نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

يوسف سبتي - قصائد.. ترجمة وتقديم: لميس سعيدي

'نصوص سردية و شعرية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,686
    2,527
    نشر الشّاعر الجزائري يوسف سبتي (1943-1993) قصائد ديوانه الوحيد “الجحيم والجنون”، ما يُقارب عشرين سنة بعد كتابتها(صدر الكتاب سنة 1981)، ولا نعرف كيف تطوّرت قصيدته بعد ذلك، خصوصا أنّه كان يؤكّد في كلّ مرّة أنّها قصائد الشّباب الأولى؛ أرشيف كامل من النّصوص التي نشرها في الصّحافة وقرأها في الأمسيات والمهرجانات الشِّعرية ضائع ولم يشتغل أحد على تجميعه في كتابه.

    وصف الشّاعر والصّحفي الكبير الطاهر جاعوط (اغتيل في 26 ماي 1993) ديوان “الجحيم والجنون” – والذي نقدّم ترجمة جديدة لبعض قصائده – بسجلّ السّفينة، وقصائده بقصائد نفاد الصّبر التي لا تسمح لا بالشكّ ولا بالتّحفظ، قصائد تكسر إيقاعها الخاصّ لتمنح الإيقاع لهذا العالم المستقبلي الذي سيُعيد منح نكهتها للأشياء والكلمات.

    عدا بعض تفاصيل جريمة اغتياله البشع في فجر 28 ديسمبر 1993، لا نعرف الكثير عن سيرة يوسف سبتي، ولا عن تفاصيل الصّخب الشِّعري والثّقافي الذي أحدثه في حياته، سواء من خلال نشاطه في الصّحافة أو من خلال مساهمته الكبيرة في خلق ديناميكية جديدة في الوسط الثقافي الجزائري، تحديدا حين أسّس مع الرّوائي الطّاهر وطار جمعية الجاحظية الثقافية في محاولة منه لكسر تحزّب الفرنكفونيين والمعرَّبين؛ ويبدو أنّه رغم تمرّد يوسف سبتي في الحياة والشِّعر واللغة، إلاّ أنّه لم يفلت من مصير النبوّة الكلاسيكي، بكتاب واحد وعمر قصير وميتة تراجيدية، وقصص مبتورة عن حياته يتناولها الأصدقاء كالأساطير، تُضاف إلى صورة له بالأبيض والأسود وهو يرفع عينيه نحو السّماء، بنظرة توحي أنّه يأخذ الحياة على محمل الجدّ أكثر بكثير مما ينبغي لشاعر.

    «البحر طيّع
    كقطّة تستلقي على ظهرها
    بلا أمواج
    بلا أدنى عدوانية
    بلا أدنى قسوة

    شرشف قديم
    يعتليه أطفال
    بالتّجاعيد

    وجه فتيّ
    تجرحه الابتسامة الفاتنة
    بأخاديد دقيقة

    * * *

    سأشمّ طوال حياتي
    رائحة الأوراق المجَّعَدة
    رائحة طباشير، قلم رصاص مكسور
    ريشة صدِئة، متَّسِخة

    سأشمّ طوال حياتي
    رائحة الحبر على طاولتي
    رائحة جلد محفظتي القديمة
    والكتب السّوداء والمتعفِّنة

    سأشعر طوال حياتي
    بعِبء الماضي، السنوات
    بعِبء رائحة فمي وأنا أتضوَّر جوعاً
    وعبء قذارة ملابسي

    طوال حياتي، سأرى مجدّدا
    وجوهاً شاحبة، ملغَّمة
    نظرات،
    جِباه رجال ملعونين
    والضغائن التي كانت غذائي

    * * *

    وُلدتُ في الجحيم
    عشتُ في الجحيم
    والجحيم وُلد بداخلي
    وفي الجحيم
    فوق الكراهية – تلك التّربة الخصبة التي تحترق –
    نبتت أزهار
    شممتها
    قطفتها
    فانتشرت المرارة بداخلي.
    محطة. نَفَس. ظلّ.
    أمل. رحيل. استئناف.
    علاقات حبّ ضائعة. علاقات حبّ مسروقة. علاقات حبّ ممكنة
    على درب بداية جديدة
    على درب كفاح
    أفضيت إلى الجنون.
    غصت في الجنون
    وجلبت منه الطحالب
    والجحيم مستمر…
    من اللهيب إلى البحر
    من البحر إلى اللهيب
    من الاحتراق
    إلى الغرق،
    الجحيم قائم
    والمتمرِّدون
    مصيرهم الجنون…

    * * *

    للمرّة الألف
    ألصقُ ذقني بصدري
    أنزل درجات السُلَّم
    في البداية
    أدوس ظلِّي
    ثمّ
    أدخل فيما يشبه العتمة
    ثم
    يغيب كلّ بصيص.
    أشياء حوافها غير دقيقة
    عالم متحرِّك
    عالم ضبابيّ
    عالم يكسوه الغبار
    عتمة كثيفة
    أياد ممدودة
    أصابع تنبش…
    أتقدّم
    أتقّدم
    قدماي تحدثان صريرا
    أتقدّم
    أتقدّم
    أصابعي لا تلتقي بأي شيء.
    أبحث عني
    أريدني
    كاملا، حقيقيا، بكامل قبحي.

    * * *

    هذا الحقّ في الحياة
    في أن أضع حجرا
    في أن أمزِّق شبكة العنكبوت
    حيث أعافر
    هل ستمنحني إياه؟


    هذا الحقّ في الدّفاع
    في أن أشتمّ الحمقى
    أُطالب به بلا تحفّظ
    وسوف أستعمله بلا اعتدال

    هل أستطيع دخول
    هذه القلعة؟
    هل أستطيع أن أعبر
    هذا الجسر المتحرِّك؟

    بأخويّة
    وبتهذيب شديد
    أقبل هذه الرّكلة

    * * *

    ثمّة في قلبي
    مكان صغير
    على شكل كيس
    بذرة
    دُفنتْ بداخلها كراهيتي

    ثمّة في عروقي
    شظايا صغيرة جداً
    يقودها الدّم
    نحو قلبي؛
    كراهيتي.

    ثمّة في رأسي
    فضاء متعفِّن
    مكان استحال لونه أسود
    تسيل منه
    كراهيتي.

    ثمّة على لساني
    مذاق باهت ومرّ
    نُسغ شجرة الدفلى
    الذي يبلّل طعامي
    كراهيتي
    نبتة
    تكبر، تزهر، تثمر
    وتزرع مجدّداً بذوراً
    في جسدي الذي يُنمِّل:
    كراهيتي

    كراهيتي، كراهيتي
    دون علمي
    كراهيتي،
    يا كراهيتي
    التي لا تُقهر
    تصوِّبين نحو أهداف كثيرة؛
    أرستقراطيو الأزمنة الجديدة.

    * * *

    سأكون بذيئاً
    رغما عنكم أيّها السّادة
    سأكون كلباً
    رغما عنكن أيّتها السيّدات
    وسأقول
    خرا
    خرا
    مجدّدا خرا
    سُدُّوا آذانكم
    الحمّالون في الموانئ، الفلّاحون
    العمّال، المؤخرات القذرة
    لا يملكون لغة مهذَّبة
    سُدُّوا آذانكم
    اضغطوا مناخيركم، المُقَمَّلون يقتربون
    امتنعوا عن رؤيتهم
    انعزلوا، سوف تختنقون وأنتم تحاولون حماية أنفسكم.

    * * *

    وأنا أتذكّر
    مظهركن المتعجرف
    وأسترجع حركات أجسادكن البائسة
    وأنا أتخيّل عيونكن الشاردة
    وأشاهد مجدّداً
    مشيتكن المجانية
    وأنا أرسم

    ابتساماتكن المحسوبة
    والموزَّعة كالصّدقات
    وأخضع مجدّدا
    لنفاقكن القاتل

    هل تعرفن
    ما الذي أقوم به
    آنساتي البرجوازيات؟
    حسنا
    أستمني…

    أحبّ المواخير التي يصعد منها الدخان
    أحبّ ملاجئ الفضلات
    أحبّ النّساء المشوَّهات
    بأجساد غير متناسقة
    أحبّ ذوات الشَّعر الأصفر، الأحمر
    والألوان الاصطناعية.

    أحب اللواتي يلعبن الغميضة
    مع الأمل

    أحبّ أن أستعيد الحياة
    بين أحضانكن
    آه حبيباتي العاهرات».


    * عن موقع نفحة

    يوسف-سبتي.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..