1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

الطيب صياد - ابن حزم الأندلسي والمرأة

'الجنس في الثقافة العربية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. لا ينتهي حديثي عن ابن حزمٍ حتى ألقاه على الحوض إن شاء الله، لعل الله يغفر لنا أنْ كُنَّا لا نكتُمُ العشق وإن كنَّا نستُرُ دموعَنا عن أحبابنا .. أقول هذا وأخمِّن أن كلَّ قارئٍ مطَّلعٍ على حضارة أجدادنا في الأندلس قد عرف أنهم كانوا يعيشون في مجتمعات تؤمن بالحب وتُعلِنُه.

    ولا ينحصر الأمرُ في ابن زيدونٍ مع ولَّادةَ بنت المستكفي ولا ينحسر، فقد كان في ضواحي قرطبة ألف زيدونٍ وألف ولَّادةَ، حتى سبق الشعراءُ الأندلسيُّون إلى الآداب الرومانسيَّة -كما تُسمَّى- وبرَعوا فيها أيَّما براعةٍ، وفتحوا أبوابَها وشادوا عِمرانها حتى اسْتدَّ البناء واشْتدَّ، ولا يحتفي شاعرٌ بوردةٍ إلا إذا كان أندلسيًّا أو مضمَّخًا بعِطْر الأندلس.

    يقول الشاعر ابنُ بدرٍ القرطبيُّ يصف التشابه بين ورودٍ أهداها له بعض أصحابه وبين لون خدود المرأة التي يتغزَّلُ بها، وكيف أنها اتَّهمتْه بأنَّ ذلك الورد مسروقٌ من خدَّيْها:


    كنتُ قد أُهدِيتُ وَرْدًا فادَّعتْ … أنه مِن ورد خَدَّيْها سُرِقْ
    ومَشَتْ عَجْلى إلى مِرآتِها … فإذا وردٌ كوردٍ في الطَّبَقْ

    فهي لمَّا ظنت أن الورد مسروقٌ من خدَّيْها ذهبت مسرعةً إلى مرآتها حتى تتأكد، فإذا ورودها لا تزال معها .. أليس هذا التصوير غايةً في الروعة والجمال؟ وهل تكون هذه الصورةُ إلا صورة من “ربيع قرطبة”؟

    وفي مَرْتَعٍ آخر؛ هل نجد شاعرًا أصاخَ بسَمْعِهِ -قبل ابن خَفاجةَ الأندلسي– إلى جبلٍ ليُحدِّثَهُ بأخبار الزمان ويرويَ له أحاديث من مرُّوا به ولجأوا إليه؟

    وأرعنَ طمّاحِ الذُؤابةِ بَاذخٍ … يُطاولُ أعنانَ السماءِ بغاربِ
    يَسُدُّ مَهَبَّ الريحِ من كلّ وِجهةٍ … ويزحمُ ليلاً شُهْبَهُ بالمناكبِ
    وَقُورٍ على ظَهرِ الفلاةِ كأنهُ … طوالَ الليالي مُفْكِرٌ بالعواقِبِ
    يلُوثُ عليهِ الغيمُ سُودَ عمائمٍ … لها منْ وميضِ البرقِ حُمْرُ ذوائبِ
    أَصَخْتُ إليهِ وهوَ أخرسُ صَامتٌ … فحدثِني ليلَ السُرَى بالعَجائبِ
    وقال ألا كم كنتُ مَلجأ قاتلٍ … ومَوطنَ أوَّاهٍ تبـتَّلَ تائبِ
    وكم مرَّ بي من مُدْلِجٍ ومُـؤَوِّبِ … وقـال بِظِلِّي من مَطِيٍّ وراكبِ

    وهل عرف الناس مجالس الطرب وحفلات الأنس إلا في الأندلس؟

    ومِن الشِّعْر الذائع الذي غنَّاه الناس شرقًا ومغربًا؛ أبيات لسان الدين ابن الخطيب أحد أعلام مدينة غرناطة الجميلة إذا يقول:

    جــادك الغيــثُ إِذا الغيـثُ هَمَـى … يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ
    لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا … فــي الكــرى أَو خُلسـة المخـتَلِسِ

    هكذا كان عنصر الحبِّ والجمال مركزيًّا في الأدب والمجتمع الأندلسيَّيْن، فليس الأمر مقتصرا على “طوق الحمامة” لأستاذنا ابن حزم، وإن كان هذا الكتاب تتويجًا رائعا لهذه الحركة الأدبية، وقد ألَّفه في عصرٍ عامرٍ بأهل العلم وحُفَّاظ الحديث وكبار الفقهاء وأهل الفتوى من المالكية والظاهرية وغيرهم، وما سمعنا عن أحدٍ منهم إنكاره لتأليف كتابٍ يحلل فيه ظاهرة الحب الإنساني بمنهجٍ منفتحٍ إلى أقصى الحدود.

    هذا يدُلُّ حتمًا أنه لم يكن مفاجئًا في نظرهم أن يكتُبَ فقيهٌ كابن حزمٍ فصولًا في الحُبِّ والغرام والعلاقة بين الرجل والمرأة بكل تفاصيلها المشوقة، وأن يُفسِّر هذا المعنى الجليل لا من نظر جِلْفٍ لا يفقه الحياة، بل من نظر خبيرٍ بأسرار النساء عارف بأخبار العُشَّاق، كيف لا وهو الذي كانت له تجربة في الحب لم تَكَدْ جمرتها تخبو منذ أيام مراهقته في أزقة قرطبة الساحرة.

    كيف لا وهو الذي يعرف جيدا حديث الصحابي الجليل مُغيثٍ مع حبيبته بريرةَ التي طلَّقها ثم ندم على طلاقه فظَلَّ يبكي عليها في شوارع المدينة النبوية حتى جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شافعًا له عندها ولم تقبل بريرةُ -غفر الله لها- شفاعته -عليه السلام-.
    يا شيخ هل الحب حرام؟

    من وجهة نظرٍ نفسانية أكاد أجزم أن من يطرح سؤالا كهذا هو يعاني من مرض نفسي لا أدري ما اسمه بالضبط، لكن الأكثر رُعبًا هو أن يبدأ الشيخ -بعد أن يتربع على كرسيِّ فتواه- متمطِّقًا بكلماتٍ كحبَّات البَرَد يقذف بها على وجه سائله المسكين، حتى كأنه يريد بذلك إهمادَ نارٍ تتلظَّى في صدره وهو يرجو أن يبحث له عن حلٍّ يسعفه به في لقاء حبيبته، فإذا هو يتوعَّده بالعذاب والعقاب وشديد الحساب ومحق البركة في الرزق ونقصٍ في العقل وانهيار العقيدة في قلبه حتى كأنه على بُعْد خطوة أو خطوتين من الكفر بالله.

    وأنا أزعم أن عقولا تفكر هكذا لم تستوعب معنى الحياة بعدُ، ولا نهلت من معين القرآن الذي هو الكتاب المقدَّس للحياة بجميع تفاصيلها.

    يقول ابن حزم مفتتِحًا كلامه عن ماهية الحب:

    “الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جِدٌّ، دقَّتْ معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدْرَك حقيقتُها إلا بالمعاناة، وليس بمُنْكَرٍ في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل” (طوق الحمامة، ص: 05)

    وقد نتساءل كيف له أن يستحضِرَ الحكم الشرعي في ثنايا تعريفه للحب؟

    وقد يكون الجواب الأكثر مناسبة لهذا الاستحضار هو أن ماهية الحب -أي تعريفه- يتداخل فيها الطبيعي بالشرعي، وأنه لا يمكن تصوُّر تضادٍّ بينهما. فالحُبُّ غريزةٌ طبيعية، وهذا يتجلى في عبارة ابن حزم: “إذ القلوب بيد الله”، وفي الوقت نفسه هو مستساغٌ في الشريعة غير محظورٍ لأن الذي شرع الأحكام هو الذي يمتلك القلوب، ولن يكلف الله نفسًا إلا وُسعها.

    هذا بالضبط ما يمكن فهمه من ذِكر ابن حزم الأندلسي الحكم الشرعي لظاهرة الحب الإنساني مباشرةً بعد تعريفه له أو في العبارة نفسها التي وضعها تحت عنوان “ماهية الحب”.

    هكذا بدأ فقيهُنا كتابه الذي سيكون خلال عشرة قرون بعد تأليفه؛ أهمَّ دساتير الحب في الحضارتين الشرقية والغربية على حدِّ السواء، وهكذا أسَّس لتلك العلاقة المقدَّسة بين الرجل والمرأة وفتح بابًا مُشْرَعًا للقلوب حتى تمارس حقَّها الطبيعيَّ في الشراكة الحياتيَّة دون أن يُعيقَها فِكر استئصاليٌّ ظلاميٌّ يجعل من “حق الإنسان” مجالًا للترهيب والتخويف، ويبدو أن ذلك -كما سبق وأن ذكرتُ- لم يكن له حضورٌ في المجتمع الأندلسي، وأن واقع حياتهم كان لا ينفكُّ عن الكلام في الحب والعشق حتى وصل ذلك إلى مجالس كبارهم من الأمراء والفقهاء والقضاة..


    مجلة ميم


    14604_9.jpg
     
  2. ابن حزم الأندلسي والمرأة: بين الشعر والفقه
    (الحلقة 2)
    الطيب صياد

    ليس غريبًا حين نعرف أن ابن حزم قد نشأ في بيئة تقدس الجمال والحب، فإنه يكتب في تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة أبوابا يحدثنا فيها لا عن مجرد التنظير لما يكون بينهما، بل يسرُد في ذلك قصصًا مشوقة جرت له هو أو لأحد أصدقائه، وقد كانت صداقاته متنوعة وثريَّة جدا -فرغم كونه فقيهًا زاهدًا، إلا أنه كان يصاحب جميع الطبقات المجتمعية من الشعراء والأدباء والمُغنِّين ويعرف عن كثب كثيرًا من المُجَّان دون تثريب !- ويروي قصصًا حتى عن الطبقات الراقية في المجتمع الأندلسي، ومن بينهم شيوخ الفقه والقضاء والفتوى الذين يبدو أنهم لم يشُذُّوا عن تقاليد ذلك المجتمع الفريد من نوعه.

    وهنا يكشف ابن حزم سِرًّا عن بعض أصحاب المكانة الكبيرة، من الذين يأنفون من أن يعرف الناس خبايا نفوسهم وشهوات قلوبهم، فيقول: “وكم مَصونِ الستر مُسْبِل القِناع مَسدول الغطاء قد كشف الحُبُّ ستره مثلا، وأحبُّ شيء إليه الفضيحة فيما لو مُثِّل له قبل اليوم لاعتراه النافض عند ذكره، ولطالت استعاذته منه، فسَهُل ما كان وعرا، وهان ما كان عزيزا، ولان ما كان شديدا” (طوق الحمامة، باب الإذاعة).

    ولا شكَّ أنه يقصد أن الحب إذا داهم القلب، فإن صاحبه مفضوحٌ غير مستور، ولو كان من كبار الناس وأصحاب الجاه فيهم والمكانة في الديانة والسلطة والمجتمع. وقد ذكر بعض القصص التي شهِدها أو أخبره بها أصحابه عن أبناء السروات (الطبقة -البورجوازية-) من الذين حين وقعوا في الحب انقلبوا من حال الترفُّع والاحتياط إلى المذلَّة التي رأوا فيها عِزَّةً لم يظفروا بها من قبل، أو كما يصف فقيهنا العاشِقُ “وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أَبِيَّ الخسف، فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب، ويتورط غَمْرَه، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لِيانا، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، والحمية استسلاما” (الطوق، باب الطاعة).

    وما يلفت الانتباه أكثر، هو اللغة البديعة التي يستعملها ابن حزم في كتابته لـ”طوق الحمامة”، فبينما نجده ثائرًا في كتاباته الدينية (في الفقه والعقيدة والأصول وغيرها) مجادلا بكل قوة خصومه من أصحاب المذاهب الأخرى والفِرَق الإسلامية وأصحاب الديانات الأخرى؛ نجده في طوق حمامته رقيق الكلام لطيف العبارة جميل اللفظ، كأنه شاعر رومانسي ينظِم قصائد الغزل والشوق للأحباب.

    وفعلًا، قد زيَّن ابن حزم الأندلسي كتابه الجميل هذا بمقطوعات شعرية كثيرة بعضها لشعراء قدامى ومعاصرين له، وبعضها من نظمه هو. فقد كان ابن حزم شاعرًا أيضا وشعره من الجودة بمكان محترم جدا، حتى قال عنه الذهبي “وشِعْرُهُ فَحْلٌ كما ترى”، وهذا راجع إلى تكوينه اللغوي على طريقة المدرسة الأندلسية في التعليم.

    فقد كان الأندلسيون يركِّزون في المراحل الأولى من التعليم على اللغة العربية التي يرون أنها الأساس الأول في اقتحام مختلِف العلوم والمعارف سواء الشرعية أو العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، وهو المنهج الذي امتدحه المفكر ابن خلدون واعتبره أصوب المناهج التعليمية من خلال مقدمته الشهيرة.

    والذي أقصده من ذلك، هو أن انتقاء اللغة في “طوق الحمامة” لم يكن مجرد تصادف عابر، بل كان منهجًا اختاره ابن حزم ليكون مناسبًا لموضوع كتابه وما سيتطرق إليه، وهنا نجد فارقًا كبيرا جدا من حيث اللغة بين “الطوق” وبين ما كتبه ابن القيم من فصول عن الحب في بعض كتبه كـ”الجواب الكافي” وغيره.

    فابن القيم تغلب عليه النزعة الفقهية – الصوفية في تناوله لهذه الظاهرة الإنسانية، أما ابن حزم فقد كان يعالج علاقة الحب بمنظور إنساني طبيعي بحت، وهذا ما جعل كتابه يلقى رواجا باذخا عند الأوروبيين وفلاسفة الغرب.

    فنحن بين يدي شاعر عاشق يحلل ظاهرة الحب وكأنه يكتب رواية عن قصة حقيقية حدثت له هو، وذلك ما يجعلنا نفهم فيما بعدُ مواقفه الفقهية من قضايا المرأة، وهو الموضوع الأساسي لهذه الحلقات التي أكتبها عن ابن حزم والمرأة.

    وقد أحببتُ التوطئة لذلك بهذه الفقرات التي بينتُ فيها “الإنسان” في شخصية ابن حزم، حتى يفهم كثيرٌ من دارسي العلوم الشرعية أن ما يظنُّونه شذوذًا وتطرُّفًا في آراء ابن حزم مبنيّ فقط على نزعته الفكرية وذلك بانتمائه لمدرسة المذهب الظاهري الذي كان حاملا للوائه في القرن الخامس الهجري من خلال موسوعته الأصولية “الإحكام في أصول الأحكام”، والفقهية “المحلى بالآثار”.

    فانطلاقا من كتابه الأخير هذا، سيتبين لنا أن اختيارات ابن حزم الفقهية في قضايا المرأة لم يغِبْ عنها ابن حزم “الإنسان” كما لم يغب ابن حزم “الشاعر العاشق” -أو كما يحسُنُ أن نُسمِّيَه- بالفقيه الثائر المدافع عن حقوق المرأة.


    * مجلة ميم