محمد القاضي - النهضة الفكرية والأدبية في عصر الموحدين بالمغرب

كانت بداية ظهور دولة الموحدين بالمغرب حوالي سنة 515هـ وذلك على يد محمد بن تومرت، الملقب بالمهدي، وقد تزعم في بداية الأمر دعوة تقوم على الإصلاح الديني والاجتماعي جعل شعارها «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ويكاد يتفق جميع المؤرخين والباحثين أن هذه الدعوة اكتسبت طابعًا دينيًّا محضًا.

لقد استغل المهدي بن تومرت جميع الميادين من أجل نجاح دعوته وتحقيق غايته، فادعى المهدوية وقال بالعصمة والإمامة وسفك الدماء دون تورع ولا توقف، وخاض معارك طاحنة ضد المرابطين، تمخض عنها انهزام المرابطين وقيام دولة الموحدين. 237505743_35d88a433e_opt.jpeg

لقد اعتمد الموحدون منذ بداية ظهورهم على القوة العسكرية في نشر دعوتهم وتأسيس دولتهم، فاعتنوا بتنظيم الجيش تنظيمًا لم يعرفه المغرب من قبل، وسهروا على تدريبه وتسليحه، ولا نبالغ إذا قلنا إن فترة التحول من الدولة المرابطية إلى الدولة الموحدية- وخصوصًا فترة حكم عبدالمؤمن وخليفته يوسف- كانت فترة من أزهى عصور المغرب الإسلامي من النواحي العسكرية والسياسية والفكرية والعمرانية.

وفي مجد عظمتهم الدينية والحضارية يذكر التاريخ أن الملك «جون» ملك الإنجليز بعث سنة 1211م وفدًا رسميًّا لمفاوضة الخليفة عبدالله محمد الناصر لإعلان الإسلام في بريطانيا وإلحاقها بدولة الموحدين، ويتحد معها ويطبق شريعتها ويقدم لها الولاء والطاعة مقابل حمايتها ضد البابا والبارونات.

المستوى الفكري الأدبي

لقد أصبح للمغرب في عهد الموحدين حضارة متميزة لأنها ظهرت بروح جديدة تخالف أساليب الدولة المرابطية قبلها، فقد أسس الموحدون المدارس بمراكش وسلا وفاس وسبتة وجعلوا التعليم إجباريًّا في الحواضر والبوادي على السواء واعتنوا بتأسيس المكتبات العامة، واهتموا بالجيل الناشئ وتوجيهه توجيهًا خاصًّا يطابق النهج العقائدي للدولة الموحدية، وتميز عهدهم بالحرية الفكرية وتشجيع رجال الفكر وتقديرهم والعناية بهم، ويذكر صاحب «المعجب» أن عبدالمؤمن كان مؤثرًا لأهل العلم محبًّا لهم، محسنًا إليهم يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم (1).

وقد ساعدت هجرة العلماء وأقطاب الفكر العربي وخصوصًا من الأندلس والقيروان (تونس) على ازدهار الحركة الفكرية بالمغرب ونشطت نشاطًا منقطع النظر في مختلف الميادين منها الفلسفية والدينية واللغوية والأدبية والعلمية، وأصبحت مراكش أيام ازدهار الحضارة الموحدية مدينة علم وفكر وفن وأدب تضج بأعلام كبار في كل فن أمثال: ابن طفيل وابن باجة وابن رشد وبني زهر وغيرهم كثير.

لقد كان النشاط الفكري موازيًا للتوسع الإمبراطوري والتطور الحضاري، ويذكر الباحث المغربي محمد المنوني أن فضل الموحدين على المعارف كان عظيمًا، فإنهم حافظوا على ما اختاروه منها إلى حد كبير وشجعوها كما شجعوا كثيرًا من العلوم التي لم تكن رائجة أو كان محظورًا رواجها في العهد المرابطي وطبعوا كل ذلك بطابعهم الثلاثي الخاص: العظمة، الدين، التجديد، وإن تشجيعهم للمعارف التي كانت شائعة في عهدهم بلغ مبلغًا عظيمًا وكان تشجيعًا ماديًّا وأدبيًّا (2).

مما لاشك فيه أن الحركة الأدبية في عهد الموحدين قد استفادت من النهضة الأدبية التي ورثوها عن المرابطين، وحاولوا أن يطبعوها بطابع دولتهم الفتية، فازدهرت في عهدهم المعارف وتوافرت لديهم عوامل ازدهار الأدب وكثر الإقبال عليه، وتمتنت العلاقة أكثر من ذي قبل مع رجال الفكر بالأندلس الذين وفدوا على بلاط الموحدين بمراكش، وكان لاهتمام الخلفاء بالأدب والأدباء الأثر الواضح في نهضة الأدب العربي على أرض المغرب في هذا العصر، وكان أهم ما امتاز به هذا الأدب هو البساطة والطابع الديني والابتعاد عن سفاسف القول والتحرر- نسبيا- من بعض الموضوعات التي كانت شائعة في الأدب العربي، وهكذا نجد اختفاء شعر الغزل والخمريات من الساحة الشعرية، وذلك تماشيًا مع طابع الدولة الديني الذي يحرم ذلك.

وكان المدح والفخر والحماسة من أهم الأغراض رواجًا في حضرة الخلفاء، وأصبح الشعراء في عهدهم أول أجهزة إعلام عرفها المغرب، فقد اجتهدوا في إرضاء الخلفاء برسمهم هالات من العظمة والتقدير حولهم، فخلدوا المآثر وشادوا بالذكر الحكيم وحققوا ما كانت تطمح إليه نفوس القائمين على تسيير شؤون الدولة، وقد أغدق الخلفاء على هؤلاء الشعراء الجوائز الكثيرة حتى بلغ الأمر بالخليفة عبدالمومن أن منح الشاعر التيفاشي ألف دينار على بيت واحد من الشعر أنشده إياه، كما جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان (3):

ما هز عطفيه بين البيض والأسل = مثل الخليفة عبدالمومن بن علي

ويذكر التاريخ الأدبي أنه حينما عبر عبدالمومن إلى الأندلس للمرة الأولى ونزل بجبل طارق الذي سماه هو «جبل الفتح» تقاطر عليه الشعراء من كل حدب وصوب، وأنشده شعراء عديدون، منهم شاعر فاس ابن حبوس الذي أنشده قصيدة جاء فيها:

بلغ الزمان بهديكم ما أملا = وتعلمت أيامه أن تعدلا
ويحسبه إن كان شيئًا قابلًا = وجد الهداية صورة فتشكلا

وكان الشاعر «الجراوي» الذي لقب بشاعر الخلافة الموحدية كثيرًا ما يتباهى أمام أقرانه بالقولة الشهيرة التي خصه بها الخليفة عبدالمؤمن وهو في جبل الفتح «يا أبا العباس إنا نباهي بك أهل الأندلس».

وتذكر المصادر الأدبية أن الخليفة المنصور أعطى لابن منقذ رسول صلاح الدين الأيوبي ألف دينار لكل بيت من القصيدة التي مدحه بها وتضم أربعين بيتًا منها:

سأشكر بحرا إذا عباب قطعته = إلى بحر جود ما لآخره ساحل
إلى معدن التقوى إلى كعبة = إلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمير المؤمنين ولم تزل = إلى بابك المأمول تزجى الرواحل
قطعت إليك البر والبحر موقنًا = بأن نداك الغمر بالنجح كافل (4)

لقد كان هذا الضرب من الشعر سجلًا وافيًا ووثيقة تاريخية مهمة استعان به المؤرخون والباحثون في الوقوف على أحداث ووقائع مهمة، تعتبر خلاصة اللحظات التي كانت تصاحب مسيرة هذه الدولة في تطورها وازدهارها.

ويتضمن كتاب «المن بالإمامة» لابن صاحب الصلاة ديوانًا من الشعر المتين السليم شارك فيه كل من ابن حبوس وابن سيد المالقي وأبي العباس اللص والشاعر الطليق وابن حربون والمواعيني وابن طفيل وابن الحكم البلنسي وغيرهم، وأكثر هذا الشعر الرسمي متأثر بالأسلوب والوزن المعروفين في المشرق على عهد أبي تمام والمتنبي، وجلها يدور حول الشعر السياسي الذي أرادوه أن يكون بمنزلة مكبر صوت تذاع عبره وجهات نظرهم السياسية والعقائدية بشكل مباشر.

ولئن كان الشعر قد عبر عن هموم الدولة وسعيها إلى إبراز وجودها، فإن النثر قد صار بمحاذاة الشعر يسجل مفاخرها ويركز على خصوصيات طابعها العقائدي من خلال تراكم الرسائل التي خطها ناثرو ذلك العصر كأبي جعفر بن عطية الأديب الوزير، فقد وصلتنا بعض من رسائله النثرية ذات أهمية تاريخية وأدبية حققها ونشرها المستشرق الفرنسي «ليفي بروفنسال» في كتاب «مجموع رسائل موحدية» الصادر عن مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية سنة 1941م حيث يرى أن هذه الرسائل تعرض لنا بيانا مباشرا دقيقًا منظمًا لأهم الحوادث التي وقعت في أيام الموحدين من تدابير سياسية وإصلاحات اجتماعية وغزوات وانتصارات حربية، كما أنها تمكن الدارس من الوقوف على تطور الآداب بالديار الغربية الإسلامية من نماذج شتى عن فن الكتابة الرسمية في العهد الموحدي.

إن الأدب الموحدي الذي برز بشكل واضح في تاريخ الفكر المغربي لم يكن إلا انطلاقة لأسس ثقافية إسلامية لها منظورها الخاص من تاريخ الفكر العربي والإسلامي.

الأدب المـــوحـــدي لم يكن إلا انطلاقة لأسس ثقافية إسلامية لها منظورها الخاص



الهوامش
1- المعجب، عبدالواحد المراكشي، ص 293.
2- انظر كتاب الآداب والعلوم والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص 15.
3- انظر وفيات الأعيان لابن خلكان، ص 391، ج1.
4- انظر الأبيات في كتاب: نفح الطيب، المقري، ت: إحسان عباس، ج1، ص 445.
 
أعلى