نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة ممدوح رزق - الخطاب الروائي كحلم يقظة

'قراءات في رواية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,624
    2,568
    تحاول شخصيات مصطفى عبد ربه في روايته (بيوت عارية) الصادرة عن دار العين أن تبني أماكن لها فيما وراء أماكنها الواقعية؛ أي فيما يتجاوز أجسادها وعلاقاتها، وفضاءات حركتها الاعتيادية. هذا البناء يُخلق وينمو ويتبدد ويُعاد اكتشافه بصور متعددة ثم ينشأ من جديد من خلال مقاومة ما. اشتباكات تبدو صغيرة وهامشية مع المحيط الإنساني لكل شخصية، ولكنها بعين المدينة تمثل هوية لا تتسم بالبساطة لوجودها، فضلا عن أنه لا يمكن اختزالها في إشارات مجحفة. كيف يمكن للغة أن تكون دليلا على هذا؟

    يمكننا الشعور بالاستخدام التقريري للغة عند مصطفى عبد ربه كأنه يسعى لتثبيت يقين بآلية ما في حركة الشخصيات وتتابع الأحداث وتطوّر خبرة النزاع بين الرغبات الذاتية المتنافرة. هذه الآلية توحي دائمًا بالطبيعة القهرية للقدر. بحتميته داخل كافة المتغيرات العشوائية، غير المتوقعة أو كما سبق وأشرت محاولات بناء الأماكن الشخصية فيما وراء الواقع. تعطي اللغة هذا الحسم الضمني بأن كل هذا كان ينبغي أن يحدث، كما لو كان من ينفذون الأمر أو من يقاومون هزائمهم منذورين لجعله هكذا.
    (ولما ذهب صالح أبو العز إلى مبنى الحي ليسمي الشارع بإسمه، عرف أن عبود قد سبقه فاستشاط غضبًا، سب الموظفين فطردوه. دخل صالح المقهى هائجًا مضطربًا فرأى عبود جالسًا يدخن النارجيلة باسترخاء والعمال من حوله. صرخ فيه وسبه، وحال العمال بينهما، ودفعوا صالح أبو العز بعيدًا ناحية بيته)

    من ناحية أخرى يمكن لهذا التراكم الذي تحققه الوفرة البشرية المتقاطعة من التفاصيل والأحداث أن يكون تاريخًا حقيقيًا للموت. لماهية الفناء الذي يعمّق جذوره مع كل إيماءة أو كلمة أو حيلة تمر عبر هذه الشوارع التي تسعى المدينة من خلالها وعبر أجيال متعاقبة من الصراعات أن تتفادى انهيارها. يصبح الموت جوهرًا لما نظنه تواطؤًا حتميًا بين أبناء هذا العالم الروائي لتشييد الحياة وحمايتها. هذا الجوهر لا يعلن عن ذاته على نحو صريح من خلال التعمّد التقليدي للتركيز على ما يبدو أنها أحداث أساسية في الرواية بقدر ما يحقق هذا من خلال تلك الفقرات التي يظهر معها أنه لا يقصد شيئًا. كأن ما يدور خارج الفضاء المنظور إليه كمتن هو العلامات الأصلية لهذا الموت.
    (صعد بعد عدة أيام فرأى الكتكوت ذا الشامة البنية على رأسه واقفًا جوار الحائط. لا يجري مثل البقية. يعلو صدره ويهبط ببطء وبشكل ملحوظ. يفتح عينيه ويغلقهما بصعوبة. تحوم حوله دجاجة تقأقئ ملتاعة. تريد أن تفعل له شيئًا لكنها عاجزة)
    تؤسس محاولات بناء الأماكن في ما وراء الواقع لعجز مبهم. كأن هذه المحاولات هي السيرة الحقيقية لهذا العجز الذي يتجاوز تمثلاته الحاضرة في القتل والفقد والإحباط الجنسي. هو يمتد نحو تلك المسافات الغامضة فيما بين الفعل وخيالاته. بين الإدراك وتجلياته المتناقضة أو تجسيداته الملموسة والمختلفة. بين الأثر وظلاله القادرة على طمسه، أي على جعله منسيًا تمامًا.

    بوسعنا التحدث هنا عن الخطاب الروائي كحلم يقظة ملتبس. يمكننا التفكير في الأسلوب الذي يتم بواسطته ترتيب المعطيات الحكائية بوصفه لعبة مراوغة مع ظلال الذاكرة واقتحام لفجواتها، وليس كمجرد رصد لظواهرها المباشرة وتأثيراتها الواضحة. الخطاب الذي يتخطى حدود الاستعادة والتوثيق نحو استنطاق الآماد المجهولة للأشياء التي أعلنت غيابها. الوقائع اليومية التي مازالت تتكوّن رغم أنها تنتمي لزمن قد يكون منتهيًا بالفعل.
    (تفرق الجميع وابتعد الرفاق. لم يعرف أحمد متى كفوا عن اللعب وعن الذهاب إلى االمدرسة معًا. كأنهم لايريدون أن يتذكروا ما حدث، وربما حرضهم الأهل على ألا يفعلوا. يلتقون في الشارع والمدرسة لمامًا، يتبادلون كلمات قليلة ويرحل كل منهم إلى شأنه)

    ربما نشعر أن ما قرأناه في رواية “بيوت عارية” سبق وأن مررنا به من قبل. سبق أن قرأنا ما يماثله أو شاهدناه، أو سمعنا عنه، أو عشناه بأنفسنا. هذا لا يرجع إلى مشابهة بين تفاصيل الحكايات بقدر ما هو تماثل بين محاولات الكتابة عن هذه التفاصيل. الكتابة التي تريد أن تكون مثل سطوع الشمس وهي تسند الجدران المتعبة للبيوت القديمة. هذا يرجع إلى الكيفية التي تتعرى بها هذه البيوت.


    ممدوح رزق.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..