نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبد الله منينة ، خالد اليعبودي - الحسن الوزان أو ليون الإفريقي

'في الأدب المغربي القديم' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,679
    2,527
    حرص " لـيـون الإفـريـقـــي" (أو "الحسن الوزان") على تشويـه صورة مغاربة القرن 10هـ/16م

    نرصد في هذا المقال رحلة حسن الوزان الملقب ب "ليون الإفريقي" التي ضمَّنها كتابه "وصف إفريقيا"، وقد ألفه حين كان أسيرا بالفاتيكان، ونركز في هذه الدراسة على تحامل الرحالة في وصفه للبلدان الإفريقية والبلاد المغربية بشكل خاص، ونعت ساكنتها بأقبح الأوصاف، ونحاول البحث عن مكامن هذا التحامل، والتساؤل عن علل شهرة هذا الرحالة التي جابت الآفـاق، المتأرجحة بين الدقة في وصف أحوال الأمصار الإفريقية، أو اعتزاز الغربيين برجل مسلم تنصَّر على يد البابا..

    0- نبذة عن الكاتب:
    على الرغم من ولادة الحسن الوزان بمدينة غرناطة (آخر معقل للأندلسيين)، قبل سقوطها في يد الإسبان بعقد من الزمن (أي حوالي 888 هجرية)، فإن أصله يرجع إلى قبيلة بني زيات الزناتية القاطنة بجبال الريف.
    واضطر إلى الرحيل رفقة أبيه وسائر أهله إلى فاس إثر تزايد حصار الإسبان لغرناطة وأحوازها، وما هي إلا سنوات قليلة حتى سقطت إمارات الأندلس بأكملها في أيدي نصارى الجزيرة الإيبيرية.
    وقد حل بمدينة فاس وهو لا يزال غلاما حدث السن، تلقى العلوم الإسلامية وهو شاب يافع بجامع القرويين، على شيوخ العصر، والعلوم المدرّسة آنذاك، هي: علوم اللغة والآداب والفقه والأصول والتفسير والقراءات والحديث والسير والتصوف إضافة إلى الفلك والمنطق والحساب.
    بعد الانتصاب للشهادة مع عدول فاس بسماط العدول الواقع بالباب الغربي للقرويين قبالة "الشماعين" وخدمته كاتبا بمارستان سيدي فريج القريب من "العطارين" لمدة عامين، ولجَ إلى بلاط سلطان فاس محمد الوطاسي المكنى بالبرتغالي (لأنه وقعَ أسيرا في يد البرتغاليين وشبَّ بين أوساطهم إلى أن افتداه أبوه بمبلغ كبير) حيث كلفه بمهام وسفارات إلى مناطق متعددة وأقطار مختلفة، إلى حدود "تمبوكتو" ببلاد السودان، إضافة إلى مرافقته لأبيه المكلف بجمع ضرائب المخزن بجبال الريف والأطلس (المتوسط). فاكتسب الرحالة خبرة من كثرة التجوال، وسجل ملاحظاته في مصنفه "وصف إفريقيا" الذي نعتزم نقده.
    سقط أسيرا سنة 926 هجرية في البحر الرومي [: البحر الأبيض المتوسط] بين أيدي القرصان الإيطاليين الذين قدموه إلى الفاتيكان بعد أن لاحظوا فراسته وحسن أدبه، ليكون من خدام قداسة البابا، طلب منه التنصر، ففعل [راضخا كما يقول المتتبعون لحياته من العرب : خوفا على نفسه من الهلاك]، وتسمى باسم ليون وهو اسم البابا الذي كان لا يقدر على فراقه لحظة واحدة، وحكوا أنه سرعان ما رجع إلى دينه القديم: الإسلام الحنيف بعدما شاع خبر موت "البابا" لا سيما بعد ارتحاله إلى إفريقية [تونس].
    انتبه الإيطاليون لنباهة صاحبنا وثقافته الموسوعية، فأولوه عناية كبيرة بعد أن كان مجرد أسير، وأوكلتْ إليه مهمة تدريس اللغة العربية لرجال الكنيسة لكي يتمكّن هؤلاء من الاطلاع على كتابات العرب في مجالات الفلسفة والطب والفلك والكيمياء والجغرافيا.
    ألف "الوزان" العديد من المصنفات باللغة اللاتينية، نشير إلى ما سلم منها فيما يلي:
    - معجم عربي- عِبري- لاتيني (مخطوط في مكتبة الإسكورال-إسبانيا).
    - كتاب في التراجم (عرف فيه بفلاسفة العرب وأطبائهم) نشر بزوريخ سنة 1664.
    - الجغرافية العامة (بقي منه القسم الثالث وهو المعتمد في "كتاب وصف إفريقيا".[1]
    ويقع الكتاب الأخير في جزأين، وقد صنفه الكاتب باللغة اللاتينية، وترجم إلى العديد من اللغات الغربية منذ القرن السادس عشر..، ولم يترجم إلى العربية سوى في العقد الثامن من القرن العشرين.

    1- شهرة "الحسن الوزان" فاقت الآفاق بالرغم من جنايته على قومه وعلى حقائق التاريخ:

    قد يتساءل كل قارئ لكتاب " وصف إفريقيا"، ومتمعن في مضامينه: هل تعود شهرة هذا المصنف الرحالة إلى موضوعيته في وصف أحوال أقطار إفريقيا [الشمالية بوجه خاص]؟ أم لتفننه في التقاط عيوبهم وتفوقه في نعت سكان هذه الأمصار بأشرّ النعوت؟ أم لمجرد اعتزاز الغربيين برجل مسلم تنصَّرَ على يد الفاتيكان في عصر قلَّ فيه مثل هذا الصنيع الشنيع؟
    وهل تعود أسباب إقبال الأوروبيين الكبير على ترجمة الكتاب (من الإيطالية إلى اللاتينية- ترجمة فلوريان Florian- طبعات 1550-1556-1558-1559-1632، وإلى الهولندية سنة 1665، وإلى الإنجليزية سنة 1600 و 1896، وإلى الألمانية سنة 1805، وإلى الفرنسية سنة 1556، 1564 و 1830و 1896) إلى اشتهار المؤلف بتحامله على العرب والمسلمين؟ أم أنه كان يقدم علاوة على ذلك وثائق هامة للمستكشف الأوروبي؟
    وهل كانت وضعية الحسن الوزان الأصلية والتي تعتبره أسيرا تبرّر نعوته القدحية تجاه سكان حواضر المغرب وقـُراه..أم أن صدمة الحداثة التي أصابت شاعرنا الفلسطيني [: "أدونيس"] في زمننا المعاصر هي نفس الصدمة التي دوَّخت الرحالة " الحسن الوزان" المتنصِّر جبْرا واستمرَّت في تدويخ طلاب البعثات العلمية التي كان يبعث بها "محمد علي" حاكم مصر إلى باريس..ك"رفاعة الطهطاوي"..
    ذلك ما سنحاول الكشف عنه في صفحات هذا المقال.
    و نشير بداية إلى أن العديد من الكتـّاب الغربيين قدّموا ترجمات لهذه الشخصية التراثية، ومنهم:
    - شفير، مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب وصف إفريقيا سنة 1896، ص 36.
    - ل. ماسينيون، المغرب في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، سنة 1906، ص32 وما بعدها.
    - ل، ماسينيون، دائرة المعارف الإسلامية، 3: 22-32.
    - مترجمو ليون الإفريقي، هيسبريس سنة 1930.
    - ج. كولان، تعليق على كتاب حياة الحسن الوزان وآثاره، هسبريس 1935، ص94-98.
    - ك. بروكلمان، ملحق، سنة 1937، 2: 710.
    - ريمون موني، الأسفار العظيمة لليون الإفريقي، هيسبريس ج41 سنة 1945، ص379-394.
    - إيبولار، مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب وصف إفريقيا، سنة 1956، ص 5-11.
    - اغناطيسون كراتيدكوفسكي، الأدب الجغرافي عند العرب، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، سنة 1957، القسم الأول ص 450-455.
    - بوفيل، الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا، ترجمة د. زاهر رياض، صص 157-171- القاهرة 1968.
    وهناك كُتاب عرب ومسلمون كثيرون قدموا معالم هذه الشخصية من أبرزهم:
    - بطرس البستاني، دائرة المعارف ، 4: 28، سنة 1876
    - سليم أفندي، ميخائيل شحاذة ، في الجغرافية وجغرافيي الإسلام، مجلة المقتطف، سنة 1883، ج7، ص 713.
    - محمد المهدي الحجوي، حياة الحسن الوزان وآثاره، سنة 1933.
    - سعيد حجي، سلسلة مقالات في مجلة المغرب، ديسمبر 1934، يناير، أبريل 1935.
    - محمد داود، تاريخ تطوان، 1: 87، هامش 1- سنة 1957.
    - عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 3: 292 سنة 1957.
    - أحمد أبو سعيد، كتاب أدب الرحلات، سنة 1961.
    - محمد عبد الله عنان، الحسن الوزان أو ليون الإريقي، مجلة العربي، سنة 1962، عدد 43.
    - نجيب العقيقي، المستشرقون، 1/136-137- سنة 1964.
    - محمد المختار السوسي: إيليغ قديما وحديثا، ص 210، هامش 443، سنة 1966.
    - محمد عبد الله عنان، شخصية الحسن الوزان الغرناطي، محاضرة بالفرنسية في جنيف سنة 1967 (جريدة العلم- الرباط 21 أبريل 1967)
    - عبد القادر زمامة: ليون الإفريقي، مجلة اللقاء، العدد 10، ص 115- 117. يناير 1969.
    - مصطفى مسعود، الحسن بن محمد الوزان، مجلة جامعة القاهرة بالخرطوم سنة 1970.
    - شوكت الشطي، نظرات إلى ثقافة العرب الطبية في الحضارة الأندلسية سنة 1972.
    - جمال زكريا قاسم، الحسن الوزان: رحالة عربي ومصنف فرنجي، مجلة العربي، يونيو 1972.
    - عبد الهادي التازي: جامعة القرويين 2/507 سنة 1973.
    - شوقي عطا الله الجمل، محمد حسن الوزان، مجلة المناهل 1975.
    - محمد حجي: الحياة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين، سنة 1977، 1/23- 26 و 2/348-349.
    - محمد أحمد زوام، الحسن الوزان- رسالة ماجستير، مخطوط بمعهد الدراسات الإفريقية بالقاهرة 1398.
    وقد بلغت أهمية الكتاب أن استفاد جملة من المؤلفين من مضامينه خصوصا منها ما تعلق بالعادات والتقاليد التي اشتهر بها بعض السكان والأجناس، من بين هؤلاء "حاييم الزعفراني" في تأليفه لمصنف "ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب"، فقد اقتبس هذا المؤلف الكثير من عادات المغاربة المعروفة بعصر "الوزان"، كأعراف التحضير للزواج والخطوبة والختان...باعتبار أن اليهود المغاربة ينهلون من نفس المورد مع باقي المغاربة في سننهم وأعرافهم...
    والواقع أننا لا نساير محققي كتاب "وصف إفريقيا" في تبريرهما لكثرة الأوصاف القدحية التي تضمنها كتاب "وصف إفريقيا"، حين ردّا هذه النـزعة إلى ميل الكاتب إلى الموضوعية في كتابته التاريخية، فقد مدحا "نزاهة المؤلف وحياده التام في كل ما كتب غير متأثر بعاطفة قرابة أو دين أو وطن، تجده يمدح مكانا وقوما في جهة، ويذم نظيرهما في جهة أخرى، تبعا لما شاهد وعرف، فالأرض هناك طيبة تنبت من كل زوج بهيج، وأهلها أوفياء كرماء، والنساء جميلات أنيقات عفيفات، وهناك أرض مجدبة موحشة، تكثر فيها البراغيث، أو تفوح من بيوتها الروائح الكريهة ويسكنها لصوص فتاكون أو أشقياء حفاة عراة، ونساء قبيحات أو فاجرات.."[2]
    ولن نفصل القول في رصد الهفوات الكثيرة التي سقط فيها "المؤرخ" ليس لضيق المقام فحسب، وإنما لأن هدفنا الأول يتمثل في الكشف عن سمات أسلوب المؤرخ في كتابته "التاريخية" والمتسم أساسا بإطلاق نعوت سوقية تجاه سكان بعض أقاليم بلاده تنمّ عن الحقد الكبير الذي يكنه لهؤلاء..

    2- أوصاف قدحية:

    فهو إن أصاب في وصف عادات بعض الأعراب ممَّن وصفهم ب"المحرومين" حين قال عنهم: "إنهم أخذوا يتعاطون النهب والقتل وارتكاب أفضع الجرائم، وكثيرا ما يتربَّصون في الكمائن، حتى إذا مرّ بهم مسافر خرجوا وجردوه من المال والثياب، ثم فتكوا به.." لأن هؤلاء هم من قطاع الطرق الذين تعرضوا قبل عقود عديدة لموكب ابن خلدون قرب "بن جَْرير" وهو عائد من تلمسان إلى فاس...وهم من جنس من قال فيهم صاحب المقدمة:
    أنهم المشهورون ب " نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة وهي لما كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والسغب فصار لهم إلفاً وعادة وربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت خلقاً وجبلة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال‏.‏.............."[3]
    فإن الكثير من النعوت التي أطلقها شديدة العمومية، كما أننا وإن كنا نقرّ بأن العصر الذي عاش به الوزان كان عصر فتن وسيبة بامتياز، تناحرت فيه الجيوش الوطاسية والسعدية، وكثر فيه المتمردون والمعتصمون بالجبال والقلاع المتمنـِّعُون عن أداء الضرائب والمغارم..وتتالت هجمات المسيحيين على الثغور، إلا أن كل هذه العوامل لا تسوّغ للمؤلف استعمال أوصاف في حق أهل المغرب الأقصى من بدو وحضر يندى لها الجبين ..
    فمن بينها أوصافه لرهط بني هلال وبني معقل، وهي أشدّ شراسة من أوصاف ابن خلدون ذاته، إذ يقول الحسن الوزان عن فرع منهم:
    " أما عروة القاطنون بضواحي مستغانم فهم وحوش ولصوص يرتدون أرذل لباس و لا يبتعدون عن الصحراء، إذ لا موطن لهم في بلاد البربر و لا إعانة مالية ..."
    " وتسكن عقبة ضواحي مليانة ويمدهم ملك تنس بقليل من المال، لكنهم فتاكون بدون شفقة و لا رحمة" [وهي لغة حلقات بوجلود وجامع الفناء تدعو إلى الإثارة]..
    و"تساكن دليم (من بني معقل) الصنهاجيين الإفريقيين في صحراء ليبيا، وليست لهم قيادة و لا يتقاضون أي أجر، فهم لذلك صعاليك ولصوص...يرتدون أرذل لباس"..[4]
    "يقيم العمارنة وهم فرع من ذوي منصور في الصحاري المجاورة لسجلماسة...يملكون واحات كثيرة تمكّنهم من العيش كأمراء..ويوجد من بينهم عدد وافر من أجلاف الأعراب..."[5]
    لكن وبسبب قرابة بين العمارنة والسلطان: فهو يعدهم "نبلاء في غاية الشجاعة" ..."واعتاد ملوك فاس أن يتخذوا كلهم تقريبا زوجاتهم من بنات هؤلاء الأعراب ويربطوا معهم وشائج القربى...".[6]
    ويشفق لحال " فرقة من حسين (من ذوي منصور) في صحراء الظهرة..تمكنوا من الحصول على ممتلكات صغيرة في صحراء ليبيا، لكنهم يعيشون هناك متضورين من الجوع".[7]
    وينعت "..خراج فرع من ذوي عبد الله...[بأنهم] لصوص يكادون يفتكون بكل من تصل إليه أيديهم"..
    والنوميديون "أميون، يجهلون كل شيء لا الأدب فحسب، ولكن أيضا الفنون وجميع المعارف".. [8]
    وما يجعل "هؤلاء العرب (الساكنين بالصحاري الواقعة بين بلاد البربر ومصر) أقبح الفاتكين على وجه الأرض" أنهم يجرّدون "كل غريب وقع بين أيديهم من جميع ما عنده ثم يباع للصقليين".[9]
    أما أهل السودان، فهم يعمّرون " أقلّ مما تعمره الأجناس الأخرى، لكنهم يبقون دائما أقوياء، وأسنانهم سالمة على حالها لا تتغير، وهم فاسقون فجرة.."[10].
    ويقول عن النوميديين " و لا توجد بهائم تحمل قرونا كقرون هؤلاء الأنذال..ويمشون دائما حفاة عُراة"[11].
    كما أنهم " خونة غادرون"[12].
    ويعتبر " سكان مدينة [تاكتسَة قرب منطقة حاحا] كلهم قتلة في حرب دائمة مع جيرانهم أجمعين"..[13]
    أما سكان إداوْعاقَل، فهم "لا يلبسون قميصا و لا ثوبا مخيطا بالإبرة، إذ ليس عندهم من يحسن الخياطة، وإنما يلتفـّون بقدر الإمكان في قماش"..[14]
    وعاينَ بتُومكَْلاسَت [ناحية مراكش] "بيوت ضيقة غير ملائمة أشبه بإصطبلات الحمير منها بمساكن الناس، لأنها مليئة بالبراغيث والبقّ وغيرها من الحشرات المؤذية"..[15]
    ويصف سكان جبل سَمِدْ المحاذي لوادي شيشاوة بأنهم "أنذال خشنون فقراء" بالرغم من أن خمسين منهم صحبوه "طوال قسم من الطريق الذي لم يكن مأمونا" مما يدلّ على أنه ناكر للجميل..[16]
    ويستمر الرحالة في إطلاق مثل هذه النعوت طوال صفحات الكتاب.
    فسكان جبل شيشاوة "متوحشون جدا"..[17]
    وسكان مدينة آسفي "تنقصهم التربية" ..و"هم غير أذكياء لا يعرفون كيف يحرثون [الرض] و لا حتى كيف يغرسون فيها الكروم"..[18]
    وسكان إحدى حواضر دكالة "جُهّال"، لا لشيء سوى لأنهم "يرتدون بعض الملابس الصوفية المصنوعة في عين المكان"[19].
    ويتكرر هذا الوصف والتعليل مرات عديدة، فسكان جبل غُجْدامة [من جبال الأطلس] "قوم من أرذل الناس يرتدون جميعا الأسمال ويتجرون في الزيت"[20].
    كما أن مدينة السّبيَِّت [على الضفة الجنوبية لنهر أم الربيع] " لا ترى بها بساتين و لا حقول لجهل سكانها".. [21]
    وأكثر النعوت مغالاة المعبرة عن الحقد الدفين والكراهية المطلقة والاحتقار...جاء حين حديثه عن سكان جبل دادَسْ [بجبال الأطلس]
    ف "سكان هذا الجبل بصراحة لا قيمة لهم، يسكن معظمهم في كهوف رطبة ويقتاتون بالشعير وبالعصيد..وفي الكهوف التي تأوي إليها هذه الدواب كثير من ملح البارود، وأعتقد أنه لو كان هذا الجبل مجاورا لإيطاليا لأغل سنويا خمسة وعشرين ألف مثقال فأكثر، لكن هؤلاء الدهماء لا يعرفون قيمة ملح البارود. لباسهم رديء لدرجة أن معظم أجسامهم عار، ومنازلهم كريهة منتنة برائحة الماعز القذرة التي تحشر فيها، ولم أر قط مثل ما في هذا الجبل من براغيث!
    الرجال غادرون متلصصون سفاكون يقتلون الرجل من أجل بصلة، فتنشب بينهم خصومات عنيفة لأدنى سبب..
    والنساء كريهات المنظر كالشياطين، لباسهن أسوأ من لباس الرجال، وحالتهن أقبح من حالة الحمير، لأنهن يحملن على ظهورهن الماء الذي يستقينه من العيون، والحطب الذي يحتطبنه من الغابة دون أن يسترحن ولو ساعة من النهار.
    والخلاصة أنني لم أندم على ذهابي إلى أي مكان بإفريقيا غير هذا المكان! وقد كنت مضطرا إلى المرور بهذا الجبل للذهاب من مراكش إلى سجلماسة، امتثالا لما أمرت به وذلك في سنة 918".[22]
    "وسكان بلاد السودان شرسون دون عقل و لا ذكاء و لا خبرة، لا يعرفون أي شيء على الإطلاق، يعيشون أيضا كالبهائم بدون قواعد و لا قوانين، وتكثر عندهم العاهرات والأزواج المخدوعون.." [23]
    ويَصبّ جام غضبه على سكان تامْسنا لأن "..هؤلاء المتوحشين من أعراب تامسنا لا يريدون أن تعود إليها الحياة لشدّة خبثهم وتعسفهم"..[24]
    ومع تتالي الصفحات يتكهن القارئ أن الكاتب إنما يحمل حملة شعواء على الأعراب والفقراء من القوم، غير أنه يُفاجأ حينما يصرح ب " أن أحطّ نبيل في إيطاليا يعيش في بذخ يفوق ما عليه أكبر أمير إفريقي"، فأعيان فاس أنفسهم لهم " [25] من العادات الخشنة" (ن م) الشيء الكثير..
    "إنهم يأكلون على الأرض فوق موائد منخفضة، بدون فوط و لا أغطية من أي نوع، و لا يستعملون أية أدوات غير أيديهم، وإذا أكلوا الكسكسو تناوله جميع المدعويين في صحن واحد بدون ملاعق، ويكون المرق واللحم معا في قدر من فخار يتناول كل واحد منها قطعة اللحم التي تروقه ويضعها أمامه دون تقطيع، ولا يستعمل السكين، وإنما تمسك قطعة اللحم باليد وينهش منها بالأسنان بقدر المستطاع، إنهم يسرعون في الأكل و لا يشرب أحد منهم قبل أن يشبع، فإذا شرب عبّ طست ماء سعتها "بوكال" [يقرب من لترين]".[26]

    ومن حملاته المغرضة ضد أهل المدن حديثه عن أهل فاس...
    قوله عنهم " أن أكثرهم بغيضون لا يحبون الغرباء، مع أن عدد الغرباء قليل بفاس، لأنها تقع على على بعد مائة ميل من البحر المتوسط، فتكبرون جدا لدرجة أن عددا قليلا من الناس يستطيعون معاشرتهم، ويصدق نفس الشيء على العلماء والقضاة الذين يأبون حفاظا على سمعتهم أن يتعاملوا إلا مع بعض الأشخاص فقط"[27].
    وحتى إن صدق الكاتب في وصفه لهل فاس المعروف عن معظمهم بتعصبهم لبني جنسهم؛ فإن نعته لا يجب أنْ يعمّ جميع ساكنة فاس، التي أنجبت العديد من الصلحاء والفضلاء وأهل النظر...
    - وهو يجعل آسري الحيات ومرقصي القردة " من أحـط أصناف البشر" .[28]
    - ونساء أرباض المدينة من البغايا " قبيحات خسيسات".[29]
    - وقد اعتبر أرباض مدينة فاس ظرفا " لجميع أقذار المدينة إذ تجد بها مواخير الخمر والبغاء ويسكن بها فقراء القوم من السقائين والحطابين والمشعوذين والموسيقيين من الدرجة السفلى".[30]
    - وسكان الريف في نظره "ليسوا سوى غلاظ جهلة"[31].
    - وكذلك " سكان كرسيف خشنون ليس لهم أدنى تربية"[32].

    3- بعض الصياغات الدالة على الاحتقار
    يستعمل الكاتب عبارات لا تخلو من تهكّم، ويستشفّ منها السخرية من عادات وتقاليد شعوب مغاربية، والاستهتار بطقوس إسلامية، ولم نجد تعليلا لهذا التوجه سوى أن الرحالة كان يرغب في إرضاء الفاتيكان حتى يتخلص من وضعية الأسير، علاوة على تأكيد إيمانه بالنصرانية واعتزازه بعادات المسيحيين وتقاليدهم، يتبين هذا الاحتقار في قوله مثلا:
    " كثيرا ما يتلهى في المساجد يوم الجمعة في الوقت الذي يجتمع عادة آلاف الأشخاص، فإذا وصل الخطيب إلى أحسن فقرة في خطبته، واتفق أن سعل أحد الحاضرين، سعل آخر (ثم آخر) وهكذا حتى يسعل الجميع في نفس الوقت تقريبا إلى نهاية الخطة فيفترقون دون أن يستمع أحد إليها"[33].
    كما يعبر عن دهشته حينما يجد " سكان إفريقيا [تونس] يتحملون بصبر عجيب مشقة الوضوء قبل كل صلاة، بل ويغسلون أجسادهم أحيانا"..[34]
    ويستنكر عدم دراية سكان حاحا ببعض الصناعات، فهم "لا يعرفون [في حاحا] ماذا يصنعون بالشمع فيرمونه"..[35]
    والشواهد التي تؤكد هذا الملمح في أسلوب الكاتب عديدة، منها قوله:
    "ويسمى هذا الثمر عندهم بالهرجان، وتستخرج منه زيت كريهة الرائحة تستعمل مع ذلك في الطبخ والإنارة".[36]
    وبعد أن التحق الكاتب بأرض العجم، شرع في انتقاد كل ما يخالف عادات الإفرنج وتقاليدهم، ففيما يخص تقاليد الأكل، يقول عن سكان حاحا: "يأخذ كل واحد بيده [العصيدة] دون ملعقة ما يستطيع حتى لا يبقى شيء في الطبق".[37]
    " وهم لا يستعملون الموائد و لا السمط، وإنما يفرشون على الأرض حصرا مستديرة يأكلون عليها"..[38]
    ناهيك عن طريقة وصفه لفرش هؤلاء البدو، حين يقارنها بأغطية الخيل، يقول: "والمخدات والوسادات [عند سكان حاحا] أصناف من أكياس الصوف الخشنة الصلبة من نوع بعض أغطية الخيل الواردة من ألبانيا وتركيا".[39]
    وقد تجتمع كل الصفات القبيحة في سكان منطقة ما، كساكنة " إداوْ إزُكواغَنْ [منطقة في حاحا]...لا يوجد في داخل المدينة و لا في خارجها أي بستان أو كرم أو شجر مثمر، و لا سبب لذلك غير إهمال السكان وتكاسلهم لدرجة أنهم لا يبحثون عن طعام آخر غير الشعير وزيت الهرجان، يسيرون حفاة إلا قليلا منهم ينتعلون نعالا من جلد الجمال أو البقر ولا يفترون عن محاربة سكان البادية فيتقاتلون كالكلاب.."..[40]
    والراجح عندنا أن الكاتب كان يحس بأنه يقدم للغربيين موادّ للتندر والتفكه، بحيث إنه كان يبحث عن الأساليب والوقائع التي من شأنها الترفيه عن القارئ الأمثل الذي هو الفاتيكان حتى إننا نتساءل عن وضعية هذا الأسير المتنصر هل كان يزاول مهنة المهرّج في بلاطات البابا ليون العاشر، أم أن لغته الساخرة ما هي إلا انعكاس لنفوره الشديد من أنماط عيش الأعراب بإفريقيا (الشمالية) بعدما اندهش من أسلوب حياة الغربيين المتمدّن..ونترك للقارئ الكريم حرية التقييم، فهو يقول عن سكان جبل نْفيفة [ناحية مراكش] بأنهم "متوحشون لا تربية لهم، إذا رأوا حضريا عجبوا منه ومن لباسه، وذلك ما فعلوه خلال اليومين اللذين قضيتهما عندهم، وقد وسخوا البرنس الأبيض الذي كنت ألبسه على عادة طلبة هذه البلاد، فكل من تكلمت معه من الأعيان لمس برنسي لينظره حتى أصبح في ظرف يومين كأنه خرقة مطبخ" [41].
    وهو يضطرّ إلى أكل طعام بلاد جبل سَمِد "الذي هو عبارة عن دقيق الشعير المنقوع في الماء المغلى مع لحم تيْس مسمّن تدل صلابته على أنه أناف على سبع سنوات"..[42].
    كما أن نتيجة تبنيه لموقف رافض لدعوة الموحدين يلجأ إلى وصف سكان مدينة تينْمَل بأنهم " من شرّ الخلق وأرذل الناس يتبجحون بأنهم علماء، لأنهم درسوا جميعا عقيدة هذا الداعية الذي يُعدّ من أهل البدع..".[43]
    وقد أفضى اختياره لبعض التعابير غير الدقيقة إلى استخدام أسلوب تحقيري فعامة الناس من أهل فاس "لا يضعون على رؤوسهم سوى تلك الطاقيات التي لا قيمة لها".[44]
    وفي نفس المنحى، نجده يقول عن حُرّاس المعسكر الملكي بأنهم "أناس حقيرون ليس فيهم من يحمل سلاحا"..[45]
    وسكان بْني وارْثين [شرق فاس] "لباسهم رديء، ولا يركبون غير الحمير" حتى أن جيرانهم أنفسهم يسخرون منهم ويزدرونهم".[46]
    وبعد أن يشكك في دعاوي بعضهم بأنهم من الأشراف، يصفهم بالجهل وبأنهم لا قيمة لهم، مما يدل على أن هذه الصفات القبيحة في نظره تقابل صفات "الشريف" الحميدة، يقول: " ويزعم سكان أمركو أنهم من الأشراف، ولكنهم بخلاء جهال لا قيمة لهم [ناحية الهبط]..وسكان تنصُر [ناحية الهبط] "بخلاء بغضاء إلى أقصى حدّ".
    وفي سياق سخريته من أهل بلاد المغرب، بما فيهم الرعية والحكام ذاتهم، سرده لتفاصيل استيلاء أسطول البرتغال على سبتة عام 818 ففي حين أن الغزاة " مكثوا فيها نحو ثلاثة أسابيع متوجسين خيفة من ملك فاس ان يأتي لنجدتها" نجد أن "أبا سعيد [المريني] الذي كان ملكا على فاس آنذاك تخاذل ولم ينهض لاستردادها، بل بالعكس أتاه الخبر وهو في وليمة والناس يرقصون فلم يوقف الاحتفال".[47] وهي قصة مشحونة بالدلالات وإن كانت لا تخلو من تهكم، فهي تثير مع ذلك الأسى والمرارة في النفوس..
    و لا يقنط هذا الرحالة النبيل من التشكي حينما ينـزل بمكان بسيط فهو يحكي عن معاناته حين مقامه ب"تغسَّة" [بإقليم الريف] وهي منطقة لا يأكل فيها أعيانها غير خبز الشعير والسردين والبصل فيقول:
    "وقد أقمتُ مرة في هذه المدينة ثلاثة أيام، فلاحظت أن رائحة السردين تفوح من الجدران والأزقة، وبدت لي هذه الأيام الثلاثة كأنها أشهر ثلاثة بسبب ما كانت عليه المدينة وأهلها من شناعة وقذارة"..[48]
    وتبلغ عبارات الاحتقار أقصاها عند حديثه عن بني بوشيبَتْ، فهو يقول عنهم بأنهم يلبسون "عباءة قصيرة من الصوف، من نوع الأغطية الرديئة التي يستعملها التجار في إيطاليا للف الأقمشة التي يحملونها من مدينة إلى أخرى، ولهذا اللباس المخطط بالأسود والأبيض قلنسوة يضعها هؤلاء القوم على رؤوسهم، فيكونون في أعين من يراهم أشبه بالبهائم منهم بالناس".[49]
    ومن العبارات الساخرة التي استخدمها المؤلف أيضا، قوله: "الملك الصالح يضع يده دائما على أموال الأفراد الخصوصيين"، بحيث إن الذين يُفترض فيهم أن يكونوا أغنى الناس هم في الحقيقة أفقر الناس بسبب جور الملك."[50] ومثل هذه الصياغات المتكررة في فصول الكتاب تدفع المرء إلى التساؤل عن أحقية أن يُنعت الحسن الوزان بما يسمى حديثا ب "اللاجئ السياسي"، باعتبار أنه كان في خدمة هؤلاء الحكام الذي ينعتهم بالجور والطغيان...وفارقهم إلى بلاطات الإفرنج..
    ومن قبيل هذا الأسلوب الاحتقاري الذي يستخدمه لإثارة الضحك، قوله: وجبل بني يَسْتين [قرب بويبلان] تسكنه ""قبيلة من الرعاع يمشون حفاة ويلبسون أسمالا حقيرة ويسكنون أكواخا من قصب، وإذا أراد أحدهم أن يتجوّل في هذه المنطقة فتل لنفسه نعلا من أسل (حلفاء) وقبل أن يتم فتل الزوج الثاني يكون الزوج الأول قد بلي"..[51]
    ونساؤهم "يُسرحون كالأغنام بدون تفكير و لا ذكاء.."[52].
    على أن هذا الأسلوب قد يكون إيجابيا أحيانا حين يراد منه نقد بعض الأعراف السائدة لدى ساكنة فاس، خصوصا ما تعلق منها بالعادات المتبعة في الزواج فهو بعد سرده لشروط الصداق الذي يقرب من صداق عاقصة، ولمصروف الأب أو الولي الذي يصرفه على ابنته كي يحمّر الوجه يصرح بأنه "قد افتقر كثير من الأعيان على أثر هذه الأعراس"[53]، وهو شيء ملاحظ إلى يومنا هذا حين يفضل البعض صرف الأموال الطائلة على حفلات زواجهم وبهم خصاصة، وقد يستدينون مبالغ إضافية من أجل إقامة الأفراح..
    4- المدح والتقريظ قد يرد بحسب الحالة المزاجية للكاتب الناتجة عن حسن معاملته أو سوء التصرف معه
    على أن الكتاب في مواضع قليلة من مصنفه يلجأ إلى أسلوب المدح والتقريظ في حق بعض القبائل، هل لأنها أكرمت وفادته، وشبع من خبزها ولحمها وأديمها..
    أم فقط لأنه اكتفى في هذا التقريظ بالرواية والسماع..عن آخرين، فهو يقول:
    "تقيم رياح بقفار ليبيا جنوبي قسنطينة، وتمتد سلطتهم على جزء من نوميديا، وينقسمون إلى ستة أفخاد كلهم أبطال حرب نبلاء مجهزون أحسن تجهيز".[54]
    كما ورد عنه أيضا قوله: " تقطن سويد القفار الممتدة نحو مملكة تنس، ولهم صيت بعيد، وسيطرة واسعة..وهم شرفاء شجعان.." [55].
    ويقرّ في موضع آخر بصفات حميدة يتصف بها أمير من أمراء نوميديا، حين يقول: " و لا أخفي أن الأنعام التي أمر بذبحها لإطعامنا تساوي عشرة أضعاف ما قدمناه له من حق المرور.."..[56]
    وكذلك الحال في منطقة حاحا إذ "كان بتكوليت أحد الأعيان كرئيس لمجلسها ..كان يملك ثروة طائلة ينفقها لاكتساب رضى الجميع ومحبتهم، يتصدق كثيرا ويعين الشعب بهباته فيما يحتاج إليه....، ولقد رأيت هذا الرجل الشريف وأقمت عنده نحو ثمانية أيام ونلت من كرمه.."[57].
    وهو في نهجه هذا لم يخرج عن عادة ابن بطوطة الذي مدح كل من أكرمه وهجا كل من لم يكترث به كالملك مانسا ملك السودان..[58]
    وليس كل من نزل عنده الحسن الوزان كريم إلى هذا الحد ويستحق التقريظ، وإنما أقام في بيت فقيه بمنطقة أديكيسْ بحاحا "وكان فظا غليظا، إلا أنه معجب بالبلاغة العربية"[59]، ومن أجل ذلك حبس رحالتنا شهرا بالرغم من تمنعه، وجاء الانتقام الإلهي من سكان هذه المنطقة بأكملهم نتيجة تصرف من الفقيه الأهوج ، إذ "لم تلبث أديكيس إلا قليلا حتى دمرت في الحرب ضد البرتغاليين، وهرب جميع سكانها إلى الجبال سنة 922هـ"[60].
    وفي صدد المدح والتقريظ دائما ينعت بعضهم قائلا: "وسكان [إيغيلينْغيل وهي مدينة في حاحا] في غاية الشجاعة عندما يحملون السلاح"[61].
    وإن كانت العبارة تتضمن تأويلين، إذ يمكن أن تدلّ أيضا على أنهم جبناء عندما لا يحملون السلاح..
    5- الجمع أحيانا بين صفات متناقضة:
    وقد يضطر الكاتب أحيانا نظرا لسلاطة لسانه، -أو ربما لموضوعيته كما يدّعي- إلى أن ينتقد أنماط عيش بعض القبائل بالرغم من كرمهم وحسن وفادتهم ذلك حال:
    "سكان تَفتنة [ثغر على البحر المحيط قرب حاحا] شديدو بياض البشرة، في غاية الألفة والمجاملة، يُعامَل الغرباء عندهم بأحسن ما يعامل المواطنون أنفسهم..
    مكثنا فيها ثلاثة أيام كانت عندي بمثابة ثلاثة أعوام سواء من كثرة البراغيث التي لا يحصى لها عدّ، أو من رائحة أبوال الماعز وأبعارها.."..[62]
    كما لم يمنعه النزول في ضيافة ناسك ومريديه المائة لمدة ثمانية أيام من التعريض بهم جميعا، والسخرية منهم حين يقول عنهم:
    "وقد عملوا على أن يعترف بهم كحاكمين لكنهم لمْ يجدوا منْ يحكمونه"[63]..
    وقد بلغت المتناقضات حدا مفرطا في أسلوب الكاتب، من ذلك قوله
    "أما العرب القاطنون بإفريقيا بين الأطلس والبحر المتوسط...هم أكثر وحشية من عرب الصحراء/، إلا أنهم كرماء..".[64]
    ويصف العرب المقيمين بالصحاري المجاورة لمملكتي تلمسان وتونس بأنهم " يعيشون جميعا مثل سادتهم...غير أنهم لا يؤتمنون لعدم تورّعهم عن النهب والقتل/ رغم مجاملتهم البالغة"..[65]
    "وسكان نوميديا أكثر معرفة من أولئك، لأنهم متشبثون بالقِيَم الأخلاقية ودراسة الشريعة الإسلامية/ غير أنهم لا يعرفون شيئا يذكر من العلوم الطبيعية، يحسنون استعمال السلاح، فهم أشداء/ رحماء (بينهم)"[66] ، وكأن مترجمَيْ الكتاب أحسا بهذه المقابلة الصارخة فأضافوا الظرف بين قوسين..
    ويقول عنهم في موضع آخر غير بعيد "والنوميديون بعيدون عن معرفة الأشياء جاهلون بطريقة السلوك في حياة طبيعية منتظمة، فهم غدّارون فتاكون متلصصون لا يراعون إلا و لا ذمّة، كما أنهم لا إيمان لهم و لا قواعد دينية.."[67].
    وسكان آيت داود من اليهود "كرماء جدا لكنهم مفرطون في الغيرة".[68]
    ومن هذه الأحكام المتعارضة قوله:
    "...ونزلت عند أعراب [بالجُمعة مدينة، قرب شيشاوة] وجدتهم في غاية الكرم، لكنهم غادرون بطبعهم خائنون"[69]، فهل يصح الجمع بين هذه الصفات؟؟
    وفي سياق هذه الأحكام المتناقضة دائما، يقول عن سكان جبل تنمل بأنهم "يعيشون عيشة وحشية فيما يخص طريقتهم في الحكم / إلا أنه يوجد فقيه على رأس مجلسهم"..[70]
    أما سكان مكناس فهم "مهذبون/ لكن ذكاءهم غير صاف"..[71]
    ومما يجعل الحضرة الفاسية مدينة المتناقضات بامتياز يتواجد بها الصالح والطالح أحيانا بمكان واحد يرتاده العامة والخاصة، أنّ حمامات فاس "يدخل إليها معظم الشبان عراة دون أن يستحي بعضهم من بعض/ لكن الرجال المحترمين وذوي الحيثيات منهم يأتزرون بمئزر و لا يجلسون في القاعات المشتركة، بل ينفردون في حجر خاصة مزخرفة يحتفظ بها في حالة نظافة لاستقبال الشخصيات السامية"[72].
    وفاس "مدينة جميلة مريحة جيدة التنسيق/ ويكثر الوحل بفاس خلال فصل الشتاء"[73].
    وفي نفس المنحى الدال على الأحكام المتناقضة يقول: " وأهل القصر [الكبير] كرماء، أو على الأصح ضعاف العقول" [74].[وقد تستساغ كلمة "سُذّج" عوضا عن التعبير الذي استخدمه..والذي يثير استفهامات عديدة..]
    كما "توجد خارج القصر [الكبير] حدائق كثيرة وأراض بها ثمار جيّدة/ غير أنّ العنب غالبا ما يكون رديء الطعم بسبب رطوبة الأرض"..[75]
    وأحيانا نجده يُصيِّر غير المتناقض في حُكم المتناقض
    فسكان أزْجن [بالمحاذاة مع نهر اللوكوس] "أغنياء، لكن القليل منهم هم الذين يلبسون لباس المدنيين"..[76]، ذلك أنه من الطبيعي أن يلبس فلاحو المنطقة لباسا قرويا بحكم أن انشغالاتهم اليومية مجملها في فلح الأرض وسقيها وقطف ثمار أشجارها..
    ويمضي الكاتب في سياق إطلاق الأحكام المتعارضة ضمن الجملة الواحدة، فيقول: "وأهل هذه البلاد [:الريف] شجعان حقا/ لكنهم خشنون جهال سكيرون.."[77]..والأمثلة عديدة لا يمكن حصرها في هذا المقام الذي يقتضي الإيجاز.
    6- تضمن الكِتاب للعديد من المغامرات العاطفية وصور الفساد الخلقي:
    يُخَيـَّلُ للمطلع على أوجه التفسّخ الخلقي بمدن البلاد المغربية وقراها و المحكية من طرف الكاتب أنه ليس في بلد مسلم متشبث بتقاليد إسلامية راسخة..
    فنساء صحراء ليبيا " يتحدثن بظرف ويمددن أيديهن عن طيب خاطر، وقد يسمحن للرجال بلثمهن" [78].
    وكذلك حال نساء هسكورة [ناحية مراكش] في غاية الجمال والبياض يقدمن أنفسهن عن طيب خاطر للغرباء متى أمكنهن ذلك في تستر كامل"..[79]
    وحين يصف فنادق فاس يذكر أن "أسْوأ ما في هذا الأمر مساكنة رهط يقال لهم "الهيوى"، وهم رجال يرتدون ثياب النساء ويتحلون بحليهن، يحلقون لحاهم ويقلدون النساء حتى في طريقة كلامهن، وماذا عساي أقول في أسلوب كلامهم؟ إنهم يتغنجون أيضا، ولكل واحد من هؤلاء الأنذال صاحب يتسرّاه ويعاشره كما تعاشر المرأة زوجها. ولهؤلاء الناس أيضا في الفنادق زوجات أخلاقهن كأخلاق المومسات في مواخير أوروبا، ولهم كذلك ترخيص بشراء الخمر وبيعه دون أن يزعجهم موظفو الحاشية..
    يختلف إلى هذه الفنادق دائما أولئك الذين يعيشون أشنع عيشة، يغشاها بعضهم للسكر، وبعضهم لإتيان شهوتهم مع باغيات مرتزقات، وبعضهم الآخر يكون بمنجاة من الحاشية بسبب تصرفات غير شرعية ووضيعة يحسن أن نضرب صفحا عن ذكرها.."[80].
    ويصرح الكاتب بعد سرده لهاته الفواحش والموبقات بأنه لا زال في جعبته الكثير مما يحسن السكوت عنه..
    وتصبح مدينة فاس، حاضرة العلم وحاضنة جامع القرويين وكرا للبغايا وبائعي الخمور، وذلك تحت أنظار الشرطة بل بإشراف منهم، ففي القسم الثاني من مدينة فاس [عدوة الأندلس] "أيضا دور عمومية تمارس فيها البغايا مهنتهن بثمن بخس، تحت حماية رئيس الشرطة أو حاكم المدينة. كما يتعاطى بعض الرجال دون أن يثير غيظ البلاط مهنة البغاء، فيتخذون في بيوتهم نساء عاهرات وخمورا يبيعونها، بحيث لا يستطيع كل واحد أن يتناول من ذلك ما شاء بكل طمأنينة"..[81]
    وهو يؤكد هذا المعطى مرة أخرى بقوله: ".. هؤلاء الرؤساء للشرط [:جمع شـُرطة]، يستطيعون أن يتخذوا حانات ويمارسوا مهنة البغاء والتدييث"..[82]
    وفي نفس سياق عرض مظاهر الانحلال الخلقي، يقول عن شعراء الملحون أنهم "ينظمون الشعر باللغة العامية في مختلف الموضوعات، ولا سيما في الحب، يصف بعضهم حبه للنساء، وبعضهم حبه للغلمان، فيذكر دون حياء و لا خجل اسم الغلام الذي يهواه..".[83]
    ويحكي وقائع كثيرة عن فرار النساء عن أزواجها وأطفالها، ف "نساء جبل مرنيسة تفرّ إلى الجبال الأخرى كلما أصابتها إهانة من زوجها مهما كانت ضئيلة..تاركَة أولادها وتزوجت من رجل آخر.."..[84]
    أمّا نساء بني منصور بالريف "فليس فيهن واحدة وفية لزوجها"[85].
    وتكثر أخبار خيانة النساء لأزواجهم حتى يخال للمتصفح لكتاب "الحسن الوزان" أنه يقرأ "الروض العاطر في نزهة الخاطر"، فمن فرط غباوة الذكور في كثير من مناطق المغرب "أنهم لا يشعرون بخيانة زوجاتهن"[86].
    كما أن سكان جبل بني جَنْفنْ "سكيرون يعبدون الخمر"[87].
    "وعلماء الشريعة [بجبال بني مَسْكلدة بالريف] لهم طلاب كثيرون، يُلحقون أكبر الضرر بهذه الجبال..فهم يعاقرون الخمر سرّا وينهون الناس عن شربها لأنها حرام فلا يثق بهم أحد".[88]
    7- إيراد بعض التعليلات الخاطئة:
    كثيرا ما جانب الكاتب الصواب في محاولته تفسير بعض الظواهر التي عاينها، فهو يرد كثرة أمراض الأسنان لدى المغاربة بإقبالهم على شرب الماء البارد وهم لا يكادون ينتهون من شرب الحريرة الشديدة السخونة، يقول في هذا الإطار: " وتكثر أمراض الأسنان التي يظن أنها ناشئة عن كون هؤلاء القوم يشربون الماء البارد فور تناولهم الحساء الحار"[89]
    حتى وكأن القوم يظلون طوال حياتهم صيفا وشتاء يشربون الماء البارد بعد شرب الحريرة الساخنة، علما أن الحريرة ليست وجبة يومية عند سائر القوم...
    كما يرى أن مردّ كثرة إصابة القوم بالسعال كثرة جلوسهم على الأرض بفصل الشتاء ف"الجلوس على الأرض في الشتاء يسبب أحيانا لذوي المزاج الدموي سعالا قويا وأليما.."[90].
    ويحكي تعليل أهل نوميديا عن أسباب تفضيلهم لحجب وجوههم، وهو أشبه بالتفسير الخرافي، فيقول:
    " يضع أشراف هؤلاء القوم [من نوميديا] على رؤوسهم كما قلت فيما سلف لثاما أسود يحجبون بطرف منه وجوههم التي لا يرى منها غير العينين، و لا ينـزعون اللثام أبدا، بحيث إنهم كلما أرادوا الأكل وأخذوا لقمة من الطعام كشفوا عن أفواههم ثم غطوها في الحين، ويعللون هذه العادة بقولهم إن المرء يخجل لإدخال الطعام خجله من إخراجه"..[91]
    والتعليل الذي نراه صائبا: أن نشوء تلك العادة ناتج عن كثرة الرمال المتطايرة في الهواء نتيجة اشتداد العواصف..في الصحاري والفيافي..
    وهو يردّ سبب استيلاء المسيحيين على أزمور سنة 919 هـ/1513م نتيجة "إغراق [أهل زمور] في اللواط وشيوعه فيهم حتى إنهم كانوا لا يجدون غضاضة في أن يبحث الأب لولده عن صديق مُداعِب لطيف".[92]
    وكثيرا ما يُجانبه الصواب في تفسير بعض الاعتقادات الخرافية فيردّ سبب ترك أعراب تامسنا أدوات الفلح عند الانتهاء من الحرث قرب صومعة مدفون بها ولي صالح خوفا من نقمة هذا الولي، بينما خفي عنه جوّ الثقة السائد بالمناطق البدوية المحتضنة لضريح من أضرحة الصلحاء...
    ومن ذلك أيضا أنه يردّ تفشي الفاحشة في فنادق فاس إلى قلة الطباخين وحاجة المخزن لمستخدمي هاته الفنادق، مما يجعلهم يغضون الطرف عن مساوئهم..
    فأرباب الفنادق بفاس "ملزمون عند الاقتضاء بأن يقدموا إلى جيش الملك أو الأمراء عددا كثيرا من مستخدميهم لطبخ الطعام للجنود، لقلة المختصين في مثل هذه الخدمة..".[93]
    وأحيانا أخرى يقرّ بعجزه عن التعليل والتفسير كأمر كراهية أهل مكناس لأهل فاس، فيقول عن المكناسيين:
    "وهم يكرهون كثيرا أهل فاس دون أن يعرف سبب واضح لذلك"[94].
    وقد انتبه مترجما الكتاب إلى بعض من هذه التعليلات الواهية، حين كذَّبا سبب تسمية "تِطاوين" لدلالتها بالبربرية على العين الواحدة كناية عن حاكمة هذا البلد في العهود الغابرة التي كانت عوراء، وأكدا أن تطاوين جميع لكلمة تيط التي هي عين الماء الجارية[95].
    وسبب تسمية "مْليلـَة" لدلالتها على العسل بالبربرية كما زعم الكاتب وأشارا إلى أنها تحريف عربي لكلمة "تامليلت" بمعنى موقع مدرّج[96].
    أما سكان البهاليل بصفرو، فهم "حطابون..والأمراء يعاملونهم دائما معاملة سيئة ويثقلون كاهلهم بالضرائب، لأنهم ليسو سوى أجلاف[97]". فهل هذا تعليل مقبول؟؟
    ويعلل سبب امتناع أهل جبل بني "مراسْن" عن تأدية الضرائب لملك فاس، " .. لأن جبلهم منيع، ولكونهم أغنياء يدافعون عن أنفسهم" فإذا كان التعليل الأول مقبولا، فالتعليل الثاني لا محل له من الإعراب..سوى إذا كان يقصد من الغنى قدرة الأغنياء على اقتناء الأسلحة للدفاع عن أنفسهم، وعدم قدرة الفقراء على ذلك، لكن نعلم أن الغنى يؤدي إلى الترف، الذي يفضي بدوره إلى الانحلال..
    ومن ذلك أيضا تعليله لبداية ظهور مرض الزهري في البلاد العربية، حين يقول:
    " وداء الإفرنج (الزهري) الفظيع بأوجاعه وبثوره وقروحه منتشر كثيرا في بلاد البربر لا يكاد يسلم منه إلا القليل..وهذا الداء لم يشاهد قط ولم يذكر حتى اسمه، لكن عندما طرد الدون فيرناند ملك إسبانيا اليهود من بلاده جاء كثير منهم إلى بلاد البربر فظهر فيها هذا الداء الذي حمله عدد كثير من يهود إسبانيا، وكان لعدد من أشقياء المغاربة اتصال (جنسي) مع نساء هؤلاء اليهود، وهكذا انتشر قليلا قليلا في ظرف عشر سنوات حتى لم تعد تسلم منه أية أسرة"..
    والكاتب إن وُفـِّقَ أحيانا في نقد بعض الاعتقادات الشعبية الراسخة لدى العامة حين يقرر أنه " من البلاهة اعتبار هؤلاء [المرضى بالأعصاب] كمصابين بمَسّ من الجن"..[98]
    فإنه يغرق في التأويل حين يردّ عاهة انتفاخ خِصيتيْ الإنسان إلى "أكل الصمغ والإكثار من أكل الجبن المالح"..
    ومن المغالط التي تضمنتها الرحلة الوزانية عدَم استساغة مؤلفها تبايُن أنماط العيش بين البدو والحضر..
    فهو يستغرب حين يجد أن منازل جبل شيشاوة "تغطـّى ..بالقش"، فيعلق على ذلك قائلا: "إذ لا يوجد جير و لا قرميد و لا آجر"[99].
    وإذا كان الكاتب يُقابل أحيانا بين وحشية الأفارقة [شمال إفريقيا] ومدنية الغربيين، فإنه يعارض أحيانا أخرى بربرية سكان الجبال بتمدّن أهل الحضر داخل المغرب "فبربرية اللسان والعادات لزنجي يحمل رسالة من حاكم جبل تَـنْـزيتَة [: أحد جبال الأطلس] إلى ملك فاس جعلت كل الحاضرين بالبلاط لا يتمالكون أنفسهم من الضحك ويسترون وجوههم بأيديهم أو بأطراف ثيابهم"[100].
    8- الراجح أن "الحسن الوزان" كان يتوخى العجائبية أكثر مما يتوخى الوصف التاريخي لأنماط حياة القوم
    فهو يصف نمط حياة سكان نوميديا [: موريطانيا] بأسلوب ينمّ عن الاستغراب ليوحي للقارئ [الغربي بشكل خاص] أنه ليس وحده من يتعجب من شظف عيش هؤلاء الذين يقول عنهم " ينام هؤلاء القوم على حُصر من السمار الرقيق جدا، ويصنعون خيامهم من نسيج وبر الإبل وتلك الألياف الخشنة التي تنبت بين جذوع النخل، أما غذاؤهم فإن من لم يرهم لا يصدق مدى صبرهم على الجوع، ليس من عادتهم أن يأكلوا الخبز و لا أي طعام مطبوخ، ويقتاتون بلبن نوقهم، تعودوا أن يشربوا في الصباح ملء إناء كبير من اللبن الساخن فور ما يحلب، وأن يتعشوا في المساء بالقديد المطبوخ من اللبن المدهون بالسمن، فإذا نضج اللحم تناول كل واحد نصيبه بيده وأكله ثم شرب المرق مستعملا يده كالملعقة. وحسَا أخيرا فنجانا من اللبن وقد تمّ العشاء. وما دام عندهم اللبن فلا حاجة لهم بالماء لا سيما في فصل الربيع، حيث لا يغسل بعضهم أيديهم و لا وُجوههم إطلاقا، وسبب ذلك أنهم لا يقصدون أثناء تلك المدة مواقع الماء، لأن لديهم اللبن أولا، ولأن الإبل عندما ترعى العشب لا تحتاج إلى الماء ثانيا" [101].
    وإمعانا منه في الحرص على استخدام الأسلوب العجائبي الغرائبي يشبه هوادج النساء بالسلال، فكأنما ينظر إلى تراث العرب بعيون غربية لم تألف أنماط حياة شعوب مغايرة، فيقول "ولما كان العرب يرحلون من مكان إلى آخر، فإنهم يحملون نساءهم على هوادج كالسلال تغطي بزرابي جميلة جدا...".[102]
    أما العقوبة التي ينزلها المحتسب بالغشاشين من بائعي الخبز الذين ينقصون من وزنه الحقيقي المطلوب، فهي عقوبة مزاجية بداية الأمر، إذ ينزل المحتسب "على عنق بائعه بلكمة تتركه متورما متوجعا".[103]
    كما أنها عقوبة تراعي أحكام الشرع في حال تكرر المخالفة، إذ يأمر "بجلد البائع أمام الجمهور"[104] ..فأمام توخي العجائبية أغفل الكاتب التنبيه إلى أن العقوبة المزاجية لا تأخذ صورة واحدة في كل الأحوال، وإنما تتباين بحسب مزاج المحتسب ونوع المخالفة..
    وهو لنفس الغاية العجائبية يربط بين مهنة العرافات اللواتي يربطن صداقة مع الشياطين بعادتهن في التعاطي للسحاق "إذ يسمونهم الناس مساحقات، وهو معنى "فريكاتريس" باللاتينية لأنهن في الواقع يمارسن تلك العادة الشنيعة وتساحق إحداهن الأخرى، الأمر الذي لا أستطيع التعبيرعنه بعبارة أكثر حشمة . فإذا كانت امرأة جميلة من بين اللواتي أتين لاستشارتهن عشقنها كما يعشق شاب فتاة، وطلبن منها، وكأن الشيطان نفسه هو الذي يتكلم، قبلات غرامية"..[105]
    وإمعانا في إثارة القارئ وبعثه على الضحك، يصرح الكاتب بأن هناك من الأزواج من لا يقصد العرافات، إذ يكفي أن يخرجوا "الأرواح من أجسام نسائهم بضربات عصي"[106] حتى يختفي أثر المس الجنوني...
    9- طرائف وغرائب متضمنة بالرحلة الوزانية:
    ومن هذا الباب أيضا تضمّن كتاب "حسن الوزان" العديد من الطرائف والقصص الغريبة التي يشيب لها الولدان إذا سمعوها
    فإذا كان ابن بطوطة يحكي عن واقع دفن الحي مع الميت ببلاد الهند والسند بسبب رباط عقد زواج، سواء كان ذكرا أم كانت أنثى..
    فإن حكايات الوزان أيضا لا تقل طرافة ..من ذلك قوله:
    " ويشاهد في صحراء أزواد قبران مبنيان بنوع من الحجر لا أعرفه نقشت عليه كتابة تقول بأن رجلين دفنا ها هنا، كان أحدهما تاجرا غنيا مرّ بهذه الصحراء فاشتدّ عطشه واشترى من الآخر، وهو الدليل، قدحا من الماء بعشرة آلاف مثقال، لكنهما ماتا معا من العطش، سواء التاجر الذي اشترى الماء، والدليل الذي باعه إياه".[107]

    وتتضمن الرحلة الوزانية أحداثا أخرى تبعث على الضحك والاستغراب إلى درجة يصعب تصديقها، إذ يدفعنا دفعا إلى استنتاج أن أهل "هسكورة" مغفلون سذّج، حينما يقول:
    "وكانت الجماعة [بهسكورة] تهدي لنا عجولا أو خرفانا أو دجاجا، ولما رأيت كثرة الخيل بهذه المدينة سألت مضيفي لماذا لا يهدون إلينا منها، فأجابني بأن الفرس يعتبر أحقر الدوابّ في هذه الناحية، وأنهم يهدون بالأحرى ماعزة أو تيسا.."[108].
    وبمدينة الحجر الأحمر [سوق الأربعاء الحالية] "اعتاد السكان وجود الأسود وألفوها لدرجة أن النساء والأطفال لا يخشونها"..[109]
    فكأننا في مدينة عامرة بالبوذيين بأقاصى الصين..و لا نعدم أن نجد هذه الأسود الوديعة الظريفة المدجّنة بمنطقة كَريكَرة بين السايس وأدخسان بجبال الأطلس، حيث توجد "غابات تعيش فيها الأسد آمنة وديعة، لدرجة أن أيّ شخص رجلا كان أو امرأة، يستطيع أن يبعدها بالعصا، و لا تؤذي أحدا"..[110]
    وقريب من ذلك أسود أكْلا [ناحية الهبط] الجبانة الخائفة من صراخ الأطفال..[111]

    10-دلائل إرضاء الوزان لسلطة الفاتيكان:
    كثيرا ما نجد الكاتب يتهجم على المسلمين ويتعاطف مع النصارى فهو يقول:
    "لا شكّ أن الرومان لما انتزعوا هذه الأماكن من أيدي أعدائهم، محوا –حسب عادة المنتصرين- جميع النقوش الحاملة لآثار المغلوبين بخطهم الأصلي قصد إذلالهم، وجعلوا عوضها كتاباتهم (الرومانية)، وهكذا كانوا يقضون في آن واحد على كرامة الأفارقة وعلى كل ما يذكر بماضيهم حتى لا يتركوا شيئا يذكر غير الشعب الروماني. وهذا ما أراد القوط أيضا أن يفعلوه بالبنايات الرومانية، والعرب بالبنايات الفارسية، وذلك ما يفعله الأتراك اليوم في الأماكن التي يستولون عليها من يد المسيحيين، فهم لا يمتهنون ذكريات جميلة وشهادات طافحة بالشرف فحسب، ولكنهم يمتهنون أيضا صُوَر القدّيسين والقدّيسات في الكنائس.."..[112]
    ومن شدة غرابة هذا الاعتقاد الصادر عن رجل كان مسلما وتنصَّر على يد البابا نتساءل: هل بالإمكان أن يكون هذا الأسير تجاوز هدف إرضاء سلطات الفاتيكان إلى حدّ التعريض بالمسلمين وإذكاء نار التعصب بين أتباع الديانتين..؟
    وإذا كان محققا الكتاب محمد حجي ومحمد الأخضر يبحثان عن دلائل استمرار إسلامه، وثبات عقيدته بعد أسره في إيطاليا، وهي دلائل غير مُقنعة في نظرنا.[113]
    فإننا في الاتجاه المعاكس نقدم دلائل تثبت تنصله من عقيدته الأصلية، وحقده على المسلمين وعلى بلاد الإسلام، فعلاوة على ما ذكرناه أعلاه من تحسره على فعل الأتراك برموز القديسين والقديسات بالكنائس، نجده يورد أخبار احتلال البرتغاليين للثـغور المغربية[114] ، دون أن ينعتهم ب" الكفار" أو "النصارى" أو في أقل الأحوال ب"الغازين" ..وهو يذكر تفاصيل تواجدهم بمناطق المغرب دون أدنى شعور بالوطنية أو الغيرة على الإسلام والمسلمين..على خلاف باقي الكتابات التاريخية لهذا العصر ولما قبله..وقليل هي المناسبات التي يصف فيها البرتغاليين ب"المسيحيين".[115]
    ويتبين هذا الإرضاء لسلطات الفاتيكان بشكل جلي لا غبار عليه في استعماله للألقاب، فهو حين يتحدث عن سلطان تلمسان يُسميه "الملك أبو حمّو"، أما حاكم إسبانيا فهو "جلالة الإمبراطور شارل كارلوس"، وهو لا يكتفي بهذا الوصف، بل يقول عنه بعد استقبال هذا الأخير لأبي حمو "أظهر هذا الإمبراطور الكبير رحمته وشفقته مثلما أظهرها أسلافه".[116]
    فإذا كان عداء المغاربة للأتراك الذي تاخموا الحدود المغربية لا يخول له نقد الأتراك والقدح في تعاملهم مع الرموز النصرانية إن صح هذا الفعل..فإن عداء المغاربة لحكام المغرب الأوسط بعد استقلال هؤلاء عن حظيرة الدولة المغربية لا يخول له أيضا وصف حاكم إسبانيا بتلك الأوصاف التي تصل إلى حدّ التقديس..
    ومن دلائل هذا الإرضاء أيضا استخدامه لبعض التعبيرات من قبيل:
    "يحكى أن شابا وضيعا سيء السلوك من بلادي [: المغرب].."
    و لا يخلو الكتاب من إشارات خفية تكشف عن قصد الإرضاء، حين يقرّ بمبدإ الانتفاعية بعد سرده للعديد من الأساطير والخرافات على ألسنة الحيوانات، فهو يصرِّح :
    "أن الإنسان يسعى إلى حيث يرى منفعته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
    ومن ثم فإني إذا ذممت الأفارقة قلت إنني ولدت بغرناطة لا بإفريقيا، وإذا انتقدت مسقط رأسي تعللت بأني إنما نشأت في إفريقيا لا في غرناطة "[117].
    فأين هو المؤرخ الحريص على قول الحقيقة؟ وأين هو الرجل الذي بسبب عطفه على الأفارقة لا يذكر "من الأشياء التي يلامون عليها سوى ما كان معروفا عند الناس ظاهرا للعيان..".
    وفي هذا الخضم ذاته نرى أن ولاء الكاتب لسلطات الفاتيكان هو الذي دفعه إلى نعت الملك الوطاسي "محمد البرتغالي" ب"الأحمق" لتماديه في مشروع استرداد أصيلا من البرتغاليين ويجزم بأنه "لم يعد ولن يعود ممكنا الاستيلاء على هذه المدينة بقوة السلاح"[118]. وهذه نزعة نفسية تقبَل بوضع استيلاء الكفار على الثغور المغربية..تناقض مشاعر المجاهدين المرابطين بالزوايا الذي كان شغلهم الشاغل تحرير هذه الثغور من يد الغزاة..

    11- الراجح أن الكِتاب موجه إلى القرّاء الغربيين:
    كما يتبين من كثرة المقارنات والمفاضلات بين أنماط عيش العرب والمسلمين (الهمجية في أغلب أوصافه) بتقاليد الإفرنجة (المتمدِّنة في نظره، علما أنه عاش في بداية القرن السادس عشر الميلادي)
    ص 96 فسكان حاحا "يأخذ كل واحد منهم بيده" من طبق العصيدة المحضرة بالماء الساخن ودقيق الشعير أقصى ما يستطيع وكأن الأمر سباق أو رهان بين المتنافسين "ودون ملعقة" [أي دون اقتفاء نظم الحضارة المتمدنة] "حتى لا يبقى شيء في الطبق"، بمعنى أن كل من يقبل على الأكل من هؤلاء ينهي طعامه و لا يترك شيئا ولو كان فتاتا متناثرة..وهي من علامات الوحشية والهمجية في نظره..[119]
    وقد ذكرنا أعلاه أن يعتبر المخدات والوسادات المستعملة لدى سكان حاحا هي مجرد أصناف من أكياس الصوف الخشنة الصلبة من نوع بعض أغطية الخيل الواردة من ألبانيا وتركيا"..
    وهو حين يصف مآثر المسلمين بأرض المغرب يلجأ إلى مقارنتها بمثيلاتها في بلاد الإرنج بغرض مثيلها للقارئ تمثيلا جيدا، فيخبر عن تشييد عبد المؤمن الموحدي "صومعة بالحجر الضخم المنحوت الشبيه بحجر برج الكوليزي بروما، يبلغ محيط دائرة هذه الصومعة مائة ذراع توسكاني، وهي أعلى من برج أزينيلي في بلونية"..[120]
    كما أنّ جامع [مراكش] سقفه من الخشب مثل كثير من سقوف الكنائس التي رأيناها في إيطاليا"..[121]
    وهو يأبى إلا أن يروي قصص الكرم والعطاء الجزل
    "لأبرهن لكم [والمخاطَب هنا: الغربيون عامة وقداسة البابا خاصة] على أنه يوجد بإفريقيا كذلك نبلاء ورؤساء في غاية اللطف مثل رئيس هذا الجبل.[122]
    و يلجأ بين الحين والآخر إلى وصف أزياء المغاربة والتعريف بها، كأنه أجنبيّ عن المنطقة، وكأنه ينظر إلى عادات البلاد وتقاليدها نظرة الغربيين إليها..فينظر إلى المعاطف السود المنسوجة قطعة واحدة بغطاء الرأس في تادلا، ويذكر أن تسمية هذا اللباس البرنس"..
    وأهل فاس "يجعلون على رؤوسهم قلنسوة تشبه ما يضعه بعض الناس على رؤوسهم في إيطاليا ليلا.."[123].
    " ومن عادة العلماء والأعيان [بفاس] المتقدمين في السن أن يلبسوا سترات عريضة الأكمام مثل ما يلبسه نبلاء البندقية من ذوي المناصب السامية.."[124]
    أما عن وصف شرفاء الأمصار والقرى وشجعانها باصطلاحات غربية من قبيل "النبلاء" و"الفرسان" فحدّث و لا حرج، فصفحات الكتاب مملوءة بهذه النعوت، وكأن الغربيين لن يفهموا نعوتا أصيلة مرتبطة بالتراث العربي الإسلامي، من قبيل: "الشريف"، "الحاج"، "الشيخ"..
    وفي نفس إطار المقارنة بين ما يشاهده بالضفتين، قوله:
    وبجبل مغْران [أحد جبال الأطلس] أكواخ " من لحاء الشجر مثبتة على عصيّ طويلة رقيقة، وسقوفها من قضبان مقوسة على شكل نصف دائرة، تشبه مقابض السلال التي تعوّدت النساء في إيطاليا على حملها فوق ظهور البغال عندما يسافرن"..[125]
    ويخبرنا أيضا عن "جلب المنصور الماء [إلى الرباط] من عين تبعد عن المدينة بنحو اثني عشر ميلا بواسطة قناة محكمة البناء على أقواس شبيهة بتلك التي ترى في إيطاليا كلها، لا سيما في روما"..[126]
    وحين يصف فنادق فاس يذكر أنه لم ير "قط في إيطاليا أبنية مثلها، إلا مدرسة الإسبانيين الموجودة في بولونية، وقصر الكاردينال سان جورج في روما".[127]
    كما يستعمل الكاتب العديد من أسماء العملات النقدية الإيطالية عند ذكره لرسوم وأثمنة البضائع والموازين
    ومن هذه العملات "غيوليو" وهي بمقدار الدرهم
    و"بايوتشي"
    ومن أصناف الموازين "رودجيو" [وهو الكيل]..

    12- تضمن الكتاب لبعض الأساطير الخرافية :
    وهو تارة يسردها مصدقا لمضامينها، وتارة يحكيها مشككا في مصداقيتها، ناقدا كلّ من يومن بها، وتارة ثالثة يورد روايات المؤرخين المتضمنة لبعض الأخبار الخرافية، كخبر استعصاء الاهتداء إلى منابع الماء الذي يجري بمدينة مراكش:
    "ويقول المؤرخون أن الملك الذي أسس مراكش توقع بفضل معطيات بعض المنجمين أنه سيخوض معارك كثيرة، فأنجز بواسطة الفن السحري جميع هذه العوائق الطارئة في تلك القناة، حتى لا يعرف أي عدوّ من أين يأتي الماء إلى المدينة فلا يستطيع أن يقطعه عنها"..[128]
    ومن هذا القبيل أيضا
    13- تأرجح الكاتب بين التشكيك في الكرامات والتصديق بها:
    فهو يشكك في كرامات الشيخ "مولاي بوعزة" ضدّ السباع، فيقول: "وأعتقد شخصيا بعدما قرأت قصة تلك الكرامات أن الرجل كان يتصرف بفن سحري أو باستعمال بعض الأسرار التي كانت له ضد الأسود".[129]
    إلا أنه سرعان ما يخبرنا أنه زار هذا الضريح رفقة أبيه، وبمفرده "ولما بلغت مبلغ الرجال ذهبت إليه مرات للوفاء بنذور نذرتها عندما تعرضت لخطر الموت بسبب الأسود"..[130]
    وبعرضه لأصناف العرافين ولمزاعمهم، يخاطب القراء قائلا: "فانظروا إلى حماقة من يثقون بمثل هذه الأشياء"[131] من فرط استغرابه للبلهاء الذين يصدقون ترهات هؤلاء الدجالين.
    غير أنه في موضع آخر من نفس الفصل يصدق صنفا من الناس يدعون ب "الزايرجة" المتخصصين في مخاطبة الأرواح ف"الحقيقة [عند الكاتب] أن هؤلاء القوم يعرفون كيف يجيبون جوابا صائبا عن كل سؤال يطرح عليهم"[132].
    ويأتي هذا التصديق بالرغم من إقراره بأن "هذه القاعدة وسواها من علم التنجيم حرام في نظر فقهاء الشريعة الإسلامية، وتكاد تعتبر مروقا من الدين"[133].
    و ينعت الكنـزيين الباحثين وسط الأنقاض عن الكنوز بالحمقى..ويصف مزاعمهم بالاعتقاد الباطل..[134]
    ويصف الكيمياء (المرتبط بتحويل المعادن) ب "الفن الجنوني التافه"..[135]
    كما لا تخلو قصة بناء القصر الكبير من الصبغة الخرافية تذكرنا بالنسيج القصصي المحبوك بليالي شهرزاد الخالدة، لا نرى المقام صالحا لسردها..[136]
    وفي إطار التصديق بأساطير خرافية لا يقبلها العقل الراجح، بدا لنا أن الكاتب عثر على فم جهنم حينما تحدث عن فرجة بحبل وَزرْوال [بالريف] "تشبه باب كهف يخرج منها لهب عظيم باستمرار"، ويقول عنها: "لاحظت أن كثيرا من الغرباء يقصدون هذا الوادي لمشاهدة هذه النار، ويلقون فيها أغصانا وقطعا من الخشب، فتحترق على الفور. وهذا أعجب شيء شاهدته من بين الظواهر الطبيعية، ويعتقد بعض الناس أن هذه الفرجة هي فم جهنم"..[137]
    وعكس ما سبق، نجد الكاتب يشكك في قدرات ولي من أولياء الله، نشأ بمدينة البطحاء قرب تلمسان يسمى سيدي سينا ويتهمه بالسحر، فيقول:
    "ذلك أني رأيت الناس يبالغون في تقديسه وتعظيمه دون أن يفعل أو يقول أو يخترع شيئا آخر غير ماوصفته من دعاء الله بأسمائه الحسنى"..[138]
    14- رحلة حسن الوزان هي أبعد ما تكون عن الكتابة التاريخية،
    وأقرب إلى رحلات "سندباد" و"شوبنهاور" من كثرة تضمنها لسرد المغامرات والطرائف المُعايَنة بالبلدان والأمصار التي جالها..
    من ذلك حكايته عن لقاء أسدين عظيمين بقرية تيبُّوت قرب حاحا، فيقول: "قضيت ليلة في تيبوت فنزلت بمدشر صغير نصفه خرب، وقد أعطينا خيولنا كثيرا من الشعير ثم عقلناها وخبأناها أحسن ما يمكن بإغلاق باب المكان بكمية كثيرة من الشوك. كنا في منتصف أبريل والجو حار فصعدنا إلى السطح لننام في الهواء الطلق، وفي منتصف الليل أقبل أسدان عظيمان جلبتهما رائحة الخيل وحاولا إزالة الشوك، فأخذت الخيل تصهل وتضطرب إلى حد أننا صرنا نرتعد خوفا من أن ينهار السقف ونصبح فريسة لهذين السبعين. وما كدنا نلمح طلوع الفجر حتى أسرجنا خيلنا.."

    ومما يؤكد النـزعة العجائبية المتوخاة من سرد هذه الطرائف المغالى فيها في كثير من الأحيان قوله أيضا:
    " وفي هذا البيمارستان حجرات مخصصة للحمقى، أي أولئك المجانين الذين يقذفون بالحجر أو يرتكبون أنواعا أخرى من الأذى، يقيّدون فيها بالأغلال والسلاسل، وحواجز هذه الحجرات من جهة الممرّ وداخل البناية مسوّرة بعوارض خشبية متينة جدا، وإذا رأى المكلف بتقديم الطعام للحمقى هياج أحدهم انهال عليه بضربات متوالية من عصا يحملها معه دائما لهذا الغرض، وقد يقترب بعض الغرباء من هذه الحجرات فيناديه الحمقى ويشكون إليه استمرار حجزهم في السجن رغم شفائهم من حمقهم، وما يتعرضون له من كثرة سوء معاملة حرّاسهم كل يوم. وإذا صدّق المارّ كلام أحدهم واتكأ على جانب نافذة غرفته، مدّ الأحمق إليه يده وأمسك بتلابيبه ولطخ بيده الأخرى وجهه بالغائط، لأن هؤلاء الحمقى وإن كانت لهم ميضآت، يتغوطون غالبا في وسط الحجرة، وعلى الحراس أن ينظفوا هذه الأقذار باستمرار. ولذلك فإنهم ينبهون الغرباء أن يأخذوا حذرهمو لا يقتربوا كثيرا من هذه الحجرات..".[139]
    وإذا كان لزاما علينا أن نصدق الكاتب على حكايته الطريفة لأنه عمل بمارستان "سيدي فريج" لمدة عامين كاتبا، فإننا نتساءل لم أغفل الحديث عن المظاهر الحضارية لهذا المارستان، ككيفية معالجة الأطباء للحمقى، وما الذي منعه من ذكر وسيلة العلاج بالموسيقى المعروفة منذ زمن المرينيين، حيث تجتمع فرق الموسيقى الأندلسية كل مساء جمعة بفناء سيدي فريج المحاذي للعطارين، وفرق الملحون كذلك كلما حلّ عيد المولد النبوي إثر انتهائهم من الحفلة التي يقيمها السلطان بدار المخزن..، هل يرجع سكوته عن هذه المظاهر الحضارية لانقراض هذه العادات الحسنة في العصر الوطاسي زمن تأليف هذا الكتاب؟ أم لمجرد حنق الكاتب على الحضارة الإسلامية وحرصه على ذكر مثالبها دون حسناتها..؟
    ويندرج في هذا الباب ذاته، باب سرد الطرائف، حكيُه عن أحداث وقعت ب"قصر بلاحْيا" [بين فاس ومكناس] الذي "سُمِّيَ كذلك لأن سكانه كانوا في غاية البُخل" يذكر أن ملكا من ملوك المغرب مرّ من هناك، "وأعطوه سكان المنطقة في الفطور لبنا ممزوجا بكثير من الماء"[140]، ونسي الكاتب بعد ذكره لهذا الخبر [الذي استخلص منه بخل أهل بلاحْيا] أن ذبحهم بعض الخرفان للسلطان حينما استدعوه لتناول الغذاء يعدّ كرما باعتبار أن قيمة الخرفان لا تضاهي قيمة اللبن..
    كما نجد أثرا لهذه المغالاة وتعميم الأحكام في وصف الوزان لقضاة جبل مرنيسة، فهم "لا يكتفون بسلخ الخصوم المساكين، ولكن ينتزعون قلوبهم".[141]
    أما حديث الكاتب عن سكان جبل زيز، فهو قريب من حديث المؤرخين عن "هولاكو" أو "جينكيزخان"، فرجال هذا الجبل "مرعبون أقوياء، لا يبالون بالبرد والثلج، يرتدون رداء من صوف بخرق مفتولة يستعملونها كنعال، ويبقى رأسهم عاريا في جميع الفصول...وهم أكبر اللصوص وشر القتلة في العالم، عداوتهم للأعراب عميقة متأصلة، ينهبونهم ليلا وإن لم يقدروا على شيء آخر أخذوا جمالهم ورموا بها من أعلى الصخور وهم ينظرون نكاية فيهم..".[142]
    وإذا كانت الأسود التي يتحدث عنها الوزان في غاية الخطورة تارة وفي غاية الجبن والوداعة تارة أخرى، فكذلك الأفاعي، إذ يُرى في جبال زيز "شيء يكاد يكون من الخوارق، ألا وهو كثرة عدد الأفاعي التي هي في غاية الوداعة والألفة حتى إنها تزحف في البيوت تماما كصغار الكلاب والقطط. وعندما يذهب أحدهم لتناول الطعام تتجمع حوله الثعابين الموجودة في البيت وتأكل أكلا عاديا قطع الخبز وغيره من المأكولات التي تقدم لها، و لا تؤذي أحدا أبدا إذا لم يؤذها"..[143] وأغفل الكاتب الحديث عن سمّها المتجدد بتوالي الأيام، وكأنها من الزواحف التي سم لها، أو أنها لا ترى داعيا لاستعماله من فرط محبتها للسكان وشغفها بحسن وفادتهم..
    وهو يحكي عن تعرضه للسرقة بإقليم بني راشد قرب تلمسان في قالب قصصي لا يخلو من الحبكة المسرحية، ويختم سرده لهاته الطرائف بالإشارة إلى عدم استغراب حاكم البلد للواقعة وعدم استنكاره لحدوثها "فتعسا لمن لا يحترس منهم!"..[144]
    15- إحساس المؤلف بأنه يضطلع بدور "المؤرخ" وشروط الكتابة التاريخية:
    يقول عن هذا الإحساس الذي ينتابه بين الفينة والأخرى، بعد كشفه عن عيوب الأفارقة: " لكن عذري عند الجميع، هو ما يضطلع به من دور المؤرخ الذي يلزمه قول الحق الواقع دون أيّ اعتبار، و لا إرضاء رغبات أي كان"[145]. [ولو كان الفاتيكان نفسه]
    غير أنه سرعان ما نفتقد لدور المؤرخ المصرّح به آنفا لنجد أنفسنا أمام رحّالة يتحفنا بمغامراته أو بما علق منها بذهنه فقط، فيقول حين وصوله إلى جبل هنتانة [:جبل توبقال]:
    "ولقد رأيت هنا عددا من الأشياء العجيبة، لكن ذاكرتي الواهية لم تتمكن من استذكارها لاشتغالها بما هو أهمّ" وذلك دون تحديده لهذا المانع الأهمّ والراجح أنه يقصد جرد المواقع التي زارها..[146].
    وفي نفس سياق ضعف المادة التي يقدمها الكاتب يقول: "ويؤدي أهل المدينة (هسكورة) للأعراب عن أملاكهم في السهل ما لا أدري قدره من الخراج " فهو لا يجد حرجا في التصريح بجهله لأرقام ومعطيات..
    فأين نحن أمام هذا الجهل الفظيع من تحديد ابن خلدون شيخ المؤرخين بأن:
    " فن التاريخ فن عزّ المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سِيَرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمَن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحُسن نظر وتثبُّت يُفضيان بصاحبهما إلى الحق، ويُنكّبان به عن المزلات والمغالط.."[147].
    16- الافتقاد إلى أهم شرط في الكتابة التاريخية هو التناسق الموضوعي:
    فهو حينما يذكر وصول ملك فاس "محمد الشيخ الوطاسي" إلى دكالة بغرض تخليصها من الغزو الأجنبي يذكر تقوَى هذا الحاكم وتديّنه
    "فكان كلما صادف في طريقه مسجدا أوقف الجميع وصلى ودعا بخشوع: "اللهم إنك تعلم أني ما جئت إلى هذا البلد المهجور إلا لمساعدة سكان دكالة وتحريرهم من الأعراب الزنادقة المتمردين، ومن أعدائنا الألداء المسيحيين..".[148].
    وطبيعي أن يتطلع القارئ بعد هذا الذكر والدعاء والتخشع أخبارا عن غزوات هذا الحاكم ومحاربته للأعداء في سبيل الجهاد، غير أنه سرعان ما نفاجأ جميعا حينما يكتفي الكاتب بإتحافنا بتفاصيل فيها الكثير من الإطناب تخصّ خروج هذا الحاكم للصيد ببحيرة دكالة وبالغابة المحيطة بالبحيرة ليختتم سرد الأحداث على هذا المنوال "وبعد هذا الصيد استراح الملك قليلا ثم ارتحل مع جيشه قاصدا المدينة (الغربية) بدكالة.."[149].
    ومما يكشف أيضا عن هذا الاضطراب في التناسق حديثه عن مدينة تلمسان "حيث يوجد بها قضاة ومحامون وعدد كبير من العدول..وكثير من الطلبة والأساتذة"[150]...ليعود إلى تقسيم:
    "جميع أهل تلمسان إلى أربع طبقات: الصناع والتجار والطلبة والجنود".[151] ناسيا القضاة والعدول الذي سبق له الإشارة إليهم، ومتغافلا الفلاحين والفقهاء والمعوزين الذين لا شغل لهم..
    17- إقرار بالضعف واعتراف بالعجز:
    لقد رأينا أن المصنـِّف كثيرا ما يقرّ بضعف ذاكرته، وبعدم تذكره للكثير من الحقائق المتضمنة في كتب التاريخ، وفي هذا الخضمّ لا يجد الكاتب حرجا من التصريح بأنه لم يقرأ أي كتاب في التاريخ من أزيد من عقد من الزمن، ويوصي القارئ قائلا:
    "ويحسن الرجوع إلى تاريخ العرب لابن خلدون الذي ألف كتابا ضخما مخصص كله تقريبا لأنساب العرب المتبربرة ولم يعلق منه بذاكرتي الضعيفة إلا ما يقرأ هنا، لأنني منذ أكثر من عشر سنين خلت، لم يقع بصري على أيّ كتاب في تاريخ العرب، إلا أنني رأيت تقريبا جميع القبائل العربية الآنفة الذكر، وتحدثت إلى أفرادها، وعلق بذهني بعض خصائصها"..
    ويشير أيضا إلى غياب الكثير من الكتابات التاريخية عن ذهنه، ف " جميع ما عند العرب من كتب التاريخ المتعلقة بالأفارقة مترجمة من اللغة اللاتينية، وهي مؤلفات قديمة كُتبت و لا شك أيام الآريين وغيرهم من قبل، وأسماء مؤلفيها معروفة عندنا إلا أنها غابت عن ذهني"..[152]


    18-الكثير من أخبار المؤلف تحتاج إلى التروِّي والتحقيق قبل التصديق بها:
    من ذلك حديثه عن أنماط الحكم ببعض مناطق المغرب، وهي أشبه ما تكون بأنماط الحكم في أوروبا
    - فقد كان "بتكوليت [مدينة في حاحا] أحد الأعيان كرئيس لمجلسها"[153] [!!]
    - ولدى سكان جبل تيـنْمَل "فقيه ..، وهو " على رأس مَجلسهم" [154].
    - كما "يحكم أهل [الجُمُعة: مدينة قريبة من تكوداسْت وهسكورة] مجلس بلدي".[155]
    - وأساتذة القرويين "يلقون على الشعب دروسا"[156].
    - " وكانت تفزة [ناحية تادلا] في القديم تُحكم على شكل جمهورية"[157].
    - "ولكل قسم من أقسام المدينة [تيّوت في سوس] الثلاثة رئيس، ويحكم هؤلاء الرؤساء الثلاثة مجتمعين تِييوت، غير أن حكمهم لا يطول أكثر من ثلاثة أشهر".[158]
    - " وتخضع ترودانت لحكم الأعيان ويتداول أربعة منهم مجتمعين السلطة لمدة لا تزيد عن ستة أشهر.."[159]
    - ففي تيدْسِي (مدينة في سوس) "لهم نظام جمهوري، حيث يحكم البلاد ستة أشخاص يختارون بالقرعة ويعوضون بآخرين كل ستة عشر شهرا"..[160]

    فإن صحّ هذا النظام السياسي المحكي على لسان "الحسن الوزان"، فهذا يعني أن الديمقراطية كانت حاضرة بمجالسها وتناوبها قبل وجودها بالغرب!!
    وهو يصف أحيانا أخرى صورا من البطش والفتك حصَلت في ناحية مراكش لم يرتكبها هو
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..