نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

علي الشدوي - نقد المفهوم السائد للقراءة

'في النقد' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,625
    2,579
    في كتاب ه"الحيوان" مدح الجاحظ الكتاب، وتتبع أقوال العلماء والشعراء في بيان فضله، وقايس بينه وبين الولد، ولم يستبعد أن يكون أفضل من صاحبه، ولم يكن ليدع الفرصة من غير أن يرغّب في اصطناعه. والآن نعرف أن نتيجة هذا المدح أنْ قتل الكتابُ الجاحظَ، إذ سقطت عليه كتبه فمات.

    بعد أقل من خمسين سنة على موت الجاحظ 255هـ، ولد المتنبي 303 هـ، ليمدح الكتاب بأشهر بيت تتداوله الألسن:
    أعز مكان في الدنى سرج سابح = وخير جليس في الزمان كتاب.

    في هذا البيت مقارنة بين الفرس السابح السريع الجري وبين الكتاب. بين عدوانية الفرس وخيرية الكتاب. يشرح البرقوقي هذا البيت"إن سرج الفرس هو أعز مكان، لأنه يمتطى لطلب المعالي أو محاربة الأعداء لدفع شرهم، أو للهرب من الضيم واحتمال الأذى. وأن الكتاب هو خير جليس، لأنه مأمون الجانب فلا أذى ولا شر ولا يحتاج في مجالسته إلى مؤونة، فضلاً عن أنه يفاد من آدابه وكل ما يحتويه". والآن نعرف أن المتنبي قتله شعره.

    لا يهمني هنا أن أتحقق من صدق الحكايتين. ولا ما إذا كان قاتل المتنبي قرأ شعره أو سمعه. ما يهمني هو ما تشيران إليه من أن الإحساس بالطمأنينة ونحن في صحبة كتاب يصبح مجرد وهم، أمام القلق الذي ينجم عن إدراك قوامه أن الكتاب يمكن أن يتخذ أو ينحو إلى شكل منذر بالخطر. إن الكتاب خطير إلى حد أنه قد يقتل، وأن البحث عن السكينة ليس شرطاً أن تكون في صحبة كتاب. وأخيراً وكما يقول إيكو، فإن الكتب غالباً ما تتحدث عن كتب أخرى، والخطورة أن بعض هذه الكتب يبدو غير مؤذ، لكنه كذلك أو كالبذر يزهر في ما بعد في كتاب خطير.

    يستعاد وصف الجاحظ ومدح المتنبي للكتاب في مقرراتنا الدراسية، ويكرره المعلمون لتراجع قراءة الطلاب أمام مشاهدتهم التلفزيون، ومتابعتهم الإنترنت، ولعبهم البلايستيشن. يستعادان ويكرران في إطار فكرة تربوية سائدة هي متعة القراءة. ورد في كتاب طرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية في ضوء الاتجاهات التربوية الحديثة رشدي خاطر وآخرون، 1989، ص 103 بعنوان القراءة للاستمتاع ما يأتي"كثيراً ما يبحث الإنسان عن الراحة والاستمتاع في الابتعاد عن الواقع، وليس أدل على هذا الصنف من القراءة الاستمتاعية من انغماس الأطفال في قراءة القصص الخرافية والحكايات الخيالية والوهمية. وهذه القراءات لطيفة لا بأس بها علينا جميعاً ما دمنا لا نأخذها مأخذ الجد، فلا يختلط لدينا الواقع بالخيال والحقيقة بالأوهام".

    يُدرس هذا الكتاب في كليات التربية، وقد قُرر علينا في مادة طرق تدريس اللغة العربية، وحينما خصصته بالاستشهاد، فلأننا في الغالب وكما يقول الفيلسوف جون سيرل:"نستطيع أن نحصل على صياغة لما يجري في ثقافة معينة من خلال إلقاء نظرة على الكتب المدرسية للجامعيين أفضل من أعمال المفكرين الأكثر شهرة. فهذه الكتب المدرسية أقل ذكاء في إخفاء العيوب.

    أعرف أن نيات التربويين وأساتذة طرق التدريس ومؤلفي المقررات والمعلمين نيات حسنة، لكن تقديم القراءة على أنها متعة لا تعادلها متعة تقديم يحفه مخاطر كثيرة. كتب أنطوان كومبانيون في مقال بديع عنوانه قلق القراءة:"لا خلاف حول وجود لذة القراءة، ولا سبيل إلى إنكارها ونفيها"فهناك لذة الاستغراق في عالم الرواية، ولذة ملامسة لغة الشعر، ولذة رؤية الزمن يتقلص إلى لحظة خاطفة في الخيال، كما توجد لذة فهم الذات وبقية الوجود. لكنها ليست لذة غير مؤذية تماماً، إنما هي لذة تستلزم مقابلاً. فلماذا يتم إخفاء ارتباط القراءة في عمقها بالسأم والقلق إلى درجة أتساءل فيها أحياناً إن لم يكن المكتئبون بمفردهم هم القراء الوحيدون والحقيقيون؟".

    يرتبط هذا التساؤل بالقراءة من حيث هي ممارسة فكرية توصف بالرفيعة والنبيلة. يستشهد المخرج الروسي الكبير أندريه تاركو فسكي في كتابه الرائع والمدهش"النحت في الزمن"بهذا القول:"الجنس البشري لم يقرأ بعد أعمال الشعراء العظام، ذلك لأن الشعراء العظام وحدهم يستطيعون قراءتها. إنها مقروءة فحسب كما تقرأ العامة النجوم... على نحو تنجيمي في الغالب وليس على نحو فلكي. معظم البشر تعلموا القراءة لخدمة أغراض معينة، مثلما تعلموا الأرقام من أجل ضبط الحسابات ولكي لا يتعرضوا للغش والاحتيال في التجارة. لكن القراءة كممارسة فكرية، رفيعة ونبيلة، فإنهم لا يعرفون عنها شيئاً أو يعرفون عنها القليل. القراءة بالمعنى السامي، ليست تلك التي تهدهدنا كوسيلة ترفيه، وتدع الملكات العقلية تهجع فترة، لكنها تلك التي يتعين علينا أن نقف على رؤوس أصابعنا لقراءتها، ونكرس لها ساعات من اليقظة والسهر".

    تعني الملكات العقلية معرفة القارئ عملياته المعرفية وما يتصل بتلك العمليات وهو يقرأ الكتاب: بدءاً... ما الذي يعرفه عن موضوع الكتاب؟ هل يعرف ما يحتاجه؟ وفيما لو احتاج معنى كلمة أو إلى توسيع مفهوم أو توضيحه أين يمكن أن يذهب ليحصل على ما يريد؟ كيف له أن يحدد الخطأ في فهمه فيما لو وقع فيه؟ متى يلخص أو يكتب الملاحظات؟ وفيما لو أراد ما الذي يلخصه؟ كيف يوجه نفسه أثناء القراءة من خلال تحديد ما ينوي عمله؟ كيف يلاحظ تقدمه من أجل أن يعدل مسار قراءته؟ هكذا إذاً، هناك أسئلة عدة تجعل من قراءة كتاب ورشة عمل.

    ورشة العمل هذه عبر عنها أحد أكبر كتاب القرن العشرين. كتب غابرييل غارسيا ماركيز في مذكراته"عشت لأروي":"بدأت أقرأ ككاتب حرفي حقيقي، ليس للمتعة فقط، وإنما بدافع فضول لا يرتوي إلى اكتشاف كيف كتبت أعمال الحكماء تلك. قرأتها أولاً بصورة سوية، ثم بالمقلوب، وأخضعتها لنوع من نزع الأحشاء الجراحي، بغية التوغل في أشد أسرار بنائها خفية. وبالتوجه نفسه، لم تكن مكتبتي قط سوى أداة عمل، حيث يمكنني أن أجد في الحال، فصلاً لديستويفسكي، أو التأكد من معلومة حول صراع يوليوس قيصر، أو حول آلية مفحم السيارة، ولدي فوق ذلك، مرجع في اقتراف الاغتيالات المحكمة، إذ قد يحتاج إليه أحد شخوصي المعوزين".

    لقد روى البرتومانقويل في كتابه"تاريخ القراءة"حكاية قارئ من أكبر قراء القرن العشرين هو خورخي لويس بورخيس، وكيف كان يقرأ وعاداته في القراءة:"كان يصنع بأذنيه ما كان الآخرون يفعلونه بأعينهم: كان يسجل الصفحة المقروءة عليه في داخله من أجل البحث عن كلمة، أو جملة، أو مقاطع كانت قد خلفت أثراً في ذاكرته، وغالباً ما كان يقاطعني ويعلق على النص، من أجل، كما أظن، أن يتشبع به، ويوغله في أعماقه أكثر وأكثر". هكذا فالقراءة ليست سهلة كما يظن، أو كما تقدمها أدبياتنا التربوية عن حسن نية لاسيما قراءة الكتب الجيدة.

    لقد كان غوته محقاً وهو يقول ذات مرة:"إن مشقة قراءة كتاب جيد تعادل مشقة كتابته". وإذا كان لي أن أختم هذا المقال فلن أجد أفضل خاتمة من خاتمة مقال قلق القراءة آنف الذكر. كتب كومبانيون"القراءة محاطة بالقلق: قبلها وبعدها وحولها وأثناءها. وما عدا ذلك فدعاية مغرضة ? خصوصاً التلاميذ بغية إرضائهم ? بأن القراءة لذة خالصة تستهلك بسرعة كما لو أنها سهلة المنال، والنتيجة أنهم بعد كتب الطفولة ينفرون من الكتب التي تضنيهم وتجهدهم". يتابع في فقرة من أجمل فقرات المقال:"تذكر أول لذة حصلت عليها من القراءة، فأثناء هذه الواقعة الأولى شيء ما قد غيرك، ولم تعد كما أنت قبلها... طبعاً يوجد نوعان من الكتب: كتب تخرج منها متغيراً للأبد، وكتب أخرى عكس ذلك، والكتاب الذي يتركك كما أنت ليس في الحقيقة كتاباً جديراً بالقراءة".


    خير جليس.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..