1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

قصة قصيرة عزة بدر - يجنن !

'مصر' | عزة بدر.

الوسوم:
  1. عزة بدر

    عزة بدر كاتب

    أتوقع ألا تخرج فقرات المينى باص عن السيناريو المعهود , أن تبدأ مراسيم السباق بين سائقه وبين العاملين معه على نفس الخط ,
    يكسر الطريق على البعض , ويعوِّد الآذان على مزيد من أصوات الكلاكسات , وتضارب موسيقى الأغانى الزائطة لكن الكفة الراجحة قد تكون من نصيب أغنيتين شهيرتين , الأولى " مفيش صاحب بيتصاحب " , والثانية " آه لو لعبت يازهر ! " .
    يتقافز الركاب كالكرات فى مقاعدهم بعد هزات عنيفة للعربة , تنهال اللعنات على السائق الذى غالبا مايخلع سترته فتستبين ملامح قفصه الصدرى , ويستعد لملاقاة المُنازلين , وعادة يتصل بناظر المحطة شاكيا بأنه متوقف فى المنطقة الفلانية , وأنه تلقى طعنة مطواة فى قدمه , يرفعها مدماة أمام الركاب فينزلون وهم فى غاية التأثر , ويستعوضون الله فى ثمن التذاكر ثم يتفرقون على الطريق فى محاولة البحث عن وسيلة مواصلات أخرى .
    هذا هو السيناريو المعتاد للمينى باص الذى كنت أريد أن أضع عليه تعديلات أخرى مختلفة لكن المخرج أقصد السائق كان هو صاحب التصميم الأساسى لبروفة سباق الموت والحياة .
    أحلم أن يهدىء من سرعته , أن يستجيب لرغبتنا العارمة فى أن نأخذ استراحة فى أى مكان على الطريق , ليقضى كل حاجته , وأن نتناول بعض المرطبات .
    " آه لو لعبت يازهر واتبدلت الاحوال ! "
    لو وضعت الإعلانات الضوئية موضع التنفيذ : " دوق اللحظة " فتنساب رغوة القشدة على فنجان القهوة , أو تعلو فوارة المياه الغازية صعودا مبهرا لكل عين وأنف .
    " استرجل " : فيطيب للرجال أن يتركوا مقاعدهم للنساء , للعجائز و الحوامل والمرضعات منهن خاصة , والحاملات أطفالهن على سواعدهن , وعلى ظهورهن بقجة الملابس أو خزين الشهر , أو من يحملن فى حقائبهن المثقلة ملابس الأطفال , وأوراق التحاليل والأشعة .
    " بيعى الشقة ياثريا .. الشاليه فى الساحل الشمالى يجنن ! " ,
    لو نضحك دون أن تدمع أعيننا ونحن نرى سقوفا علينا قد أطبقت , نحنى هاماتنا حتى نمنع أنفسنا من جروح الاصطدام بها , أو نزيل الفواصل بين الحجرات وندخل مساحة البلكونات فى الشقق لنوفر
    مساحة لغرف طولية للأبناء .
    ماذا لو عادت غرفة الضيوف إلى مكانها , وعادت الدجاجات إلى أقنانها , وسمكات الأحواض المنزلية الملونة إلى مكانها فى أعماق البحر , آه لو فتحنا الأقفاص للأطيار لتجد مكانها فى لوحة الطبيعة المتحركة فى كل لحظة .

    ماذا لو عادت الثعابين إلى جحورها , والسلاحف إلى المياه الإقليمية لحياتها , أو لشواطىء رضاها ؟ .
    وضع السائق تفاصيل جديدة على السيناريو المعتاد للمينى باص , َفعَلا صوت الراديو على برنامجه المفضل : "وردة حبنا " .
    المذيع يسأل : " آلو .. أهلا بك ..
    فيقول السائل : " أنا أتصل بك منذ شهور والتليفون مشغول , أنا أحب فتاة أصغر منى بكثير , وهى فى الثانوية العامة , وأخوها صاحبى أكبر منى بسنتين "
    يتدخل المذيع متعجلا : " وما المشكلة ؟ "
    - أنا أكبر منها بسنوات عديدة , و لم أكمل تعليمى , وهى تريد دخول الجامعة , ومن أجلها التحقت بالتعليم المفتوح "
    المذيع : وماله ؟
    - " أمها تعتبرنى مثل ابنها "
    - المذيع : خير وبركة
    - " ولكنى أحب الفتاة بجنون "
    خفقت قلوبنا لفكرة الحب , والجنون فى الحب , تمددنا فى مقاعدنا , واستشعرنا الراحة , أرهفنا السمع للحكاية بشوق تذكر كل منا حبا رفرفت أجنحة ملائكه ذات يوم , و كاد سهمه أن يتقافز بين جوانحنا لكنه عبثا لم يصب قلوبنا , وكان أكثرنا يود لو أصابه فى مقتل ! .
    المذيع يتعجله : " تقصد كان بينك وبينها علاقة جسدية ؟ "
    توترنا , تذكر أحدهم حبيبته , تحسس قلبه النازف , وصورتها المستقرة فى حافظته الجلدية , وتخيل صورتها على حسابها فى الفيس بوك وهى تحمل طفليها على ساعديها , وزوجها فى الخلفية وقد استقبل حطام قلبها بسعادة وألقاه جانبا .
    عاد المذيع للسائل وهو يتكىء على حروفه :
    " وهل هناك خسائر مادية ؟ "
    - " لا .. هى كما هى .. بنت بنوت "
    فوجئنا بأحدهم ينهض من مقعده ويرفع صوته مستاء وهو يخبط كفا بكف : لايصدق ؟ .. لايصدق أنها كانت فعلا بخاتم ربها , بنت بنوت , تكعيبة عنب كاملة , كانت تغطى موطن حرثها , كنت أعرف أننى أول رجل يراها فامتلأت زهوا .
    سبح فى خيالاته , ردت ثوبها الشفيف على تكعيبة عنبها , أغضت بعد أن نظرت إلىَّ نظرة ساحرة آسرة لم أنسها أبدا , ولكن ماذا أفعل الآن وقد ذهبت إلى الأبد ؟
    علا صوته فجأة فنظرنا إليه فى دهشة :
    " وهاهى زوجتى تحدق فى عيني كل يوم وتزوم بوحشية وهى تطالبنى بالمزيد من عنفوان العشرة , وتصرخ فى وجهى : " ماذا بك ؟ , ماذا حدث ؟ " فتتوقف جوارحى كلها عن العمل ,أتذكر خجل حبيبتى , أخف فأرتدى ملابسى وأخرج لأراقب أسراب الطير و تكعيبات العنب على شرفات البيوت , أتذكر ثوبها الشفيف فتدمع عينى ويبكى قلبى ".
    يجيب المذيع سائله – بعد أن توقعنا الإجابة – " وجع ساعة ولاكل ساعة , اقطع علاقتك بها لأنك لو انتظرتها أربع سنوات كى تتم تعليمها فمن أدراك أنها لن تغيِّر وجهة نظرها فيك ؟ , وهل ستكون ساعتها على صورة الرجل الذى يريده خيالها كأنثى ؟
    هل أنت غاضب من كلامى أو حزين ؟
    - " أبدا لماذا أغضب منك , اتصلت بك لأعرف رأيك "
    - وماذا ستفعل ... قل لى ؟
    - سأفكر فيما قلت طبعا !
    نهض الرجل الذى ذهبت حبيبته إلى الأبد , بدا صوته مرتعشا وهو يقول : " لاتسمع كلامه , لاتخطىء مثلى , لاتتركها لأى سبب كان , تذكر حكايتى , قلت لها : لاحب بدون جنس فصدقتنى , واستسلمت لى , تحبنى , أقصد
    كانت تحبنى , داهمتها فى آخر لقاء بيننا , كانت خائفة , ومرتبكة , قررت أن أذبح لها القطة لو تمردت
    تهدج صوته وهو يقول : يالا بينا على البيت
    امتلأت عيناها بالدمع , أحنت رأسها وهى تقول : لن أروح البيت فقررت أن أطرق قلبها بمطرقتى وهو ساخن !
    - وليه لن تروحى البيت ؟
    اشتعل وجهها فقمت بضربتى الأخيرة والقاضية
    - قولى من الأول " أنا لا أروح البيوت "
    فقامت من مقعدها وذهبت إلى الأبد
    .......................

    لا .. لاتسمع كلامه و لاتترك حبيبتك لأى سبب كان .

    - قطع :
    " كل ماأتمنى حاجة تضيع أضحك دقيقة أحزن أسابيع "

    هجست إحداهن بأن العالم فعلا لم يعد مأمونا , لقد غدا مفتوحا بلا ضوابط , خفق قلبها وهى تهمس : لم تعد هناك أية خصوصية , الناس تعترف على الهواء , وفى المواصلات العامة , لاكرامة لشىء , ولامكان لسر , كان الحكماء يقولون " صدرك أوسع لسرك " ولكن هؤلاء أصابهم الجنون ! .
    عاد المذيع يستقبل اتصالا آخر

    قطع : " وركبت أول موجة فى سكة الأهوال "

    - آلو
    - " أنا تزوجت بعد حب سبع سنوات , حاربت من أجل حبى , خالفت أهلى وأهلها لأفوز بها , زوجتى جميلة وخلوق . "
    المذيع : رائع !
    - " لكننى أعمل مندوب مبيعات "
    - حسنا
    - " وقابلت عميلة لى "
    سبقه المذيع إلى الحديث : " أحببتها ؟ "
    - " جدا ... جدا "
    المذيع وهو يضغط على مخارج الحروف :
    - " وأنت الآن متمزق بين حبك لزوجتك وحبك للأخرى ؟ "
    ثم لاحقه بمجموعة من الأسئلة : " هل هى متزوجة ؟ , هل هى أرملة ومعها أبناء أو بنات أم معها أبناء وبنات ؟ , هل تفكر فى تطليق زوجتك من أجلها ؟ , هل تنوى أن تتزوجها فى السر ؟ "
    اهتز صوت الرجل وهو يقول :
    - " لاأريد لأحد أن يقول عنى خائنا "
    عاد المذيع يستعيد دور المُعذِب :
    " وماذا ستفعل مع زوجتك التى أحببتها سبع سنوات , وحاربت من أجلها الدنيا ؟ ! "
    - أحاول إقناعها بزواجى من الأخرى !
    - " وإذا لم تقتنع تطلقها ؟ "
    - لا
    - والأخرى ؟
    - أحبها
    - فى السر ؟ !
    تلتف الحبال على رقبة الحب , ورقبة السائل , نتوقع الإجابات المقبلة ... " وجع ساعة ولاكل ساعة .... "
    تنتفض إحداهن تغادر مقعدها تقف فى وسط المينى باص تقول أنها البطلة الحقيقية لهذه القصة فزوجها معها بنصف عقله ونصف قلبه , يسهر ليل نهار أمام شاشة النت يبحث عن صور أخرى على حسابها فى الفيس بوك , يتأمل صور طفولتها , شعرها المقصوص , ُسمرتها , جسمها الغلامى فإذا أقبلت عليه تدعوه لمشاركتها الطعام يغلق صفحتها , وتنسدل ستارة أيقوناته , ثم ينشغل بجوجول " ابحث عن .. "
    و " ضربة حظ " ! .
    تتكسر نبرات صوتها تتناثر كلوح من البلور المكسور , تهمس وعيناها تنهمران بالدمع :
    أنام إلى جواره وأنا أعرف أنه يفكر بالأخرى , شعرها الغلامى يطارد شعرى الطويل على نفس الوسادة , ُسمرتها تنافس بياضى الشاهق , حبها الجديد يطغى على سنوات حبه القديم لى .
    تراه ينظر فى المرآة وقد جرح ذقنه , يكتم جرحه بقطنة بيضاء , ويهمس : " لاأريد أن يحسبنى أحد خائنا ؟ ! "
    علا صوتها فجأة وكأنها تفكر بصوت عال : حكيت لصديقتى فقالت لى :
    - حبى عليه !
    لاحقها الركاب بنظرات قاسية , تلعثمت ثم راحت ترتب أفكارها من جديد .
    - استنكرت ذلك وقتها فقاطعتها والآن .. هل عرفتم رأى الطرف الثالث المنسى فى حكاية الزوجة الجميلة الخلوق ؟
    نظر بعضنا إلى بعض , تناثرت الآراء هنا وهناك :
    - ياستى ربى عيالك
    - نزوة وتروح لحالها
    - يامآمنة للرجال يامآمنة للمية فى الغربال !
    - الصبر جميل .. الصبر حلو
    فقالت المرأة : الصبر أمر من المُر

    قطع :
    " لما اللى منك يجرحك طب قوللى مين هيفرحك " ؟ !
    تذكرت أخرى حكايتها , صاحبها وقد اعترفت له بحبها , وحجزت له مقعدا , وضعت عليه وردة بغصنها ففاجأها بأخرى التقطت الوردة , ووضعتها فى شعرها , وتجلس على نفس المقعد .
    علا صوتها " ولما رأيته معها , تحاملت على نفسى وسألته :
    - " هل أنتظرك ؟ "
    - لكنى لم أنته بعد ! "
    - ومن هذه ؟
    - عابرة .. امرأة عابرة .. ألا تفهمين أريد امرأة تمنحنى الحب والحرية ؟ !
    طعنت قلبى بقرن غزال , تضوع مسكى , وكان هو على موعد معها فى نفس المكان ! . "
    فاجأنا أحدهم وهو ينظر شاخصا إليها : " طعنت قلبك بقرن غزال ؟! , ما انت واقفة كما لوكنت قرد قطع ! "
    تهيات الفتاة للرد عليه فاستمهلها آخرون .
    عاد يقول : " خنقتنى , إذا تكلمت فى الموبايل تفتحه من ورائى , إذا بصيت يمين تقول لى بص شمال ! , احترت إلى أين أذهب بعينى ؟ , خنقتنى !
    انتفضت الفتاة من مكانها وهى تقول : " انت تعرفنى ؟ ! , شفتنى قبل لحظتنا هذه ؟ !
    - كلكن سواء فى الغيرة العمياء و التدخل الُمر , أريد امرأة تمنحنى الحب والحرية .
    فوجئنا بها وقد برح بها الغضب , إذن فهو أنت , كيف لم آخذ بالى أنك أنت ؟ ! .
    ضرب كفا بكف , وهو يقول : " انت تعرفيننى ؟ , هل رأيتنى قبل الساعة فى أى مكان ؟ ! .
    كادا يشتبكان , هى تقول : " ابتعد عنى " , وهويقول : " أنا لمستك ؟ , فاكرة نفسك حلوة ؟
    - لازم أكون حلوة ؟! , احجز لك جنبى بوردة , تأتى بواحدة ثانية , وتقعدها مكانى ؟ , وأشوف بعينى وردتى فى شعرها
    ياعينك يا جبايرك ! .
    نجحنا فى تهدئة المرأة ثم فى إقناع الرجل بأن يجلس مكانه , ولكن البعض أصر على أن يقبِّل الرجل رأسها , واقترحت امرأة أن يقبلها فى فمها ارضاء لها وجبرا لخاطرها ! , وتطوع أحدهم أن يقسم بأن باقة الورد عليه إن هما أصلحا ما بينهما , وقلب أحدهم يديه متعجبا رافعا عقيرته بالصياح : لاهى تعرفه ولاهو يعرفها , لايحق له أن يلمسها أصلا .
    عقبت أخرى : ماذا جرى لهؤلاء ... هل شربوا خمرة الجنون ؟ ! .

    ..... كنا فى انتظار مكالمة جديدة , حكاية ثالثة , لكن ثبات إجابات المذيع على نفس الوتيرة ... " وجع ساعة ولا كل ساعة " أمضَّنا , تنوع تجارب الركاب العاطفية كان مشحونا يستدعى قصصا مضت وأخرى تولد , علاقات تبدأ , وأخرى تزول , كانت المشاعر تنتفض , وتهدر تملأ المينى باص بالصخور النارية , والمناطق الاستوائية , من الصف الأول حتى الصف الأخير كنا نتنهد , نتشبث بكراسينا , ورغم عبورنا إلى محطة الوصول لم نبرح أماكننا .. كنا نحاول الاتصال بالمذيع لنغيِّر أنشودته الرتيبة الكئيبة " وجع ساعة ولا كل ساعة " , أقنعناه بأن نكون أبطال الحلقات القادمة من البرنامج واقترحنا تغيير اسم البرنامج واختصاره إلى كلمة واحدة ومعبرة عن إعجابنا به وكانت " يجنن " ! , وكان المينى باص يشبه استوديو الاعتراف , كل واحد فينا يأخذ مكان السائق ويدور حول نفسه دورة واحدة أو دورتين وفى كل مرة يتحرر من أثقاله ... يتخفف من أحماله .. يعترف , .. ويغترف من اهتمام الآخرين , أما السائق فقد كان معقود اللسان من الدهشة ينظر إلى السيناريو الذى وضعه لمسار العربة منذ قليل و التعديل الذى أجراه بتشغيل الراديو على برنامجه المفضل " وردة حبنا " للترفيه عن الركاب , ولكنه لم يكن يتصور أبدا التعديل الأخير الذى أجريناه جميعا على سيناريو البرنامج والمينى باص, تبادل الأدوار والاعترافات , وكل واحد منا يهمس فى دخيلة نفسه : " آه لو لعبت يازهر ! ..... واتبدلت الاحوال " .

    [​IMG]
    الدكتورة عزة بدر
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏9/10/17
    أعجب بهذه المنشور نقوس المهدي
  2. ما أجمل هذا النص..
    أحسست كأنني ركبت نفس الباص المجنون ، أداري ذكرياتي و أسئلتي و تردداتي و مخاوفي، أحببت سماحة السارد في روايته لأخطاء المحبين و المعذبين و قصص الخيانات التي لا تكتمل، و قدرته على إفشاء أسرارنا التي صارت بحكم التقادم منسية و غريبة عن قلوبنا..
    تتغير الأسماء و الأمكنة و لكن أحاسيسنا في كل منعطف عاطفي تتشابه.. و تتقاسم نفس المآزق و الأحلام، كما لو أن كل البشر جميعا يكررون نفس القصة في باصات أخرى..
    للكاتب قدرة لغوية لافتة في اختيار الكلمات الدالة، و بعض جمل النص ترقى بشعريتها لأعتاب القصيدة.

    كل الود
     
    أعجب بهذه المنشور نقوس المهدي