كلام في مقهى - حليم بركات - النظام الاجتماعي وعلاقته بمشكلة المرأة العربية

مقدمة :
تتبع غالبية الدراسات حول مكانة المرأة في المجتمع العربي , منهجاً وصفياً يروي لنا بعض الحقائق والاقوال والاراء والمفاهيم وغيرها , ولا منهجاً تحليلياً يفسر لنا لماذا هذه المكانة بالذات . وحين تنزع هذه الدراسات نحو المنهج التحليلي يأتي تحليلها مثالياً , فيشدد بالدرجة الاولى على الثقاةف والتراث والتنشئة , ويتجاهل البنى الاجتماعية وعمليات الانتاج وتوزيع او تقسيم العمل , ويشدد بعض الدراسات على الاستمرارية التاريخية , او التنشئة في العائلة ,او على المعتقدات الدينية , او على تغلب الاعراف القبلية على القيم والمقاييس الدينية , او غير ذلك على صعيد الثقافة .
من أجل التدليل على طبيعة المنهج المثالي , نورد هنا بعض التحليلات حول علاقة الدين بمكانة المرأة : هناك الرأي الديني الذي يقول : " أنما المرأة خلقت من ضلع عوجاء " والرأي الذي يغلب عليه اعتبار الدين عن فرض النظام الأبوي , والرأي الذي ينزه الدين من مسؤولية استعبدا المرأة , ويؤكد العكس , انه حررها وساواها بالرجل , والرأي الذي يقر بأن الدين ثبت الفروقات الطبيعية .
يتمثل الرأي الذي يقول بفرض الدين للنظام الابوي بدراسة مهمة بالانكليزية , للكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي التي ترة ان النظام الأمومي الذي كان معروفاً لدى بعض الجماعات والقبائل في شبه الجزيرة العربية , انتهى بظهور الاسلام , فرسخ النظام الأبوي , وابقى على امتيازات الرجل , ويتمثل الرأي الذي يقول ان الاسلام حرر المرأة , بمقالة للكاتبة المصرية امينة السعيد , التي أكدت ان الدين الاسلامي جاء بمثابة اضخم ثورة اجتماعية في تاريخ الاوضاع النسائية , لا عندنا وحدنا بل في الدنيا بكاملها , فقبل مجيئه .. لم تكن المرأة في اي ركن من العالم اكثر من كائن حي , لا حقوق لها ولا احترام لادميتها , ثم اذا بالدين , الذي ظهر في منطقة صحراوية جرداء يسكنها ناي خشنون على الفطرة , يقلب الوضع رأساً على عقب , ويعترف للمرا' بكامل ادميتها , ويسلحها بالاستقلال الاقتصادي في أوسع معانيه , ويحررها من ولاية الرجل عليها , فيما يتصل بجواهر الحقوق , مثل التعليم والبيبع والشراء والعمل والتجارة , بل واشركها ايضا في تدبير شؤون الدين والسياسة .
ويتمثل الرأي الذي يقر ان الدين ثبت الفروقات الطبيعية بكتابات واقوال عدة فتذكر مجلة الفكر الاسلامي ان الاسلام " سوى بينها وبين الرجل فيما يمكن التسوية فيه .. وفاضل بينهما , فيما لا يمكن التسوية فيه , فأوجب على الرجال الجهاد .. والسعي على العيال , وخفف عن المرأة ذلك , مراعاة لأمكاناتها الجسدية , وظروفها الشخصية وتكاليفها العائلية " .
مقابل هذا المنهج المثالي , هناك منهج اجتماعي يفسر مكانة المرأة في المجتمع العربي بأنها تعود في الاساس لموقعها في البنى الاجتماعية , وتقسيم العمل المعتمد في المجتمع ودورها في عمليات الانتاج , وهامشيتها في النظام العام السائد . رأى قاسم امين ( 1865- 1908 ) في مطلع القرن , ان وضع المرأة هو جزء من الوضع العام الذي يقوم بسيطرة القوي على الضعيف , وأشار الى علاقة اضطهاد المرأة بأشكال الاضطهادات الاخرى . فنبه بقوله : انظر الى البلاد الشرقية تجد ان المرأة في رق الرجل , والرجل في رق الحاكم , فهو ظالم في بيته , مظلوم اذا خرج منه " . وفي الوقت الحاضر وبعدما بدأ القرن العشرون يشرف على الانتهاء , تقول لنا خالدة سعيد في لغة الاغتراب , ان المرأة العربية كائن بغيره لا بذاته , فتحدد هويتها بالنسبة لكونها " زوجة فلان او بنت فلان او أم فلان او اخته , وان وضعها يرتبط بالنظام الطبقي , فحيث تكون العلاقات علاقات بين سيد ومسود , يصعب ان تجد فيه المرأة الحرية الحقيقية وان تستعيد فيه انسانيتها , فتعاني بذلك " اغترابين , اغتراباً طبقياً واغتراباً على صعيد البنية التحتية في نطاق الاسرة , فهي عبدة العبد " .
وتتضح علاقة وضع المرأة بالنظام العام من استنتاج نوال السعداوي " ان تحرير المراة , لا يمكن ان يحدث في مجتمع رأسمالي , وان مساواة المرأة بالرجل لا يمكن ان تحدث في مجتمع يفرق بين فرد وفرد وبين طبقة وطبقة , ولهذا فأن اول ما يجب ان تدركه المرأة ان تحريرها هو جزء من تحرير المجتمع كله من النظام الرأسمالي " .
ورغم اهمية تأكيد العلاقة بين مكانة المرأة والنظام السائد , فأن هذه الدراسات الاجتماعية لم تتمكن بعد من تقدين نظرية متكاملة منهجية تربط بين النظام العام والثقافة , والعوامل النفسية والعقلية , ومكانة المرأة الدونية هذه , بعد ان تشدد نوال السعداوي على النظام العام والمسببات الاقتصداية والاجتماعية , تعود لتشدد على العوامل النفسية والشخصية فتقول لنا أن " عدم نضج المرأة وعدم نضج الرجل " هو السبب الرئيسي وراء معظم الانحرافات والمشاكل الاجتماعية والنفسية والجنسية , فيتحول احساس الرجل بايجابيته الى مبالةغ في السيطرة وميل الى الانانية والسادية ( الرغبة في الايلام ) وتزيد من أحساس الرمأة بسلبيتها لتصبح مبالغة في الخضوع والماسوشية ( الرغبة في استشعار الألم ) .
وفي ضوء هذا المنظور الاجتماعي , سنبحث طبيعة علاقة مكانة المرأة الدونية بالبنى الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع العمل والمشاركة في عمليات الانتاج .
أولاً : انماط المعيشة : موقع المرأة في البادية والريف والمدينة
تجرد مختلف انماط المعيشة في المجتمع العربي ( البادية , الريف , المدينة ) واشكال توزيع العمل المعتمدة فيها المرأة من حقها , بتحمل مسؤوليات الجهاد , والسعي وتأمين الرزق والنهوض باعباء الوطن . وعلى الرغم من تشديد القبيلة في البادية على العصبية , وقرابة الدم والمساواة والبساطة في توزيع العمل , فأنها حرمت المرأة من المشاركة على قدم المساواة بالرجل في القتال والغزو الذي شكل تاريخياً المصدر الاساسي للدخل في البادية .
وفي سبيل ترسيخه لعملية اضعافها , اعتبر المجتمع ان المرأة فصيحة اللسان , ومصدر الكيد والفتنة , وقال انها " رضعت وابليس من ثدي واحد " وانها سبب العلة والمسؤولة عن الخطأ . وأشترط الرجل البدوي على زوجته ليلة زفافه قبل كل شئ , ان تحترم والديه وتخدمهما وتطيعهما . وفيما عدا الحرب فأن المرأة تعد جميع وجبات الطعام , وتهتم بأنزال وترتيب ونقل جميع مقتنيات العائلة بما فيها الخيمة , كما تهتم بالرعي , وحلب وسقاية الابل والحياكة , وقد تذهب الى الأسواق فتبيع وتشتري , , ولكن الرجل يصطاد ويذبح الحيوانات ويسلخها فقط ويحارب ويدرس ويعمل لقاء أجر ويخدم في الجيش والحرس الوطني , بسبب هذه المسؤوليات , يتمتع الرجل بالاضافة الى ما ذكرنا بانه يأكل ويشرب القهوة قبل النساء , ويعيش حياة متنوعة خارج الخيمة .
ويخالف دور المرأة في الريف انما ليس نوعياً , وللحد الذي يجعلها مشاركة في مسوولية الانتاج . تقتضي مهمات العمل الزراعي في الريف ان يعمل جميع أفراد الاسرة , الرجال والنساء والكبار والصغار معاً , وتتعدى مهمات المرأة الاعمال المنزلية الى الاهتمام بالمواشي والمزروعات وجني المحاصيل والبيع والتبضع في الاسواق والحياكة والخياطة والاحتطاب وجلب المياه ( حيث لا تصل الى المنازل ) وغيرها من الاعمال , التي لا تتقاضى لقاءها اي اجر , غير اننا بدأنا نلمح بعض التطورات في اتجاه تقاضي الاجور بعد هجرة الرجال للعمل في الدمينة او خارج البلاد .
ولا تزال المرأة محرومة في الواقع من حق توارث الاراضي وتملكها , ولا تزال عرضة لجرائم الشرف والزواج دون موافقتها , والعقاب حين لا تتقيد بالتقاليد المتبعة , وهي لا تزال مضطرة للتظاهر بعدم امتلاك السلطة حتى حين تملكها . انها في الوقت الحاضر تستمد مكانتها الخاصة ليس من مسؤولياتها ومشاركتها النادرة في العمل الانتاجي , بل من كونها اما وابنة واختاً , ولكنها مثل الارض رمز للخصب فتعطي أكثر بكثير مما تأخذ . وحتى الوقت الحاضر لا يزال يصدق القول القديم ان " الرجل نهر والمرأة سد " فهي ليست المصدرفي عرف المجتمع , وفي الاذهان انها تحصد وتجني ,انما ليس لنفسها .
وحرمان المرأة من المسؤولية والاجور لقاء اعمالها في البادية والقرية , ربما فاق حرمانها في المدينة , رغم ما اسبغ على المرأة من مظاهر التحرر , وكانت نساء الطبقات الفقيرة وما زلن يعملن لقاء اجور زهيدة , وتكاثر عدد نساء الطبقات المتوسطة المنبثقة العاملات في التعليم والادارات العامة والخاصة . اما نساء الطبقات الغنية , فكن وما زلن مترفات دون مشاركة في الانتاج , منصرفات للتسلية والرياضة والسفر وتبادل الزيارات واقتناء الجواهر والازياء الحديثة ورموز الثراء . وفي جميع الحالات المرأة هامشية في مراكز النفوذ السياسي , والنشاط التجاري والحرفي والعبادة. ثم ان عملها خارج المنزل هو امتداد لعملها داخله فيغلي عليه طابع الخدمة كما في التعليم الابتدائي والتمريض والسكرتارية والادراة والخياطة والحياكة وحفظ المواد الغذائية .
ويبقى عمل المرأة على الرغم من تزايده مسانداً لعمل الرجل , وبضغط من غلاء المعيشة , وتأمين السكن والحصول على المستوردات الاستهلاكية والتخفيف من اعباء العائلة او تحسين اوضاعهما بالتنافس مع العائلات الاخرى . في أوساط العائلات الفقيرة , تسلم المرأة العاملة راتبها للرجل , المسؤول الذي يعيد اليها جزءا صغيرا منه , مصروفاً خاصاً , كما لو انه يمنحها اياه من جيبه الخاص , وفي حالة الطبقات الوسطى , تعمل المرأة لتساعد اهلها او زوجها ولشراء ما تحتاج اليه من ثياب وحلي وادوات زينة وغيرها مما تزداد الحاجة اليها . وترتفع اثمانها في مجتمع تنافسي استهلاكي . ولا يزال هناك ميل واضح بين نساء الطبقات الغنية نحو التعالي عن العمل وتضيل اللهو في عالم جاد .
النظام الطبقي :
يصعب جدا ان لم نقل يستحيل , تحرير المرأة في المجتمعات الطبقية , أكانت رأسمالية ام شبه رأسمالية , أم اقطاعيه او شبه اقطاعية , فتوزيع العمل في العائلة هو جزء من نظام توزيع العمل في المجتمع ككل ان علاقات الاستغلال والسيطرة هي ذاتها في المجتمع ومؤسساته ومنظماته . وتتصف بها علاقات طبقة بطبقة ,والرجل بالمرأة والحاك بالمحكوم والامة القوية بالامة الضعيفة , ليست هذه العلاقات اشكالاً منعزلة , بل انها على العكس متداخلة يرسخ بعضها البعض , وتشكل نظاماً هرمياً لا انسانياً ينمي في الانسان البشاعة لا الجمال والظلم لا العدالة والشراسة لا المحبة .
يزداد كل شكل من أشكال الاستغلال والسيطرة مناعة بازدياد مناعة الاخر , كما يضعف بضعفها , وينهار بانهيارها . ان اضطهاد الشعب والمراة والصغار والفقراء ... الخ , هو وجود متعددة لحقيقة واحدة . ثم ان عملية الاضطهاد سلسلة متصلة , فالرجل المضطهد في العمل يضطهد زوجته واولاده في المنزل , والمرأة المضطهدة من قبل زوجها تضطهد زوجات ابنائها , والابن المضطهد يضطهد اخاه الاصغر منه او اخواته , وهم جيعا يضطهدون خادماتهم حين تتوافر لهم ذلك , في جميع هذه الحالات هناك تناقض في المصالح , وتنافس في الحصول على النفوذ والثروة والمكانة ومعتقدات عامة متوارثة تسوغ هذا الواقع .
ان النظام الطبقي الهرمي السائد في المجتمع العربي يتصف بالعلاقات التالية في مختلف المجالات :
1- الاستغلال : الذي لا يحد من تفاقمه سوى ضوابط قليلة واهية , في الوقت الذي تسوغه من ناحية معاكسة معتقدات وترتيبات بنيوية عديدة , فتنعم القلة بالثروة والنفوذ والجاه , فيما تتحول الغالبية من الشعب الى جماعات تعسة في صلب حياتها , تمارس على بعضها البعض ما يمارس عليها , وتعاني ليس الحرمان المادي فحسب , بل تعاني فقدان الكرامة , ويتعذر عليها في هذه المناخات تحقيق امكاناتها وتنمية مواهبها . وبذلك يكون الاستغلال الاقتصداي ايضا استغلالاً سياسياً واجتماعياً وعملية افتقار روحي وفكري في سبيل ان تشبع القلة جشعها الذي لا يشبع , فتعيش على حساب المجتمع في فسدا وفراغ يجتاز حدود السقم الى الموت الداخلي .
2- السلطوية : التي تقوم على القهر والاذلال , في شتى نواحي الحياة . ان الكادح المسحوق والمغلوب على أمره , لا يختلف عن الفتاة التي يجبرها اهلها على الزواج من رجل لا تحبه , وكلاهما لا يختلف عن الطفل الذي يصفعه والده , والوالد الذي يصفعه المحتل امام اولاده , والعسكري الذي ينفذ الأوامر قبل ان يتساءل , بل ان عملية التعليم التي لا تحصل الا بالاقناع والنقاش الحر تتم في اجواء تسلطية , ولذلك أليس من الطريف ان تشير الخادمة الى سيدتها بمعلمتي , والمتدرب الى صاحب الحرفة ب معلمي , لذلك نجد مؤسسات التربية , مؤسسات تدريب في خدمة النظام , لا مؤسسات تعليم في سبيل معرفة الحقيقة والنمو بها .
3- التغريب : الناتج عن الاستقلال والسلطوية والفراغ المعنوي مما يحيل الشعب , وخصوصاً الكادحين والنساء والضغار والخدم والموظفين , الى جماعات عاجزة تعسة في صلب حياتها .
4- العدائية : التي تقوم على الحسد والنفاق والتفاخر والتشاوف والتنافس والتزييف والتقنع . وكل عدائية تسمي نفسها دفاعاً عن النفس , وغيرها اعتداء عليها . وبذلك يتحول المعتدي الى ضحية فيسمي المحتل المقاوم ارهابيا , والرجل الظالم امرأته داهية , ورب العمل العامل ناكراً للجميل .
5- الفقر : الذي يجر الفقر , والعنف الذي يولد عنفاً مضاداً والاذلال الذي يقود الى مزيد من الاذلال , فلا يكون للمضطهدين من مخرج سوى بالانتظام في حركة ثورية تحررهم من العبودية .
6- التعصب : الذي تبديه الجماعات المتحكمة ضد الجماعات المحكومة , فتسود الثقافة العامة ايديولوجية متكاملة تبرر التحكم . ان الايديولوجية الطبقية النخبوية التي تتهم الطبقات الكادحة بالكسل والجهل والغوغائية والسوقية هي نفسها الايديولوجية التي تسوغ سيطرة الرجل وتتهم المرأة بقصور العقل والعاطفية , والكيد والفتنة والثرثرة والضعف وغير ذلك مما يردد علينا في كل لحظة . وفي صميم هذه الايديولوجية , ان الكادحين والمرأة هما مصدر الفتنة في المجتمع وكما يقال ان النخبة تمثل العقل والعقلانية , فيما يمثل الشعب العاطفة الغوغائية , يقال ايضا ان الرجل يمثل العقل , فيما تمثل المرأة القلب .
ان الايديولوجية عينها تقول بحتمية عدم الماساواة , لاسباب غيبية وطبيعية وبالتفاوت الطبيعي في المواهب والطموحات , وبالتكامل والانسجام بدلاً من التناقض والصراع , وبذلك تستمر الطبقية التي تعني ان المجتمع هو في خدمة الاقلية على حساب الأكثرية , والجنسية التي تعني ان المرأةفي خدمة الرجل على حساب نموها وكرامتها , ان هذه الايديولوجية العامة تستغفل كل شئ بما فيه العائلة والدين , لقد استعمل الدين ويستعمل باستمرار بالتعاون مع رجال الدين والمؤسسة الدينية كأداة في تسويغ تسلط الرجل على المرأة واستغلال طبقة لطبقة . وهنا لابد من الاشارة الى ضرورة معرفة الاسباب التي تجعل المؤسسة الدينية تسكت عن التفسيرات المحافظة اليمينية حتى ولو كانت خاطئة , وتثور ضد اي محاولة تفسر الدين تفسيراً تحررياً ولو كان صائباً .
ثالثا : النظام الابوي
ان العائلة العربية عائلة ابوية هرمية ( تماما كالجتمع العربي الطبقي ) يقوم التمايز وتوزيع العمل فيها على أساس الجنس والعمر , فيتسلط الذكر على الانثى , والكبير على الصغير . انها في صلب التنظيم الاجتماعي , وصورة مصغرة للمجتمع , فتشكل حولها وحدة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية فيتوارث فيها الافراد والجماعات هوياتهم وانتماءاتهم الطبقية والدينية الثقافية .
عرف المجتمع العربي مختلف التجمعات العائلية في مراحل تطوره التاريخي . يظن ان الاقتصدا كان يقوم في المراحل الاولى على التقاط الاثمار والصيد وكانت الملكية جماعية والعلاقات تعاونية تتصف بالمساواة بين المرأة والرجل . اما في المراحل التالية حين اصبح الاقتصدا يقوم على تدجين المواشي والرعي والزراعة , فقد ظهرت الملكية الخاصة وجرى توزيع العمل , بحيث يكون الرجل مسؤولا عن السعي والجهاد في تأمين الرزق , والمرأة مسؤولة عن الشؤون المنزلية . ونشأ النظام الابوي وخسرت المرأة مساواتها , وليس واضحاً متى تم ذلك تماماً ؟ وما هي العوامل التي أدت الى هذا التحول , ولكن بعض الدراسات تشير الى استمرار النظام الامومي عند بعض القبائل في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام مباشرة . ويذكر عالم الاجتماع اللبناني زهير حطب ان المرأة في العصر الجاهلي كانت المرجع الوحيد والحقيقي بسبب عدد الابناء المولودين من ازواج متعددين فنسبوا اليها , وظفرت بالاحترام والطاعة واصبحت صاحبة السلطة في العشيرة ,وان قبائل بأكملها انتسبت الى امرأة كبني ظاعنة وبني طهية , وان انواعا عدة من الزواج والانتساب كانت معروفة قبل الاسلام . ومن رواسب نظام الامومة المصطلحات التي بقيت في اللغة ( مثل امة وبطن ورحم وحمولة ومرأ .. الخ ) والانتساب للأم في التراث الديني . ويذكر سيد عويس في كتاب له حول ظاهرة ارسال الرسائل الى ضريح الامام الشافعي في مصر طلباً للمساعدة في الملمات , يوقعها اصحابها باسمائهم مردفة باسماء امهاتهم للاعتقاد بانه ينادي عليهم يوم القيامة بأسم الام وليس باسم الاب ( فلان او فلانة بنت فلانة ) .
وبسيطرة الناظم الابوي , اصبح الرجل هو المعيل , واصبح بقية افراد العائلة عيالاً مهما كانت درجة مشاركتهم في العمل ومهما كانت علاقة الاعالة والاعتماد متبادلة ( مصطلح عائلة مشتق من عال , يعيل . أعالة , معيل , عيال .. الخ ) وقد اخذ يطلق على الزوجة القاباً تلفظ بفخامة ولكنها تعني التحقير لأنها ملحقة بالرجل مثل عقيلة وقرينة , فيما يشار اليه بألقاب رب الاسرة وبعل مما يوحي بالالوهية التي فرضها على افراد الاسرة التي يفترض ان تتأثر وتتضامن وتتناحر وتتعاون . وعندما تتحول المرأة الى قرينة وعقيلة لا تعود تملك نفسها وخصوصيتها ولا حتى شرفها الذي أصبح شرف الرجل . وبذلك تصبح أسيرة الرجل ومفهومه لها على انها للانجاب وتربية الاولاد وتدبير شؤون المنزل والسهر على تلبية حاجات زوجها والخضوع لاوامره والسي لنيل رضاه بالطاعة والتنافس , مع غيرها من النساء للحصول عليه .
وترينا دراسة ( مطلع الخمسينات ) في بيئة تقليدية في أهوار العراق ( الجبايش ) لشاكر سليم , ان الرجال يأكلون قبل النساء وعلى حدة " فأن من الخزي على الرجال ان تأكل النساء معهم " وان للاب مطلق الحرية في التصرف .. وله الحق بأن يطرد او ان يطلق زوجته في أي وقت ولي سبب .. مع احتفاظه بحق ابقاء اطفاله منها .. وله الحق في ان يضرب زوجته حين يشعر ان ذلك مناسب او لازم . وللاب ان يقبل او يرفض تزويج ابنته لأي رجل وباستطاعته ان يستولي على مهرها كله ..
ويعتقد الرجال في الجبايش , ان منح الزوجة اي احترام او النظر اليها نظرة مساواة مع الرجل امر يتنافى والرجولة . يحصل كل ذلك رغم ان النساء يشاركن بالاعمال كافة بالاضافة الى العناية بالمنزل والاطفال واعداد الطعام وحياكة الحصر ونقل المحاصيل , وجمع العلف للحيوانات ولكن بعض الاعمال مثل حرث الارض مقتصرة على الرجال .
جعل هذا النظام التقليدي الرجل مركز السلطة والمسؤولية والاحترام والارث والانتساب .انه رأس العائلة وسيدها وربها يملي اوامره وارشاداته وتهديداته , دون ان يتوقع من أفراد اسرته , بما فيهم الزوجة , نصائح هو بغنى عنها. وخصوصا اذا ما تعلقت بتصرفه , وما دام يؤمن حاجات العائلة المادية , لا يعيبه شئ , ويبدأ الرجل يفقد هذه الامتيازات ويتبدل موقفه من زوجته وأولاده عندما تبدأ المرأة تشارك في العمل خارج المنزل لقاء اجر تسهم في تأمين حاجات العائلة الضرورية .
خاتمة : تحرير المرأة
لقد فشل حل التطور الطبيعي التدرجي المسالم . يظن البعض ان مشكلة المرأة تحل نفسها تدريجياً وتلقائياً بتطور المجتمع , ويذكرنا هذا البعض ان تبدلاً حقيقياً قد حصل خلال القرن الاخير مستشهدين بالانجازات العديدة التي تمت مثل نزع الحجاب , وارتداء الملابس الحديثة والاختلاط بين الجنسين , والنسبة المتزايدة لاقبال النساء على العلم والمشاركة الفعلية للحياة العامة خارج البيت . واذا قيل لهؤلاء ان ما حدث هو تطور كمي وليس تطوراً نوعياً , اجابوا بأن التطور الكمي يقود مع الوقت الى حدوث تطور نوعي .
ماذا نعني بالتطور النوعي ؟ بكل بساطة نعني ان تتحول المرأة من وظيفة ودور وموضوع جنسي وانجابي الى انسان , فيكون لها الحقوق وعليها الواجبات والمسؤوليات لفرض ذاتها التي للرجل دون تمييز .
بين التحولات النوعية . اذن , ان تكون المرأة اولاً واخراً انساناً لا جسداً , وان تشترك في جميع الميادين العامة , وان تتساوى مع الرجل في الحقوق وبخاصة في أطار الاحوال الشخصية , وان تكون كائناً بذاتها لا بغيرها , ثم ان المرأة لا تزال محرومة حتى على صعيد التطور الكمي .
وفشل ايضاص الحل الاصلاحي الذي يشد على اجراء تغييرات جزئية ضمن الاطار العام السائد ودون التعرض اليه , وبين الاصطلاحات المحضة التي طرحت لحل مشكلة المرأة تعميم التعليم والتعليم المختلط , وفتح مجالات العمل امام المرأة ,وتصحيح الافكار الخاطئة حول المرأة والجنس , ومنح المرأة حق الانتخاب .. الخ .
ضمن هذا الاطار الاصلاحي طالب فرح انطون كما طالب قاسم امين قبله بتربية المرأة وقال : " ان تربية النساء اهم من تربية الرجال في الهيئة الاجتماعية " اذ انه " يجب ان يكن عظيمات وفاضلات ليكون الرجال عظماء وفضلاء وذاك لأن الرجال يكونون كما تريد النساء " , ثم يسأل فرح انطون " ما هي وظيفة المرأة ؟ " ويجيب " ان وظيفتها ان تكون زوجة واما, لهذا خلقت في هذه الحياة لا لأمر سواه , فتربيتها اذا يجب ان تعلمها واجبات الزوجة والأمومة .. ومقام الزوجة والام هو في المنزل " . التربية في هذه الحالة ليست في سبيل تحرير المرأة , بل في سبيل ترسيخ دورها التقليدي والتشديد على انها لم تخلق من اجل ذاتها , بل من أجل دور محدد تؤديه في خدمة الرجل والاولاد .
هنا يمكن ان نضيف بان الحركات السياسية والثورية لم تحرر هي نفسها كي تتحرر المرأة ,وقد شجع هذا الواقع على قيام قناعة جديدة في بعض الاوساط النسائية تقول بعزل قضية المرأة عن قضايا التحرر السياسي . وان تجزئة قضية المرأة وعزلها عن قضايا المجتمع الاخرى , ليست خطوة الى الامام في رأيي . بل هي اندراج بوعيها في تيار الاصلاح الذي أعلنا افلاسه . ان الحل الثوري هو الحل الذي يرى ان مسألة قهر المرأة مرتبطة بمسألة النظام العام ,بما في ذلك مسألة القهر القومي ومسألة القهر الطبقي . وكما تستلزم هاتان المسألتان قيام وعي تحرري , والانتظام في حركة سياسية شعبية تعمل في سبيل اقامة نظام جديد , كذلك تستلزم مسألة تحرير المرأة قيام وعي جديد والانخراط في حركة ثورةي شاملة .
ان التحرير لا يتم بالفراغ , او العزلة , بل في الكفاح والمشاركة , لذلك يكون موضع حركات التحرير النسائية رغم كل شئ ضمن حركات تحرير المجتمع وليس خارجها , ان التحرر لا ينمو فجأة ولا يهبط على الانسان كالوحي , بل يتكون من خلال ممارسة العمل الثوري . وعندما تشكل النساء قوة داخل الثورة وفيها لا بمعزل عنها , لا يكون تصرفهن مجرد ردة فعل للقمع بل يتحررن ضمن الثورة كما يتحرر الرجال .




----------------------------------
* المرأة ودورها في حركة الوحدة العربية

900_Courtyard El Biar.jpg
 
أعلى