1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

كريستيان بوبان Christian Bobin - ثٓوبٌ صغيرٌ للعيد.. ت: أمل البحرة

'نصوص سردية و شعرية' | Amal Al Bahra.

  1. Amal Al Bahra

    Amal Al Bahra كاتب

    داخلنا خاو ..لاشيء في داخلنا وما من أحد …
    لايكمن في داخلنا سوى الانتظار ، انتظار لا لون له ولا شكل…
    إنه الانتظار فقط ، انتظار لاشيء…
    هو بداخلنا مثل الهواء ممزوجا بالهواء ، إنه لايشبه شيئاً ، هو الملل بأقسى درجاته ، هذا الانتظار لم يكن له وجود .
    نحن لم نكن عدماًولا كان لنا وجود …
    كنا المعنى لكل شيء بمرحلة الطفولة .
    لم يكن الإله إلا جزءاً ضئيلاً من عوالمنا، كخصلة عِشبٍ في حقل .
    ابتدأ الانتظار مع نهاية الطفولة.
    بدأنا الانتظار بعد موتنا .
    نخطو بضع خطوات خارج طفولتنا وبعدها نتوقف بسرعة .
    نحن كسمكة على الرمل ، نحن كذلك الذي يدوس في
    مماته وهو راشد …
    ننتظر وننتظر حتى يستسلم الانتظار راضخاً من تلقاء نفسه،
    حتى نستسلم لما يعادل الانتظار أوالنوم او الموت.

    يبتدأُ الحب هنا - في أعماق الصحراء -
    يكون الحب غير مرئي في بداياته ، ملامحه غير واضحة.
    لا نبصر شيئاً في البداية ، نراه يتقدم وهذا كل شيء .
    إنه يتقدم نحو نفسه ، نحو تتويجه الخاص به …

    رأيتُكِ تتقدمين هكذا من خلال غبار الصيف ،
    بكل خفة ،بثوبك الناصع البياض …

    تَتَقًَدَّم ُ مَنْ نُحِّبُ عاريةً، تظهر بثوبٍ من ضياء ، شبيهٌ بتلك الورود التي كانت تزهر قديماً تحت أروقة الكنائس في أيام الآحاد، و التي تتناثرعلى الأرضية الخشبية الناعمة حيث تقام الحفلات الراقصة …
    وبرغم كونها عارية كنجمة مضيئة عند طلوع الفجر …

    مجرد رؤيتُكِ تفتح أمام ناظريَّ رابية ً…
    مجرد رؤية هذا الثوب الأبيض ،الناصع البياض كما السماء الزرقاء…
    نستعيد القوة بكل صفائها بالنظرة البسيطة…

    تدخلين كالسحر وتتقدمين كالنار في طاحونة وحدتي…
    تنسابين في روحي كنهر متدفق ،تغمر ضحكاتك ذاتي وتجتاحها كلها ،
    كنتُ فيما مضى عندما أنظر في أعماقي أراها خاويةً،
    هناك حيث تخيم العتمة ،
    دَخَلتْ شمسٌ ساطعةٌ وأخذت تدور…
    هناك حيث خيم الموت ، كان نبع قليل الماء يرقص …
    احتلته سيدة متمكنة في وسعها احتلال أماكن عدة وكنت أرحل إليها ولا أعود .

    المعرفة هي في الحب وخارج الحب لايوجد معرفة.
    وتظل تبحث في الحب عما تجهل لأنه في الحب فحسب مالاتعرفه كله …
    مضى علي زمن طويل وأنا أعْرِفُكِ ،
    كنتِ تلك التي تنام في أعماق الربيع ،
    تحت كومة الأوراق التي لاينطفىءالحُلُمُ فيها أبداً
    كنتُ أَكتشف حضورك ، منذ زمن بعيد، في النزهة المنعشة ،
    في غِنى مانتنسمه في الكتب العظيمة أو في وهن الصمت.
    كنتِ دوماً الأمل ، للأشياء الكبيرة .
    كنتِ الجمال لكل يوم ،
    كنت الحياة نفسها، من طيات أثوابك
    إلى اهتزاز ضحكاتك…
    سَلبتِ مني الحكمة والتي هي أشد وطأة من الموت . ووهبتني الحرارة والتي هي المؤشر على الصحة الحقيقية.

    مضى وقت طويل ، احترقت الأيام ولكنها لم تُبْقِ رماداً عند الحافة .. .
    نحن لم نبتعد عن الكومة المضيئة لأوراق الأصول…
    وكأنكِ لم تَنْزَعِي عنكِ أبداً هذا الثوب الصغير للعيد.
    كأنني لم أتوقف عن اكتشاف براءة الأشياء كلها
    أعجوبة الأب نويل على الأرض.

    الحب يعيد إلينا دائماً وجه الطفولة البريء، ينفخ الظلَ على ملامحنا…
    كأن الوقت لاقيمة له …
    كأن الحب هو كل شيء…
    كنتِ كطائر الدوري تتقافزين في قلبي.
    تعلمتُ طرق الأشجار الكبيرة …
    أقل انحراف وسَتُحَلقين نحو السماء الموجودة في داخلك
    والتي لايمكن دخولها…

    ثم غادرتِ
    ولم تكن مغادرتك خيانة،
    كانت لمتابعة الطريق في داخلك
    طريقاً بسيطاً في تفرعاته…
    أخذتِ معكِ ثوب الثلج الصغير ولم يعد يرقص في حياتي…
    لم يعد يدور في أحلامي…
    كان يطفو تحت جفوني عندما أغلقها كي أنام
    تماماً هناك : بين العين والعالم …
    رياح الزمن تهزها بحرارة .
    عاصفة الهموم تعصف في قلبها
    كما ينصفق مصراع النافذةعلى الزجاج المتصدع…

    من لم يعرف الغياب
    لايعرف شيئاً عن الحب .
    الذي عرف الغياب فقد تعلم معنى العدم -
    تلك المعرفة البعيدة التي تجعل البهائم ترتجف
    عند اقتراب موتها.
    تضيق الطريق في الموت حتى أنه ينبغي لنا أن نستسلم كلياً من أجل العبور.
    يجعلنا الحب مستعدين لتلك النهاية عند توزيع ممتلكاتنا جميعها.
    الحب يمر علينا كمطر من الضياء منعشٍ في الحديقة .
    أثره يترك في داخلنا وحدة متجددة،إنها معرفةٌ هادئة.
    إنها الضياء الهادىء في نهايات الصيف ، في خريف الطفولة.
    لستِ أٓنْتِ السبب في وحدتي ، لقد كانت تغفو في داخلي قبل وجودك بكثير .
    وأتيتِ أٓنْتِ فبٓعَثْتِها من رقادها وكُنتِ الأكثر شبهاً لها…

    ومع نهاية الحب ،يظهر ملوك السحر : الكآبة و الصمت والفرح.
    يتقدمون بهدوء في الفضاء الأزرق. ويصطحبون معهم إكليلاً من الظل
    ودمعةً من ذهب. يأتون من الطفولة ويَنْسَّلون في النفس ببطء ويوماً
    بعد يوم تأتي الكآبة والصمت والفرح.
    وبهذا الترتيب دائماً : الصمت في الوسط في المركز :

    الثوب الصغير المضيء للصمت .
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏6/1/18