1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

كريستيان بوبان Christian Bobin - دعوه بسلام.. ت: أمل البحرة

'نصوص سردية و شعرية' | Amal Al Bahra.

الوسوم:
  1. Amal Al Bahra

    Amal Al Bahra كاتب

    باتت الأزمات هي الوضع الطبيعي للعالم .

    تتوالى الحروبُ تِباعاً وكذلك تتوالى الاختراعات .

    يَتَنامى حجم الأعمال وبالمقابل فإن نسب الانتحار ترتفع أيضاً .

    تعاني شعوبٌ من المجاعة الكريهة بينما تتمتعُ شعوبٌ أخرى برفاهية عطرة .

    تختلط وتتوافق كل هذه التناقضات في ما بينها في هذا العالم ،

    إلا الحب . لايتوافق الحب مع أي شيء . لامكان للحب ، إنه مفقود .

    الحب مفقود كما يُفْتَقَدُ الخبزُ خلال اندلاع الحروب وكما ينقطع النَّفَسُ عن حناجر الموتى. الحبُ مفقودٌ.

    نحتاج إلى الوقت لكي نحب، نحتاج وقتاً مديداً ، حتى أن الوقت يكاد لايكفي لتلبية مايحتاجه الحب إلى مافي داخلنا من الرغبة في التعبير عن ذواتنا.

    لايلامس مُذَنَّبُ الحبِّ قلوبَنا سوى مرة واحدة في الدهر

    لذا فإنه من الواجب أن ندقق ونمعن النظر كي نَتَبَيَّنَه.

    يجب أن ننتظر طويلاً ، طويلاً ، طويلاً.

    هذا هو الوضع الطبيعي للحب ، هذه هي ولايته التي تحكمه، أعجوبة طبيعية تكمن في: الانتظار والانتظار ثم الانتظار ... بعيداً عن التهافت والضوضاء ... بعيداً جداً عن أية أزمة ...

    يجب الانتظار بسكينة ، الانتظار بصبر وروية ..

    الحب- في أنشودته التي تعبر عن ضميره الحي، في صورته الأكثر تواضعاً، وجهه عند صحوه- إنه الحب بعمق الانتظار

    وعذوبة الانتظار ...

    أملٌ عذبٌ وعميقٌ ومشرقٌ .

    في القرن الثاني عشر فإن متديناًً مسيحياً في مدينة طروادة ابتدع شخصية الفارس النبيل واسمه (perceval ) پيرسُڤال.

    يُماثِلُ القرن الثاني عشر القرنَ العشرين تماماً .تتعادل قيمةالأرقام كلها.تحتاج القرون كلها إلى الغذاء ،تحتاج إلى العمل كي تأكل وتحتاج إلى الصراع فيما بينها للعمل فتخسر دمها ووقتهابالجرح نفسه والمخاوف المترددة .

    يصحو پيرسُڤال في نهاية القرن الثاني عشر فيمتطي جواده على الرغم من أن والدته لم تكن راضية بأن يُصبِحَ ولدها فارساً وذلك لأن الأمهات يَعْرِفْنَ كثيراً عن هذا العالم ، يعرفن عنه ويَكتمْنَه بأعماقهن ولايتحدثن بهذا الموضوع، لكن الأبناء لايطيعون الأمهات وپيرسُڤال كان ذلك الفارس الذي يحيطه نور المعرفة و الشهرة . كان قد نشأ

    وضياء الأمومة يَحُفُّهُ. كان يغزو حصناً بعد حصن .ويمضي من مبارزة إلى مبارزة أخرى، بحثاً عن شيءٍ لايدري كنهه، عن اللاشيء حتماً ، عن الكأس المقدسة ؟ إنه لايدري حتى ماهي الكأس المقدسة ...

    إنه لايدرك معاني الكتب التي يتصفحها. إنه متعب ...

    پيرسُڤال، الفارس النيبل أصبح منهكاً

    في البحث عن المجهول...

    هذا الفارس مُتْعَبٌ في خدمة ملك مُتهاوٍ وملكة تتمتع بحظ من الجمال

    لابأس به ونساء شابات متزاحمات في عالم يغوص بالأعمال ، مهزوز ويمر بأزمة ...

    الإرهاق هو أحد أهم الأشياءالتي يجب التفكير فيها .

    الإرهاق هو تماماً مثل الغيرة أوالنفاق أوالخوف...

    الإرهاق هو مثل الأشياء التي تخلو من النقاء والذي يجب استبعاده وجعله بعيداً عن النظر.

    تجعلنا هذه الأشياء نلامس الأرض...

    أُولى أَوْجُه الإرهاق في الحياة ، هو وجه الأم إنه وجهها المتعب والمرهق من الوحدة ...

    يبعث فينا الأطفال في سنواتهم الأولى : الحُلُمَ والضَّحِكَ وخاصة الإرهاق بل الإرهاق أولاً...

    سهر الليالي والسعادة الغامرة .

    يطرق الإرهاق من خلال تلك الرغبة في الحياة بابَيْن مقدسين وهما : الحب والسهاد.

    ماتبذله من حب أثره كالماء على الحجر .

    وما تدخر من نعاس يتراكم لديها مثل تراكم الماء فوق الماء.

    يعتبر الإرهاق بربرية النعاس في الحب.

    يشعل النعاس حريقاً في مساحات فسيحة من الحب.

    الإرهاق هو كالأم السيئة التي لاتستيقظ في الليل كي تسعدنا بصوتها وتغمرنا بذراعيها.

    كيف لنا أن نتعرف على الأشخاص المرهقين .يقومون بأعمال ولايتوقفون عن القيام بها.

    يجعلون من المستحيل دخول الراحة أو السكينة أو الحب إلى نفوسهم.

    إن الأشخاص المرهقين يقومون بأعمال ويشيدون منازل ويلتزمون بمهنة .

    يقومون بكل هذه الأشياء كي يهربوا من الإرهاق لكنهم بهروبهم من الإرهاق يستسلمون إليه .

    ينقصهم الوقت في توقيتهم.مايقومون به كثيراً أصبح يتناقص. أصبحوا يفتقدون الحياة في حياتهم.هناك لوح زجاجي قائم بين أنفسهم وذواتهم ، هم يخترقون هذا اللوح الزجاجي من دون توقف .

    Lيظهر الإرهاق على ملامحهم ، في أيديهم ومن خلال كلماتهم .

    الإرهاق بداخلهم كالحنين ، كرغبة مستحيلة.

    إنهم مثل پيرسُڤال الفارس النبيل الذي فارق والدته للترحال بين

    سهل ونهر ، وبين نهر وجبل ، وبين جبل وسهل ...عمَّ يبحث ؟ هو نفسه لايدري عمَّ يبحث، لم يعرف أبداً.

    يكاد يتوفر لديه الوقت للنوم في حصون مقفرة وماأن يصحو حتى يغادر ومن مغامرة إلى مغامرة أخرى...

    في أحد الأيام يعثر على أوزة بلون الرماد كانت تطير في سماء رمادية وإذا بسهمِ صيادٍ يصيبها تحت أحد جناحيها فتتساقط ثلاث نقاطٍ من الدم فوق الثلج .

    يترجل پيرسُڤال الفارس النبيل عن جواده ويقترب ثم ينحني لينظر إلى البقع الحمراء الثلاث فوق الثلج الأبيض.ينظر ويتأمل لساعات وساعات. يتأمل شكلها ويتأمل صُبْغَتَها وتلاعب الألوان في ما بينها...قالت له النقاط الثلاث للدم شيئاً، ذَكَّرَتْهُ بوجه امرأة شابة وَتَكَشَّفَ

    له كم أحب ذلك الوجه حين رآه ، وكم كان جهله عظيماً بالحب الذي أتى إليه ، في تلك اللحظة التي جاء فيها ، ذلك الوجه القادم من الطفولة عل موقع الثلج . إنه لايتحرك . لم يعد الإرهاق مسيطراً عليه بل غادره ولم يعد قادراً على الولوج فيه لأنه لم يعد الشخص ذاته ، لأنه لم يعد له وجود إلا في ذلك الحب البعيد ، لأن الحب سيطر على شخصه الغائب.كيف نتعرَّف على ما نحب ؟

    نتعرف على مانحب بدخول السكينة المباغت فينا، بالضربة الموجهة إلى القلب ونزيف الدم الذي يتبعها -هو نزيف صامت في الكلام . مانحب لا اسم له. إنه يقترب منا ويضع يده على كتفناقبل أن نجد الكلمة كي نتمكن من إيقافه،كي نطلق عليه إسماً ، كي نوقفه ونحن نطلق عليه إسماً .

    مانحب هو كالأم ، هذا الحب يعيدنا إلى الطفولة ويجعلنا نتوالد مجدداً للمرة الأولى بعد الألف .

    ثلاث نقاط من الدم . ثلاث كلمات حمراء على صفحة الحياة البيضاء.

    يأتي فرسان يبحثون عن الفارس النبيل پيرسُڤال لإعلامه أن الملك يريد التحدث إليه. إنه لايجيب ، مازال منحنياً على الثلج الأحمر، غير مبالٍ بالذين أَتوا يَدَّعون اصطحابه إلى مكان آخر ، إلى مكان أبعد ، في هذا العالم المُتْعَب والمتعِب.

    تبدأ الأنشودة هنا ، في هذا الفصل عند نهاية القرن الثاني عشر، على عمق خمسين سنتيمتراً في الثلج ، أربعُ جُمَلٍ وثلاث نقاطٍ من الدم .

    الأنشودة ونهاية كل أشكال الإرهاق وزهرة الحب في ثلوج اللغة ووردة الروح على حد الشفتين.

    يتغنَّى الشعراء الرحالة، في خضم هذه الأعمال وديون الدم وحروب الشرف ، باسم امرأة ويصدحون بأناشيدهم كشعلة زرقاء في سماء صافية ونقية .

    إنهم يبتدعون مخرجاً إلى هذا العالم الذي لامخرج له .إنه الباب إلى إسم واحد في كل اللغات ، إنه نداء موجه من واحدٍ فقط إلى واحدةٍ .

    وتُصادَرُالأرض في نجمة هذا الغناء، وتصبح مضاءةً في أدوار هذا الصوت .

    يولدحينها فقط وجهٌ جديدٌ لرجلٍ، لايتحرك ، غائب . لايتحرك فوق الثلج الأبيض ومنحنياً على الغياب الأحمر، لم يعد راغباً بأي شيءٍ في العالم -

    ولندعه بسلام في تأمله لحبه .

    مضت ساعات وأيام وقرون . فلندعه بسلام على الدوام ، على الدوام