1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

دراسة اليسار كرم / علي السقا - وفي كلّ مقهى.. حنين ودفء وحكايات ووجوه

'دراسات نظرية' | نقوس المهدي.

  1. كراسيّ خشبية مطعمة بالقشّ تحتضن أجساداً هرمة. رائحة التبغ العجمي تعبق في المكان، مصحوبة بصوت النرد الذي لا ينافسه سوى صوت أم كلثوم. إنه مقهى بلا اسم، يقبع بأثاثه القديم عند ناصية شارع البسطة التحتا. أثاث كان مُتَّكَـأً لقبضايات الحي الذين انصرفوا طوعاً مفسحين في المجال لمن أقعدهم كبر سنهم عن العمل. يتحلّقون حول النراجيل، يتسامرون، يمضون أوقات فراغهم في لعب طاولة الزهر. انه المكان الذي يتشاركون فيه سرد هموم يومياتهم.
    في مكان آخر، الأثاث ليس قديماً قدم أثاث مقاهي بيروت العتيقة، لكنه بسيط حتماً. المقاعد الاسفنجية تستقر بمحاذاة الطاولات والكراسي الخشبية. اللوحات تزين الجدران. الإضاءة الخفيفة تحاكي صوت دنيا مسعود وهي تغني مرددة «آه يا لالا لي». يهبّ شاب من مقعده فاتحاً ذراعيه، ثم يرقص غير آبه بالنقاش المحتدم بين ثلاثة شبان يتنادمون. عفوية النادل الذي يشاركهم الحديث من خلف الـ«بار» تشي بتحرر هذا المقهى من المقاييس النمطية لمقاهي بيروت.

    يجلس مهند وعلي في زاوية قريبة من الواجهة الزجاجية. يشيحان بنظرهما نحو الخارج قبل أن يتابعا الحديث. «أتردد إلى «ة مربوطة» منذ العام 2006. اعتدت لقاء أصدقائي هنا، حتى أني آتي أحياناً دون موعد مسبق لأنني أتوقع وجودهم هنا»، يقول مهند. الموسيقى لا تروقه دائماً والمكتبة المفتوحة للعموم لا تشكل عامل جذب بالنسبة إليه، لكنه يرى في هذا المكان القريب من مركز عمله «مطرحاً لذيذاً». أما علي الذي لا يقصد المكان إلا نهاراً، فلا يهمه سوى الاستفادة من خدمة الإنترنت المتوافرة. «ليس هذا مكاني المفضل أو الوحيد الذي أرتاده لكنني أرتاح للجو العام والناس الذين يقصدونه».

    لحُسام حنينٌ يتولد لحظة تطأ قدماه سلّم المقهى. «أهرع إلى تحسس الدفء، دفء الأثاث وبساطته. فصول من ذاكرتي تتعاقب الواحد تلو الآخر». يتابع «جلست إلى زاوية هذه الكنبة كي أفسح لها مكاناً أوسع لتجلس مرتاحة ولم تأتِ. وعلى الأريكة التي قبالتي أفصحَتْ لي إحداهن عن شغف أصابها حين نظرت في عينيّ. ولكني بادلتها الشغف جنساً. أما تلك التي في محاذاتي فجلست عليها إحدى صديقاتي التي أمعنت تصنعاً قبل أن تجهش بالبكاء». يجول حُسام بنظره على الكنبات والمخدات المتناثرة عليها ويسترسل. «هنا سألتني إحداهن: لماذا يداك ناعمتان؟ فسألتها: لماذا عيناك بحر؟... لا أجدني مرتاحاً في غير هذا المكان. هنا أعيش قبساً من ذاكرتي، بحلوها ومرّها حتى أمتلئ، ثم آذن لقلمي بالكتابة».

    ليس بعيداً من الـ«ة مربوطة»، يطل مقهى يونس من بين أشجار قليلة نادرة في الحمرا. في الخارج فتاة وحيدة تداعب صفحات كتاب باللغة الفرنسية. تقرأ تارة وتتلهى بمراقبة المارة واستراق السمع إلى أحاديثهم طوراً. «أحب هذا المكان لأنه لا يقع مباشرة على الطريق العام، ما يشعرني ببعض من الخصوصية والهدوء. أجلس هنا، على هذه الطاولة في أوقات الفراغ أو خلال الوقت الفاصل بين موعد وآخر في شارع الحمرا»، تقول ببساطة. تعيد الكتاب إلى حقيبتها مبتسمة وتردف «أرى الكثير من الطلاب الذين يجلسون في الداخل ويفتحون الكتب والدفاتر. يريحني النظر إلى وجوههم ويعجبني تركيزهم رغم أن المكان ليس هادئاً تماماً». بخجل تضيف «قد لا أقرأ شيئاً في كتابي عندما أجلس هنا، إذ تستهويني قراءة الوجوه أكثر».

    لا يختلف ميل هاكوب عن ميلها. فهو، على الرغم من أنه لا يقصد مقهى محدداً، يهتم لـ«نوعية» المقهى و«هويته». يحب مراقبة الناس وتحسس حالاتهم وتخيل حكاياتهم. يجلس أحياناً في قهوة «أبو الياس» على الدورة لأنها لا تبعد كثيراً عن بيته في برج حمود. وأحياناً أخرى يقصد قهوة العشائر في الأوزاعي «لتغيير الجوّ». يرى أن بعض الناس تتصرف في المقهى براحة مطلقة «كأن المقهى هو البيت. يلعبون الورق أو طاولة الزهر، يعبرون عن حماستهم بالصراخ كأنهم على شرفة المنزل». يفضل المقاهي الشعبية والبسيطة ولا يهمه فيها سوى وجود مكبس للقهوة أو النيسكافيه. يستمتع بالحديث الذي يدور بين صديقه شادي ورواد المقهى. هو لا يحب الكلام ولا الاختلاط بالغرباء لكنه ينجذب لقصصهم. «أراقب وجوه العمال الأجانب، ألاحظ وجود النشالين وبائعات الهوى. شحاذون وبلطجيون، تجار وعاطلون من العمل... كلهم يجتمعون هنا ويفرغون قصصهم». يشعر هاكوب في الاوزاعي بترحيب كبير بعد أن اكتشف صاحب المقهى انه «عَوني». فصار يقصد قهوة العشائر مع عونيين آخرين لمناقشة مسائل سياسية أو «عونية» من دون حرج.

    من الاوزاعي إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي شهدت في السنوات الأخيرة طفرة مقاه. ليست مقاهيَ بالمعنى التقليدي، بل وفق النموذج الغربي مع «مراعاة» بيئة الضاحية المحافظة نسبياً. من «El ponte « إلى «Swiss café» وغيرهما وصولاً إلى مقهى باب الحارة الذي ارتأى القائمون عليه ألا يقتصر على الصورة النمطية للمقهى، وأن يكون مطعماً ذا طابع شرقي، بل دمشقي واضح. لتلك المقاهي هويتها التي تنسحب على من يرتادونها أيضاً. حنان وريان زميلتان محجبتان، لا تحبذان ارتياد المقاهي في الحمرا. «الجو في الحمرا لا ينسجم مع التزامي الديني، وان اضطررت للوجود في أحدها فإني لن أكون مرتاحة»، تقول حنان.

    يأتيان المقهى لتناول الطعام أحياناً ثم لتدخين النارجيلة، المذاكرة، أو الدردشة. «كلام الناس» لم يعطِ ريان فرصة الحفاظ على الصلة التي ربطتها بأحد مقاهي الضاحية. ما دفعها إلى التنويع والبحث عن مقهى آخر. «فكروني عم ضل زور نفس القهوة كرمال بحبّ حدا. وهيدا الشي ما كان مزبوط. بس عنا الناس بتحكي كتير». لكن ماذا عن الأجواء «الحميمة» في بعض مقاهي الضاحية؟ تشير حنان إلى وجود مقاه تشبه كثيراً تلك التي كان ارتيادها، في الماضي، يستلزم الخروج من الضاحية. إضاءة خفيفة، أغان وموسيقى، مقاعد بظهور مرتفعة وحاجبة تتيح للجالسين فرصة التحدث أو حتى العناق براحة أكبر. وهو ما يخالف الصورة النمطية للضاحية، وفق تعبير حنان.

    وللجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي حضور لافت في «باب الحارة». العناصر الموجودون هناك، ومعظمهم من الشباب، يفضلون المكان لأنه يقدم لهم عروضاً خاصة وتنزيلات في الأسعار. فـ«باب الحارة» يستفيد من التقنيات الحديثة في فن التسويق كي لا يفوت فرصة جذب واصطياد الرواد من الفئات كافة. في الزاوية جندي يجلس مع شابة. الانسجام بينهما واضح. وكلامهما همساً لم يمنع لغة الجسد من فضحهما. وفي الجهة المقابلة جندي آخر، يجالس رفاقه ويتناول معهم طعام الغداء. يقول ممازحاً «بيني وبينك، أنا أهرب من زوجتي وأحسد هؤلاء». أما الآخرون، فبعضهم يعتبر أن سبب ارتياد المكان الأول هو قربه من مركز خدمتهم. فيما يشرح البعض الآخر «هنا الجو ليبرالي ومهضوم. يمكنني الشعور بالراحة والتصرف بعفوية تامة».

    [​IMG]
    المقهى