1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

دراسة وسيم إبراهيم - بعد «القهوة البحرية».. كلّ مقهى وأنتم بحّارته

'دراسات نظرية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. إلى أبو عماد والحاج إبراهيم، سامر وراشد وآخرين

    مرّات كثيرة لا نعرف أن كلماتٍ نظنُ أننا نرميها، وقد نعنيها بقدر ما، هي أقرب إلى النبوءات. نكتشف لاحقا أن لما قلناه معنى أعمق، أدلّ. هكذا، في لحظة ما لا نكون إلا مفوّهين. كلماتنا تسبقنا إلى المعنى، وتتعشق طبيعته قبل أن ندرك، لاحقا، أنها ولدت من كثافاته المخبّأة حولنا وفينا. في القادم من الزمن، يوما كان أم أكثر، سنعرف أن بعض كلماتنا الماضية أوجزت كثيراً، وأنها كانت تعني أكثر بكثير مما كنا نعنيه، عندما كنا نقولها. أيعقل ذلك. هل سنعيش حياة لنكتشف أن مفاهيمنا «النقدية» عنها كانت سابقة لتجربتها. ربما هذا ضد المنطق، لكنه يحدث. أحيانا؟

    (1)
    الحاج إبراهيم «يشقل» بنظره الداخلين من أحذيتهم إلى تسريحات شعرهم. الرجال والنساء. نظره كنابض الربيعة، يشنكل في الهيئات ويرفعها. كان يعطي انطباعاً انه وزنَ الشخص القادم بالفعل. الطاولات صفان، بينهما ممر النادلين. طاولته كانت في الجهة اليسرى، كرسيه ملاصق للجدار ليواجه باب «قهوة بحرية» نادرة. الكل يمرّون عليه، وكان في الوسع التكهن انه يستطيع إعداد تقرير يومي مفصل، عن نفسية المقهى وحصيلة مزاجه. كنا نظن في البداية أن وزنه هذا مسألة خاصة بتفحص الرواد الجدد. لكن حتى من يعرفهم يشقلهم بنفس الطريقة، ليطرح عليهم أسئلته، ومعها احتمالات إجاباتها. ثم تبدأ الأحاديث. وكأن لديه أعمالا مع الجميع. مع بحارة قادمين ومغادرين، مقيمين هنا وهناك، ومع زبائن ينتظرون تجارات صغيرة نادراً ما نعرفها. حفنات من الدولارات، يودعها أحدهم ويأتي آخر لاستلامها في ظرف مغلّف. أحيانا كنا نرى من يعدّ من جيبه، يعطي أحدهم، ويعيد الباقي إلى جيب سترته الداخلي. كنا نرى، وأحيانا كنا نعيش ذلك. أبو عماد يسلّف بمودة، ليعود ويقتطع مما سيقبضه عن الآخرين. وكان جيب الحاج إبراهيم منتفخا في معظم الأحيان. بنك شعبي. ليست أموراً ذات بال، لكن كان يحلو للجميع التكتّم بلباقة. هناك تتنسم أعراف القهوة البحرية.

    (2)
    إذا تعبت ورغبت في الجلوس على كرسي في مكان قريب من البحر، لن تصادف من خبروا ملحه. لا بحارة، ولا سفن تُفلت ثقلا لترسو، لتفعل أنت مثلها وتتأمّل حمولتك. تحتاج إلى ممارسة حجج وإقناع لتتذكر أنك في ميناء، على شاطئ الأبيض المتوسط السوري. تلف الكورنيش شماله وجنوبه، ولا تعثر على تلك «القهوة البحرية».

    (3)
    - إذا أردت يمكننا اللقاء الآن، لدي بعض الوقت ويمكننا شرب شيء معا.
    - يمكنك رؤيتي، وأنا بدأت الجزء المتعلق بالشرب.
    - أين أنت الآن لآتي إليك؟
    (لحظة صمت)
    - ألو، هل لا زلت معي؟
    - أنا معك...
    - أين تجلس ولماذا لا تحكي؟
    - بصراحة لا شيء. فقط كنت أفكر، وفيروز هنا تغني... ماذا أقول لك، هل تعرف القهوة البحرية في أغنيتها؟
    - سمعت عنها لكن لم أرها...
    - ممتاز، بدك تشوفني تعال... أنا في القهوة البحرية، وفيروز تغني فيها... وعنها.

    (4)
    في القهوة البحرية... قائمة المأكولات كانت مقتضبة، سندويشات تحوي الأساسيات، ومشغولة بكرم. القهوة ليست ممتازة، وكنا نشربها باحترام لذوق من يجلبها بابتسامة تحسّن نوعها. كانت الخدمة مريحة، ولا مضايقات أو حصارات. نظافة مقبولة جدا، وبأسوأ الأحوال لن تجد على طاولتك غير آثارك ومن معك. المكان يعمل لهؤلاء البحارة وزبائنهم، والآخرون بدوا ضيوفا. الكل إجمالا كانوا عابرين، يستحقون أن يحطّوا في مكان مُحب.

    (5)
    في الخارج المكان أشبه بردمٍ، لكن يشغله الناس لينتفعوا. مباشرة، من الواجهة الزجاجية، تطل رافعة متروكة. لم تكن مرّة تقوم بأشغال. كانت مقدمة ذراعها مائلة إلى السماء، والجزء المتوسط ينحدر بقسوة على الأرض، أما كمّاشتها الحديدية فكانت كرأس شخص نُكب للتو. كانت كلها كشخص منكوب لدرجة أن ظهره انحنى، وأسفل وجهه التصق بعنقه. على طرف السور توزع أناس مرهقون. يستثمرون في موقع يحميه المكان المخبأ. جبال من معلبات التونا، جبنة المثلثات وأنواع مرتديلا عديدة. بضائع غير شرعية، ومعظمها مهرب. هناك كانت نساء متعبات يقرفصن، وينتظرن. لم يكنّ يتأملن المارة، بل يحدقن وكأن شيئا ما أمامهن تماما يحدث. كما لو أنهن ينتظرن أن تفقس المعلبات. ربما، أو أنهن كن جميعا عاملات على خط إنتاج واحد، ومن أمامهن كانت تمرّ حكاياتهن، وهن يعلبنها بشرودهنّ، فنصير أمام تلال الحكايات المعلبة.

    على اليمين، مبنى الهجرة والجوازات. منها يخرج موظفون، ويتبعهم مواطنون. صفقات صغيرة أيضا تبدو من الواجـهة الزجاجية، وأحيانا تتم في الداخل. تأمين صحة جوازات السفر هو كل ما في الأمـر. كل ذلك كان يدور حول المكان، وأمامه طلاب السنوات الجامعية الأولى يمرّون ويمرّون.

    (6)
    «القهوة البحرية» في البرامكة! وسط دمشق؟ ولما لا. كانت تدعى مقهى «النجمة». من داخلها كان يبدو الخارج ميناء. لم يعن كثيرا بؤس الخارج، طالما من يتسرب إلى الداخل هم حاملو «مجازات الإبحار». السائقون، اللبنانيون والسوريون، على خط دمشق بيروت. الحاج إبراهيم يراقب كل شيء باطمئنان. أموال مقتضبة، تجارات صغيرة، تدخل وتخرج. فيروز تغني، إلى ما لانهاية. أصدقاء يلتقون على شاطئ، دونما مواعيد. المكان في الخارج يصير بدوره قابلا للمجاز. النساء لسن إلا مناضلات، ينتظرن ما يأتي به البحارة من بلاد أخرى، ليبعنه في أرض وصوله. موظفو الهجرة والجوازات سماسرة، يؤمنون تهريب اليائسين في أقبية السفن. الجو في الداخل يحرّك الرافعة المتروكة، فلا تبقى كذلك. رافعة متقاعدة في ديكور ميناء افتراضي، ولا شيء مجانيا. هناك أحلام ترسو في الخارج، والرافعة تخفف فقط من حمولتها الزائدة. تصير في الداخل أكثر أثيرية.

    القهوة البحرية. حالموها صادفتهم يطيرون، واحدا، واحدا، عندما أقفلت نهائيا، ولم أكن فيها.


    عن السفير


    [​IMG]
    المقهى