نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

المهدي بن محمد السعيدي - أشكال الكتابة الرحلية بالمغرب ومكوناتها المعرفية : نماذج سوسية

'في الأدب المغربي القديم' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,679
    2,527
    المهدي بن محمد السعيدي
    أشكال الكتابة الرحلية بالمغرب ومكوناتها المعرفية :
    نماذج سوسية


    الرحلة نقلة في المكان والزمان، وسفر داخلي في فكر صاحبها ومعارفه وموقفه من الحياة والوجود ونظرته إلى الناس والمجتمع، وقد ارتحل الناس ولا زالوا يرتحلون غير أن قلة منهم أقبلوا على تدوين الأحداث التي صادفتهم ووصف الأقطار التي مروا بها، وقد فعلوا ذلك لشعورهم أنهم اطلعوا على ما لم يطلع عليه غيرهم فرغبوا في تخليده حتى يعرفه من لم يرحل إلى تلك الأماكن. وقد اختلفت طرق كتابة الرحلات حسب ثقافة الكاتب وتصوره ومكان الرحلة وزمانها ونوعها فإن كان عالما فإنه ينظر إلى الكون والناس والمجتمع من خلال علمه، أما إن كان متصوفا فإن الغالب عليه تحكيم التصوف، ولا يتجلى موقف هذا أو ذاك من القضايا التي يثيرها أو المواقف التي يستعرضها أو الآراء التي يعبر عنها فحسب بل يبدأ من اللحظة الأولى للكتابة ومن طريقة التأليف واختيار الأحداث والمواقف،فصاحب الرحلة لا يعرض كل ما شاهده أو كل الوقائع التي حضرها ولكنه ينتخب ويختار حسب فكره ومكانته في المجتمع وموقفه من البيئة التي كانت مجال رحلته،فالأحداث التي تبدو لبعض الناس عادية قد تكون طريفة عند الآخرين، كما أن سبب التأليف هام في تحديد اتجاه المؤلف فإما أن يكتب لذكر الأحداث والمواقف التي تعرض لها مما يعتبره غريبا وطريفا يستحق الذكرـ وإما أن يكتب لإبراز سيرته في سفره.

    وقد كان المغاربة منذ القديم أهل سفر وترحال، ولعل الموقع الجغرافي ساعدهم على ذلك، حيث كان المغرب في أقاصي بلاد الإسلام، ويمكن أن نميز بين ثلاث دوافع أساسية للرحلات عند المغاربة

    [1] :

    الدافع الديني : ويعتبر الحج أساسه لدى المغاربة عامة، لأنهم كانوا أبعد الناس عن الحجاز من جهة الغرب فكان شوقهم لأداء الفرائض وزيارة قبر رسول الله(ص) أعظم من غيرهم وكانوا يتحملون في سبيل ذلك مشاق السفر[2].

    الدافع العلمي : تعتبر الرحلة من شروط اكتمال المعارف ووسيلة للقاء الشيوخ بشد الرحال إليهم وصارت مكانة العالم تقاس باتساع رحلته وكثرة الشيوخ الذين أخذ عنهم، ولما كان المغرب معروفا منذ القديم بتعدد المدارس وكثرة الخريجين، فقد كان الكثير منهم يطمحون لاستكمال دراستهم بالمعاهد العلمية الكبرى بحواضر الغرب الإسلامي في الأندلس وأفريقية والحواضر المشرقية بمصر والحجاز والشام والعراق،وقد استقر بعضهم بتلك البلاد ولم يعودوا إلى أوطانهم وتحفل كتب التراجم بأسمائهم[3].

    الدافع التجاري : كان المغرب، بفضل موقعه ممرا للطرق التجارية الكبرى مما أدى إلى تمرس المغاربة بالتجارة منذ القديم وإيلافهم الترحال الدائب، وتذكر المصادر التاريخية أن أحدهم كان دليل قائد الرحلة الاستكشافية القرطاجية "حانون" في رحلته إلى ساحل غانا سنة 480 ق.م[4]، مما يدل على معرفتهم بتلك المناطق وقد استمرت رحلاتهم التجارية عبر القرون إلى جهات عديدة خاصة إلى البلدان الواقعة جنوب الصحراء.

    وبسبب ما ذكرناه اهتم المغاربة بالرحلات وأبدعوا في الكتابة والوصف والتسجيل، ولسنا هنا بصدد تتبع هذا الإسهام الكثير، وإنما قصدنا أن نجتزئ منه طرفا متعلقا بمنطقة سوس في الجنوب المغربي، لنتتبع سمة الكتابة الرحلية عند المنتسبين إليها من العلماء والفقهاء، سواء تنقلوا في منطقتهم أو في المغرب أو إلى بلاد جنوب الصحراء أو إلى الحجاز.

    إن الدوافع السابقة الذكر تجعلنا نميز عدة أشكال من الرحلات حسب طبيعتها وهدفها وإن كانت الرحلة الواحدة تجمع أحيانا عدة أغراض كالرحلة الحجازية التي تكون سياحية وعلمية ودينية...

    أ – الرحلة الحجازية : [5]احتفى الكتاب السوسيون بهذا النوع لارتباطه بقضاء شعائر الحج وزيارة الروضة النبوية الشريفة وما لها من مكانة سامية في أنفسهم، ولما كان المغاربة قديما أبعد المسلمين مسافة من جهة الغرب عن الديار الحجازية،فقد كان لهم شوق كبير وعاطفة جياشة لزيارتها، وتجلى ذلك في ما كانوا يعبرون عنه من احترام عظيم واحتفاء كبير بالحجاج، وفي قيام بعض أغنيائهم بتحبيس الأملاك على الحرمين الشريفين[6] وفي تعبير أدبائهم وعلمائهم عن هذه العواطف خاصة أولئك الذين لم يتمكنوا من الحج إما لأنهم لم يمتلكوا ما يعتمدون عليه في الرحلة حتى أدركهم العجز والهرم، أو لأن الفتن ونوائب الدهر حبستهم، وذلك من خلال مظهرين :

    - الأول : كتابة رسائل يخاطبون بها الجناب النبوي معبرين فيها عن شوقهم ومبرزين عواطفهم نحوه، ثم يرسلونها مع الحجاج لتقرأ في الروضة الشريفة، وقد ظهر هذا النمط من الترسل[7] بالمغرب في عهد المرابطين وتفرد به المغاربة، ومن أوائل من كتب فيه القاضي عياض[8] وأبو عبد الله بن أبي الخصال[9]، وممن ساروا على خطاه من السوسيين محمد بن سعيد الميرغتي[10].

    - الثاني : نظم القصائد في التشوق إلى البقاع الحجازية،[11] ومن أوائل من نظموا في هذا الغرض من السوسيين أبو زيد عبد الرحمان التمنارتي (ت 1060 هـ) الذي أبدع قصائد عديدة يشكو فيها بعده عن الحضرة النبوية ويصف فيها شوقه لزيارتها وقد نظم بعضها وهو يودع ركب الحجيج واصفا ما ترك في نفسه من أسف التخلف ورغبة شديدة في الترحال لولا صروف الزمان،[12] قال مصدرا إحدى هذه القصائد :

    "وفي ذي الحجة سنة اثنتين وألف خرج الحجيج من تارودانت قاعدة السوس الأقصى وكنت ممن شايعهم بدمع ثريق وعويل فيه شهيق وزفير في مشهد أذكت فيه لوعة البين صبابتها وأراقت فيه المقل صُبابتها وتوديع أشعل نار الفرقة بين الضلوع والأحشاء والنار بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم غراما ووحشا وارتفع به للشوق أعلامه وعدا على القلوب والأكباد آلامه"[13] .

    كما نظم أخرى وأرسلها مع الحُـجاج مخاطبا فيها رسول الله (ص) معتذرا له عن تخلفه عن الزيارة[14].

    وقد ارتحل إلى الديار الحجازية كثير من السوسيين لكن لم يتصدّ لكتابة الرحلة إلا القليلون نذكر منهم أبا مدين عبد الله بن أحمد الروداني وأحمد بن محمد العباسي وأحمد بن عبد الله الإيبوركي وأحمد بن بلقاسم الكرسيفي وأحمد بن محمد أحوزي وعبد الواحد بن الحسن الصنهاجي ومحمد بن أحمد الحضيكي… وقد عمد هؤلاء إلى تسجيل مشاهداتهم من أحداث وأناس وما لاقوا من مصاعب ومخاطر لا يتجاوزها إلا من حف بعناية الله و رزق الصبر وحسن التصرف، ومن نماذج الرحلة الحجازية لدى السوسيين رحلة مَحمد بن محمد التامراوي[15] التي لخصها محمد المختار السوسي وأوردها في الجزء الثامن من المعسول.

    رحل التامراوي لأداء مناسك الحج يوم الخميس 24 شعبان عام 1242 هـ وعاد إلى بلده بعد عام يوم الاثنين 9 شعبان عام 1243، ورغم أن رحلته المدونة موجزة في سبعة عشر صفحة[16]غير أنها حافلة بإفادات متعددة عن المناحي الاجتماعية والاقتصادية للأقطار التي مر بها في طريقه إلى مكة، كما فصل فيها معاناة الحجاج المغاربة الشديدة من وسائل النقل وأحوال الجو ومعاملة الناس، وقد بدأ المؤلف تحرير الرحلة وهو يستعد للسفر يظهر ذلك في قوله : "...نسأله اللطف والإعانة في جميع الأحوال والإخلاص والتوفيق والكمال فيما أنا بصدده من السفر لأداء فريضة الحج بتوفيق من الله.. اللهم لا تحرمني من زيادة قبره والتسليم على صاحبيه فذلك غاية أملي..."[17]، ويمكن أن نقسم رحلته إلى ستة مراحل :

    - المرحلة الأولى : انطلاق الرحلة. وصف الكاتب استعداده للسفر لأداء الفريضة ثم انطلاق ركب الحجاج السوسيين ويوفر وصف التامراوي معلومات هامة عن مسار ركب الحجيج في القرن الثالث عشر وانقسامه إلى ركب بري وركب بحري. وقد انطلق الفقيه التامراوي من مسقط رأسه تامْرَا ليلتقي مع بقية حجاج قبيلتي رسموكة و إداوبعقيل بتَماشْتْ ثم انطلقوا إلى هشتوكة حيث اجتمعوا بحجاجها وحجاج المناطق المجاورة ثم إلى أكادير إيغير مجمع كل حجاج سوس ليتوجهوا بعد ذلك لركوب البحر من مرسى الصويرة.

    - المرحلة الثانية : تعذر السفر للزوم إذن السلطان. في هذا القسم تحدث التامراوي عن وصول الركب إلى مرسى الصويرة وتعذر السفر لعدم اتساع السفينة لحمل الحجاج الحاضرين بالمرسى ولما توفرت السفينة تعذر السفر لعدم توفر الأمان بالبحر وضرورة الحصول على إذن السفر من السلطان فأوفد الحجاج التامراوي مع زميله إبراهيم الهشتوكي لمقابلة السلطان عبد الرحمان بن هشام وطلب إذنه، وبعد أن تم لهما ذلك رجعا إلى الصويرة وانطلقا منها مع الحجاج بحرا إلى الإسكندرية.

    - المرحلة الثالثة : رحلة البحر. تحدث التامراوي في هذه المرحلة عما أصاب الحجاج من أهوال بدءا بالدوار الشديد وانتهاء بهيجان البحر واضطرابه حتى كاد يودي بحياتهم، قال يصف تلك الحال : "فلما نهضت ] السفينة [ وسارت في ريح رديئة شرقية) ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)[18] لا تسمع إلا أنين الوجع والقيء قل من سلم، لا يسأل والد عن ولده، ولا رفيق عن رفيقه. ما أشبهه بيوم الفزع الأكبر، لا طاقة لأحد على الجلوس والتكلم إلا نادرا وقد أدركني الوقت في سطحها، ورفقائي تحت السقف ليلة الأربعاء فلم يمكن النزول إليهم، ولا أمكنهم الوصول إليّ، فلم أسأل عنهم ولا سألوا عني. بل كل مصروع في مصرعه، لا يقدر على الجلوس فضلا عن القيام والسؤال، ودامت الريح الشرقية الرديئة أياما، وحصلت فرتونة[19] عظيمة ترى الأمواج تتلاطم في سطح السفينة وجاءنا الموج من كل مكان حتى ظننا أنا أحيط بنا فطفق الناس في الدعاء والتوسل بالأولياء والتضرع إلى الله فمنّ علينا بلطفه ورفقه، بعد الشدة العظيمة التي لا يعرف قدرها إلا من باشرها وعاينها وليس الخبر كالعيان..."[20]

    - المرحلة الرابعة : الوصول إلى مصر والحجاز. وصل ركب الحجاج السوسيين مصر بعد رحلة بحرية دامت حوالي أربعين يوما من 25 رمضان حتى 5 ذي القعدة 1242 ونزلوا بولاق للاستعداد للرحيل برا للحجاز بعد أن وجدوا الركب المصري سافر منذ 15 يوما، وقد وصف التامراوي رحلة الركب خلال شبه جزيرة سيناء للوصول إلى ينبع ومنه بحرا إلى جدة.

    - المرحلة الخامسة : الوصول إلى الحجاز وقضاء المناسك. خص التامراوي مرحلة قضاء المناسك بوصف دقيق بدءا بالإحرام برابغ حتى التحلل ثم زيارة المدينة حيث الروضة النبوية الشريفة، معددا المقامات التي زارها خاصة المساجد والمقابر والمشاهد مشيرا إلى بعض القضايا الفقهية التي أثارت انتباهه.

    - المرحلة السادسة رحلة العودة. بعد أن قضى الحجاج مناسكهم عادوا إلى المغرب، ويظهر أن فقيهنا فضل الرحلة البرية متجنبا ركوب البحر بعد أن ذاق أهواله في المحيط الطلسي والبحر المتوسط والبحر الأحمر غير أن البر لم يكن أكثر أمنا من البحر فقد تعرض ركب الحجيج لهجمة الأعراب قرب مدينة قابس ووقع القتال بينهما فانهزم الحجاج وسلبت أموالهم، قال التامراوي عن ذلك : "أصابتنا داهية عظيمة يوم السبت الحادي عشر من الشهر[21]، قرب مدينة قابس في موضع بتنا فيه ليلة السبت، فالتم علينا الأعراب في الصبيحة فوقع قتال بينهم وبين الحجاج، فوقعت الهزيمة في الحجاج، وضاقت الأرض واشتعل الرأس شيبا ونهب فينا كثير من الأموال، وحصلت مفارقة بيني وبين رفقائي لاشتغال كل واحد برأسه وجمله، وأصاب الرصاص جمل رفيقي السيد محمد أعجلي[22]، فقبضت جملي ليُحمل عليه حِمل جمل السيد محمد، فلم يمكن لنا ذلك وهرب الناس وتأخرت في آخرهم، ووصلني الظلمة فقبضوني ونهبوا جملي وما عليه من الأمتعة، سوى الدراهم قد كانت عند رفيقي الحاج محمد المزواري وكان يحمي على جمله بسلاحه فكف الله أيديهم عني لم يضربوني إلا بحجارة خفيفة بين الكتفين، سربت ولحقت بآخر الناس وشكرت الله لما عصمني منهم، وكنت أهرول حتى أصابني إعياء عظيم فتلاقيت مع الحاج سليمان، فركبت ناقته فتبعنا العدو والناس في القتال نحو ساعتين إلى أن وصلنا موضعا يقال له الزاوية فأغاثنا الله بهم وخرج فيهم فارس يطرد الأعراب عن الحجاج ويخاصمهم وأهل الزاوية تخاصموا مع الأعراب المحاربين في الأموال المنهوبة لهم، حتى ردوا جميعها… ولم يطلع فجر يوم الأحد حتى أتوا بجميع الأموال المنهوبة ولم يبق منها شيء..."[23]

    تابع التامراوي بعد هذا الحادث وصف دخوله إلى تونس فالجزائر ثم المغرب بوجدة فتازة ثم فاس والرباط إلى مراكش ثم ختم رحلته بالإشارة إلى وصوله مسقط رأسه وبحمد الله على على إكرامه بالحج، قال : "ثم وصلت البلد يوم الإثنين التاسع من شعبان عام 1243 والحمد لله… انتهى ونسخها من المسودة راسمها في عام 1249 عبيد الله محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله المزواري التامراوي غفر الله له ولطف به آمين"[24].

    من خلال استعراض مراحل رحلة التامراوي نستنتج أنها نص رحلي يحمل سمات الرحلة الحجازية المغربية ومكونات ثقافة المؤلف وفكره التي تجلت في اهتمامه بوصف مظاهر الحياة الطبيعية والثقافية للبلاد التي زارها وتجلى ذلك فيما يلي :

    الوصف الجغرافي : يعتبر الوصف الجغرافي السمة الجامعة للرحلات المغربية إلى المشرق إذ اهتم الرحالة بالوصف الجغرافي للأماكن التي مروا منها[25]، وقد اقتدى بهم التامراوي، وإن غلب عليه الاختصار، فوصف الطرق وما تمر به من جبال وسهول وبحار وجزر كما اهتم بالمدن والقرى والمباني وركز على أماكن وجود المياه من آبار وعيون ولم يغفل التعرض لأحوال الجو بحرا وجوا خاصة غزارة الأمطار وشدة الحرارة، وقد اعتمد في ذلك كله على المعاينة ولكنه كان ينقل أحيانا روايات شفوية لبعض الحجاج المطلعين ممن شاهدوا ما تعرض لوصفه، من ذلك وصفه لجبل طارق إذ قال : "وجبل طارق على ما أخبرني به تاجر من تجار المسلمين كان معنا في السفينة بسلعه وحج مرات من جملة إقليم الأندلس وقد بقي جامع المسلمين فيه معظما محترما الآن أعاده الله للإسلام ودمر أهل الكفر..."[26].

    العناية بالضبط التاريخي : اهتم التامراوي بضبط تاريخ رحلته منذ انطلاقه من بلده إلى أن عاد إليه، وقد ساعده على ذلك إقدامه على تسجيل كل مرحلة في إبّانها، مما يتيح للدارس معرفة زمن مراحل الرحلة وزمن المناسك.. وغير ذلك وهذا ما لا يتوفر في أغلب الرحلات التي يعتمد فيها أصحابها على الذاكرة فيتم تسجيل الأحداث وإغفال التواريخ.

    بروز ثقافة المؤلف وفكره : من خلال الرحلة فكر و ثقافة المؤلف التي يستند إليها في مواقفه وآرائه ويمكن التمييز فيها بين ثلاثة مكونات :

    أ - المكون العلمي : يبدو التامراوي عالما مهتما بالتحصيل حريصا ذكر علماء المدن والقرى التي مر منها خاصة إن كانوا من الأعلام و على الاستفادة ممن يلقاهم من أقرانه والحصول على إجازاتهم، وقد ذكر عنه أنه أحضر من المشرق إبان رحلته هذه كتبا كثيرة[27] كما ورد في رحلته حصوله على إجازتين الأولى من محمد بن أحمد الولتيتي السوسي نزيل الصويرة والثانية من شيخه أبي عبد الله محمد الحبيب بن عبد القادر الفيلالي نزيل المدينة المنورة الذي تتلمذ له التامراوي بمدرسة تازروالت قبل رحيله للمشرق وقد ضمن تلك الإجازة في رحلته[28].

    ب - المكون الصوفي : ويبرز في حرص التامراوي على زيارة أضرحة الأولياء والصلحاء أينما حل منذ انطلاق رحلته وحتى رجوعه حيث بدأ بزيارة صلحاء بلده ثم ثنى بضريح سيدي مزال بهشتوكة وزار قبور الرجال السبعة بمراكش... وغيرهم كما حرص على زيارة المشاهد والأضرحة المشهورة في كل بلد مر به حتى أن قارئ رحلته يشعر أن ذلك هدفه من الرحلة لا أداء مناسك الحج.

    ج - المكون الفقهي : كان التامراوي أحد فقهاء سوس المبرزين في زمنه ومحور النوازل في بلده[29] فلا عجب إذا برز المكون الفقهي في وصفه لأداء مناسك الحج وحرصه على الإتيان بها حسب اجتهادات علماء المذهب المالكي مخالفا الأئمة المكيين الأحناف مذهبا ومن المسائل الفقهية التي تعرض لها الجمع بين الظهرين يوم عرفة قصرا، قال : "... سرت إلى مسجد نمرة للصلاة… فصلينا فيها الظهرين بالجمع في أول الزوال بعد خطبة الإمام صلى الإمام بالناس بالكمال من غير قصر وهو حنفي فلما رأيت ذلك علمت أنه غير مالكي إذ السنة عندنا الجمع والقصر لغير أهل عرفة..."[30].ومسألة وقت الوقوف الذي يمتد عند المالكية إلى تحقق الغروب قال التامراوي : "...اندفع الناس بعد الغروب، وبقيت واقفا مع بعض أهل المغرب إلى أن نزل الإمام ومر علينا ومكثت يسيرا بعده، حتى تحقق الوقوف هنيهة بعد الغروب الذي هو الركن عندنا والوقوف نهارا ليس بركن بل واجب ينجبر بالدم عندنا"[31].

    ولا تبرز شخصية المؤلف من خلال هذه المكونات فحسب بل كذلك من خلال بعض الملاحظات التي لم يفتأ يسجلها حول الطرق التي مر بها إذ تحضر شخصية الفقيه المرشد الناصح، ويبرز الهدف الأساس من الرحلة وهو إفادة المقبلين على السفر للحج وبيان ما يجب تجنبه وما يجب الحرص عليه من ذلك قوله متحدثا عن الماء في بعض مناطق مصر : "وماء جعروض رديء مالح يضر الحجاج ويقتلهم على ما قيل وجرب فلا نشرب منه ومن أراد أن يشتريه في مدينة سويس إذا أراد الدخول في البحر فلا يشتره وليسأل عن الماء الطيب الذي يؤتى به من الجبال."[32] ثم قوله معلقا على تجارة المسك ناصحا بضرورة حفظه وقد وجه الخطاب مباشرة للقارئ : "وجدّة حاضرة بساحل البحر قرب مكة… ومنها يخرج المسك... ويشتريه الحجاج كثيرا لخفته ويفسده الماء وعليك بحفظه إن اشتريته وتضر رائحته البهائم في زمان الحر، وكذا الناس"[33]

    كما سجل المؤلف بعض العادات الاجتماعية والمظاهر التي أثارت انتباهه في البيئات التي زارها ومن المظاهر التي وصفها أو أشار إليها :

    - عادة تدخين التبغ وانتشارها بالمشرق وذلك عند حديثه عن مدينة ابن غازي، قال : "...أهلها طيبون محبون للحجاج والمساكين ويواسونهم، وقل بها شاربو دخان تباغا بخلاف المشرق كمصر فجلهم رجالا ونساء يشربونها وكأنها عندهم من القوت وقد شاهدت عدول قاضي مصر قاعدين في مجلس القضاء على هيئة جليلة وملابس نفيسة يتعاطونها والناس والخصوم عندهم والقاضي حنفي والقضاء مخصوص يه الآن.[34]

    - ظاهرة التفاخر بين أمراء مصر والشام عند القفول من عرفة، قال : "فسرنا إلى مزدلفة في زحام عظيم وفرح كثير، وطفق الأمراء في إخراج المدافع والأنفاض وقد كان الافتخار بين أمراء مصر والشام بالقوة والشدة وكثرة العدد والأموال إلا أن الشامي أكثر قوة وعددا ومالا ومدافع وأحنى على مساكين الحجاج وأخذوا في إخراج المدافع إلى مزدلفة..."[35]

    أما من حيث المصادر فقد اعتمد التامراوي على المشاهدة والمعاينة وعلى الرواية الشفوية لوصف بعض الأماكن التي لم يصل إليها في طريقه فسأل عنها من زاروها من الحجاج الذين رافقوه، كما أنه اعتمد على الرحلة الحجازية لأحمد بن محمد الإيسي الحضيكي فكان ينقل عنها بعض الفوائد و يقارن ما فيها من وصف المراحل والمسافات بما شهده بنفسه في سفره[36].

    ب - الرحلة السياحية : وهي التي يكون الهدف منها السياحة لزيارة المدن والحواضر ولقاء علمائها وأدبائها وتوجد عدة نماذج منها خاصة عند المتأخرين وإن كان أغلبهم قد اختار النظم لتسجيلها كمحمد بن أحمد الإكراري و محمد العتيق الإلغي والبشير الإفراني وأحمد حميتي وعبد الرحمان التدارتي أما النصوص النثرية فنذكر منها رحلة محمد بن أبي بكر الأزاريفي[37] "أزهار البساتين في الرحلة إلى السوادين" التي سجل فيها انطباعاته إبان زيارته بعض الدول الإفريقية، وتعتبر هذه الرحلة نصا فريدا في الأدب المغربي عامة، باعتبار مجال السفر حيث تقل بل تندر نصوص مشابهة تتحدث عن رحلات إلى الجنوب مقارنة بنصوص وافرة عن الرحلة الحجازية أو الأوربية.ويعتبر هذا النص نموذجا للرحلة السياحية لدى الكتاب السوسيين.

    يتضمن الكتاب رحلة الأزاريفي في ركاب محمد الحبيب بن محمود التيجاني وهو أحد رؤساء الطريقة التيجانية بالمغرب، إلى عدة بلدان جنوب الصحراء الكبرى هي بالترتيب : السنغال، مالي، النيجر، نيجيريا ساحل العاج،غينيا. وهدف الرحلة تفقد أتباع الطريقة التيجانية بالدول المذكورة.

    استهل المؤلف رحلته بمقدمة طويلة في ستة عشر صفحة عن فوائد السفر وقسّمه إلى سفر طلب وسفر هرب وفصل أقسام كل منهما مبرزا حكمها الشرعي مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار المختارة، ثم ابتدأ الحديث عن دواعي الرحلة، فقال : "وبعد فقد ناداني داعي الفلاح للرحلة إلى القطر السوداني صحبة من رفقته غنم وعنوان الرباح الشريف الأصيل التجاني سيدي محمد الحبيب بن سيدي محمود التجاني فأجبت منادي الفلاح مستنشقا من نسيمه العطر الفواح …"[38].

    ابتدأت الرحلة يوم الخميس ثالث رجب عام 1373 جال فيها المؤلف دولا عدة حسب المراحل التالية :
    الأولى : انطلاق المؤلف من الدار البيضاء إلى دكار عاصمة السنغال والمقام بها نحو ثلاثة أشهر، والتجول بين مدن هذا القطر وزيارة علمائه خاصة الشنكيطيين وغيرهم من أتباع الطريقة التيجانية.
    الثانية : السفر إلى عاصمة مالي مدينة باماكو وزيارة مدينة سيكو ولقاء رؤساء الطريقة بها ومناقشة أمور الطريقة مع بعضهم ووعظ المريدين.
    الثالثة : الانتقال إلى مدينة نيامي عاصمة النيجر وزيارة عدة مدن ككندام وكاو.
    الرابعة : السفر إلى نيجيريا والنزول بمدينة كانو ومدينة لاكوص.
    الخامسة : زيارة ساحل العاج وعاصمتها أبيدجان.
    السادسة : غينيا وعاصمتها كوناكري


    لقد كانت كل مرحلة في الرحلة الإفريقية للعلامة الأزاريفي مناسبة لمناقشة القضايا الشرعية أو الصوفية وكانت تستغرق صفحات عديدة بينما كان يعمد إلى الاختصار حينما تحدث عن المكان والزمان والناس، كما أنه لم يهتم بضبط تاريخ مراحل الرحلة ولا تاريخ العودة إلى المغرب، وهذا ما يبرز سمة خاصة بهذا النص الذي لم يكن رحلة بالمعنى المتعارف عليه، فلم يكن وصفا لسفر يتوخى منه الاطلاع على آفاق جديدة، كما لم يكن مؤلفها ذلك الرحالة الذي تدفعه الرغبة في الاكتشاف أو المغامرة أو المعرفة لمفارقة وطنه والسياحة في الأرض إن الأزاريفي من خلال رحلته هذه لم يقدم نصا أدبيا يصف مواجهته للمكان الغريب وللناس الأباعد الذين زارهم في رحلته الإفريقية، ولكنه عوضا عن ذلك سافر في معارفه وأفكاره الفقهية والصوفية وكانت رحلته مناسبة لعرض معارفه ومشربه التيجاني حيث كان حلوله بمكان جديد أو لقاؤه بأناس جدد مناسبة لعرض مستفيض لقضية كانت مجال نقاش أو موضوع محاضرة أو موعظة مع إيراد جميع التفاصيل والأدلة من القرآن والسنة وأقوال المتصوفة.

    ومن القضايا التي ناقشها مسألة اقتداء المسافر بالمقيم في الصلاة،جمع الصلاتين، الصلاة في الطائرة، كم السحر وتأثيره،عدد ذكر جوهرة الكمال في الورد التيجاني رؤية الله والنبي(ص) في المنام، الحجة في تلقين الأوراد والاجتماع عليها،التوسل بالأنبياء والأولياء والتشفع بهم، إضافة إلى ذلك أورد الأزاريفي أشعارا كثيرة قيلت في رئيس الزاوية التيجانية بالمغرب أو خوطب بها أو ما أبدعه من لقيهم من الشعراء كما ذيل رحلته بالأحاديث النبوية التي ذكرها في مواعظه التي ألقاها على الخصوص بمدينة دكار.

    هكذا يظهر طغيان جانب التوثيق العلمي على وصف مراحل الرحلة ووصف المكان والناس، فحين تحدث المؤلف عن اهتمام النيجيريين باللغة العربية ومهارة بعض أساتذتهم في القرآن وعلوم القراءات أشار إلى مذاكرة جرت بينه وبين أحدهم حول الإمالة والقراءة بها،لكنه لم يورد نص المذاكرة بحيث يبرز مبلغ علم مذاكره وتعمقه من علوم القرآن والعربية وعوضا عن ذلك سجل رأيه في القضية[39]. كما كان تتبعه لشؤون المسلمين بالبلاد التي زارها سطحيا حيث اكتفى بإشارات بسيطة إلى المساجد والعلماء والمؤسسات التعليمية العربية الإسلامية، وكان الطاغي عليه الاهتمام بالطريقة التيجانية وبأتباعها وأذكارها ومشاكل مريديها، ولا غرابة في ذلك ما دام أن رحلته كانت في ركاب رئيس الطريقة الذي ذهب لتفقد أحوال الأتباع ولا يبعد أن يكون هو من اقترح عليه تسجيلها ومن ثم كان اهتمامه منصبا على تسجيل ما يهم المريد التيجاني من مجريات الرحلة خاصة ما تعلق منها بأركان الطريقة والأوراد والأدعية وحال المريدين بالبلاد المزورة، ولا غرابة في ذلك فمنذ انتشر الفكر الصوفي بين العلماء والأدباء صار أداة للنظر إلى العالم والكون ومنطلقا للتأليف العلمي والإبداع الأدبي وانكب الرحالة على ذكر الصالحين الذين زاروهم وعلى ذكر مناقب الأحياء منهم والأموات والتوسل بهم أكثر من الاهتمام بالقرى والآثار ومظاهر الحضارة ومكامن الاتفاق والاختلاف بين الشعوب والأقوام وتعتبر رحلة أبي سالم العياشي "ماء الموائد" أجلى مثال على ذلك[40].

    إلا أن هذا لا يعني خلو الرحلة من الاهتمام بالبيئة التي زارها المؤلف وسكانها فقد حرص على وصف كل بلد حل به وذكر موقعه وحدوده ومناخه وأهم مدنه والمواد أو الصناعات التي يعتمد عليها في اقتصاده، كما ذكر خلال رحلته جماعة من علماء الأقطار التي زارها ومن رؤساء الطريقة التيجانية ومن المدارس والمعاهد العلمية وأشار إلى بعض الظواهر التي أثارت انتباهه مثل انتشار بعض مراكز التبشير بنيجيريا فقال : "ويبلغ عدد المدارس في جنوب نيجيريا ما بين ستة آلاف وسبعة آلاف ويتراوح عدد التلاميذ فيها ما بين 725 ألفا، ومن بينها توجد خمسون مدرسة حكومية والباقي أهلية وأوكار مسيحية تبشيرية تمدها الحكومة الإنجليزية بإعانات سنوية"[41] ومثل قصر دراسة القضاء في نيجيريا على أبناء الأسر العريقة دون غيرها، قال : "...وتقضي التقاليد بأن يقع الاختيار على أبناء العائلات العريقة في العلم والقضاء، لأن القضاء غير مشاع في البلاد، بل هو منحصر في عائلات معينة يتوارثونه أبا عن جد، والعامة لا تحترم القاضي الذي لا ينتمي إلى إحدى تلك العائلات ولا تحتكم إليه مهما بلغ حذقه وعلمه بالقضاء…وهذا الأسلوب لاشك أنه يحرم الأذكياء من تعلم علم القضاء، وحدث مرة أن بعث أحد الأمراء إلى المدرسة تلميذا عمره خمس وستون سنة لأنه لم يكن يوجد أصغر منه في عائلته..."[42].

    وهذه الأخبار والإشارات بالرغم مما فيها من اختصار تجعل هذه الرحلة مصدرا هاما لدراسة وضع الثقافة العربية بإفريقيا منذ حوالي نصف قرن ومقارنته بالوضع الحاضر الذي انقلبت فيه الموازين وطغت فيه الحضارة الغربية على تلك البلدان وتغيرت أوضاعها السياسية، كما تعتبر مصدرا لدراسة الصلات الدينية والعلمية بين المغرب وهذه الدول انطلاقا من اشتراكهما في المشرب الصوفي، ويكفيها أنها النص الوحيد المدون الذي اختص بوصف رحلة عالم وأديب سوسي إلى بلدان الجنوب.

    ج - الرحلة العلمية : وغرضها أخذ العلوم أو البحث في الخزائن الخاصة عن نوادر الكتب واستقصاء الأحداث، وقد كانت للسوسيين رحلات علمية كثيرة إلى الحواضر العلمية بالمغرب أو الأندلس أو إفريقية أو الحواضر العلمية بالمشرق العربي كبغداد ودمشق والقاهرة وقد اندمج بعضها في الرحلات الحجازية بينما لم يلتفت علماء آخرون لتسجيل رحلاتهم، ومن نماذج الرحلات العلمية كتاب " خلال جزولة "ويضم رحلات محمد المختار السوسي الأربع في منطقة سوس للبحث عن مصادر التراث العربي الإسلامي، والاستعلام عن رجالات العلوم والآداب الذين كان بصدد الترجمة لهم في جمهرته المعسول وغيره من المؤلفات وقد قام السوسي برحلته منطلقا من منفاه في إلغ بعد أن سمح له بالتجول في سوس.كان الغرض من رحلات السوسي جمع المادة العلمية لعمله العلمي والتاريخي العظيم لنشرها في كتب معينة وفق خطة منهجية معينة،ولذلك لم يضمن كتابه كل ما جنى من فوائد علمية وتاريخية، بل فرز حصيلة رحلته ووزعها على مؤلفاته المتعددة حسب موضوعاتها، وسجل في كتاب "خلال جزولة" ما رآه فاضلا عنها من فوائد علمية وما كان موافقا لكتب الرحلات، قال في مقدمة رحلته الأولى : "أردت أن أودع هذه الرحلة ما أراه نافعا... مما يلفت أنظار المطالعين في الرحلات كما كان قبل ذلك المسافرين أمثالي ممن يركبون متون الرحلات، فكم شيء يكون عند قوم من سقط المتاع يكون طرفة مستملحة عند آخرين، ولكل قوم عادات تختلف باختلاف البلدان. فقطر سوس واسع فسيح.في كل ناحية من نواحيه ما يستحق من العادات والأخلاق. وكبار الرجال وأفاضل الكرام أن يمر به الباحث إلا وقد أعاره من عنايته طرفا، هذا على أننا لا نعنى كثيرا إلا بالجهة العلمية التاريخية التي نطنا بها همتنا… ثم إنني أنوي أن أطلق الإسهاب وأن أعانق الإيجاز ما استعطت وأن لا أذكر إلا ما أرى له فائدة إما علمية مطلقة أو إما أدبية خاصة،زيادة على إعلان شكر كل من أسدى إلي معروفا..."[43].

    ثم توسع السوسي في الحديث عن منهجه في التأليف وفي تفسير معنى الفوائد التي ذكرها في مقدمة الرحلة الأولى، قال في مقدمة الرحلة الثانية : "أودعه مشاهداتي من الآثار ونوادر الكتب، ومؤلفات السوسيين مطلقا وأسماء الرجال في جولاتي التي أخوض فيها قبائل سوس كلما وجدت لذلك فسحة. وقد حرصت على أن أودعها كل ما يلفت نظر مثلي من المولعين بمعرفة الكتب وبتراجم الرجال النابهين علماء كانوا أو رؤساء، مما أجد اسمه حديثا، ومما أقع عليه من الآثار الأدبية من نثر ونظم، ما دام ذلك مقبولا وإن لم يدرك الشأو العالي من البلاغة، وبوصف المجالس الأدبية التي أراها، فأسوق ما يروق من الفوائد والإنشاءات والإنشادات ولا قصد عندي إلا أن أنشر حسب ما في طاقتي من تاريخ هذه الجهة…[44].

    وقد عمل السوسي على ترتيب رحلاته فاختار في رحلته الأولى الترتيب الزمني على شكل اليوميات فيسجل تاريخ كل يوم ويدرج تحته ما شهده فيه من أحداث، وما حصل من معارف ومن تلقى من الناس علماء ووجهاء وعامة، ثم ظهر له في الرحلات الثلاث اختيار الترتيب المكاني حيث يذكر المكان الذي حل به وما حصل له به من الفوائد والمشاهد وقد استغرقت الرحلات الأربع مددا متفاوتة كما شملت أمكنة متنوعة كما يلي :

    - الرحلة الأولـى : من يوم السبت فاتح ربيع الآخر وانتهت في التاسع والعشرين منه من سنة 1361 وشملت المناطق التالية : تزنيت، أيت براييم، أولاد جرار، اكادير، تارودانت هوارة الدشيرة، إنزكان أكلوا.

    - الرحلة الثانية : من يوم الأحد ثاني ذي الحجة 1361 إلى سادس محرم 1362 وكانت في إداوسملال، إيليغ، أدوز، أزاريف، وجان، تزنيت، ماسة، إفران.

    - الرحلة الثالثة : من فاتح شوال 1362 إلى 28 ذي القعدة 1362 فيتمنارت، إيمي أوكادير أقا، طاطا، إيمي نتاتلت، سكتانة المنابهة، تارودانت، تييوت، أكادير، تزنيت، بويزكارن إفران.

    الرحلة الرابعة : من الإثنين 5شوال 1363 إلى 9 محرم1364. في أيت براييم، أولاد جرار، ماسة، هشتوكة، كسيمة، ماسكينة، أكادير، إيداوتنان، هوارة، تارودانت، المنابهة، أولاد يحيى، تازمورت، تزنيت.

    لقد حرص السوسي في تدوين رحلاته على تسجيل كل ما مر به أثناءها من فوائد ومعلومات مضيفا إليها ما جال في ذهنه من أفكار وما حفلت به المجالس التي حضرها من مذاكرات ونقاشات متنوعة فقهية وتاريخية واجتماعية…وكان خلال كل ذلك حريصا على تقريب المتلقي من زمن ومكان الرحلة عبر وصف كل ما يراه، وكان واعيا بأنه لا يكتب لمعاصريه ولكنه يكتب للتاريخ أي لمن سيأتون في زمن تكون الهيأة الاجتماعية قد تغيرت والأفكار تطورت وأسباب الحضارة قد لحقت القرى النائية التي كان يتجول فيها، لذلك كان هاجس التطور يحكم تناوله للموضوعات فلا ينسى تبصير القارئ، انطلاقا من فكر المؤرخ، بالواقع الذي يتحرك فيه حتى لا يساء الحكم عليه وعلى ما يقدمه من مشاهد واقعية وحتى تعرف قيمة ما يكتب وقيمة الذين يكتب عنهم، ولأجل ذلك لجأ السوسي إلى تقية معرفية يحتفظ فيها لنفسه بالأفكار والمعارف التي ألف التعبير عنها بجرأة وشجاعة وهو على كرسي الأستاذية في الحواضر خاصة مراكش، مضطرا إلى قبول ما يروج في البيئة السوسية من أفكار كان يعتبرها من بنات القرون البائدة[45]، وقد أشار إلى ذلك في أماكن متعددة من رحلاته، مبرزا ما كان يعاني منه من لم يستعن بمثل هذه التقية من أبناء المنطقة الذين درسوا بالمعاهد الحضرية ولم يستطيعوا إدراك الفجوة المعرفية بينها وبين مواطنهم قال : "كأي من خريج في الحواضر اليوم من السوسيين، صدر بفكرة مشبعة بصور هذا العصر، وبمرآة لا يتمثل فيها إلا رسوم المدنية ورونقها الخلاب وميسمها البراق، وقد أعجب بما يراه من أبنائها من أفكار تنطح السماوات…فيعود وقد حمل لآله في جزولة تنكرا غريبا وإعراضا عجيبا حتى لا يعرف إلا أن ينكر كل ما يعرفونه… ثم لا يزال في مصادمات حتى يبقى فريدا منبوذا بين أهله في العراء وقد حرم أهله النفع المنتظر من أمثاله..."[46] وقد مكنت التقية المعرفية السوسي من الاندماج في أوساط العلماء والأدباء السوسيين ومن جمع مادة وافرة لمؤلفاته الكثيرة كما أسعفته الملكة الأدبية فكان الوصف أداة طيعة بين يديه يستعين بها لإطلاع المتلقي على ما زار من أماكن وما انطبع في نفسه من مشاهد أخرجها من الجمود وخلدها بلغته الشاعرية الرقيقة رقة المشاهد الموصوفة، من ذلك قوله واصفا رياض القائد عياد الجراري :

    "... شقه جدول العين متدفقا، بل هو جعفر[47] لا جدول فخضنا في حقول ومزارع تحت ظلال وريفة... ثم خرجنا منه إلى الرياض وهو كبير جدا يقل مثله اتساعا في الحواضر، وفي شرقيه وغربيه حنيات ممتدة مع أرباعه المترامية وهو مقسم على مزاهر كثيرة متنوعة الأزهار والأشجار، تشقها الممرات المستقيمة، والأغصان تتهدل عليها من الجانبين، وعند الركن الأيسر من الربع الشرقي منه منبع العين الفائرة الفائضة الصافية إلا من نبعها فهو أخضر… والمكان حقا من الرياضات القليلة النظير وقد احتفت به بساطة بدوية لها أيضا موقعها في الجمال والنضرة، متى جالت في جوانبها النظرة، والقباب منبثة في الجوانب الأربع..."[48].

    كما كانت رحلات السوسي خلال جزولة مجالا لظهور اهتماماته وانشغالاته وبروز جوانب معارفه المتنوعة، حيث يبدو فقيها و محدثا ومفسرا وأصوليا و لغويا متضلعا ومؤرخا ومفكرا وطنيا منشغلا بحاضر الوطن ومستقبله، ويتجلى كل ذلك من خلال ما بثه في رحلاته من مذاكرات ومناقشات وآراء لعل أكثرها إثارة للانتباه نظرته إلى واقع المغرب في تلك المرحلة وتصوره لسبل وأسباب التطور والنهضة، مثل تصوره لتنمية الفلاحة بسوس عندما قال:

    "تكاد هذه البساتين في بسيط هشتوكة تتصل في غالب قبائلها، ولو تكونت جمعية فلاحية تراقب هذه البساتين وتمد الإعانة والإرشادات إلى أهلها وتدلهم على الطريقة القريبة التي يمكن فيها نيل الثمرات المجدية، لكان غالب هذا البسيط الممتد من جبل أيت براييم إلى جبل ماسكينة سوادا واحدا يقوم بآلاف من الأسر... إن هذه الأراضي المنبسطة الغنية السهلة منجم عظيم لسوس لو كان من يستنهض الأهالي ويعلمهم علم الفلاحة والغارسة والزراعة تعليما عصريا، ثم يفتح لهم الأسواق التي تعود عليهم بالنفع وتشجعهم للعمل، فمتى توفر كل هذا فإن الحياة ستدب في هذه البسائط وتسكن جوانبها وتكتظ بالعمران وليس ذلك بخيال، فإن همم الرجال فعالة إن شحذت بالعلم والتشجيع، ومقصودنا بالعلم هنا علم الفلاحة الذي يعلم الإنسان ما تصلح له كل أرض، وأوقات الزراعة،وكيف ترقية المزروعات، وكيف يتسابق فيها وكيف تعالج الفواكه ليتأتى إصدارها مصونة إلى أسواقها التي تدر بما تفعوعم به الجيوب ويفتر له ثغر الفلاح، وكيف يطيب له استبدال آلة السقي التي يعتادها الآن بآلة عصرية رخيصة ما لم يكن ذلك علم من الفلاح وعن معونة وتوجيه من الحكومة"[49].

    خلاصة القول إن النصوص الرحلية التي استعرضنا بعض أشكالها، والتي حررها علماء وفقهاء، هي مدونات لأناس كان همهم الأول تسجيل مشاهداتهم خلال السفر، وتقييد ما رأوه خلاله من أحداث وظواهر، غير أنهم أضافوا إلى ذلك انطباعاتهم وتصوراتهم، فلم تكن الرحلة عندهم سفرا في الزمان والمكان فحسب بل كانت سياحة في المشاعر والأفكار والتصورات، كما كانت فرصة لبروز المكون المعرفي بطرح القضايا العلمية الفقهية واستحضار المحفوظ الأدبي شعرا ونثرا، وإبراز المعتقد الديني الصوفي أو التصور الفكري، بحيث إن كل رحلة تبدو عالما قائما بذاته، لا يجمعه بغيره سوى موضوع الارتحال والسفر.




    [1] - رحلات السوسيين موضوع لأطروحة لنيل دكتوراه الدولة أنجزها الأستاذ محمد الحاتمي بعنوان : "رحلات السوسيين بين الإفادة والإمتاع" بإشراف الدكتور عباس الجراري.
    [2] - راجع : محمد المنوني- ركب الحاج المغربي، معهد مولاي الحسن، تطوان 1953.
    [3] - راجع مثلا : يوسف بن تغري بردي- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة (د.ت)16/ 203
    [4] - راجع : زكي علي المجاطي- تطورات البنية الاقتصادية لتارودانت عبر التاريخ، ضمن ندوة تارودانت حاضرة سوس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير 1993،ص: 94.
    [5] - يراجع: الرحلة في الأدب المغربي، التجنيس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل، بوشعيب حليفي، ص : 90 دار القرويين الدار البيضاء 2003.
    [6] - من الأملاك المحبسة على الحرمين الشريفين أجنة أشجار الزيتون بقبيلة أولاد يحيى بأحواز تارودانت، وكانت غلتها تباع كل عام بالمزاد حسب محاضر للسمسرة مؤرخة في 5جمادى الأولى 1346 و16 رجب 1347 ومراسلات مؤرخة في 8 رجب 1347/21 دجنبر 1928 و22شوال1348/23 مارس1930 وهناك تفاوت في الثمن المحصل من المزاد ما بين 15و 240 فرنكا بعملة ذلك العهد حسب خصب السنين وجفافها وثائق نظارة أحباس تارودانت.
    [7] - راجع : عبد السلام شقور– القاضي عياض الأديب، دار الفكر المغربي1983، ص : 159.
    [8] - المرجع نفسه.
    [9] - راجع مصطفى الزباخ– بنية الخطاب في فن الرسالة المرابطية بالأندلس، دار النشر المغربية الدار البيضاء 1988، ص : 237
    [10] - راجع : المعسول 10/ 190.
    [11] -يراجع : أدبيات الشوق إلى البقاع المقدسة، حسن جلاب، مجلة دعوة الحق العدد 357، ص: 24، السنة الثانية والربعون، شوال - ذو الحجة 1421/يناير- يبراير 2001.
    [12] - راجع : المهدي السعيدي- شعر التشوق إلى البقاع المقدسة لدى أبي زيد عبد الرحمان التمنارتي، بحث لنيل شهادة استكمال الدروس بإشراف الدكتور عباس الجراري، كلية الآداب الرباط 1989.
    [13] - الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، ص : 140
    [14] - المصدر نفسه،ص : 141.
    [15] - راجع ترجمته في المعسول 8/197.
    [16] - منشورة بالمعسول 8 /198-214.
    [17] - المعسول 8/198.
    [18] - الآية 2 من سورة الحج.
    [19] - الفرتونة : العاصفة البحرية راجع :
    R.DOZY – Supplément aux dictionnaires Arabes, librairie du Liban, t 2 p:247
    [20] - المعسول 8/200.
    [21] - ربيع الثاني 1243.
    [22] - علامة القراءات في عصره ولد قبل1200 وتوفي سنة 1271 درس بسوس ثم بجبالة ثم استقر بمدرسة إيكضي وموزايت وأفاوزور وتازروالت وأخذ عنه فيها جم غفير من الطلبة، راجع ترجمته في المعسول 5/292 وما بعدها.
    [23] - المعسول 8/215-216.
    [24] - نفسه، ص : 213.
    [25] - عواطف محمد يوسف نواب- الرحلات المغربية والأندلسية، ص : 77 مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية الرياض 1417-1996
    [26] - المعسول 8/201. وراجع وصف جزيرة مالطة في الصفحة ذاتها.
    [27] - المصدر نفسه، ص : 197
    [28] - نفسه، ص : 200 و 206.
    [29] - نفسه.
    [30] - المعسول 8/204.
    [31] - نفسه.
    [32] - نفسه،ص : 202 .
    [33] - نفسه، ص : 203
    [34] - نفسه، ص : 209.
    [35] - المعسول 8/204-205.
    [36] - راجع المصدر نفسه، ص : 202.
    [37] - من الأسرة العلمية الأزاريفية نسبة إلى منطقة أزاريف ولد سنة1322 بهشتوكة درس بسوس وبفاس والرباط واستقر بالبيضاء له تآليف عديدة أهمها شرح نظم الجشتيمي المسمى بالعمل السوسي، راجع ترجمته المفصلة بالمعسول 8/18
    [38] - أزهار البساتين- مطبعة الأندلس، الدار البيضاء (د.ت ) ص : 16.
    [39] - أزهار البساتين، ص:74.
    [40] - حسين محمد فهيم- أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، عدد 138 شوال1409/يونيو1989، ص : 127.
    [41] - حسين محمد فهيم - أدب الرحلات، ص:73.
    [42] - أزهار البساتين، ص : 74.
    [43] - محمد المختار السوسي– خلال جزولة، مطبعة المهدية، تطوان (د.ت)،1/ 06.
    [44] - المصدر نفسه، 2/3.
    [45] - علي أومليل– المختار السوسي السلطة العلمية والسلطة السياسية، ضمن الذاكرة المستعادة، ص: 19.
    [46] - خلال جزولة 2/ 6.وراجع الإلغيات 1/123.
    [47] - الجعفر النهر الصغير فوق الجدول، راجع مادة جعفر من لسان العرب لابن منظور المصري.
    [48] - خلال جزولة1/106.
    [49] - خلال جزولة 4/26-27.


    55.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..