترحيب بي, فهؤلاء هم شعبي ورعيتي, ليتني كنت شابًا إذن لاستمتعت بما أراه.

وانساق الإمبراطور لخياله وتصوراته التي تكشف عن قلقه وعدم يقينه: هل عشت حقًا في ليالي إفريقية, ربما حدث ذلك أم كان ذلك وهمًا, فالمسألة ليست لها علاقة بالشيخوخة!

ولاحظ الإمبراطور أن موكب السيارات يبطئ في مسيره كلما ازدادت حشود الناس على جانبي الطريق, فانتابه القلق.. وقال في سره:

- لا داعي لتوقع خطر ما, فليست هي المرة الأولى التي أشقّ فيها حشود الجماهير, فلم يقع أي خطر مفاجئ حتى في أيام شبابي, وهذا الشعب هو شعبي.. وأنا اليوم طاعن في السن.

كانت الجموع تتزاحم على جانبي الطريق, وهم يرمون طاقات الزهور على السيارة, والإمبراطور يلوح بيده, وقد نسي قلقه وتأملاته المتعبة, وانتصب واقفًا في سيارته المكشوفة وبجانبه وقف رئيس الوزراء الألباني يبادل الناس التحية, ويشاهد مئات من الحرس الإيطالي بقمصانهم السود, ومفارز من رجال الشرطة الإيطالية يسعون بين الناس.. وكلما تقدم الموكب ازدادت الحشود عددًا, قال الإمبراطور: ألم يكن بالإمكان توسيع هذه الطريق للحيلولة دون اقتراب هذه الحشود من السيارة.

ثم أضاف: ربما كانوا مخلصين لإمبراطورهم, ويرغبون في رؤيته, لكن لا مسوّغ لهم في الاقتراب من السيارة.

وتعالت الهتافات: عاش الإمبراطور.

كان رجال الشرطة الإيطالية بقمصانهم السود موزعين في كل مكان بين الحشود يهتفون, وقد بدوا كبقع قاتمة في جسد جمهور محتشد بألوان متعددة.. وعلّق الإمبراطور الذي بدأ يتفرس في ملامح وجوه الناس القريبة منه.. كانت وجوههم لا تُفصح عن أي شيء..

(الطريق طويلة, ولا أقوى على البقاء واقفًا كل هذه المدة).

والتفت إليه رئيس الوزراء, وهمس في أذنه كلمات وهو يبتسم, لكن الإمبراطور المجهد من الوقوف لم يفهم منها شيئًا بسبب جلبة المشهد, ولم يكن يرغب إلا في قطع الطريق سريعًا ليجلس.

ومضى الموكب حتى كاد يبلغ مركز المدينة, وتضاعف عدد الحشود وشقّ الموكب صفوف التلاميذ, ولم يبق أمامه إلا جمهور من الرجال البالغين, وفوقهم أعلام ترفرف في النسيم المشبع بالرطوبة.

كانت قدما الإمبراطور محاطة بمئات من الأزهار المضمومة, فقال في سره:

- لمّا كان المشهد خاليًا من أي إزعاج حتى الآن, فمن المستبعد أن يحلّ مكروه وأنا في هذه السن, لكن مَنْ يدري ربما كان بين هذه الطاقات قنبلة, وأخذ ينظر بفضول إلى أكوام الأزهار وهي تتنامى حول قدميه.

وفي الجهة اليمنى بدت ثلة من الراهبات يرفعن أيديهن محييات الإمبراطور, فردّ التحية وهو يردد في سره:

- هذه زهرات شعبي حقًا.

وخيّل إليه أنه لم يبلغ بعدُ العمر المرذول من العجز والشيخوخة, وأنه يحتفظ ببعض ما يثير لديه البهجة والفرح لولا تلك الوجوه الجامدة التي تستقبله ولا تفصح عما في أعماقها, وكأنها صحراء قاحلة مجدبة.

وانقطعت سلسلة خواطره فجأة على صيحة امرأة من الجهة اليسرى أعقبها صوت طلقة من مسدس.

- احموني.

صاح الإمبراطور, وما إن أتمّ استغاثته حتى تبعت الطلقة طلقتان متواليتان, وارتفعت صيحات الجماهير, وتوقفت السيارات, ووثب الحرس نحو الحشد, وهم يشهرون خناجرهم البراقة تحت أشعة الشمس, وطوّق حشد آخر من الحرس سيارة الإمبراطور مشكلين جدارًا من صدورهم.

- ستبدأ المجزرة الآن.

هكذا خُيّل للإمبراطور وأردف: لكنني مازلت على قيد الحياة ومازلت الإمبراطور.

وفي ساحة المدينة, توقف موكب السيارات الفخمة, وسيارات الحرس, وترجّل الإمبراطور ووراءه حاشيته من الإيطاليين بملابسهم السود وقد أحاط به حرّاسه من كل اتجاه.

- هذا هو المعتدي.

قالوا للإمبراطور وهم يشيرون إلى مشنقة, فرفع الإمبراطور بصره ونظر بعينيه المكدودتين إلى الجسد المعلّق بحبل المشنقة, وقد لفّ بكفن أبيض, وكأنه شبح تهزه الرياح الرطبة, وتمعن الإمبراطور في وجه الرجل فبدا له شابًا في ريعان عمره, وسأل عنه فقيل له: هو في السابعة عشرة, ظل الجسد يترجح في الفضاء كأنه رقّاص ساعة يعدّ سني عمره.

وقال وزير الداخلية للإمبراطور: كان مسدسه يا سيدي مخفيًا في طاقة زهر, كما تختفي الذبابة بين الأزهار, ولذلك صعب علينا العثور عليه.

ارتعدت فرائص الإمبراطور وقال: على المرء أن يحترس حتى من الأزهار.

ورفع الإمبراطور نظره المتعب إلى الجسد المعلّق, واستعرض رجال حاشيته الصامتين بملابسهم السود, ومن ورائه كانت السحب الرمادية تجري في السماء.

في تلك اللحظة خيّل للإمبراطور أنّ الفتي اليافع المعلّق, يعدّ سنوات عمره التي لا تنتهي.



إسماعيل كاداريه
 
أعلى