1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

دراسة جوليان بارنز - حياتي وشغف جمع الكتب

'دراسات نظرية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. أنا عشت في الكتب، من أجل الكتب، بـِالكتب ومعها، وفي السّنوات الأخيرة، كنت محظوظاً بما يكفي لأعيش من الكتب. وقد كان عبر الكتب وحدها أن اكتشفت أن ثمّة عوالم وراء عالمي المُعاش. حيث تخيّلت للمرّة الأولى ما يمكن أن يكون الأمر عليه لو أنّني كنت شخصاً آخر، وواجهت للمرّة الأولى تلك العلاقة الحميميّة العميقة الحاصلة عندما يغوص صوت الكاتب في رأس القارئ. ربّما، لحسن حظّي في السّنوات العشر الأولى من حياتي، لم يلق الكتاب منافسة من التلفزيون، وعندما صار في بيتنا جهاز تلفزيون، كان تحت رقابة صارمة من والديّ. كان كلاهما مدرّسان، لذلك كان احترام الكتاب وما يحتويه واضحاً. لم نكن نذهب إلى الكنيسة، لكنّنا كنّا نذهب إلى المكتبة.

    كان جدّايا من جهة والدتي مدرّسين، وكان لجدّي مجموعة أعمال “ديكنز” التي اقتناها عبر الطلب بالبريد، و”موسوعة نلسون” من ثلاثين مجلد أحمر صغير. كان لدى والداي مجموعة كتب أكبر وأكثر تنوعاً. نشأتُ وفي اعتقادي أنّ كلّ البيوت فيها كتبا، وذلك هو الوضع الطبيعي. وكان طبيعياً، كذلك، أن تُقيّم حسب نفعيتها، للتعلم في المدرسة، للتزوّد بالمعلومات والتأكّد منها، وللتسلية خلال العطل. كان لدى والدي كتب مقالات “Fourth Leaders” الصّادرة عن “التّايمز” أمّا والدتي فكانت تستمتع بكتب “نانسي ميتفورد”. كانت الرّفوف تحتوي كتباً مجلدة فاز بها والدي في دراسته كجوائز لتفوّقه مثل: “موسوعة النّثر الانكليزي”، “أعمال غولد سميث الشعريّة”، ورواية “الدّير والمصطلى” لـ”تشارلز ريد”.

    لم تكن هذه الأعمال تثير اهتمامي في طفولتي. بدأت أتقصّى بنفسي رفوف مكتبة والديّ (ومكتبة جدّيَّ وأخي الأكبر) عندما بدأ يتّضح إدراكي للجنس. لم يكن في مكتبة جدّي ما هو بذيء ما عدا مشهد أو اثنين من “رابطة بواني” لـجون ماستر. أمّا مكتبة والدي فكان فيها بضعة شروحات بالأبيض والأسود من “تاريخ الفنّ” لـوليم أوربن. لكن أخي كانت لديه نسخة من “ساتيركون” لـبترونيوس وكان ذلك أكثر الكتب إثارة لدينا. كان فيه من المتع ما لم أكن لأراه حولي في نورثوود.

    على الطّريق السّريع المحلي كان ثمّة مؤسّسة أسميناها “المكتبة”. كانت في الحقيقة مخزناً للسلع مع غرفة أسفل الدرّج تحتل الكتب نصف مساحتها، وكان بعضها قيّماً، مثل كلاسيكيات وروايات بان وبينغوين. كان جزء منّي يعتقد أنّ هذه الكتب هي كلّ ما يمكن إيجاده. أعني، كنت أعرف أنّ ثمّة كتبا مختلفة في المكتبة العامّة، والكتب في المدرسة وكانت مختلفة كذلك، لكن من ناحية العالم الأوسع للكتب، كنت أرى أنّ هذا المثال الصّغير يصلح لأن يكون نموذجاً. كان مصدر الكتب المختلف بالنّسبة إليّ هو الكتب التي أنالها كـجوائز مدرسيّة. كان يُسمح للطلاب الفائزين اختيار الكتب التي يريدونها-تحت إشراف أهلهم- لكن حتّى هذا الاختيار كان محدّداً ببضعة كتب في غرفة الإدارة. في عام 1963، وكنت في السّابعة عشرة، اخترت “عوليس” ولا تفارقني صورة الموقف عندما سلّموني إيّاها بحرص.

    بدأت، عند ذلك الحين، أنظر للكتب على أنّها أكثر من مجرّد مصدر للمعلومات والتّسلية والتّوجيه. كانت هناك أوّلاً إثارة ومعنى الامتلاك. أن تمتلك كتاباً محدّدا، كتاباً اخترته بنفسك- كان ذلك يعني شيئاً من تعريف الذّات. وهذا التّعريف بالذّات يجب حمايته، مادياً. لذلك كنت أقوم بتجليد الكتب مع كتابة اسمي بخط اليد على زاوية الغلاف الدّاخلي بالحبر الأزرق الدّاكن مع وضع سطر بالأحمر تحت الاسم. كان تعريف الذات هذا نوعاً من السّحر. وببطء، تعرّفت بعد ذلك على نوع آخر: الكتب القديمة، المستعملة، غير الجديدة. لم يسبق لي أن رأيت كاتباً أو عرفت أحداً كان يعرف كاتباً. وخلال الستّينات والسّبعينات، أصبحت صيّاد كتب نشيط لا يتعب. كنت أقود سيارتي إلى الأسواق والكاتدرائيات وأملؤها بالكتب التي كنت أشتريها بمعدّل يفوق أي معدّل سرعة قراءة. كان ذلك في زمن كنت تجد فيه محل كتب مستعملة واحد على الأقل في أي بلدة ذات حجم معقول، كانت تقع تلك المحلات قرب كنيسة البلدة. تأتي الكتب الجديدة في الأمام وبعدها الكتب المستعملة. كنت أشعر أنّني في بيتي. كان الجوّ مختلفاً، كانت تعنيني فكرة الثقافة المستمرّة.

    في تلك المرحلة من حياتي كنت أفضّل الكتب المستعملة- التي “سبق امتلاكها” كما يقولون في أمريكا- على تلك الجديدة. كانت تلك الاستمراريّة جزءاً من سحرها. يقدّم الكتاب تفسيراً للعالم إلى شخص ما، ثمّ إلى آخر وهكذا عبر الأجيال. أيادي مختلفة حملت الكتاب ذاته وسجلت أحياناً حكمة تتشابه أو تختلف.

    كنت أشتري الكتب بجوعٍ أشخّصه-عندما أنظر إلى الماضي- بما يشبه الحاجة. حسناً، إن هوس اقتناء الكتب هو حالة معروفة. لقد استهلك شراء الكتب أكثر من نصف دخلي. كنت أشتري الطبعات الأولى من الكتاب الذين كنت معجباً بهم: إيفلين وو، غرين، هكسلي، داريل. اشتريت نسخاً من الطبعات الأولى لشعراء فيكتوريين لا لشيء سوى لأنها كانت زهيدة الثمن بشكل مدهش. كنت بالكاد أستطيع تمييز الحدّ الفاصل بين الكتب التي أحببتها، الكتب التي اعتقدت أنّني أحببتها، الكتب التي كنت آمل أن أحبّها والكتب التي لم أكن أحبّها في ذلك الوقت واعتقدت أنّني سأحبّها في وقت ما مستقبلاً.

    اكتشفت، بعد سنوات عديدة من التّجربة، أنّ عالم اقتناء الكتب وجمعها لم يكن بالضّبط كما تخيلته. كنت أتصوّر دائماً أنّ جامعي الكتب هم أشخاص مستقيمون وصادقون دائماً. لكن التّجربة علمتني أن منهم من لا يستطيع ضبط نفسه عن غشّك والتّلاعب بك. كانت ملاحقة الكتب تتطلب حركة دائمة وقطع مسافات كبيرة، وكانت تسبّب احباطات متكرّرة عندما لا تجد ما سافرت من أجله فتضطّر حينها إلى شراء أيّ شيء تافه من أجل أن تقنع نفسك أن الرّحلة لم تكن خائبة بشكل تام. تغيرت آلية الاقتناء الآن. غيرتها الانترنت بشكل كلّيّ. استغرق الأمر منّي أكثر من عشر سنوات في البحث عن طبعة أولى من رواية “أجساد وضيعة” لإيفلين وو. اليوم، وخلال ثلاثين ثانية تستطيع إيجاد عشرات الطبعات الأولى المختلفة بأسعار وحالات متنوّعة.

    أصبحت أقلّ اهتماماً بكوني جامع كتب (أو ربّما، مطارد كتب) بعد طباعة روايتي الأولى. ربّما قرّرت، في أحد مستويات اللاوعي، أنّني لم أعد أحتاج طبعات أولى من أعمال الآخرين باعتباري قد نشرت طبعة أولى من عمل خاص بي. حتى أنني بدأت ببيع الكتب، وهذا ما كان سابقاً أمر لا يمكن تصديقه. لكن مع هذا، فإن وتيرة شرائي للكتب لم تنخفض. أنا أشتري الكتب أسرع بكثير ممّا يمكنني قراءتها. لكن مجدّداً، هذا يبدو لي طبيعي جداً. كم ستكون محظوظاً أن يكون حولك من الكتب ما يمكنك قراءته بكلّ الوقت المتبقّي من حياتك. وأنا لا زلت مرتبطاً بعمق بالكتاب المادي والمكتبة التقليديّة، مع أنّ الضّغوط على هذين الاثنين كبيرة. روايتي الأخيرة، مثلاً، يكلف شراؤها عبر الانترنت نصف سعرها (مع أجور الشّحن) أمّا إذا كانت نسخة إلكترونيّة للتحميل لجهاز كندل Kindle فهي لن تكلف إلا قرابة ربع ثمنها.

    أنا متفائل أكثر بالقراءة والكتب. سيكون هناك دائماً من هم غير قراء، وقراء سيّئون، وقراء كسالى. هم كانوا موجودين دائماً. القراءة هي مهارة الأغلبية لكنّها فنّ الأقليّة. لا شيء –لا شيء- يمكنه أن يحل محلّ علاقة التبادل المحددة والمعقدة بين المؤلف الغائب والقارئ الحاضر المتمتّع بالدّهشة. ولا أتصوّر أن الكتاب الالكتروني سوف يصبح مكان الكتاب الورقي بشكل كامل، وإن كان يحقّق هذا رقمياً. كل كتاب بين أيديكم له شكل و إحساس مختلف، بينما كل عملية تنزيل ملفّ لقارئ كندل Kindle هي ذاتها بالتّمام، حتّى إذا تمّ في يوم تزويد جهاز القراءة الالكتروني بميزة “الرّوائح” التي قد تمكّن عند ضغط الزر من جعل القارئ يشمّ روائح الورق والنيكوتين في النّسخ الالكترونيّة من كتب ديكنز.

    سيكون على الكتب أن تحافظ على بقائها، والمكتبات كذلك. يجب على الكتب أن تبقى مرغوبة أكثر، لا أن تكون “بضاعة” رفاهيّة، لكن يجب أن تتمتّع بالتصميم والجاذبيّة التي تجعلنا نلتقطها، ونشتريها ونقدمّها كـهدايا، نحتفظ بها، ونفكّر بإعادة قراءتها، وأن نتذكّر في السّنوات التّالية أنّ هذه هي النّسخة التي اكتشفنا فيها لأوّل مرّة مضمون الكتاب. ليس لديّ أيّ إجحاف في حق التّقنية الحديثة، الأمر أن الكتب تبدو أنّها تحتوي على معرفة. بينما تبدو أجهزة القراءة الإلكترونيّة أنّها تحتوي على معلومات. كتب والدي التي نالها كجوائز مدرسيّة لا تزال على رفّ مكتبتي، بعد تسعين سنة من فوزه بها، وأنا قد أفضّل قراءة قصائد غولد سميث بنسختها الورقيّة القديمة على قراءتها الكترونياً.

    قال الكاتب الأمريكي لوغان بيرسال سميث مرةً: “يعتقد بعض النّاس أنّ الحياة هي كلّ ما يهمّ، لكنّني أفضّل القراءة”. لا أتّفق مع هذا، رغم أنّه أعجبني عندما قرأته للمرّة الأولى منذ زمن طويل. الحياة والقراءة ليسا نشاطَين منفصلين. التّمييز بينهما زائف (مثلما لا يستطيع ييتس أن يميز بين كمال الحياة وكمال العمل الفنّي). عندما تقرأ كتاباً كبيراً، فأنت لا تهرب من الحياة، بل إنّك تتورّط فيها عميقاً. قد يكون هناك هروب سطحيّ- إلى دول أخرى، عادات، أنماط حديث – لكن ما تقوم به بشكل أساسي هو أنّك توسع فهمك للنّواحي الرّقيقة في الحياة، لتناقضاتها، لمتعها، لآلامها وحقائقها. القراءة والحياة ليستا منفصلتين لكن متكاملتان. ومن أجل هذا الواجب الجاد للاكتشاف التخيلي واكتشاف الذات، يبقى رمز واحد فقط: الكتاب المطبوع.




    [​IMG]
    خير جليس