نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

رحمه عبدالله محمد العيسى - أدب القرن السابع.. غزل الغلمان في عصر المماليك

'الجنس في الثقافة العربية' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,641
    2,555
    لم يكن التغزل بالغلمان من ابتداع شعراء العصر المملوكي , فقد نسبه المؤرخون لأبي نواس ومن جاراه من شعراء الخمر والمجون في لعصر العباسي , الذين استجابوا للانفتاح الحضاري والثقافي الذي شهده مجتمعهم والذين عبروا انبهارهم بالمرأة الأجنبية التي تشبه الغلمان في ملبسها وقصة شعرها , وتغزلوا بها وبمن تشبهت من النساء العربيات كما أولعوا بالغلمان وتغزلوا بهم

    أما شعراء العصر المملوكي فقد تغزل العديد منهم بالغلمان مجاراة للشعراء العباسيين،
    وتقليداً لهم بهدف إظهار مقدرتهم الشعرية وتمكنهم من كل فنون الشعر التقليدية يؤكد ذلك حرج بعض الشعراء من تغزلهم بالغلمان وتبريرهم هذا الغزل بمثل قول ابن الوردي قبل توبته من غزل الغلمان :

    مالــمرد أكبر همي = ولانــــهاية علمي
    ولست من قوم لوط = حاشا تـــقاي وحلمي

    وقد اجتهد شعراء هذا العصر في إظهار مقدرتهم على هذا اللون الشعري ، وبرعوا في
    تجديد معانيه ،
    من ذلك قول ابن حيان الأندلسي ببعض الغلمان المشوهين وجعل قبحهم جمالا فقال في غلام أبرص :
    وقالوا الذي قد صرت طوع جماله = ونفسك لاقت في هواه نزاعها
    به وضح تأباه نفس أخي الحجا = وأفظع داء ما ينافي طباعها
    فقلت لهم لا عيب فيه يشينه و = لا علية فيه تروم دفاعها
    ولكنما شمس الضحى حين قابلت = محاسنه ألقت عليه شعاعها

    ولقد برع ابن حيان في إخفاء فتور عاطفته تحت بريق معانيه المبتكرة , الأمر الذي لا يخفى ما يريده الشاعر من هذا الغزل , فهو يهدف إلى تطييب خاطر ذوي العاهات إضافة إلى إثبات مقدرته على الغزل مجاراة لأهل الزمان و إلا فكيف نبرر انصرافه عن الغلمان الأصحاء

    لقد حرص الشعراء الذين نظموا في هذا اللون على إثرائه ، وعلى الإبداع فيه والانفلات من إسار التقليد ، متخذين –غالبا من الغلمان غير العرب مادة لإثراء معاني غزلهم ، من ذلكً الغزل بعيون الترك وقدودهم :

    - مثلاً قول جوبان القواس

    حمانا الترك وانتهكوا حمانا = وليس يفي التواصل بالصدود
    حمونا بالصوارم والعوالي = وجاروا باللواحظ والقدود

    وكذلك غزل صفي الدين الحلي بغلام تركي ، الذي يحشد فيه صفات الجمال المتوارثة ويخرجها
    بصورة جديدة

    أوضحت نار خده للمجوس = حجة في السجود والتقديس
    وأقامت للعاشقين دليلا واضحا = في جواز نهب النفوس
    رشا من جآذر الترك لكن حاز = إرث الجمال عن بلقيس


    ويجتهد الشاعر ابن أبي طرطور في استخراج معنى جديد من اسم يعقوب الذي يتغزل
    فيه ، ساعياً إلى ستر حقيقة مشاعر المحبة تجاه هذا الغلام ، فقال إن الناس قد غلطوا في اسمه ،

    وأن اسمه يوسف وليس يعقوب ، ليستثمر صفات الحسن التي اتصف بها يوسف الصديق

    يا مليحا حاز وجها حسنا = أورث الصب البكا و الحزنا
    غلطوا في اسمك إذ نادوا به = يوسف أنت ويعقوب أنا

    ومثله في استثمار معاني القرآن وتوظيف ألفاظه لتجديد معاني الغزل بالغلمان وإخراجها من دائرة إيحاءات الشذوذ التي اقترنت بها

    وكذلك ذكر العذول واستعارة بعض عناصر الطبيعة وسمات الخمر لوصف الغلمان
    والتغزل بهم ، كما هول الحال في الغزل الحسي بالمرأة

    قال العواذل من تهواه صفه لنا = فقلت غصن ومن ماء النعيم سقي
    والخمر ريقه من أهوى وعارضه = بنفسج والقوام اللدن منه رقي

    إلى غير ذلك من الشـــــــــواهد (*)

    ولعلنا نتناول شاعرين خاضوا تجربة الغزل بالغلمان في عصر المماليك ( صفي الدين الحلي , ابن الوردي )

    صفي الدين الحلي :

    وهو في غزله الغلامي بارع متفنن، متعدد الأغراض متنوع الأساليب، ظريف التناول، كثير التساؤل، ويمكننا أن نقسم غزله في الغلمان إلى قسمين: الأول لا يجانب فيه الأخلاق والذوق، والثاني يجانب فيه الأخلاق والذوق.
    فأما القسم الأول فيدور على وصف الغلمان ومخاطبتهم، ومناجاتهم والتغزل بهم تغزلاً تظهر فيه العاطفة أكثر من ظهورها في غزله النسائي.

    ونستطيع أن نجمل آراءه في هذا القسم بالملاحظات التالية:

    أ- معظم غلمان صفي الدين الحلي، يحملون أسماء أنبياء كيوسف وسليمان وداود وموسى وإبراهيم، ويستغل شاعرنا هذه الأسماء في شعره استغلالاً حسناً، فيستفيد من معاني التسمية وما تحمله من دلائل كقوله في غلام اسمه يوسف:

    يا سمي الذي به اتهم الذئـ = ـب وأفضى إليه ملك العزيز
    لو تقدمت مع سميَّك لم يمـ = ـس فريداً في حسنه المنبوز

    (والمنبوز أي المتعارف).

    وقوله في غلام اسمه سليمان:

    يا سمي الذي دانت له الجـ = ـن وجاءت بعرشها بلقيس
    غير بدع إذا أطاعت لك الأنٍ = س وهامت إلى لقاك النفوس

    وقوله في غلام اسمه إبراهيم:

    يا سمي الذي فدى الله إكرا = ماً له نجله بذبح عظيم
    لو تمكنت لافتديت تداني = ك بسوداء مهجتي والصميم

    ب- لا يصف الشاعر غلمانه ويتغزل بهم في حالة الصحة فقط، وأجواء الانطلاق والسرور، بل يصفهم ويتغزل في حالة المرض أو التمارض المعتمة، فمن هذا قوله في غلام متمرض:

    لا حال في جوهر من جسمك العرض = ولا سرى في سوى ألحاظك المرض
    حوشيت من سقم في غير خصرك أو = في موعد لك في أخلافه غرض
    فتور نبضك من عينيك مسترق = وضعف جسمك من جفنيك مقترض

    وقوله في غلام رمد:

    وما رمدت عيناك إلا لفرط ما = أصر على كسر القلوب انكسارها
    أرقت دم العشاق في معرك الهوى = فصار احمراراً في الجفون أحورارها

    ج- وغلمان صفي الدين الحلي، فنانون، فمنهم من يحسن الرقص، ومنهم من يجيد الضرب على العود، ومنهم من يتفنن في لعب الشطرنج، ومنهم من يتفنن في سقاية الخمر، وشاعرنا في هذا كله يتابعهم متغزلاً واصفاً، فمن ذلك قوله في غلام راقص:

    جاء في قده اعتدال = مهفهف ما له عديل
    قد خففت عطفه شمال = وثقلت جفنه شمول
    ثم انثنى راقصاً بقد = تثنى إلى نحره العقول
    فعطفه داخل خفيف = وردفه خارج ثقيل

    *وأما القسم الثاني وهو الذي يجانب فيه الأخلاق والذوق فيكاد يخرج من باب المجون، إلى باب التسفل والبذاءة وانعدم الحياة، ذلك لأن الشاعر في هذا القسم من التماجن، يخلع عنه مؤتزر الوقار، وينحدر إلى حضيض الشهوة الشبقة، فيصف طريقة معاشرة الغلمان معاشرة جنسية، بألفاظ بذيئة وصور قبيحة، وعواطف منحطة، وأفكار سخيفة، ونحن نجل قلمنا عن الاستشهاد لهذا النوع من المجون الفاجر الداعر إن في النساء وإن في الغلمان، ونعتذر للشاعر بقولنا: إنه نظم هذا النوع من المجون حتى يثبت مقدرته على خوض فنون الشعر، وخاصة "فيما اقترح عليه نظمه على نمط ابن الحجاج امتحاناً له".

    ابن الـــــــــوردي :

    ابن الوردي : هو لقب عمر بن المظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس أبو حفص زين الدين بن الوردي المعرّي الكندي ، شاعرٌ أديب مؤرخ ، ولد في معرّة النعمان { بسورية } ، وولي القضاء بمنبج ، تنسب إليه اللامية التي أولها :

    اعتزِل ذِكر الأغاني والغزل = وقُلْ الفصلَ وجانب مَنْ هَزلْ

    وكان إماماً وفقيهاً، بارعاً في الفقه واللغة والنحو والأدب، معرّي الأصل ولد سنة 689 ونشأ بحلب وتفقّه بها ففاق الأقران ، نظم البهجة الوردية في خمسة آلاف وثلاثة وستين بيتاً ، وله الكلام على مائة غلام وهو مائة مقطوع لطيف ، والدراري السارية في مائة جارية ، وهو مائة مقطوع كذلك ، وله عدة مقامات كالمقامة الصوفية والمقامة الأنطاكية ، والمنبجية والمشهدية...

    ونلاحظ في شعره مرحلتين متباينتين في المعاني والأسلوب ،
    أمّا المرحلة الأولى فهي مرحلة شعر الشباب ومطلع الرجولة ، وفيها يتجه في موضوعاته إلى مباهج الدنيا ومسرّاتها ويكثر القول فيها في الغزل ووصف الخمر ، والمجون، كما يتجه بالمديح لكثير من رجالات عصره ، أمّا المرحلة الثانية من شعره فيغلب عليها الشكوى والعلل والإعراض عن ملاقاة الحياة ومباهجها والزهد، والاعتذارعمّا بدر منه في شبابه " " والحقيقة أنّ معظم شعر ابن الوردي إن لم نقل كله هو نتاج المرحلة الأولى من حياته ، يدلنا على هذا ما ساقه ابن الوردي في مقدمة ديوانه ، إذ قال : "
    ولعمري ما أنصفني من أساء بي الظن ، أو قال عني كيف رضي مع درجة العلم والفتوى بهذا الفن ، فالصحابة كانوا ينظمون وينثرون... وبالجملة فهذا وأشباهه من نظم الصبا ، ومما قلته في أول العمر تأدّباً لا تكسباً ، ثم إن العلم الشريف قطع بيني وبين هذا الفن العلاقة "
    فابن الوردي فيما سبق يسوغ نظمه للشعر بأن الصحابة كانوا ينظمون وينثرون ، فالنظم والنثر لا يطعنان فيه كإمام وفقيه ، وهو يصرّح بأن أشعاره هي من نظم الصبا ، ثم إن طلبه للعلم وتعاطيه له قطع الصلة بينه وبين فن الشعر عموماً .

    أن ابن الوردي قد قلد شعراء عصره في كثير من الشعر امتحاناً لقريحته وإثباتاً لمقدرته الفنية والأدبية ، كالغزل بالمذكر ، فقد صار الغزل بالمذكر عادة مستحبة يتقبلها الجمهور في تلك الحقبة بإعجاب كبير ، ولهذا فقد نظم فيه ابن الوردي بغية ترويج أشعاره كما يقول ، وليس تعبيراً عن مشاعر صادقة أوحقيقية يتضح هذا في قوله :

    أستغفر الله من شعرٍ تقدم لي = في المردِ قصدي به ترويج أشعاري

    ونحن نعلم أنّ كثيراً من المصلحين تصدى لمحاربة هذا الشذوذ ومن هؤلاء ابن قيم الجوزية في كتابه :[ إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ] " " ،

    وقد انضم إليهم ابن الوردي إذ يقول :

    من قال بالمرد فاحذر أن تصاحبه = فإن فعلتَ فثقْ بالعــــــــــاروالنار
    بضاعة ما اشتراها غـير بائـعها = بئس البضاعة والمشتريُّ والشاري
    ياقوم صار اللـوط اليوم مشتهرا = وشائعاً ذائعاً من غير إنكار
    ذنب ٌبه هلكتْ مـن قـبلنا أمـمُ = والعرش يهتزّ منه هزَّ انكار
    جنّاتُ عدْن عن اللوطي قد حرمت = الله أكـبر ما أعـصاه للـباري
    أسـتغـفرالله من شعـر ٍتقدّم لي = في المردِ قصدي به ترويج أشعاري

    وقوله :
    ما المرد أكبر همّي = ولا نهاية عـلمي
    ولستُ من قوم لوط = حاشا تقاي وحلمي
    وإنَّما خَرْجُ دهـري = كذا فنفّـقتُ شعري " "

    هذا وقد قال في مقدمة ديوانه معللاً غزله بالمذكر : { قد يقف الناظر في مجموعي هذا على وصف عذار الحبيب وخدّه ، وشكوى عشقه وصده ، ونعت ردفه ، وذم الشيء وحمده ، ومدح الشخص لرفده ، فيظن لذلك بي الظنون ، غافلاً عن قوله تعالى: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون }" " وإني إنما قلت ذلك على وجه امتحان القريحة،ومحبة في المعاني المبتكرة واللمع المليحة التي لم يصبر عنها إلا من نر طبعه ، ولم يستهونها إلا من أظلم ونبا عن الحكمة سمعه ، وما كل من قال فعل ، ولا كل من مدح سأل ، على أنه من نشأ بحمد الله في حجر العلم صانه عن الرذائل " "
    ويكاد لا يترك شيئاً إلا ويتغزّل به فقد تغزّل بأعمى وأخرس وألثغ ومشروط الخد ومجنونة وعرجاء .......
    وغزله هذا لا لشيء سوى إيراد النكتة الجديدة

    إذاً أشعاره الغزلية ليست تعبير عن تجربة شعورية حقيقية ، وإنما هي نوع من أنواع امتحان القريحة ،ومحبة في المعاني المبتكرة ، ومن هنا فإننا نجد لديه كثيراً من القصائد الغزلية التي لا يهدف من ورائها إلى أكثر من تبيان فحولته وإثبات ألمعيته في مجال إيراد النكتة الجديدة والصنعة التي أصبحت اللباس العصري للشعر في تلك الفترة


    (*) كتاب معاني الشعر بين التقليد والتجديد دِِِ. نبيــل خالد أبو علي .

    14604_9.jpg
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..