1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

دراسة هواري تواتي - محبة الكتب في الثقافة الإسلامية

'دراسات نظرية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. محب الكتب

    كان يوصف جماع الكتب في القرون الوسطى عامة بالهواة، يعني أنّهم أناس تجذبهم الأشياء التي يسعون إلى جمعها. وهو ما يقابله لفظ Amator في اوروبا اللاتينية، المحب للكتب في العصر الاسلامي القرن وسطي يختص "بحبه الكتب" ومنها تسمية "محب الكتب". في حين أن Amator اللاتيني حبه يقتصر على الاشياء فقط، أما المحب فيهوى الاشياء والأشخاص معا. وللتعرف عليه يجب تحديد الشيء الذي يحبه في كل مرة. ومنه العبارة: "امرأة محبٌ أو محبةٌ" يحب أن تضاف اليها ألفاظ اخرى لنتعرف هي محبة لمن؟ لقطها، أو لزوجها مثلا. لتصبح: "امرأة محبٌ لزوجها أو محبٌ لقطها".

    المحبة هي تعبير ضمن تعابير أخرى عن علاقة الحب. حسب محمد بن أبي داوود الاصبهاني (ت.297/909)، صاحب أول مؤلف عن الحب في الاسلام، كتاب الزهرة: المحبة درجة من درحات الحب. بداية بالاستحسان ومعناه اعجاب برفقة من سيصبح محبوبا. يتطور هذا الشعور يتولد عنه المودّة. مع الوقت تتحول المودة إلى محبة التي يصفها الكاتب بـــأنها سبب "الطاعة" للمحبوب. هذه الاخيرة-الطاعة- تدرك في آن واحد في العلاقة بين صديقين وشعورهما الذي يبديه كل واحد منهما للآخر، وفي رابطة الخُلَّة مع الله. الخلة هي الحالة العاطفية التي تنتج عن الوفاء، تصدق على العلاقات بين الناس كما تصدق على العلاقة بين الانسان والله. لا يتعلق الامر بصداقة بسيطة انما هي علاقة حميمة. لأن الخلة-حسب ابو داوود- هي الدرجة من الحب تماثل التخلل الطبيعي فيقول: "الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلل المودة بين اللحم والعظم واختلاطهما بالمخ والدم" (محمد بن أبي داوود الأصبهاني، كتاب الزهرة، ص 34). في هذا المستوى نكون قد دخلنا في مناطق العتمة المبالغ فيها. لأن الخلة تقوى وتنمو لتصبح هوى، الذي يصبح "إنحطاط المحب في محاب المحبوب" ويدفع المحب الى الرغبة المتواصلة في القرب من محبوبه "بغير تمالك ولا ترتيب". نحن هنا في هذه المرحلة أمام حالة من الشغف، الذي يكون الهوى الدرجة الاولى منه فقط. لياتي بعده العشق، الحب المجنون الذي يصبح أكثر جنونا عندما يصل الى درجة الوله الذي يتصف بــــ " الخروج عن حدود الترتيب" و: "التعطل عن احوال التمييز". في هذه المرحلة القصوى من الفوضى العشقية، يصاب المحب بحالة هذيان والوجد التام: "يطلب ما لا يهواه" و"يتمنى ما لا يهواه" إلى حد لا يملك فيه من أمره شيئا" لا يحتذي مع ذلك مثالا ولا يستوطن حالا" (محمد بن أبي داوود الأصبهاني، كتاب الزهرة، ص 17-19).
    شغف الأغراض الجميلة

    على مثال مراتب العشق التي وصفها محمد بن أبي بكر، الذي بكتب بطريقة تصاعدية، العلاقة التي يقيمها الجامع مع الاغراض التي يجمعها تعد هي الاخرى كرابطة حب كما تصفها المصادر التي بين ايدينا. الرابط الاول وهو ما ذكر في كتاب "الزهرة"، الاستحسان، فمن دون ان يستحسن الجامع الاشياء التي يجمعها لا يمكنه أن ينشيء أي علاقة ذاتية معها. الحسن هو في آن واحد تعبير عن الجميل والجيد، الاستحسان هو كذلك التقدير الذاتي للاشياء. كما في نوعي الحب المقدس والدنيوي، وهو ما يبديه الجامع من خلال مجموعة من التعبيرات التي تحكم علاقته بالأغراض التي يجمعها. هذا مثلا حال احد عالماء بغداد في القرن التاسع انه لم ير أو يسمع باحد أحب الكتب أكثر من ثلاثة من معاصريه: كاتب، قاضي، وأمير (النّديم الفهرست،203) ، رواية أخرى لنفس الحكاية يقول فيها الشاهد بانه لم يعرف شخصا "أكثر محبة للكتب" من هؤلاء الجماع الثلاثة المشار اليهم (ياقوت، إرشاد، ج6، ص117). يوصف الخليفة الاموي في الغرب الاسلامي، الحكم الثاني (961-976) في المصادر التاريخية بانه جامع كبير، يبدي أكثر من مجرد حب بسيط لمجموعاته من الكتب، بل كان غراما (المقري، نفح الطيب، ط إحسان عبّاس، بيروت، ج8، ص 395)، نقف مع هذا الامير على حدود العقل وهل يمكننا أن نكون عقلانيين في الحب. عودة إلى الاراضي الاسلامية المشرقية، وفي نفس الفترة، جامع عراقي آخر فريسة لحبه المجنون للاغراض التي يجمعها. يصفه النديم الذي كتب سنة 987 : "مستهتر بجمع الكتب القديمة (النّديم، الفهرست، ص46)، مثال أخر لا يقل تطرفا، جامع شغوف بكتبه الى درجة : "الهيام"، وغيره كثير كذلك الذي أظهر ولها بالكتب القديمة (هذا الحب المتطرف للكتب موجود في هامش نسخة كتاب الورقة للوزير ابن الجراح (ت.296/908)، هي نفس النسخة التي اعتمد عليها عبد الوهاب عزام وعبد الستار فرّاج في انجاز نشرتهما للكتاب في القاهرة سنة 1953، 10-11). بلوغ هذه الدرجات العظمى في حب الكتب، يصبح الرابط بين الجامع والاغراض التي يجمعها "خلة" كما وصفه صاحب كتاب الزهرة، حلة يفقد فيها الغرض صفته الشيئية، ويتحول الى ذات. ذات مفترسة.

    حمى الجمع

    من هذا الشعور المشوش والضبابي ينتج" فقدان السيطرة على الذات والترتيب". وإليكم قصة قاضي بغدادي من القرن الحادي عشر، الذي كان يعشق الكتب النادرة ولا يتردد في اقتنائها مهما كلفته، كأن يستدين أو يقترض"..."(الخطيب البغدادي، تقييد العلم، ص91). يشترك هذا القاضي مع بطل رواية دوستويفسكي"المقامر" في النفسية الظلامية. كما تتقاطع قصته مع أحد نبلاء القاهرة في العصر المملوكي. سليل أسرة غنية، ورث عنها أملاكا مهمة داخل وخارج المدينة يصل مدخولها السنوي إلى 3500 دينار ذهبي. ولكنه بدأ يتخلى شيئا فشيئا عن املاكه، من أجل اشباع رغبته المتوحشة في الجمع. جامع نهم لا يضيع فرصة، كلما سمع بوجود كتاب نادر، لخطاط كبير أو "آلة بديعة" (مثل الاسطرلاب، كرة ارضية، أو لعبة ميكانيكية في شكل فني)، يهرع إلى اقتنائها. وأنهى هذا القاضي البغدادي حياته فقيرا مكبلا بالديون (السخّاوي، الضوء اللامع، ص398). تمتزج اللذة بالألم لدى هؤلاء الجُمَّاع المهوسوين، يحركهم في ذلك إندفاع مدمر يعززه الإلتباس بين الرغبة والحاجة:".." (الصفدي، أعيان العصر، 1569)، هذا الانفعال الغزائري هو ما يميز الجامع المعاصر أيضا، يذكر فرويد في تفسير لحلم حول الدراسة، ان طالبا شغوف -هذا لفظه- بالكتب:" أردت -لاحظ- جمعها بكثرة (ان يمتلك منها أكبر قدر ممكن هذا لفظنا)". يتحول إلى Bücherwurm (حرفيا يعني الأَرَضَة)، وتعلم على حسابه الخاص"الشغف يفسد الاخلاق"، مثل لذي يشتري بالاقتراض من بائع الكتب، رغم أنه في الواقع لا يمتلك المال الكافي لتغطية مصاريفه على الكتب (S. Freud, L’Interprétation des rêves, trad. I. Meyerson, Paris, 1926, 1967) ، يتضح من هذا أن المتطرفين في حب الكتب، أسرى لهذا العشق، كانوا في الغالب عزابا، وضعية ضغطت بثقلها في تشكيل صورة الجامع القرن وسطي وتحدد ماهيته.


    [​IMG]
    خير جليس