نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة مقجوم إيمان - دلالة الزمن في رواية الشمعة والدهاليز

'قراءات في رواية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,703
    2,546
    يعود تحديد الطاهر وطار إلى زمن صدور روايته الشمعة والدهاليز إلى حرصه على التأكيد على قدرته الإبداعية في التنبؤ بالأحداث قبل وقوعها،إنه الاستشراف المستقبلي للأحداث الجزائرية وتجاوز للواقع المر بعد أن فقد”اللاز”وعيه وفقد جسر أبيه،إذ في رواية الشمعة والدهاليز هي السباقة إلى ذكر الصراع القائم بين الجماعة الإسلامية والسلطة الحاكمة التي حدث في فترة التسعينات.
    يقضي دراسة البنية الزمنية السردية النظر في الترتيب الزمني ومقارنة نظام تتابع الأحداث في الخطاب بنظام تتابعها في الحكاية وهو ما يقال الوقوف على ما يدخله الراوي من تحوير يتخذ صورتين أساسيتين:الاستباق و الارتداد.
    المفارقات الزمنية:
    1-الاستباقprolepse:يتمثل في سرد حدث لاحق أو ذكره مقدما،هو استشراف لأحداث لم يحن زمن وقوعها،أي الإشارة إلى أحداث ستأتي في المستقبل،أي سبق الأحداث[1].
    ونجد عند جينيت تصنيفا للاستباق اعتمادا على موقع المفارقة الزمنية،من المجال الزمني للقصة الابتدائية أي مجموع السياق الذي يتفرع عنه الارتداد و الاستباق وعلى هذا الأساس ميز بين استباق سعته(أي المدة الزمنية التي يستغرقها من انفتاحه إلى انغلاقه)داخل مجال القصة الابتدائية الزمني،واستباق خارجي تقع سعته خارج المجال القصة الابتدائية الزمني،واستباق مختلط بعض سعته داخل المجال الزمني للقصة الابتدائية وبعضها خارجه[2].
    تبدأ أحداث الرواية باستيقاظ الشاعر/البطل على أصوات متفاوتة القوة والتقارب، غامضة ومبهمة الكلمات،ولكنها واضحة اللحن لم تكن هذه الأصوات لمدافع،ولا حتى لذبابات وخناجر بل كانت لهدير بشري قوي،وقد ظلت هذه الأصوات تنبعث من كل ساحات الجزائر العاصمة من آلاف الحناجر في حالة تيه متناه[3].لقد قرر الشاعر النزول إلى المدينة أو بالأحرى أن يتبع مصدر الأصوات ليعرف ماذا يجري هناك، لأن المسألة تعنيه باعتباره جزائري أولا،وباحث اجتماعي ثانيا و أثناء دلك كانت الاصوات تتعالى أتية من بعيد و بدأت تنتشر في أماكن كثيرة و ليس في موضع واحد حاول الشاعر استحضار طبيعة الأصوات أو بالأحرى عبارات اللحن كما كانت تردد لأول مرة (لا اله الا الله محمد رسول الله عليها نحيا و عليها نموت وعليها نلفى الله.[4]تضافرت كل الأزمنة (الماضي،الحاضر والمتسقبل)في لحظة زمنية واحدة وكشفت عن الوجهة الداخلية للشخصيات وقوة وعيها وإحساسها كما أن مسار زمن الخطاب في الرواية تكسر مما أدى إلى تداخل أبعادها وتقاطعها محولا الزمن من النسق التسلسلي إلى الزمن المتشظي المعقد المفتوح الذي يعتمد على عمق التجربة الإنسانية بآلامها وأحلامها وآمالها وقلقها وخوفها وأمانها ونلحظ أيضا هيمنة المفارقات الزمنية وسيطرة مفارقة الارتداد والاسترجاع للماضي،فالتجربة الإنسانية الحقيقية تجربة لابد لها أن تتداخل مع المضي لفهم الحاضر ثم تجاوزه وهدمه لقراءة المستقبل وما سيكون.فإن الاستشراف في الرواية الشمعة والدهاليز،قليل الورود فيها مقارنة بالارتداد، وكان ذلك أساسا على شكل تنبؤات عن المستقبل الجزائر والتي تتحقق اليوم واقعا،مثال ذلك قوله:”وستوقد شمعة الخلافة إن شاء الله رب العالمين، من هنا،من المغرب الأوسط،كما تقول،من جرائرنا الحبيبة ليعم نورها العالمين”إذ أن الاستشراف في الرواية هته يتسم بالتعقيد في ظل تعدد الدهاليز والسراديب،إلا أن النظام الإسلامي الذي نجح أيام الخلافة الإسلامية قد لا يتحقق في الجزائر،يقول السارد،”أقول إن شاء الله وأنا أتصور أنك تطمح إلى اقتحام دهليز خطير،والتعرية على سراديب لا متناهية[5].لقد حل الزمن الاستشرافي في شكل إشارة سريعة،لكن السارد أكثر من توظيف الاسترجاعات في روايته والمتجلية في الماضي البعيد والقريب للشاعر،وكانت هذه الأخيرة وسيلة فنية ساهمت في تغيير وتحريك عملية السرد وتكسير زمنية القصة شحنت النص بدلالات تفتح مجالا واسعا للتأويل.
    2-الارتدادanalepse:ويسمى أيضا الاسترجاع،كما يطلق عليه الفلاش بك،هو سرد حدث لاحق لحدث سابق للحظة التي أدركتها القصة[6]،أي استعادة حدث أقدم من الحدث المحكي من خلال إيقاف السارد مسار تطور الأحداث ونكوصه على الماضي للاستذكار[7]،وتشكيل كل مفارقة زمنية سواء اتخذت شكل ارتداد أو استباق مستوى زمنيا فرعيا بالنسبة إلى السياق الذي تندرج فيه.ويظهر الارتداد في الرواية في الصفحة الرابعة عشر بقول السارد:”لقد عرف الشاعر أنه لا طموح له لاقتحام هذه الدهاليز والسراديب….[8].وهنا يقوم السارد باسترجاع حدث ماض حيث عرف الشاعرانه لايمكنه اقتحام هذا الدهليز(ويعني قيام الدولة الإسلامية بهذه السرعة في مجتمع أصله مسلم)لأنه إن قام اقتحامه تاه إلى أبد الآبدين.
    يتتبع السارد الشاعر وهو يجول في المدينة ليعرف ماذا يجري بالضبط،يلتقى بشباب وسط المظاهرات يسألهم عما يحدث فيجيبونه أن الدولة الجمهورية الخلافة،الحكم الإسلامي قد قام[9].وهنا يظهر الدهليز الأول الذي ينفتح أمام الشاعر ولا يعرف سبيلا لاقتحامه خاصة وأن أصحابه لا يعترفون بالعقل كما يظهر من رد قائد الحركة عمار بن ياسر محاورا الشاعر:”بعض الحركات ينبغي أن تستغني عن العقل في مرحلة من مراحلها…..يستولي عليها الجبناء[10].كذلك يسترجع الشاعر صباه،وكيف أحب العارم ابنة عمه المختار وهذا يظهر بقول السارد:”لم يحب قبلها امرأة،هكذا يقول[11].يفصح الكاتب في بداية روايته عن التمثل الفعلي لزمن الحكي والذي يتمثل في زمن التذكر والاسترجاع.فالرواية منذ البداية استرجاع فني يحاول من خلاله الطاهر وطار تصنيف وضع الأحداث ضمن حركية تجعل البنيات المختلفة لهذا العمل ترقى لدرجة التجريب في السرد وذلك انطلاقا من التصريح الذي يصدر به الكاتب روايته.”الزمن ليس زمنا تاريخيا متسلسلا،أو ممنطقا ومحسوبا….[12].
    ويسترجع لمرة أخرى السارد الأزمة اللغوية بالجزائر قبل وبعد الاستقلال ثم يسترجع تاريخ الحركة الثورية واحتمائها بالإسلام كعنصر قوي لاسترجاع الهوية الجزائرية التي أراد المستعمر مسحها فيعود السارد إلى دهليز الجزائر المستقلة الاشتراكية بتناقضاتها السياسية وبين استرجاع وآخر تتسع معرفة الشاعر بالمتظاهرين وتتضح له مآربهم ورؤاهم للواقع والمستقبل الوهمي الذين يلهثون وراءه لهثا ولا يعرفون له سبيلا منطقيا وعقليا يهتدون به،فصار الماضي بثقافته وانجازاته وحتى شخصياته هو مصدرهم وتاريخهم الذي يستمر حاضرا ويدوم مستقبلا.ولكل من الاسترجاع والاستباق وظائف يغدو السرد منقوصا دونها،ومن هذه الوظائف ملئ الفجوات التي تحدث في الحكاية بسبب الحذف ellipse،وإضافة معلومات عن الماضي عنصر ما في الحكاية(شخصية،مكان،حدث)وهاتان الوظيفتان تكميلتانcomplétitivesوقد يعمد السارد إلى تكرار حدث داخل المتن الحكائي[13].فإن تداخل الزمن هو السمة البارزة في رواية الشمعة والدهاليز،من خلال تقنية الاستذكار والاستشراف باعتبارهما يشكلان مركز التوجيه الزمني في الرواية ويمثلان عصب المفارقة الزمنية كما تظهر وتشتغل في الخطاب الروائي انطلاقا من حاضر القصة الذي يمكن اعتباره درجة الصفر للزمن السردي.إذن فزمن الرواية هو زمن التشظي وهنا يتجاوز السارد كل ماهو منطقي أوعقلي أو واقعي ليصل إلى درجة التشتت في الزمن”وهو نقله من عالم يتفتت فيه الأنا وانتثار القيمة إلى عالم قادر على أن يمنح الذات حرية لانهائية لا تقيدها حدود الشكل أو تحدها ضرورات التركيب[14].وهنا يظهر التخييل الذي أضحى سمة ذالة على شخصية التجريب وسرد الذاكرة حتى سمي هذا النوع من الرواية:ورواية الذاكرة،ورواية الحلم والرؤيا والشطح القولي والتشظي أي تشظي النسج وتشظي الزمن وتشظي الشخصية[15].


    الهوامش:
    1 - مدخل إلى نظرية القصة، سمير المرزوقي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر والدار التونسية للنشر، الطبعة الأولى،دت.
    2 - معجم السرديات، محمد القاضي وآخرون، دار النشر، تونس،ط1، 2010.
    3 - الرواية الشمعة والدهاليز، الطاهر وطار،موفم للنشر،الجزائر،2013.
    4 - خطاب الحكاية، جيرار جنيت، تر. محمد معتصم، منشورات الاختلاف، الجزائر،2004 .
    5 - البنية والدلالة في روايات ابراهيم نصر الله، أحمد مرشد،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2005.



    مقجوم إيمان: باحثة دكتوراه، علم الدلالة وتحليل الخطاب، الجزائر


    عن موقع ضياء
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..