1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

قصة ايروتيكية عبد الحميد البرنس - غناء على "سرير الغريبة"

'قصص ايروتيكية' | نقوس المهدي.

  1. تجاوزا ميدان طلعت حرب للتو، عندما أخذت تُخايله مشاهد رفقتهما، هي وجمال جعفر، أسفل أشجار البونسوانا، عند بدايات ذلك الغروب البعيد، حيث تبدل ليلتها (يا حامد عثمان) مسار حياة كاملة، ولم تعد فتاة أحلامك، بكلمة واحدة: "عذراء". وقتها، بدت لعينيك، وأنت تقف في المحطة قبالة عمارات الميريلاند منتظرا وصول الأتوبيس كي يقلّك إلى ميدان الألف مسكن، ومن كل ذلك البعد، كما لو أنّها تغني من عذوبة الحبّ بمشيتها، بينما تسير الآن، إلى جوارك، أنت "آكل فضلات الرجال لاحقا ولا بد"، محاطة تماما، بالنميمة وسوء السمعة وأشباح غدر "الرفيق". عذّبته هذه الخواطر، في ظلّ صمتٍ كثيفٍ بدا مباغتا، واستمرتْ في مناوشته، حتى كاد، عند عبورهما، من أمام واجهة حلويات "الصمدي"، أن يُفسد بهاء اللحظة التي حلم بها طويلا، ويقع هكذا، دفعة واحدة، فريسة سائغة لأرق "الذكريات السيئة"، لو لا أن علا صوتها هي، عند مطلع شارع عبد الخالق ثروت، قائلة:
    "أحقا!! لا تدري أين هو النادي اليوناني بشارع عماد الدين، يا حامد"؟
    بدأ نهدها الأيسر يلامسه.
    يبتعد. يتوارى للحظة بين زحام المارة. يعود. وإذ يستقر ثانية بنعومة دفئه الخاطف. يفر فيعود ليفر مجددا. وكان هو ينسى في كل مرة ما كان للتو بصدد قوله لها. لقد كان الأمر لحظة أن يتأمّله حامد عثمان نفسه لاحقا أشبه بالعلامات التي تسبق اندلاع الحرائق الكبرى. الذكريات السيئة لم تعد تعاوده طوال ما تبقى من طريق. وحتى عبرا بوابة النادي اليوناني الأثرية داخلين معا. أما مها الخاتم، فقد بدا لها جليّا، في الأثناء، هي الأنثى المجرّبة، أنّ لمسة النهد قادرة وحدها، كسلاحٍ خفيف، على أن تزلزل عرش ثبات رفيقها الجديد وتربكه، على هشاشته الصبيانيّة البادية.
    هناك، داخل النادي اليوناني، وهو يتبعها هذه المرة كطفل، اختارا مائدة، في ركن قصي، من تعريشة صيفية ملحقة بالنادي، تطل على سوق تجارية مغلقة وشارع جانبي معتم صغير. بدا أغلب أولئك الرواد الجالسين حول الموائد الكثيرة المتقاربة "أجانب"، من غير الناطقين بالضاد، من شرقي أوروبا، أو غربي الأطلسي غالبا. "حتى وقت قريب ظللت محروما، من ضرورات الحياة، فكيف لي أن أعرف مكانا، بمثل هذه الفخامة، يا مها؟" كانت هي تبدو منذ أن جلسا إذا أمعنا النظر مضطربة خلف مظهر الثقة المرح. وكان هو الذي اختار أن يلعب دور التابع في أعقاب فشل محاولته تلك داخل المكتب لتقبيلها، قد قرر في نفسه حتى النهاية ألا يسألها عن سرّ ذلك المزاج المضطرب، سريع التبدل، ما بين قطبي الثلج والنار، ناهيك عن سرّ تغيبها المستمر، طيلة أسابيع ممتدة، عن اجتماعات الخليّة. ولم يكن يدري بعد أين مسار وجهتها التالية. إلى أن رفعت إليه وجهها ذاك، قائلة:
    "هل جرحتك بصدودي الأخرق هناك، داخل المكتب، يا حامد"؟!
    بدا لحامد عثمان لوهلة كما لو أنّ مها الخاتم تقرأ أفكاره، فقال "المهم"، كناية عن تجاوزه بالفعل لما حدث هناك. بعد صمت قصير بدا بدوره مباغتا:
    "أنا جدُّ سعيد بكِ الآن، يا مها".
    أما هي فاكتفتْ فقط بالابتسامة.
    كما قد رغب هو إذ ذاك وبشدة:
    لم يتوقف، إرباكها له تاليا، بعدُ:
    لو تعلم أنّك أقرب إنسان لي هنا
    بدأ في تقدير أبعاد جملتها الأخيرة، داخل نفسه، من دون أن يفقد خيط الاتصال الخارجي بها، بينما تكاد تلتهمه بعينيها، وهي جالسة قبالته هناك، على الجانب الآخر من المنضدة، كأنثى السبع.
    كان يود التعرف فقط، على ملامح خطوته هو التالية، بهدوء، أو لا تسرع. حتى هنا، لم تمهله هي طويلا، إذ انطلقتْ بغتة في الضحك، فاختلط الأمر عليه، في لحظة صدق، وشعر بكيانه وهو يرتفع ويطوف حول مركزها، من دون قدرة على الابتعاد عنها، أو الدنو منها قيد أنملة، ولم يعد داخله وخارجه بعدُ إلاها. وكانت مها الخاتم التي أخذت تشعر بالخفة المرحة بعد فترة ممتدة من التعاسة قد جاءت، والليلة الرمضانية لا تزال طفلة تحبو، على منتصف زجاجة البيرة السادسة. ثم.. "بالمناسبة، يا حامد، أنا معجبة جدا بفكرة دفن الموتى تلك"!
    هزّ هو رأسه كالمتفهم.
    وقد أخذ تاليا كما لو أنّه يهيئ لها الطريق لاستئناف مغامرة أخرى، يقول: "المرء لا يتطلع نحو مستقبل دون تصفية لحساباتِ الماضي العالقة". قالت وهي تقلب وقّادة السجائر الفضيّة اللامعة بين أنامل يدها اليسرى: "كان عليَّ مبكرا حفر قبر لدفن مَن تسبب في تعاستي". وكان حامد عثمان، صاحب الفكرة، قد أخبرها، وهو ينصب شراكه حولها، عن أهمية حفر القبور المجازية، في اعقاب كل تجربة معاكسة، على اعتبار أن الأمر سيكون بمثابة الحماقة، إذا ما وسمت التجربة راهن الحياة ومستقبلها فلنقل بالمرارة. لقد كان واضحا من نطق جملتها، والتي تشي رأسا بندم لتأخرها في حفر قبر لجثّةٍ لا تني تسمم الحياة من حولها بالعفن، أنها كانت تعني بالميت ذاك جمال جعفر "اللعين". إلا أن حامد عثمان وقد فهم مراميها بذلك الوضوح فلم يشأ التوقف بقدر الإمكان عند سيرة "الوغد".
    ثم، أو عند مطلع الزجاجة الثامنة تقريبا، قالت:
    "جثّة ذلك الحبّ سممت الهواء حقا من حولي".
    بدأتْ تبوح له للمرة الأولى عما حدث لها "معه".
    بعد نحو الدقيقة، بدا كما لو أن موجات الجذب الصادرة عن كليهما تصطرع فوق أثير المائدة الصيفي. وقد أضفتْ اللغة الإنجليزية التي أخذا يتحدثان بها منذ البداية أجنحة ملائمة للتحليق خاصّة فوق تلك المناطق الكأداء. لكنّ صمتا بدأ يخيم نشازا على غير توقع. "إنها تضع على القبر شاهدا الآن"، قال حامد في نفسه. وأشعل لها سيجارة. لا بد من رفدها إذن بالمعاول وآليات الحفر اللازمة. أخذتْ السيجارة في صمت. ثم أطرقتْ رانيّة إلى أسفل المائدة. "إنها تجفف الآن العرق الذي يعقب الحفر والدفن وتستحم لملاقاة الحياة". وقد بدا وجهها عبر رشفات البيرة وخلل الدخان المتصاعد صوب تبدده غارقا في طمأنينة لم يعهدها حامد عثمان منذ أن رآها وهي تعبر بوابة مكتب الأمم المتحدة في ذلك الصباح البعيد لأول مرة. فجأة، أحسّ بيدها، وهي تتسلل إلى باطن كفه اليمنى. بدت باردة معروقة، مرتجفة، باردة، ملتاعة، كعصفورة تتحسس عشا لاح آمنا. "يا حامد، لا أريد أن أجرح مشاعرك". كما لو أن صوتها يتناهى من قاع سحيق غير مطروق بالمرة للهوان. "أجلس في صحبتك الآن. ينتابني شعور أنني صرت إلى حجر. أحيانا أتصورني مثل ورقة منزوعة من كتاب الحياة. تدوسها أقدام المارة وتدفعها الريح". كاد الدمع أن يطفر من داخل عينيها الغائمتين، لحظة أن قاطعها ممسكا بيدها المرتخية على مفرش المائدة الأحمر، واقترب منها برأسه وعيناه مثبتتان جيدا داخل عينيها قائلا بصوت أدهشته هو نفسه بدءا نبرة صدقه: "يشرفني يا مها أن تكوني أمّا لأولادي". هزَّتْ رأسها بشدة يمنة ثم يسرة. ولا يدري هو إن كان ما ارتسم على مُحيّاها إذ ذاك علامة امتنان أم شارة مرارة. الشيء الوحيد الذي كان واثقا منذ البداية منه أن مها الخاتم بدأت السير على طريق الانحدار ليلة أن أسلمتْ جمال جعفر غشاء بكارتها ومن غير المؤكد بعد متى أو مع مَن ستلامس بأقدامها أخيرا قاع تلك الهاوية الفاغرة للجنون أو الضياع.
    حدث بعد ذلك أمر عجيب.
    كل شيء أخذ يتم في صمت وتواطؤ وسرعة غريبة.
    لم يتبادلان كلمة واحدة داخل عربة الأجرة الصغيرة السوداء.
    كانت أولى ساعات بعد منتصف الليل. التواطؤ والصمت سيدا الموقف. لامسها متحسسا. هذه المرة، بدت يدها دافئة لدنة حُلوة الملمس. لا زجر هناك.
    كانا يجلسان، والاحساس بالانتماء المتبادل ثالثهما، على المقاعد الخلفية، هكذا متلاصقين، وكل منهما ينظر في اتجاه نافذة مختلفة، وجسدها خاصّة لا يكاد يتوقف عن بث إشاراته الصامتة، في عذوبة وحياةٍ نابضة بالوعود الحلوة اللذيذة حد إسالة اللعاب وجفافه في آن. القاهرة في تلك الساعة "يا شكر الأقرع" تفتح ذراعيها للأحلام والشعراء وأبناء المجون والسبيل والقائمين الليل، إلا قليلا. كانت رقيقة طيبة متسامحة في غفوتها الليلية. غابتها الإسمنتية تتنفس برغم الكثافة والتزاحم كتفا حجريا لكتف. كما أشجار الكافور المتقاربة في حقول شرقي الدلتا. ظلّا على تلك الحال من السكينة، إلى أن هبطا، من العربة، في شارع جانبي تلتقي فروع أشجاره السامقة بسوقها المتقابلة على جانبيه، عند المنتصف هناك في الأعلى، حاجبة رؤية السماء البعيدة الداكنة. وقد تركتْ له يدها اليمنى أخيرا. بدأتْ ذراعه اليسرى تمارس فنون الغوص أعمق فأعمق، داخل دفء صدرها الرحب المكتنز المتاح. زحام المارة ذكرى. صدى. صوت العربة آخذ تاليا في الابتعاد شيئا بعد شيء. لا صوت آخر بقي ليعلو في الجوار. النّاس العابرون الموتى من بعد حينٍ قد يطول أو يقصر الأرجح نياما. أما هذا الذي لا يكاد يُسمع، فمسحوق صوت الحبّ المسترق، آخر الليل.
    صعدا إلى شقتها في الطابق الرابع. فعلا ذلك بهدوء تام وحذر بدا "غريزيا خالصا". مع أن الأغنياء في هذه الضاحية من القاهرة لا يهابون القوانين، "يا شكر". إنهم يصنعونها. درجة فدرجة، واصلا معا صعود السلّم. كما لو أنّ الدرجات الحجرية المتعاقبة بمثابة طريق صاعد إلى ما لا بد له أن يتمّ. أو كما لو أن أحدهما يخشى ضياع الآخر من سُكر. همستْ عند عطفة الطابق الثالث، في أذنه والعبق مُسكر على سُكر، قائلة: "هذه البناية معظم سكانها أجانب". وهي تفتح باب الشقة، ويدها تواصل ارتعاشها، رمته بنظرة بدا صبرها نافدا، ثم ابتسمتْ. كما لو أن المواقف كلها جرى التدرب عليها في الخيال طوال حياة كاملة. أغلق هو الباب وراءه. بدا في تصرفاته عاديا غارقا كما أوحى السكر في دور، قد يتلاءم ودور أي زوج "شرعي" آخر، وهو يسير "وضح النهار"، وإن شئتَ فقل العلن، في أعقاب زوجته. لم يكن ثمة من خوف. لا ارتياع هناك. هذا هو وجه القاهرة الرؤوم، "يا شكر"، وجه صلاح عبد الصبور، وسيد درويش، وسعاد حسني، ونجيب محفوظ، وإبراهيم أصلان، وأمل دنقل، وأروى صالح.
    لما استدار، كاد رأسه يصطدم برأسها، وهي تسأله من كل ذلك القرب إن كان أغلق الباب جيّدا. قال "بالتأكيد". ثم رآها لدهشته تبتعد متقدمة ببطء، وقد شرعت، مع كل خطوة، في التخفيف، عبر الطرقة الطويلة الممتدة، تنضّ ملابسها، وقد عادت ثوريتها المثلمة تطل برأسها، بما بدا جرأة ولا أروع، بينما تواصل السير صوب الحمام، كما لو أنّ أجنحة خفية ترف، من على كتفيها، فتحلق ولا تكاد تمشي. كان لا يزال يتبعها بخطى بدا بالفعل كما لو أنّها تعرف طريقها جيدا، أو كما لو أنها لم تكن أول مرة يدخل فيها إلى شقتها. التواطؤ لا يزال سيد الموقف. كذلك شريكه الصمت الذي لم تخف كثافته حتى حين يعلو صوتها أو صوته في الهمس درجة. إلى أن اقترب هو، الذي تجاهل أوامرها له بالانتظار في الصّالة، كي يساعدها، على خلع حمالة صدر حمراء. كانت مشبعة بأريج مسكر عبِق لم تفسده ساعات النهار. وكان أخرق. فتجاوزت هي ارتباكه وتولت المهمة. أو كما ينتفض القطّ خارجا برأسه من الماء، اندلق نهداها، وتلك مواقع للجسد لا تراها الشمس عادة. مر وقت شعر خلاله هو كما لو أن الوجود برمته لا وجود له هناك. وقد ظلّ كعهده يرتعش مأخوذا كالمحموم، غير بعيد يرقب عريها كما يرقب كافر ألسنة الجحيم وهو لا محالة هالك، إلى أن انحنتْ هي أخيرا، كي تضبط توازن الماء الباردة والحارة. إذ ذاك، إذ ذاك فقط، أمكنه رؤية شيئها بصفاء ووضوح مذهلين، لأول مرة، وهو يطل عبر زاوية خلفية ولَّدت في مسامه اهتزازا أشبه ما يكون برعشةِ السهل أصابه زلزال، وقد بدا خاليا تماما من شعر. "أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء"، أخذ يردد أخيرا في سره.
    عيناه جاحظتان.
    وأنفاسه مبهورة..
    شيئا فشيئا، أخذتْ أدران النهار، آثار العرق، بقايا الشمس المدبوغة على الجلد وغيرها؛ تتحلل وتتساقط وتذوب، ثم تنجرف بعيدا، مع رغوة الصابون، صوب مستقر لها، عميقا أسفل سطح الأرض.
    أخيرا، وقد توقف خرير الدش، اقترب منها، بما تبقى له، لا من إرادة، بل من قدرة الجبال الراسيات نفسها، على التحمّل والانتظار. أو كما لو أن القدر الرحيم ظلّ يعده طوال سنوات للقيام بتلك المهمة، شرع في تجفيفها، ببطء بدا مبالغا فيه، بينما كانت هي تضع عينيها هناك، على مكان ما بعيد من الحائط.
    في جحيم الصمت المطبق المستعر ذاك، كانا يتبادلان فحسب الإنصات، بما يشبه الأرجح التواطؤ، إلى فحيح أنفاسهما المحمومة المختلطة، تماما كما لو أنّها تيارات متعارضة داخل بركان نشط. إلى أن أمسك هو بيدها، والمنشفة المبتلة على كتفه، كي يساعدها في ضبط توازنها، ولم تقاومه، عهدها طوال تواجدهما، داخل الحمّام. لما جذبت قدمها الأخرى من داخل الحوض، دفعته هي في صدره أخيرا بمرح، ثم ولّتْ هاربة في عريها صوب غرفة النوم، ولم تلتفت، في الأثناء. بدأ يستحم حالا وباب الحمّام مشرع. ثم مضتْ دقائق أخرى أعقبت فرارها واستحمامه، بدا خلالها هو كما لو أنّه قد تجمد، وهو يهيئ نفسه، على بعد خطوة، للقاء الأنثى، لأول مرة في حياته، وكاد أن يبكي. هو نفسه. ملك العادة السرية على وشك التقاعد. وذلك عرش لا مجد له ولا تاج. كان قلبه لا يزال ينتفض بشدة. روحه شارفت الحلقوم مرة وأكثر. والمرآة أعلى حوض الغسيل مغطاة بالبخار. وجهه كالدهمة مموّهة الملامح. "الساعة أزيل عذريتي (يا شكر الأقرع) مثلما يزيل جرّاح شيئا زائدا عن جسد". كانت الإضاءة داخل غرفة النوم خافتة تصدر عن أباجورة لها هيئة الشمعة الصغيرة عند أحد أركان الغرفة. وقد وجدها حامد عثمان، فور أن دفع الباب الموارب، في انتظاره، وهي تستلقي هناك، على ظهرها، مستعدة تماما للإبحار، في صحبته. ساقاها منفرجتان. رأسها على المخدة ساقطة صوب الحائط. بدا شعرها الذي استطال خلال أشهر قليلة ملموما إلى أعلى. كانت تبكي بلا صوت، أو تئن من وطأة ألم أو الأرجح تجأر بلذة، ودموعه هو، الساخنة المتسارعة، لا تكاد تكفّ عن التساقط هناك، أعلى نهديها، قطرة فقطرة. إلى أن عنّ له فجأة أن يصدح بالغناء ففعل.







    01.jpg
     
  2. مها الخاتم
    عبد الحميد البرنس


    كانت تشير إلى حوالي الثامنة مساء. الهواء في الخارج ميت. شاحب تماما في قتامته تلك. أو عالق في الفضاء. للدقة بدا "مثل معطف على مشجب". ولنقل: "عسير وشاق، تنفسه". أي "خانق". وقد شعرا به كذلك، أو ربما أكثر من غيرهما، لأنّهما خرجا، من مكتب حامد عثمان المكيف، في أحد مباني الجامعة الأمريكية، منذ بضع دقائق.
    وهما متجاوران، وحتى تقدما قليلا، في شارع محمد محمود، باتجاه ميدان التحرير القريب، لم يتوقع حامد عثمان، بأي قدر كان، أن ينتهي به المطاف، بعد مرور ساعات قليلة فقط، إلى ما وراء باب السعادة "المفقود". إلا أن مها الخاتم، عهدها داخل مكتبه، لا تزال تسير ملتفة، بذلك الصمت الكثيف الغامض نفسه، والذي أعقب محاولة تقبيله الأولى لها، وقد صدته، في الحال، بل بدت له، فجأة، مثل جسد خال، تماما، من حياة، على الرغم مما أبدت من مهارة، لا تنقصها الحيوية، في صنع حائط صد منيع وحاسم، حال دون حامد عثمان ونيلها، كما قرر هو مبادرا، بل واشتهى منذ أن رآها أول مرة، في باحة مكتب الأمم المتحدة، ولسنوات تالية، حد أن ارتسم على عينيه حزن خفيف أشبه بظلال غيمة صيف عابرة، وهو يدنو بوجهه منها. لم يعد يحتمل أكثر. بعدها، ولا يدري كيف تمّ ذلك، وجد حامد عثمان نفسه، وهو يتراجع، ويعود جالسا، وراء المكتب، وشاعرا كما لو أنّه طرق للتو، على باب غريب. وكان لا يزال يلف حامد عثمان في آن ذلك الشعور المتفاقم بالحرج والخذلان، عندما رفعتْ مها الخاتم رأسها، بما بدا عذوبة مباغتة، وقالت:
    "أرغب في السهر معك الليلة، يا حامد".
    فكر حامد عثمان على خلفية تجربة سماعية أن الأمر إذن لم يكن رفضا أو ممانعة بل جزءا من عملية تحديد أدوار يقوم بها خبث أنثوي حميد طابعه الدلال تنطوي عليه لعبة الغرام الخالدة ولا بد. ومع أنّ حامد عثمان أدرك هكذا مبكرا أن عليه أن يبتعد عن دفة القيادة، وعلى الرغم من هبوب نسمة تلك العذوبة المباغتة تاليا، والتي خففت من شعوره الذاتي المطرد أنّه أفسد خططه وجهوده بتسرع لعين أخرق، لم يبدُ على وجهها هي، حتى بعد أن ألقتْ تلك الدعوة بالسهر "معا"، ما ينبئ أبدا أن طريق الوصول، إلى ما بين فخذيها، ليست بمثل ذلك الطول أو العناء المتخيل. زاد من معاناته وارتباكه وتعقد حيرته، عندما رآها بعدها، وهي تخرج من شنطة يدها أدوات للزينة بينها مرآة صغيرة، فأعطاها حامد عثمان ظهره، وهو يتوقف قبالة حمالة كتب خشبية صغيرة عند الركن القصي من مكتبه، حيث بدأ يتأمّل شاردا، في أحد أجزاء موسوعة حنّا بطاطو، عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، من دون تركيز. ثم وهو يسمعها تدندن اخيرا، اطمأنت نفسه نوعا ما، فأخذ يفكر وقد استحضر هويته كمساعد باحث بالجامعة الأمريكية، قائلا في نفسه:
    "ليس بالوسع التنبؤ قطُّ بما ستكون عليه الخطوة التالية للأنثى".
    تجاوزا ميدان التحرير، أخيرا.
    وكانا لا يزالان يواصلان السير بتمهل، عبر شارع طلعت حرب، في اتجاه ميدان طلعت حرب، لحظة أن أخذت تخايله مشاهد رفقتها تلك لجمال جعفر، أسفل أشجار البونسوانا، عند ذلك الغروب الموغل، في البعد والنسيان، ولما واصل حامد عثمان التذكر هكذا، لاعنا أيام فقره المدقع وقتها، سألته مها الخاتم، بتلك الدهشة، عند مطلع شارع عبد الخالق ثروت، قائلة: "أحقا، لا تعرف أين هو النادي اليوناني، بشارع عماد الدين، يا حامد". ظلّ نهدها الأيسر يلامسه خطفا في أثناء الطريق. يبتعد قليلا بين زحام المارة ويعود. كان ينسى في كل مرة ما كان للتو بصدده. كان أمرا أشبه بالبشائر الأولى لميلاد الحرائق الكبرى. أو هكذا بدأت آماله تكبر. ثم أخذتْ مها الخاتم تضحك بعذوبة لما بدا لها يقينا أنّ حامد عثمان "يرتبك". هناك، وهو يتبعها كطفل، اختارا مائدة، في ركن قصي، من تعريشة صيفية ملحقة بالنادي، تطل على سوق تجارية مغلقة وشارع جانبي معتم صغير. وبدا أن أغلب أولئك الجالسين حول الموائد القليلة المتقاربة "أجانب"، من غير الناطقين بالضاد. قال: "حتى وقت قريب ظللت محروما، من ضرورات الحياة، فكيف لي أن أعرف مكانا، بمثل هذه الفخامة، يا مها؟". إلا أنّها كانت تبدو ومنذ أن جلسا مضطربة خلف غلالة الثقة البادية تلك. فلم يشأ أن يسألها عن سرّ ذلك المزاج المضطرب، سريع التبدل، ما بين قطبي الثلج والنار، ناهيك عن سرّ تغيبها المستمر، طيلة أسابيع ممتدة، عن اجتماعات الخليّة. إلى أن رفعت إليه وجهها، قائلة:
    "هل جرحتك بصدودي داخل المكتب"؟
    "المهم"، قال حامد عثمان.
    وبعد برهة من صمت بدا كثيفا:
    "أنا سعيد بكِ الآن، يا مها".
    ابتسمتْ.
    ولم يتوقف ارباكها له بعد:
    "هل تعلم أنّك أقرب إنسان لي في هذه المدينة".
    لحظة أن حاول خطفا في ميزان نفسه تقدير أبعاد جملتها الأخيرة، ربما حتى يتعرف على ملامح خطوته هو التالية، انطلقتْ مها الخاتم بغتة في الضحك، وكانت مها الخاتم التي أخذت تشعر بعد فترة ممتدة من التعاسة بالخفة قد جاءت، والليلة لا تزال مثل طفلة تحبو، على منتصف زجاجة البيرة السادسة.
    "بالمناسبة، يا حامد، أنا معجبة بفكرة دفن الموتى تلك".
    هز حامد عثمان رأسه كالمتفهم.
    وأخذ تاليا كما لو أنّه يهيئ لها الطريق لاستئناف مغامرة أخرى، قائلا:
    "المرء لا يتطلع نحو المستقبل دون تصفية حسابات الماضي العالقة".
    ثم قالت مها الخاتم وهي تقلب وقّادة السجائر بين أنامل يدها اليسرى:
    "كان عليَّ حفر ذلك القبر لدفن مَن تسبب في تعاستي وندمي مبكرا".
    كان حامد عثمان، صاحب الفكرة، قد أخبرها، وهو ينصب شراكه حولها، عن أهمية حفر القبور المجازية تلك، بعد كل تجربة معاكسة، على اعتبار أن الأمر سيكون بمثابة حماقة، إذا ما وسمت التجربة راهن الحياة ومستقبلها بالمرارة، "يا مها الخاتم". وكان واضحا من جملة مها الخاتم تلك، والتي تشي بندم لتأخرها في حفر قبر لجثة لا تني تسمم الحياة من حولها بالعفن، أنها كانت تعني بالميت ذاك جمال جعفر ولا بد. إلا أن حامد عثمان وقد فهم مراميها بذلك الوضوح لم يشأ التوقف بقدر الإمكان عند سيرة "الوغد". هناك، عند مطلع الزجاجة الثامنة تقريبا، قالت:
    "جثّة ذلك الحبّ سممت الهواء بالفعل من حولي".
    وبدأتْ تحدثه عما حدث بينها وبين جمال جعفر.
    بعد ذلك بدا كما لو أن موجات الجذب الصادرة عن كليهما تصطرع فوق أثير المائدة الصيفي. وقد أضفتْ اللغة الإنجليزية التي أخذا يتحدثان بها منذ البداية أجنحة ملائمة للتحليق فوق تلك المناطق الكأداء. لكنّ صمتا بدأ يخيم نشازا على غير توقع. "إنها تضع على القبر شاهدا الآن"، قال حامد عثمان في نفسه. وأشعل لها سيجارة. لا بد من رفدها إذن بالمعاول وآليات الحفر اللازمة. أخذتْ السيجارة في صمت رانيّة إلى أسفل المائدة. "إنها تجفف الآن العرق الذي يعقب الحفر والدفن وتستحم لملاقاة الحياة". وقد بدا وجهها عبر رشفات البيرة وخلل الدخان المتصاعد صوب تبدده غارقا في طمأنينة لم يعهدها حامد عثمان منذ أن رآها وهي تعبر بوابة مكتب الأمم المتحدة في ذلك الصباح البعيد لأول مرة. فجأة، أحسّ حامد عثمان بيدها، وهي تتسلل إلى باطن كفه اليمنى. بدت باردة معروقة، مرتجفة، باردة، ملتاعة، كعصفورة تتحسس عشا لاح آمنا. "يا حامد، لا أريد أن أجرح مشاعرك". كما لو أن صوتها يتناهى من قاع سحيق للضياع. "أجلس في صحبتك الآن. ينتابني شعور أنني صرت إلى حجر. أحيانا أتصورني مثل ورقة منزوعة من كتاب الحياة. تدوسها أقدام المارة وتدفعها الريح". كاد الدمع أن يطفر من داخل عينيها الغائمتين، لحظة أن قاطعها حامد عثمان ممسكا بيدها المرتخية على مفرش المائدة الأحمر، واقترب منها برأسه وعيناه مثبتتان جيدا داخل عينيها قائلا بصوت أدهشته هو نفسه بدءا نبرة صدقه تلك:
    "يشرفني يا مها أن تكوني أمّا لأولادي".
    هزَّتْ رأسها يمنة ويسرة. ولا يدري هو إن كان ما ارتسم على مُحيّاها علامة امتنان أم شارة مرارة. الشيء الوحيد الذي كان واثقا منذ البداية منه أن مها الخاتم بدأت السير على طريق الانحدار ليلة أن أسلمتْ جمال جعفر غشاء بكارتها ومن غير المؤكد بعد متى أو مع مَن ستلامس مها الخاتم بأقدامها قاع الهاوية الفاغرة.
    وحدث بعد ذلك أمر عجيب. كل شيء أخذ يتم في صمت وتواطؤ وسرعة غريبة. لم يتبادلان كلمة واحدة داخل عربة الأجرة الصغيرة السوداء. كانت ساعة من ساعات بعد منتصف الليل المتأخرة. التواطؤ والصمت سيدا الموقف. لامسها متحسسا. هذه المرة، بدت يدها دافئة لدنة حُلوة الملمس. ولا زجر هناك. كانا يجلسان على المقاعد الخلفية متلاصقين، وكل منهما ينظر في اتجاه نافذة مختلفة، بينما جسدها لا يكاد يتوقف عن بث إشاراته الصامتة في عذوبة وحياة نابضة بالوعود الحلوة أو اللذيذة حد إسالة اللعاب وجفافه في آن. والقاهرة في تلك الساعة "يا شكر الأقرع" تفتح ذراعيها للأحلام والشعراء وأبناء المجون والسبيل والقائمين الليل، إلا قليلا. كانت رقيقة طيبة متسامحة في غفوتها الليلية. غابتها الإسمنتية تتنفس برغم الكثافة والتزاحم كتفا حجريا لكتف. كما أشجار الكافور المتقاربة في حقول شرقي الدلتا. إلى أن هبطا من العربة في شارع جانبي تلتقي فروع أشجاره السامقة بسوقها المتقابلة على جانبيه عند المنتصف حاجبة رؤية السماء البعيدة الداكنة. ثم تركتْ مها الخاتم له يدها اليمنى وذراعه اليسرى تغوص عميقا داخل دفء صدرها المكتنز أما صوت العربة فأخذ يبتعد شيئا من بعد شيء، ولا صوت آخر بقي يعلو في الجوار، والنّاس العابرون الموتى بعد حين نياما، سوى صوت ذلك الحبّ المسترق، آخر الليل.
    هكذا، صعدا إلى شقتها في الطابق الرابع.
    فعلا ذلك بهدوء تام وحذر. الأغنياء في هذه الضاحية من القاهرة لا يهابون القوانين، "يا شكر الأقرع". إنهم يصنعونها. ارتقيا الدرجات. ثم همستْ مها الخاتم عند عطفة الطابق الثالث "هذه البناية معظم سكانها أجانب". وهي تفتح باب الشقة، ويدها تواصل ارتعاشها، رمته بنظرة، ثم ابتسمتْ. كما لو أن المواقف كلها جرى التدرب عليه في الخيال طوال حياة كاملة. أغلق هو الباب وراءه. وقد بدا في تصرفاته عاديا غارقا كما أوحى السكر في دور، قد يلائم أي زوج "شرعي" آخر يسير وضح النهار والعلن في أعقاب زوجته. ولا خوف هناك ولا ارتياع. هذا هو إذن وجه القاهرة الرؤوم، "يا شكر القرع"، وجه صلاح عبد الصبور وسيد درويش وسعاد حسني وإبراهيم أصلان وأروى صالح.
    كانت مها الخاتم تتخفف عبر الطرقة الطويلة الممتدة من ملابسها، بجرأة ولا أروع، وهي تواصل السير صوب الحمام، تماما كما لو أنّ أجنحة خفية ترف، من على كتفيها، فتحلق ولا تكاد تمشي. كان حامد عثمان لا يزال يتبعها بخطى تعرف طريقها جيدا، أو كما لو أنها لم تكن أول مرة يدخل فيها إلى شقتها. أما التواطؤ فلا يزال سيد الموقف والصمت. اقترب أخيرا كي يساعدها على خلع حمالة صدر حمراء مضمخة بأريج جسدها المسكر: العبق. أو كما ينتفض القطّ خارجا برأسه من الماء، اندلق نهداها. وتلك مواقع للجسد لا تراها الشمس عادة. مر وقت لم يتبين فيه نفسه هو وهي والعالم أو كما لو أن الوجود لا وجود له. إلى أن انحنتْ مها الخاتم العارية كي تضبط توازن الماء الباردة والحارة. إذ ذاك، إذ ذاك فقط، أمكنه رؤية شيئها بصفاء ووضوح مذهلين، لأول مرة، وهو يطل عبر زاوية خلفية ولَّدت في مسامه اهتزازا بدا كرعشةِ السهل أصابه زلزال، وقد بدا خاليا تماما من شعر. "أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء"، أخذ حامد عثمان يردد ذلك في سره. عيناه جاحظتان. وأنفاسه مبهورة. أو كما لو أن صحراويا يطالع البحر أمامه للمرة الأولى.
    أخذتْ أدران النهار، آثار العرق الزنخة، وبقايا الشمس المدبوغة على الجلد تتحلل وتتساقط وتذوب وتنجرف بعيدا، مع رغوة الصابون، صوب مستقر لها هناك، أسفل الأرض. إلى أن توقف خرير الدش. فشرع حامد عثمان في تجفيفها بنفسه، بينما تضع هي عينيها على مكان بعيد من الحائط. ولم يتبادلان في الأثناء سوى الانصات إلى فحيح أنفاسهما المحمومة المختلطة. وسبقته هي إلى الغرفة. تبعها بعد دقائق كان يهيئ نفسه خلالها للقاء الأنثى لأول مرة في حياته. ملك العادة السرية السابق كاد أن يبكي. قلبه ينتفض بشدة. روحه شارفت الحلقوم. و"الساعة أزيل عذريتي كما يزيل الجرّاح شيئا زائدا عن جسد"، قال حامد عثمان. كانت الإضاءة داخل غرفة النوم خافتة تصدر عن أباجورة لها هيئة شمعة صغيرة عند أحد أركان الغرفة. وقد وجدها تستلقي هناك، على ظهرها، مستعدة للإبحار. ساقاها مكتنزتان. ورأسها ساقطة صوب الحائط. وقد بدا شعرها الذي استطال خلال أشهر قليلة ملموما إلى أعلى. كانت تبكي بلا صوت، أو تئن من وطأة لذة أو ألم، ودموعه الساخنة المتسارعة لا تنفك تتساقط هناك أعلى نهديها قطرة فقطرة.
     
  3. مها الخاتم
    عبد الحميد البرنس


    كانت تشير إلى حوالي الثامنة مساء. الهواء في الخارج ميت. شاحب تماما في قتامته تلك. أو عالق في الفضاء. للدقة بدا "مثل معطف على مشجب". ولنقل: "عسير وشاق، تنفسه". أي "خانق". وقد شعرا به كذلك، أو ربما أكثر من غيرهما، لأنّهما خرجا، من مكتب حامد عثمان المكيف، في أحد مباني الجامعة الأمريكية، منذ بضع دقائق.
    وهما متجاوران، وحتى تقدما قليلا، في شارع محمد محمود، باتجاه ميدان التحرير القريب، لم يتوقع حامد عثمان، بأي قدر كان، أن ينتهي به المطاف، بعد مرور ساعات قليلة فقط، إلى ما وراء باب السعادة "المفقود". إلا أن مها الخاتم، عهدها داخل مكتبه، لا تزال تسير ملتفة، بذلك الصمت الكثيف الغامض نفسه، والذي أعقب محاولة تقبيله الأولى لها، وقد صدته، في الحال، بل بدت له، فجأة، مثل جسد خال، تماما، من حياة، على الرغم مما أبدت من مهارة، لا تنقصها الحيوية، في صنع حائط صد منيع وحاسم، حال دون حامد عثمان ونيلها، كما قرر هو مبادرا، بل واشتهى منذ أن رآها أول مرة، في باحة مكتب الأمم المتحدة، ولسنوات تالية، حد أن ارتسم على عينيه حزن خفيف أشبه بظلال غيمة صيف عابرة، وهو يدنو بوجهه منها. لم يعد يحتمل أكثر. بعدها، ولا يدري كيف تمّ ذلك، وجد حامد عثمان نفسه، وهو يتراجع، ويعود جالسا، وراء المكتب، وشاعرا كما لو أنّه طرق للتو، على باب غريب. وكان لا يزال يلف حامد عثمان في آن ذلك الشعور المتفاقم بالحرج والخذلان، عندما رفعتْ مها الخاتم رأسها، بما بدا عذوبة مباغتة، وقالت:
    "أرغب في السهر معك الليلة، يا حامد".
    فكر حامد عثمان على خلفية تجربة سماعية أن الأمر إذن لم يكن رفضا أو ممانعة بل جزءا من عملية تحديد أدوار يقوم بها خبث أنثوي حميد طابعه الدلال تنطوي عليه لعبة الغرام الخالدة ولا بد. ومع أنّ حامد عثمان أدرك هكذا مبكرا أن عليه أن يبتعد عن دفة القيادة، وعلى الرغم من هبوب نسمة تلك العذوبة المباغتة تاليا، والتي خففت من شعوره الذاتي المطرد أنّه أفسد خططه وجهوده بتسرع لعين أخرق، لم يبدُ على وجهها هي، حتى بعد أن ألقتْ تلك الدعوة بالسهر "معا"، ما ينبئ أبدا أن طريق الوصول، إلى ما بين فخذيها، ليست بمثل ذلك الطول أو العناء المتخيل. زاد من معاناته وارتباكه وتعقد حيرته، عندما رآها بعدها، وهي تخرج من شنطة يدها أدوات للزينة بينها مرآة صغيرة، فأعطاها حامد عثمان ظهره، وهو يتوقف قبالة حمالة كتب خشبية صغيرة عند الركن القصي من مكتبه، حيث بدأ يتأمّل شاردا، في أحد أجزاء موسوعة حنّا بطاطو، عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، من دون تركيز. ثم وهو يسمعها تدندن اخيرا، اطمأنت نفسه نوعا ما، فأخذ يفكر وقد استحضر هويته كمساعد باحث بالجامعة الأمريكية، قائلا في نفسه:
    "ليس بالوسع التنبؤ قطُّ بما ستكون عليه الخطوة التالية للأنثى".
    تجاوزا ميدان التحرير، أخيرا.
    وكانا لا يزالان يواصلان السير بتمهل، عبر شارع طلعت حرب، في اتجاه ميدان طلعت حرب، لحظة أن أخذت تخايله مشاهد رفقتها تلك لجمال جعفر، أسفل أشجار البونسوانا، عند ذلك الغروب الموغل، في البعد والنسيان، ولما واصل حامد عثمان التذكر هكذا، لاعنا أيام فقره المدقع وقتها، سألته مها الخاتم، بتلك الدهشة، عند مطلع شارع عبد الخالق ثروت، قائلة: "أحقا، لا تعرف أين هو النادي اليوناني، بشارع عماد الدين، يا حامد". ظلّ نهدها الأيسر يلامسه خطفا في أثناء الطريق. يبتعد قليلا بين زحام المارة ويعود. كان ينسى في كل مرة ما كان للتو بصدده. كان أمرا أشبه بالبشائر الأولى لميلاد الحرائق الكبرى. أو هكذا بدأت آماله تكبر. ثم أخذتْ مها الخاتم تضحك بعذوبة لما بدا لها يقينا أنّ حامد عثمان "يرتبك". هناك، وهو يتبعها كطفل، اختارا مائدة، في ركن قصي، من تعريشة صيفية ملحقة بالنادي، تطل على سوق تجارية مغلقة وشارع جانبي معتم صغير. وبدا أن أغلب أولئك الجالسين حول الموائد القليلة المتقاربة "أجانب"، من غير الناطقين بالضاد. قال: "حتى وقت قريب ظللت محروما، من ضرورات الحياة، فكيف لي أن أعرف مكانا، بمثل هذه الفخامة، يا مها؟". إلا أنّها كانت تبدو ومنذ أن جلسا مضطربة خلف غلالة الثقة البادية تلك. فلم يشأ أن يسألها عن سرّ ذلك المزاج المضطرب، سريع التبدل، ما بين قطبي الثلج والنار، ناهيك عن سرّ تغيبها المستمر، طيلة أسابيع ممتدة، عن اجتماعات الخليّة. إلى أن رفعت إليه وجهها، قائلة:
    "هل جرحتك بصدودي داخل المكتب"؟
    "المهم"، قال حامد عثمان.
    وبعد برهة من صمت بدا كثيفا:
    "أنا سعيد بكِ الآن، يا مها".
    ابتسمتْ.
    ولم يتوقف ارباكها له بعد:
    "هل تعلم أنّك أقرب إنسان لي في هذه المدينة".
    لحظة أن حاول خطفا في ميزان نفسه تقدير أبعاد جملتها الأخيرة، ربما حتى يتعرف على ملامح خطوته هو التالية، انطلقتْ مها الخاتم بغتة في الضحك، وكانت مها الخاتم التي أخذت تشعر بعد فترة ممتدة من التعاسة بالخفة قد جاءت، والليلة لا تزال مثل طفلة تحبو، على منتصف زجاجة البيرة السادسة.
    "بالمناسبة، يا حامد، أنا معجبة بفكرة دفن الموتى تلك".
    هز حامد عثمان رأسه كالمتفهم.
    وأخذ تاليا كما لو أنّه يهيئ لها الطريق لاستئناف مغامرة أخرى، قائلا:
    "المرء لا يتطلع نحو المستقبل دون تصفية حسابات الماضي العالقة".
    ثم قالت مها الخاتم وهي تقلب وقّادة السجائر بين أنامل يدها اليسرى:
    "كان عليَّ حفر ذلك القبر لدفن مَن تسبب في تعاستي وندمي مبكرا".
    كان حامد عثمان، صاحب الفكرة، قد أخبرها، وهو ينصب شراكه حولها، عن أهمية حفر القبور المجازية تلك، بعد كل تجربة معاكسة، على اعتبار أن الأمر سيكون بمثابة حماقة، إذا ما وسمت التجربة راهن الحياة ومستقبلها بالمرارة، "يا مها الخاتم". وكان واضحا من جملة مها الخاتم تلك، والتي تشي بندم لتأخرها في حفر قبر لجثة لا تني تسمم الحياة من حولها بالعفن، أنها كانت تعني بالميت ذاك جمال جعفر ولا بد. إلا أن حامد عثمان وقد فهم مراميها بذلك الوضوح لم يشأ التوقف بقدر الإمكان عند سيرة "الوغد". هناك، عند مطلع الزجاجة الثامنة تقريبا، قالت:
    "جثّة ذلك الحبّ سممت الهواء بالفعل من حولي".
    وبدأتْ تحدثه عما حدث بينها وبين جمال جعفر.
    بعد ذلك بدا كما لو أن موجات الجذب الصادرة عن كليهما تصطرع فوق أثير المائدة الصيفي. وقد أضفتْ اللغة الإنجليزية التي أخذا يتحدثان بها منذ البداية أجنحة ملائمة للتحليق فوق تلك المناطق الكأداء. لكنّ صمتا بدأ يخيم نشازا على غير توقع. "إنها تضع على القبر شاهدا الآن"، قال حامد عثمان في نفسه. وأشعل لها سيجارة. لا بد من رفدها إذن بالمعاول وآليات الحفر اللازمة. أخذتْ السيجارة في صمت رانيّة إلى أسفل المائدة. "إنها تجفف الآن العرق الذي يعقب الحفر والدفن وتستحم لملاقاة الحياة". وقد بدا وجهها عبر رشفات البيرة وخلل الدخان المتصاعد صوب تبدده غارقا في طمأنينة لم يعهدها حامد عثمان منذ أن رآها وهي تعبر بوابة مكتب الأمم المتحدة في ذلك الصباح البعيد لأول مرة. فجأة، أحسّ حامد عثمان بيدها، وهي تتسلل إلى باطن كفه اليمنى. بدت باردة معروقة، مرتجفة، باردة، ملتاعة، كعصفورة تتحسس عشا لاح آمنا. "يا حامد، لا أريد أن أجرح مشاعرك". كما لو أن صوتها يتناهى من قاع سحيق للضياع. "أجلس في صحبتك الآن. ينتابني شعور أنني صرت إلى حجر. أحيانا أتصورني مثل ورقة منزوعة من كتاب الحياة. تدوسها أقدام المارة وتدفعها الريح". كاد الدمع أن يطفر من داخل عينيها الغائمتين، لحظة أن قاطعها حامد عثمان ممسكا بيدها المرتخية على مفرش المائدة الأحمر، واقترب منها برأسه وعيناه مثبتتان جيدا داخل عينيها قائلا بصوت أدهشته هو نفسه بدءا نبرة صدقه تلك:
    "يشرفني يا مها أن تكوني أمّا لأولادي".
    هزَّتْ رأسها يمنة ويسرة. ولا يدري هو إن كان ما ارتسم على مُحيّاها علامة امتنان أم شارة مرارة. الشيء الوحيد الذي كان واثقا منذ البداية منه أن مها الخاتم بدأت السير على طريق الانحدار ليلة أن أسلمتْ جمال جعفر غشاء بكارتها ومن غير المؤكد بعد متى أو مع مَن ستلامس مها الخاتم بأقدامها قاع الهاوية الفاغرة.
    وحدث بعد ذلك أمر عجيب. كل شيء أخذ يتم في صمت وتواطؤ وسرعة غريبة. لم يتبادلان كلمة واحدة داخل عربة الأجرة الصغيرة السوداء. كانت ساعة من ساعات بعد منتصف الليل المتأخرة. التواطؤ والصمت سيدا الموقف. لامسها متحسسا. هذه المرة، بدت يدها دافئة لدنة حُلوة الملمس. ولا زجر هناك. كانا يجلسان على المقاعد الخلفية متلاصقين، وكل منهما ينظر في اتجاه نافذة مختلفة، بينما جسدها لا يكاد يتوقف عن بث إشاراته الصامتة في عذوبة وحياة نابضة بالوعود الحلوة أو اللذيذة حد إسالة اللعاب وجفافه في آن. والقاهرة في تلك الساعة "يا شكر الأقرع" تفتح ذراعيها للأحلام والشعراء وأبناء المجون والسبيل والقائمين الليل، إلا قليلا. كانت رقيقة طيبة متسامحة في غفوتها الليلية. غابتها الإسمنتية تتنفس برغم الكثافة والتزاحم كتفا حجريا لكتف. كما أشجار الكافور المتقاربة في حقول شرقي الدلتا. إلى أن هبطا من العربة في شارع جانبي تلتقي فروع أشجاره السامقة بسوقها المتقابلة على جانبيه عند المنتصف حاجبة رؤية السماء البعيدة الداكنة. ثم تركتْ مها الخاتم له يدها اليمنى وذراعه اليسرى تغوص عميقا داخل دفء صدرها المكتنز أما صوت العربة فأخذ يبتعد شيئا من بعد شيء، ولا صوت آخر بقي يعلو في الجوار، والنّاس العابرون الموتى بعد حين نياما، سوى صوت ذلك الحبّ المسترق، آخر الليل.
    هكذا، صعدا إلى شقتها في الطابق الرابع.
    فعلا ذلك بهدوء تام وحذر. الأغنياء في هذه الضاحية من القاهرة لا يهابون القوانين، "يا شكر الأقرع". إنهم يصنعونها. ارتقيا الدرجات. ثم همستْ مها الخاتم عند عطفة الطابق الثالث "هذه البناية معظم سكانها أجانب". وهي تفتح باب الشقة، ويدها تواصل ارتعاشها، رمته بنظرة، ثم ابتسمتْ. كما لو أن المواقف كلها جرى التدرب عليه في الخيال طوال حياة كاملة. أغلق هو الباب وراءه. وقد بدا في تصرفاته عاديا غارقا كما أوحى السكر في دور، قد يلائم أي زوج "شرعي" آخر يسير وضح النهار والعلن في أعقاب زوجته. ولا خوف هناك ولا ارتياع. هذا هو إذن وجه القاهرة الرؤوم، "يا شكر القرع"، وجه صلاح عبد الصبور وسيد درويش وسعاد حسني وإبراهيم أصلان وأروى صالح.
    كانت مها الخاتم تتخفف عبر الطرقة الطويلة الممتدة من ملابسها، بجرأة ولا أروع، وهي تواصل السير صوب الحمام، تماما كما لو أنّ أجنحة خفية ترف، من على كتفيها، فتحلق ولا تكاد تمشي. كان حامد عثمان لا يزال يتبعها بخطى تعرف طريقها جيدا، أو كما لو أنها لم تكن أول مرة يدخل فيها إلى شقتها. أما التواطؤ فلا يزال سيد الموقف والصمت. اقترب أخيرا كي يساعدها على خلع حمالة صدر حمراء مضمخة بأريج جسدها المسكر: العبق. أو كما ينتفض القطّ خارجا برأسه من الماء، اندلق نهداها. وتلك مواقع للجسد لا تراها الشمس عادة. مر وقت لم يتبين فيه نفسه هو وهي والعالم أو كما لو أن الوجود لا وجود له. إلى أن انحنتْ مها الخاتم العارية كي تضبط توازن الماء الباردة والحارة. إذ ذاك، إذ ذاك فقط، أمكنه رؤية شيئها بصفاء ووضوح مذهلين، لأول مرة، وهو يطل عبر زاوية خلفية ولَّدت في مسامه اهتزازا بدا كرعشةِ السهل أصابه زلزال، وقد بدا خاليا تماما من شعر. "أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء، أهذا إذن هو الشيء"، أخذ حامد عثمان يردد ذلك في سره. عيناه جاحظتان. وأنفاسه مبهورة. أو كما لو أن صحراويا يطالع البحر أمامه للمرة الأولى.
    أخذتْ أدران النهار، آثار العرق الزنخة، وبقايا الشمس المدبوغة على الجلد تتحلل وتتساقط وتذوب وتنجرف بعيدا، مع رغوة الصابون، صوب مستقر لها هناك، أسفل الأرض. إلى أن توقف خرير الدش. فشرع حامد عثمان في تجفيفها بنفسه، بينما تضع هي عينيها على مكان بعيد من الحائط. ولم يتبادلان في الأثناء سوى الانصات إلى فحيح أنفاسهما المحمومة المختلطة. وسبقته هي إلى الغرفة. تبعها بعد دقائق كان يهيئ نفسه خلالها للقاء الأنثى لأول مرة في حياته. ملك العادة السرية السابق كاد أن يبكي. قلبه ينتفض بشدة. روحه شارفت الحلقوم. و"الساعة أزيل عذريتي كما يزيل الجرّاح شيئا زائدا عن جسد"، قال حامد عثمان. كانت الإضاءة داخل غرفة النوم خافتة تصدر عن أباجورة لها هيئة شمعة صغيرة عند أحد أركان الغرفة. وقد وجدها تستلقي هناك، على ظهرها، مستعدة للإبحار. ساقاها مكتنزتان. ورأسها ساقطة صوب الحائط. وقد بدا شعرها الذي استطال خلال أشهر قليلة ملموما إلى أعلى. كانت تبكي بلا صوت، أو تئن من وطأة لذة أو ألم، ودموعه الساخنة المتسارعة لا تنفك تتساقط هناك أعلى نهديها قطرة فقطرة.