نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

رودولفو والش - تلك المرأة.. تر: أحمد عبد اللطيف

'قصص قصيرة عالمية' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,625
    2,569
    امتدح الكولونيل انضباطي في المواعيد:

    – أنتِ منضبطة مثل الألمان- قال.

    – أو مثل الإنجليز.

    للكولونيل لقب ألماني.

    إنه رجل سمين وشائب، بوجه عريض ومحمّص.

    – لقد قرأت أشياءكِ- أشار-. وأهنئكِ.

    وبينما يعد كوبَي ويسكي كبيرين، يسرسب لي، دون ترتيب، أنه يعمل في جهاز المخابرات منذ عشرين عامًا، وأنه درس الفلسفة والآداب، وأنه هاوٍ للفن. لا يتعمق في أي حديث، يؤسس فحسب للأرض التي يمكن أن نتحرك عليها، منطقة مشتركة باهتة.

    من خلال الشباك الكبير بالطابق الثاني عشر، نرى المدينة وقت الغروب بأضواء النهر الشاحبة. ومن هناك ليس أسهل من الوقوع، ولو لحظيًا، في حب بوينوس آيرس. لكن ما جمعنا لا علاقة له بأي حب إطلاقًا.

    يبحث الكولونيل عن أسماءٍ، وعن أوراق لا أملكها تقريبًا.

    وأنا أبحث عن امرأة ميتة، عن مكان ما في الخريطة. البحث لم يبدأ بعد، ليس إلا مجرد فكرة فانتازية: نوع من فانتازيا منحرفة قد يرتاب البعض في أن تخطر ببالي.

    هي لا تعني شيئًا بالنسبة لي، ومع ذلك أركض وراء سر موتها، وراء بقاياها التي تعفنت ببطء في قبر ما. لو عثرت عليها، ستوقظ في أمواج غضب عالية وطازجة، خوفًا وحبًا خافقًا، موجات انتقامة قديرة، وفي لحظة سأفقد شعوري بالوحدة، لن أشعر بأني منسحقة وممرورة وظل منسي.

    الكولونيل يعرف مكانها.

    يتحرك بسهولة في بيت بأساس منمق، مزخرف بالعاج والبرونز، بأطباق من بورسلين ميزين وكانتون. أبتسم أمام لوحة مزيفة لـ جونجكايند، وأخرى مشكوك فيها لـ فيجاري. أفكر في شكل وجهه حين أخبره بمن يصنع لوحات جونجكايند، لكني في المقابل أمتدح الويسكي.

    يشرب بقوة، يشرب بصحة، يشرب بحماس، يشرب بطاقة، يشرب بتكبر، يشرب باحتقار. ويتغير وجهه ويتغير، فيما تقلّب يداه السمينتان الكوب ببطء.

    – تلك الأرواق- يقول.

    أنظر لها.

    – تلك المرأة، يا كولونيل.

    يبتسم.

    – كل شيء حلقة في سلسلة- يتفلسف.

    طبق البورسلين ينقصه زخرفة قشرية في القعر. اللمبة الزجاجية مكسورة. والكولونيل، بعينين ضبابيتين وباسمتين، يتحدث عن القنبلة.

    – وضعوها في مدخل البيت. يعتقدون أني مذنب. لو كانوا يعرفون ما فعلته من أجلهم، هؤلاء الأوساخ.

    – ووقع ضرر كبير؟- أسأل- لا يهمني ذلك.

    – ضرر كافٍ، يا ابنتي. لقد وضعتها في يد طبيب نفسي. لا تزال في الثانية عشرة- يقول.

    يشرب الكولونيل بغضب، يشرب بحزن، يشرب بخوف، يشرب بتأنيب ضمير.

    تدخل زوجته بفنجاني قهوة.

    – قدمي لها، يا سمراء
    ثم تنصرف دون رد؛ كانت سيدة طويلة ومتعجرفة، بوجهها انقباضات عصبية. ظلت لا مبالاتها تطفو مثل سحابة.

    – لقد تأثرت جدًا المسكينة- يشرح الكولونيل-. لكنك لا تهتمين بذلك.

    – كيف لا أهتم! لقد سمعت أن القبطان N والكوماندة X وقعت عليهما كارثة أيضًا بعد هذا الحدث.

    الكولونيل يضحك.

    – الخيال الشعبي- يقول-. انظري كيف يعمل. لكنهم في النهاية لا يخترعون شيئًا. لا يفعلون إلا تكرار ما يقال.

    يشعل سيجارة مارلبورو ويضع العلبة في متناولي على المنضدة.

    – احكي لي أي نكتة- يقول.

    أفكر. لا يخطر شيء ببالي.

    -احكي لي نكتة سياسية، أي نكتة تعجبكِ.

    وأنا سأبرهن له أنه كان يؤلف النكات منذ عشرين عامًا، منذ خمسين، منذ قرن. أنه استُخدِم عقب هزيمة سيدان، أو بمناسبة هيندنبيرج، ودولفس، وبادوليو.

    – والسبب؟

    – مقبرة توت عنخ آمون- يقول الكولونيل-. لورد كارنافون. الزبالة.

    يجفف الكولونيل عرقه بيد غليظة ومشعرة.

    – لكن الكوماندة X وقعت له حادثة، لقد قتل زوجته.

    – ثم؟- يقول، مخشخشًا الثلج في الكوب.

    – أطلق عليها طلقة عند الفجر.

    – ظنها لصًا- يبتسم الكولونيل. هذه الأشياء تحدث.

    – لكن القبطان N…

    – صدمته سيارة، حادثة تحدث لأي أحد وخاصًة له، إذ يسير تائهًا فلا يلتفت.

    – وحضرتك، يا كوكولونيل؟

    – ما حدث لي مختلف- يقول- لقد استحلفوا لي.

    ينهض، يلف حول المنضدة.

    – يعتقدون أني أذنبت. هؤلاء الأوساخ لا يعرفون ما فعلته لأجلهم. لكن في يوم ما سيُكتب التاريخ. وربما حضرتك من تكتبينه.

    – أتمنى ذلك.

    – وسأبقى مرتاح البال، سأكون بخير. الحال أني لا يهمني أن أكون بخير مع هؤلاء الأوساخ، يهمني ذلك أمام التاريخ، أتفهميني؟

    – أتمنى أن تعتمد عليّ، يا كولونيل.

    – كانوا يتجولون ليلًا. وذات ليلة تجرأ أحدهم. وضع القنبلة في مدخل البيت وخرج ركضًا.

    دس يده في فترينة وسحب صورة من البورسلين الملون، صورة لراعية تحمل سلة من الزهور.

    – انظري.

    الراعية ينقصها ذراع.

    – ديربي- يقول-. عمرها مئتا عام.

    تتوه الراعية بين أصابعه التي استحالت رقيقة فجأة. وترتسم على وجهه الليلي ابتسامة حديدية، متألمة.

    – لماذا يعتقدون أنك المذنب؟

    – لأني من أخرجتها من حيث كانت، وحملتها إلى حيث تمكث الآن، هذه أيضًا حقيقة. لكنهم لا يعرفون ماذا يريدون أن يفعلوا، هؤلاء الأوساخ لا يعرفون شيئًا، ولا يعرفون أني أنا من منعت ذلك.

    يشرب الكولونيل، يشرب بغضب، يشرب بتكبر، يشرب بوحشية، يشرب بأناقة، يشرب بمنهج.

    – لأني درست التاريخ. يمكنني أن أرى الأشياء من منظور تاريخي. لقد قرأت لهيجل.

    – ماذا يريدون أن يفعلوا؟

    – أن يدفنوها في النهر، أن يلقوا بها من طائرة، أن يحرقوها ويرموا بقاياها في المرحاض، وأن يذيبوها في الأحماض. كم قذارة ينبغي علينا أن نسمعها! هذا البلد مكسو بالقذارة، حتى أن الواحد لا يعرف من أين تخرج القذارة، لكننا جميعًا حتى رقابنا.

    – كلنا، يا كولونيل. لأننا في العمق متفقون، أليس كذلك؟ لقد حانت ساعة الدمار. ويجب أن يُدمر كل شيء.

    – وأن نتبول فوقه.

    – لكن دون تأنيب ضمير، يا كولونيل. رافعين بسعادة القنبلة والعصا. في صحتك!- أقول وأرفع الكوب.

    لا يجيب. نجلس بجانب النافذة الكبيرة. أضواء الميناء تلمع بأزرق زئبقي. من آن لآخر نسمع سارينات السيارات، تضج من بعيد مثل أصوات في حلم. والكولونيل كان محض بقعة رمادية من وجه فوق بقعة بيضاء من قميص.

    – تلك المرأة- أسمعه يهمس-، كانت عارية في التابوت وكانت تبدو عذراء. استحال جلدها شفافًا. ورم السرطان الخبيث كان باديًا، مثل تلك اللوحات التي يرسمها أحدنا على النافذة المبتلة.

    الكولونيل يشرب. شيء قاسٍ.

    – كانت عارية- يقول-. كنا أربعة أو خمسة ولا نريد أن ننظر إليها. كان هناك هذا القبطان البحري، والجليقي الذي حنطها، ولا أتذكر الباقين. وحين سحبناها من التابوت- مرر الكولونيل يده على جبهته-، حين سحبناها، هذا الجليقي المقرف…

    يسود ظلام تدريجي، كما في المسرح. يغدو وجه الكولونيل محتجبًا. لا شيء إلا الويسكي يلمع في كوبه، مثل نار تنطفيء على مهل. عبر باب الشقة المفتوح يصل ضجيج قديم. أُغلِق باب المصعد بالطابق الأسفل، وفُتح بالقرب منا. البناية الضخمة تهمس، تتنفس، تغرغر مواسيرها، شفاطاتها، مطابخها، أولادها، تلفزيوناتها، خادماتها. والآن ينهض الكولونيل، يقبض على رشاش لم أر من أي مكان سحبه، وعلى أطراف أصابعه يسير حتى مدخل الشقة، يفتح النور فجاة، ينظر في الممر، في الجدران، في فراغ مدخل الشقة، فراغ المصعد، السلم، ما من أحد على الإطلاق فيعود بسرعة، ملقيًا برشاشه.

    – هُيئ لي أني سمعت. هؤلاء الأوساخ لن يأخذوني على غفلة، مثل المرة الفائتة.

    يقعد، أكثر قربًا من الشباك الكبير الآن. اختفى الرشاش وعاد الكولونيل للاستطراد في مشهد حياته الكبير.

    – … نام فوقها، هذا الجليقي المقرف. كان مغرمًا بالجثة، كان يلمسها، يداعب حلماتها. صوبت له لكمة قوية، انظري- ينظر الكولونيل لعُقل أصابعه-، أردته للحائط. كل شيء متعفن، لا يحترمون ولا حتى الموت. هل تضايقك العتمة؟

    – لا.

    – أحسن. من هنا يمكنني رؤية الشارع. والتفكير. أفكر دومًا. في العتمة نفكر أفضل.

    يصب الويسكي من جديد.

    – لكن تلك المرأة كانت عارية- يقول مؤكدًا أمام معارض غير مرئي-. تحتم عليّ تغطية وجهها، وكفنتها وشددت عليها حزامًا فرانثيسكانيًا.

    يضحك بشدة.

    – واضطررت لدفع الكفن من جيبي. ألف وأربعمائة بيزو. وهذا هو الدليل، ها؟ هذا دليلي.

    ويكرر عدة مرات “هذا دليلي” كأنها لعبة ميكانيكية، دون أن يشير إلى ما هو دليله.

    – اضطررت للبحث عن مساعدة لتغيير التابوت. اتصلت ببعض العمال من هنا. تخيلي كيف كانوا. بالنسبة لهم كانت إلهة، كيف أعرف أنا الأشياء التي تدخل في رؤوسهم، أناس مساكين.

    – أناس مساكين؟

    – نعم، أناس مساكين- يصارع الكولونيل غضبًا داخليًا زلقًا-. أنا أيضًا أرجنتيني.

    – وأنا أيضًا، يا كولونيل، وأنا أيضًا. كلنا أرجنتينيون.

    – آه، جيد- يقول.

    – وهكذا رأوها؟

    – نعم، قلت لك تلك المرأة كانت عارية. إلهة وعارية، وميتة. بكل الموت في الهواء، أتعرفين؟ بكل الموت، بكله.

    يضيع صوت الكولونيل في منظور سوريالي، في كل مرة يردد تلك العبارة تكتسب تربيعًا في حروفها، وانخفاض النبرة يحتفظ بنسبة إلهية أو ماذا. أنا أيضًا أصب الويسكي.

    – هذا لا يمثل لي شيئًا- يقول الكولونيل-. أنا معتاد على رؤية نساء عاريات. كثيرات في حياتي. ورجال موتى. كثيرون في بولندا 39. أنا كنت ملحقًا عسكريًا، انتبهي.

    أريد أن أنتبه، أضم سيدات عاريات لرجال موتى، لكن المحصلة لا شيء، لا شيء… بحركة عضلية واحدة أتظاهر بالرصانة، ككلب ينتفض في الماء.

    – لم أتفاجأ إطلاقًا. لكنهم…

    – اندهشوا؟

    -أحدهم أغمى عليه، فنبهته بلكمات. قلت له:”يا مخنث، أهذا ما تفعله عندما تضطر لدفن ملكتك؟ تذكر القديس بطرس، الذي نام عندما قتلوا المسيح. ثم شكرني.

    نظر للشارع “كوكا”، تقول اللافتة الفضية في الأحمر. “كولا” تقول اللافتة الفضية في الأحمر. الحدقة تتسع، الدائرة الحمراء خلف الدائرة لحمراء المركزية، تقتحم الليل، المدينة، العالم. “اشرب”.

    – اشربي- يقول الكولونيل.

    فأشرب.

    – هل تسمعينني؟

    -أسمعك.

    – قطعنا لها إصبعًا.

    – هل كان ضروريًا؟

    الكولونيل تحول للون فضي، الآن. ينظر إلى سبابته، يحكها بظفر الإبهام ويرفعها.

    – هكذا. لنميزها.

    -ألم تكونوا تعرفون من هي؟

    يضحك. اليد تستحيل حمراء. “اشربي”.

    – كنا نعرف، نعم. يجب أن تكون الأشياء قانونية. كان حدثًا تاريخيًا، أتفهمين؟

    -أفهم.

    – البصمة الديجيتال لا تميز إن كان الإصبع ميتًا. يجب أن نبلله. ثم بعدها نلصقه.

    – ثم؟

    – كانت هي. تلك المرأة كانت هي.

    – وهل تغيرت كثيرًا؟

    – لا، حضرتك لا تفهمينني. هي هي. كان يبدو أنها ستتكلم، أنها سـ… مسألة الإصبع حتى يكون كل شيء قانونيًا. البروفيسور R سيطر على كل شيء، حتى الأشعات أجراها.

    – البروفيسور R؟

    – نعم. هذه مسألة لا يقوم بها أي أحد. كان ضروريًا أن يكون شخصًا بسلطة علمية، وأخلاقية.

    في مكان ما بالبيت كان يدق جرس دقات بعيدة ومتقطعة. لا أرى دخول زوجة الكولونيل، لكنها تظهر فجأة، بصوت ممرور، لا يقهر.

    – هل أضيء النور؟

    – لا.

    – تليفون.

    – قولي لهم إني لست هنا.

    تختفي.

    – يهاتفوني ليضايقوني- شرح الكولونيل-. يهاتفوني في أي ساعة. في الثالثة فجرًا، في الخامسة.

    – الرغبة في المضايقة- أقول مبتهجة.

    – غيرت رقم التليفون ثلاث مرات. لكنهم دائمًا يصلون إليه.

    – ماذا يقولون لك؟

    – إنهم سيصيبون ابنتي بشلل. إنهم سيخصونني. زبالة.

    أسمع صوت الثلج في الكوب، كجرس بعيد.

    -أقمت لهم حفلة، وخطبت فيهم. أنا أحترم الأفكار، قلت لهم. تلك المرأة فعلت الكثير من أجلكم. أنا سأدفنها كمسيحية. لكن عليكم أن تساعدوني.

    الكولونيل واقفًا ويشرب بإسراف، يشرب بسخط، يشرب بأفكار كبيرة وعظيمة تنهال عليه ككبر وعظمة الموجات المتلاطمة بالصخر وتتركه جافًا ومتصلبًا، ممزقًا وغامقًا، أحمر وفضيًا.

    – أخرجناها في عربة، عبرت بها شارع بيامونتي، بعدها 25 مايو، وكنت أعتني بها دومًا، أحميها، أخبئها. كانوا يريدون انتزاعها مني، أن يفعلوا معها شيئًا. غطيتها بقطعة قماش، كانت معي في مكتبي، فوق دولابي، في مكان مرتفع. وعندما كانوا يسألونني من كانت، كنت أقول لهم رسولة قرطبة، صوت الحرية.

    لا أعرف أين الكولونيل. أبحث عن الانعكاس المفضض، الحدقة الحمراء. ربما خرج. ربما يتجول بين الأثاث. تفوح في البناية، بشكل غامض، رائحة حساء في المطبخ، رائحة كولونيا في الحمّام، رائحة حفاضات في المهد، رائحة علاج، رائحة سجائر، رائحة حياة، رائحة موت.

    – السماء تمطر- يقول صوت غريب.

    أنظر للسماء: الكلب سيريو، الصائد أوريون.

    – تمطر يومًا وراء يوم- يقول الكولونيل-. تمطر يومًا ويوم في حديقة يتعفن بها كل شيء، الورود، الصنوبر، الحزام الفرنثيسكاني.

    أين، أفكر، أين.

    – إنها واقفة!- يصرخ الكولونيل-. سأدفنها واقفة، مثل فاكوندو، لأنه كان ذكرًا.

    حينئذ رأيته، في الطرف الآخر من المنضدة. وللحظة، حين يغرقه الضوء الممتزج، أعتقد أنه يبكي، أن دموعًا سميكة تنهمر على وجهه.

    – لا تعيريني اهتمامًا- يقول، ويقعد-. أنا سكران.

    وتزداد غزارة المطر في ذاكرتي.

    أنهض، أربت على كتفه.

    – إيه؟- يقول- إيه؟- يكرر.

    وينظر لي بارتياب، كسكران يستيقظ في قطار غريب.

    – هل أخرجوها من البلد؟

    – نعم.

    -هل أخرجتها أنت؟

    -نعم.

    – كم شخص يعرف؟

    – إثنان

    – هل يعرف العجوز؟

    يضحك.

    – يعتقد أنه يعرف.

    – أين؟

    لا يجيب.

    – يجب أن أكتبه، أن أنشره.

    – نعم، ذات يوم.

    يبدو مرهقًا، وبعيدًا.

    -الآن!- قلت حانقة- ألا يشغلك التاريخ؟ أنا أكتب التاريخ، وحضرتك ستكون بخير، بخير للأبد، يا كولونيل.

    يلتصق لسانه بفمه، بأسنانه.

    -حين يأتي الوقت المناسب… ستكونين الأولى.

    -لا، بل الآن. فكر. سأنشر في “باريس ماتش”. “لايف”. خمسة آلاف دولار. عشرة آلاف. ما تريده.

    يضحك.

    -أين يا كولونيل، أين؟

    ينهض ببطء، لا يعرفني. ربما يسألني من أنا، ماذا أفعل هنا.

    وبينما أخرج مهزومة، أفكر أني مضطرة للعودة، أو ألا أرجع هنا أبدًا. وبينما يبدأ إصبعي السبابة في هذه الرحلة المنهكة بالخرائط، جامعًة الخيوط الوهمية، الاحتماليات، التواطؤات. وبينما أعرف أنه لا يهمني، وأني تحديدًا لن أحرك إصبعًا، ولا حتى في خريطة، يبلغني صوت الكولونيل كوحي.

    – إنها امرأتي- يقول ببساطة- تلك المرأة امرأتي.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..