خالد ناصر الدين - مفاتيح انتشار الطريقة الناصرية بالأطلس المتوسط

نظم فريق التدين في جهة تادلة_أزيلال: الأولياء والأضرحة والأماكن المقدسة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال ندوة حول موضوع: “التصوف في جهة بني ملال_خنيفرة: عصر الشيوخ الكبار” يومي: 11_12 أبريل 2017 برحاب الكلية، وقد شاركت في الندوة بورقة بحثية بعنوان: “مفاتيح انتشار الطريقة الناصرية بالأطلس المتوسط”، أكدت في مقدمتها أن رهان هذا البحث هو استجلاء الوسائل التي اعتمدها الناصريون في نشر طريقتهم الصوفية في منطقة الأطلس المتوسط، وتبعا لذلك عمدت إلى التعرف إلى أشهر الزوايا الصوفية الفرعية التي ظلت مرتبطة أشد الارتباط بالزاوية الأم (تامسكورت، زاوية الشيخ، زاوية تناغملت، زاوية آيت خليفت…) مركزا على أهم الوسائل التي تم توظيفها لإشاعة التصوف الناصري ونشره في هذه المنطقة.
وانطلقت في تحليل الموضوع من فرضيتين اثنتين:
_إن الإقبال الذي حظيت بها الطريقة الصوفية الناصرية راجع للخصوصيات التي ميزتها، والمتمثلة أساسا في سنيتها من جهة وفي ملاءمتها لكل الطباع من جهة أخرى.
_لعبت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية دورا كبيرا في جعل أهل الأطلس يقبلون بشغف كبير على التصوف الناصري.
وقد تبنيت في مقاربة الموضوع منهجا استقرائيا وصفيا، ذلك أنني اكتفيت بتتبع بعض مظاهر حضور التصوف الناصري من خلال أشهر الزوايا الفرعية بالمنطقة، ثم حاولت ما أمكن رصد الطرق التي بواسطتها انخرطت في دائرة هذا التصوف.
أما محاور الورقة فكانت كما يلي:
_أولا: التصوف الناصري: المزايا والخصوصيات
يتميز التصوف الناصري بسنيته المتمثلة في حرص الشيوخ المؤسسين على تدعيم تعاليمه بناء على الكتاب والسنة وآثار الصحابة والسلف الصالح. فقد كان الشيخ مَحمد ابن ناصر قد تجاوز المذهبية، فلم يكن يقتصر على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس، بل كان هدفه السنة النبوية بكل تفاصيلها وجزئياتها، وشكل هذا الحرص واحدة من أهم الخصوصيات المميزة للتصوف الناصري، إضافة إلى كونه كان ملائما لمختلف الطباع، فقد راعى الشيوخ الناصريون أحوال الناس، وأنزلوا كلا منهم حسب منزلته، ولعل الأمر الذي زاد من ذيوعه وانتشار صيته أنه تبنى الدفاع عن السنة ومحاربة البدع.
_ثانيا: الزوايا الناصرية الفرعية بالأطلس المتوسط
تأتي الطريقة الناصرية من حيث الصلاح على رأس الطرق الصوفية الموجودة بالمغرب، فقد ذهب بعض الدارسين وكتاب التراجم أن القرن الثاني عشر الهجري هو قرن الزاوية الناصرية بامتياز. واستنادا إلى ما توصل إليه الباحث علي أنكام يمكن استقراء مواطن حضور الطريقة الناصرية بمنطقة تادلا والأطلس المتوسط كما يلي:
أ_منطقة أزيلال: زاوية آيت خليفت مقدمها المشهور عبد الله الخليفتي والد صاحب كتاب “الدرة الجليلة” اشتهرت الزاوية بثقافة أبنائها وسعة علمهم وكثرة مخطوطاتهم.
ب_آيت بوزيد: زاوية أبت علوي_زاوية آيت علوان_زاوية آيا إسحاق.
ج_منطقة آيت مساض (فخذة آيت وكديد): زاوية آيت أوزود.
د_منطقة آيت مازيغ: زاوية آيت ميري,
ه_منطقة آيت عتاب: زاوية اكرض_زاوية تانسيخت_زاوية وركان_زاويةآيت كنون.
و_منطقة تادلة: زاوية الصومعة (بني ملال)_زاوية أبي الجعد الشرقاوية.
ز_منطقة آيت وريرت: زاوية غرم العالم_زاوية الشيخ.
ح_منطقة أسيف ملول:زاوية امزنتان_ زاوية أسيف ملول.
ط_آيت شخمان: زاوية غبالة_زاوية أومشا.
ي_حوض تاساوت: زاوية تاساوت_نايت ماجطن_زاوية دمنات_زاوية فطواكة.
ك_منطقة هنتيفة:زاوية بزو_ زاوية الجمعة_ زاوية تنغملت.
ثالثا: مفاتيح انتشار الطريقة الناصرية بالأطلس المتوسط
الأكيد أن ثمة مفاتيح متنوعة وكثيرة مكنت من تناسل وتكاثر الزوايا الناصرية الفرعية بمنطقة الأطلس المتوسط يمكن إجمالها عموما في:
1_مفتاح الارتحال والهجرة:
يأتي في صدارة المفاتيح التي أسهمت في خروج التصوف الناصري من البلدة التي احتضنت تَخَلُّقَهُ ومولده ونضجه، فمعلوم أن الشيخ مَحمد بن ناصر أَسْنَدَ أمر الزاوية لابنه أحمد الخليفة، ورغم أنه سعى لإقناع أبنائه الكهول بهذا القرار قبل وفاته، فإنهم لم يرضوا بذلك ولم يذعنوا، وهذا ما جعلهم يغادرون تمكروت احتجاجا ورفضا، وهكذا ارتحل محمد الكبير إلى منطقة زايان، وهناك أسس زاوية تامسكورت الواقعة على بعد حوالي أربعة عشر كلم جنوب غرب مدينة خنيفرة على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع، وكان تأسيس هذه الزاوية بعد سنة 1085.
2_مفتاح التأسيس والإنشاء:
يتعلق الأمر بتأسيس وإنشاء زوايا ناصرية فرعية بمنطقة الأطلس على أراض تم إقطاعها لشيخ من الشيوخ الناصريين، وهذا ما تجسده “زاوية الشيخ” المدينة الصغيرة التي تقع شمال شرقي بني ملال على بعد حوالي ستين كلم منها، وإذا علمنا أن الشيخ الذي تحمل هذه الزاوية اسمه هو الشيخ أحمد الخليفة الذي تولى أمر الزاوية بعد والده المؤسس سيدي مَحمد ابن ناصر(1011_1085ه) تأكد لنا عمق وقوة وعراقة العلاقة الرابطة بين زاوية تامكروت الأم وهذه الزاوية الفرع، ويذهب دولاشا بيل اعتمادا على الرواية الشفهية إلى أن القائد علي أوبركة المتوفى بعد 1693م هو الذي أقطع الشيخ أحمد الخليفة الأرض التي بنى بها زاوية دعيت منذئذ “زاوية الشيخ”، وتدعى أيضا زاوية الفيض، ويسميها أهل البلد اليوم “مَرَّمَانْ أو أم الرمان”.
3_مفتاح إقرار السلم والأمان:
إن انتشار الطريقة الناصرية بمنطقة الأطس المتوسط كان استجابة طبيعية لحالة الفوضى والاضطراب التي كانت المنطقة مسرحا لها تمظهرت في صور صراعات قوية وحادة بين الأحنصاليين والناصريين، إضافة إلى تحركات آيت عطا بعد وفاة المولى إسماعيل مما ضيق الخناق على المجال الاقتصادي الفلاحي وأحدث حالة من فقدان التوازن الاجتماعي، فتفشت روح التمرد والانحراف عن أحوال الدنيا والبحث عن الخلاص والطريق الصحيح لدى أشياخ الطوائف الصوفية، فكانت ظاهرة التلمذة للناصريين والانخراط في سلكهم، مما مهد لتركيز الطائفة الناصرية بهذا المجال.
4_مفتاح التلقين والإذن:
وتمثله مختلف الزوايا الناصرية الفرعية التي تستمد مشروعيتها الروحية والتربوية والعلمية من الزاوية الأم، فزاوية آيت خليفت مثلا ارتبطت شهرتها بعد أخذ سيدي عبد الله بن محمد الخليفتي الورد الناصري سنة 1128/1716 عن الشيخ أحمد الخليفة الذي عهد إليه بأن يتقدم على الفقراء هنالك.
أما زاوية تناغملت فإن شيخها الرابع محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن موسى المتوفى سنة 1168ه هو الذي شكل حلقة ارتباطها بالزاوية الناصرية الأم فقد تتلمذ للشيخ أحمد ابن ناصر الدرعي الذي لقنه ورد الناصريين وأذن له بتلقينه لمن شاء في منطقته، وبذلك أصبحت تابعة للزاوية الناصرية، ولعل توسع نفوذها وازدياد أهميتها في المنطقة يرجعان أساسا إلى هذا الانتماء الجديد، وما فتئ نفوذها ينمو حتى عم معظم قبائل السفح الشمالي للأطلس الكبير الأوسط كآيت عباس وآيت بوكماز وآيت مصاض .
5_مفتاح التلمذة:
ومن الزوايا الفرعية التي أثمرتها التلمذة للشيخ أبي العباس أحمد ابن ناصر الزاوية الناصرية بقرية بأغبالو ببْزُو، والتي تأسست في القرن الثاني (18م)، بعدما انخرط بعض رجالها في سلك الطريقة الناصرية.
وثمة زاوية ناصرية أخرى أسسها في “المدرسة” ببْزُو الشيخ أحمد الاكة تلميذ أحمد ابن ناصر الدرعي وقد حلاه الخليفتي.
ومن الأسر الأطلسية التي اشتهرت بالتتلمذ للناصريين أسرة أيت سيدي علي أحساين (القرن 18) وتستمد تسميتها من أيت أمهاوش، وهي فرقة من أيت سخمان من برابرة الجبل، وقد ظهرت هذه الأسرة المرابطية أول ما ظهرت كامتداد لإشعاع الزاوية الناصرية، فسيدي علي أحساين كان تلميذا لشيخ الزاوية سيدي أحمد بن ناصر .
6_مفتاح تبادل الزيارات:
كان لتبادل الزيارات بين الزاويا الفرعية والزاوية الناصرية الأم دور كبير في نشر التصوف الناصري، وفي كسب المزيد من المريدين والأتباع، فقد استمد شيخ زاوية تانغملت محمد بن إبراهيم التانغملتي مكانته من انتمائه إلى الطريقة الناصرية التي كانت أكثر الطرق ذيوعا أنذاك، فتوثقت الصلات بين تانغملت وتامكروت منذئذ وتبودلت الزيارات بين شيوخ الزاويتين. وكذلك الشأن بالنسبة لزاوية آيت خليفت التي حظيت بعناية واهتمام الشيوخ الناصريين، فكانوا يترددون إليها بين حين وآخر، وتدخلوا لدى السكان يستحثونهم على احترام مقدمها عبد الله الخليفتي وتبجيله.
7_مفتاح الامتداد الروحي والشجرة المباركة:
يقودنا استقراء تاريخ زاوية تانغملت إلى القول بأنها شهدت بعض التراجع إبان مشيخة عبد الرحمن التانغملتي (1168_1182)، وسرعان ما استرجعت مكانتها إبان مشيخة امحمد بن محمد بن امحمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن موسى الذي تولى المشيخة بعد وفاة عمه عبد الرحمن سنة 1182/1769، وتلقى الإذن بتلقين الورد من لدن الشيخ يوسف الناصري، فاجتهد في أمور الزاوية حتى تعدد أتباعها ومريدوها، واستعادت سالف مجدها من الناحية العلمية. وقد ذاع إشعاع تانغملت في هذا العهد حتى عم مختلف جهات الأطلس الكبير الأوسط، وتعزز صيتها بظهور مراكز صوفية ذات مشرب مشترك في كل من آيت خليفت وآيت وزوض وواوزغت وآيت عتاب وابزو وفم الجمعة وتانانت ودمنات وغيرها من المناطق التي يشملها نفوذ قبائل هنتيفة وآيت مصاض وولتانة وآيت عباس وآيت بوكماز وآيت بوزيد، فقد وصل نفوذ الناصريين إلى تلك القبائل على أيدي تلاميذهم الذين أصبحوا بدورهم مقدمين في قبائلهم يلقنون الورد الناصري للناس ويحرصون على ترسيخ طريقتهم هناك .
8_مفتاح الرؤى:
ليس غريبا أن تسهم الرؤى بشكل متميز في نشر الطريقة الناصرية، وفي ترسيخ اليقين في صحة أسسها ومرتكزاتها، فقد أورد الخليفتي في “الدرة الجليلة” في معرض ترجمته سيدي عبد الله العتيقي أحد تلامذة الإمام أبي العباس بن ناصر العديد من الرؤى تشترك في بيان تميز وأفضلية وصدق وفضل الانخراط في الطريقة الناصرية.
ولعل ما يميز هذه الرؤيا التي استغرقت حوالي ست صفحات من الكتاب أن أحداثها تقع في فضاء الأطلس المتوسط، فقد ورد فيها ذكر مجموعة من الأماكن والقبائل المنتمية إلى هذا الفضاء(واد تساوت، آيت ماجضن، فطواكة، آيت منصور، ميت)، وكما تتدخل الرؤى للتشجيع على الانخراط في سلك الطريقة الناصرية، فإنها تتدخل أيضا للتوجيه والتصحيح وفض النزاعات والحسم في الخلافات التي تنشب بين شيوخ التصوف بالمنطقة.
خلاصات واستنتاجات:
لا ندعي بأننا أحطنا بكل المفاتيح التي أسهمت في نشر وتوطين الطريقة الناصرية في منطقة الأطلس المتوسط، وحسبنا أننا استحضرنا بعضا منها وعذرنا في ذلك أن هذا الموضوع من العمق والقوة والشساعة والأصالة والجاذبية بحيث يصعب الإلمام بكل جوانبه.
غير أن هذه الجولة المتواضعة في الموضوع تسمح لنا بالخروج بجملة من الخلاصات والاستنتاجات التي تؤكد وجاهة وصحة الفرضيات التي انطلقنا منها في بناء الموضوع:
_لقد ارتبطت نشأة الزاوية الناصرية بالأزمة السياسية الفاصلة بين نهاية السعديين وتمركز العلويين، مما جعل الحواضر الكبرى كفاس ومراكش تفقد نفوذها الفكري وجاذبيتها الاجتماعية، وهذا ما انعكس إيجابا على البوادي (درعة) التي استقطبت الاهتمام، فظهرت الزوايا التي كانت تلقن الأوراد وتعمل جاهدة على تقوية الروابط الروحية الجماعية وإخضاع السلوك الفردي لمقتضيات الشريعة المبنية على السنة سواء من حيث الإحسان إلى الفقراء أو إيواء المساكين أو إطعام الطعام.
_لقد تميزت الزاوية الناصرية عن غيرها من الزوايا المعاصرة بميزتين أساسيتين: أولاهما البساطة في الأوراد والأذكار والأدعية، فلا يوجد بها تعقيد أو تطويل ممل، وثانيهما مراعاة الفروق الموجودة بين المريدين على مستوى العقلية والثقافة والأقدمية، فالاختلاف واضح في التلقين بين الحضري والقروي، بين الرجل والمرأة، بين المبتدئ والمتضلع، وهذا سبب أساس سهل سرعة انتشار الطريقة الناصرية، وتكاثر أتباعها حتى أسس أشياخها الأوائل وتلامذتهم وأتباعهم فروعا لها في منطقة الأطلس المتوسط وفي جل البوادي والمدن المغربية.


د. خالد ناصر الدين (المغرب)


1.jpg
 
أعلى