نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

سعد محمد رحيم - الكتب الحية

'في الكتاب' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,675
    2,541
    نقرأ كتاباً ما فنشعر بين صفحاته بنبض الحياة وحرارتها وطاقتها.. وإذا كان الكتاب، بهذا التوصيف، رواية فإن شخصياتها، أو شخصية واحدة فيها، في الأقل، توحي لنا بأنها حيّة، مجبولة من اللحم والدم والمشاعر والأفكار. وأحياناً تغدو مثل هذه الشخصيات أكثر حضوراً وواقعية

    من شخصيات متهافتة وشاحبة موجودة في الواقع والتاريخ. وسأشير في هذا السياق إلى شخصية زوربا في رواية نيكوس كازانتزاكي الشهيرة بالاسم نفسه. بالمقابل هناك أشخاص في الواقع، لشدة ثراء أرواحها وحكمتها المستنبطة من سعة وتشعب تجاربها في العالم تغدو كتباً حيّة، تعلق في الذاكرة، وتؤثر بعمق ووضوح في الآخرين. وقد كان زوربا نفسه كتاباً حيّاً في تجربة الراوي الرئيس في رواية كازانتزاكي. كما كان شفارتس في رواية (ليلة لشبونة) لأريك ماريا ريماك، وهو يحكي للراوي الأول عن جوانب من سيرته، كتاباً حيّاً هو الآخر. والأمثلة بهذا الصدد لا تعد ولا تُحصى. لكن ما أقصده بالكتاب الحي في هذا المقام ليس الشخصيات الروائية، بل الواقعية التي تعيش بيننا وقد عجنتها التجارب الكبيرة وصقلتها، حتى وإن لم تتوفر على قدر كبير من التعليم والثقافة المكتسبة من طريق القراءة. أو أنها بطبيعتها الفريدة التي تُترجم في صفات وممارسات سلوكية مذهلة تتجاوز الحدود الاعتيادية والتقليدية لوجودنا ونمط عيشنا وتفكيرنا. فشخصيات كهذه يمكن أن نقرأها بعدِّها كتباً نستمد منها الحكمة الطازجة، ومعرفة بالحياة، ومتعة المعاشرة الإنسانية، وذلك بإطلالتنا على تواريخها وما تحمل وتسرد من حكايات مثيرة وغريبة، ذات مغزى عميق. أما اصطلاح (الكتب الحيّة) بهذه الدلالة فقد أخذتها من هنري ميللر في كتابه (الكتب في حياتي). فميللر يفرد فصلاً بالعنوان الذي استعرته (الكتب الحيّة) لينقل لنا قصص صداقات، لم تدم طويلاً، لكنها لا تنسى أبداً، مع أشخاص أثّروا في حياته، ومن ثم في إبداعه، أفضل وأعمق مما فعلت الكتب.
    يتحدث ميللر عن شخصية رجل اسمه (لو جاكوبس) تعرف عليه في فترة من حياته. وجاكوبس هذا لم يكن له أصدقاء مقربون، ولم يكن يفصح بالكلام عن نفسه، لكنه جسّد شخصية اللامنتمي بمرحه ولامبالاته اللامعة حيث كان يخفي تحتهما كما اكتشف ميللر "أثراً من جانبه الرصين والمأساوي". كانا يلعبان الشطرنج معاً.. كان جاكوبس يتسلى وهو يلعب ومن غير أن تهمه مسألة الربح والخسارة، لكنه كان يفوز دائماً.. يقول ميللر "لم أتمكن من الوصول إلى أية نتيجة حول معرفته باللعبة. وهزيمتي معه كانت بسبب لامبالاته الصرف... كان يلعب الشطرنج كما يلعب لعبة الحياة". كان جاكوبس يعيش حياته بصدق، بلا جديّة زائفة أو ادّعاء أو خداع، ومن غير احتقار للآخرين؛ "كان اللامنتمي المثالي، الأحمق الراضي، المعلِّم البارع، المعزّي العظيم، المجهول الغامض، ولم يكن أياً من هؤلاء وحده بل كلهم جميعاً. المجد للروح المضيئة! كم كنت كتاب حياة رائع".
    يستذكر ميللر بعد جاكوبس شخصية أخرى، يُمثِّل كتاب حي آخر، وهذه المرة معروفة هي المؤلف والأكاديمي جون كوبر بويس. وسبق لميللر أن قرأ بنهم مؤلفات بويس الملقّب ببريستر جون وحضر محاضراته قبل أن يكتب له رسالة متأخرة.. يقول: "رسالة كان ينبغي أن اكتبها قبل عشرين عاماً على الأقل. ولو أني فعلت لأصبحت رجلاً أشد ثراءً مما أنا عليه اليوم. ذلك أن الحصول على رسالة من بريستر جون حدث لا يتكرر في حياة المرء". فبريستر جون سحر ميللر، فبدا الأخير كما لو أنه يستعيد شبابه بتواصله مع كاتبه المفضّل.. يؤكد: "لقد كان بالنسبة لي مهبط وحي".
    وعلى الرغم من أن وبستر جون كان يبخس من قدر نفسه وينتقص منها بتعبيرات من قبيل؛ الأحمق والمهرّج، والجبان، والمنحل، والكائن الأدنى من الإنسان، لكن هذا لم يُفقده مكانته، من وجهة نظر ميللر، الذي رأى في صاحبه "إنساناً صقيلاً، يضيء كل ما يلمس، ودائماً يصله بالنار المركزية التي تغذّي كوننا نفسه. لقد كان مؤولاً (أو شاعراً) بأرقى معنى الكلمة".
    حين ينقّب أيّ منّا في أغوار ذاكرته فإنه لابد من أن يستحضر صفحات من حياته قابل خلالها أشخاصاً عديدين كان تأثير بعضهم فيه عظيماً. وهؤلاء هم الذين يشكِّلون الكتب الحيّة التي علّمته وألهمته وأنارت له طرقه في عتمات الحياة.
    يقول ميللر: "ومقابلة رجل يمكن ان نُطلق عليه لقب كتاب حياة معناه أن نصل إلى منبع الخليقة ذاته. إنه يجعلنا شهداء على النار الملتهمة التي تظطرم في أرجاء الكون كله ولا تمدّنا فقط بالدفء والضوء، بل ببصيرة دائمة، وقوة دائمة، وشجاعة دائمة".



    خير جليس.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..