1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.
  1. قرابين الآلهة
    ................
    قصة قصيرة
    ................
    جمال الدين علي

    ( الآن كل شيء بات معدا كما يجب). قال وهو يفرك كفيه وتراجع ثلاثة خطوات للوراء عن الطاولة; كان قد حسبها من قبل في مرات سابقة وعدته بالمجيء ولم توفي بوعدها; و بحركة مسرحية تدرب عليها كثيرا هي أيضا انحنى مادا يده وباسطا كفه
    ( تفضلي سيدتي). ابتسم كنادل يدعي الظرف( هذا الورد اخترته بنفسي).
    ولما لم يظفر بشيء; سحب نفسه بلطف مصطنع; وهو يمضي نحو النافذة هز رأسه فالتصقت صورة شفتاه الممطوتان على زجاج النافذة وهمهم( لا أفهم كل هذه العنجهية والتعالي على ماذا؟). رفع أنفه ( إن كانت تظن نفسها أميرة إقليم بفاريا فأنا فارس الشرق الأوسط الكبير). حك مقدمة رأسه( يمكنني لو تهيأ لي الجو أن أكتب قصة أفضل من تلك التي عرضتها عليّ). راح خياله الجامح يقفز فوق المواضيع والأحداث والقصص التي تغص بها مخيلته. فكرّ في كتابة قصة فنتازية البطل الصياد يعيش في الفضاء الخارجي يحمل قوسه ويطارد السماك الأعزل. لطالما حلم بهذه القصة المشوقة و التي استقاها من قصص جدته قبل النوم ولكنه سوف يضيف إليها عنصري المفاجأة والتشويق; لا ينكر أن جدته كانت تتمتع بموهبة تمثيلية فطرية وأنها بصوتها المتعدد الطبقات; كانت تضفي عليها نوع من التشويق والإثارة والحنية; ولكنه للأسف كان ينام في كل مرة قبل أن تصل الجدة للخاتمة; لذا فهو سوف يكون سريعا ومفاجئا وفجا في بعض الأحيان في سرد التفاصيل و بذا لن يضطر إلى التكرار بصوت الجدة الرتيب. شعر بتيار غامض يسري جسده; فمشى بخيلاء من مكانه ووقف فوق الطاولة حيث تخيل أنها ما زالت هناك تعيد ترتيب مكياجها. رفع صدره لأعلى وهو يأهب نفسه لفتح الباب و القول بثقة مفرطة( هيا لو سمحت تفضلي ولا تعودي إلى هنا مرة أخرى). أغلق الباب; أسند ظهره إليه وأغمض عينيه; شعر براحة كبيرة. ابتسم وهو يستمع لصدى صوت الشخوص و الأحداث و التشويق والإثارة التي اعتمد عليهما البناء الهرمي لقصص ما بعد الحداثة.
    أسرع إلى الطاولة; سحب المقعد وجلس ينتظرها; بعد برهة تذكر أنه كان جلفا وقد طردها من غرفته للتو. هرول نحو النافذة; فتحها; ألقى نظرة; لمحها عبرت الشارع واستقلت ريحا حمراء كانت تنتظرها عند الناصية المقابلة. نفخ وأرسل لعنات وبذاءات قطعا لم تسمعها حيث أن الريح كانت تهب من الشمال للجنوب; مما جعل سبابه وبذاءته رذاذ أوهام أحسها وحده. مسح وجهه و أمسك برأسه وأخذ يلف ويدور في فضاء الغرفة. رشقة من أصوات السابلة ضربت ضلفة النافذة المفتوحة وارتطمت بأذنه قبل أن تختفي في دهاليز دماغه كحلم باهت. أوصد النافذة; فسقط مزلاج هجسه. ( لكنها قطعا ستحضر هذا المساء; لقد أكدت على ذلك حتى أنها رتبت كل شيء. الحجز والتذكرة و... لا يصح الخوض في أكثر من ذلك).
    بدأت القصة حينما تعثر بها صدفة في إحدى صالات الدردشة; بهرته صورتها التي كانت تضعها; ولما أجرى معها محادثة بالصورة والصوت اندفع قلبه يركض كالمجنون; لقد افتتن تماما بثقافتها الشرقية. ابتسم وهز رأسه( هكذا هم المستشرقون حينما يعشوق شعبا يغوصون في قاع المجتمع; ليسو مثلنا نحن الذين نتأفف من ظلنا). بيد أن جرأتها تلك الأمسية; كانت صادمة له.
    - ها ماذا تفعل هذه الأيام؟
    - أكتب قصة.
    - أها تكتب قصة هذا جيد! أنت كاتب إذن؟
    - أيقونة وجه يضع بودرة الخجل على وجنتيه.
    - ما نوع القصة التي تكتبها؟
    تردد في الكتابة.
    - يبدو أنك متردد في إخباري.
    - لا أبدا ليس هذا. كل ما في الأمر أنني لم أحدد بعد فيما أكتب. خيالي يرمح بين الفنتازيا والواقعية السحرية ومع كرهي الشديد لماركيز وموراكمي ولكن يبدو أن عالمنا اليوم لا يخرج من هاتين الثيمتين.
    - ما رأيك لو تكتب عنهما معا. أعني الواقعية السحرية المغلفة بجنون الفنتازيا؟
    - أها فكرة جيدة. كيف لم تخطر على بالي من قبل.
    وهنا رمت بالطعم وتلقفه كفأر نهم. ما رأيك لو جعلنا القصة واقعا بيننا نعيشه نحن الإثنان ونشرك به العالم فيما بعد؟
    - لم أفهم وضحي أكثر.
    - جهاد النكاح.
    - تقصدين...
    - نعم.
    اندلق لسانه خارج فمه وسالت منه رغبة مجنونة; وهو في قمة النشوة ضرب لوحة المفاتيح; فانقطع الاتصال. وجلس مشدوها ينظر إلى الشاشة التي تحولت في نظره لوجه فتاة فاتنة تغمز له بعينها.... يفكر في الكلمة اللغز والحل. قضى ثلثى عمره يحلم بهذه الكلمة الأسطورية (النكاح). كل ما علق بذاكرته المراهقة عنها; تلك الهمهمات والضحكات التي كان يطلقها الصف حينما يتلفظ بها أستاذ التربية الاسلامية; وكانوا لحظتها يذوبون من الخجل وكأنه تعرى أمامهم. يذكر أيضا تلك التعاليق المتهكمة التي كانوا يطلقونها على زميلهم بالمدرسة كلما مروا ببيته وقرأوا اللافتة الكبيرة المعلقة على الجدار( عبد الودود مأذون الأنكحة الشرعية). وحينما أكمل دراسته الجامعية وفكر بجدية في موضوع الزواج; اصطدم بجدار العطالة و بتلك المطالب التعجيزية التي يضعها حماة الفضيلة; فكره الكلمة الأسطورية وجارهم عبد الودود بالذات. الآن وقد راودته الأساطير بشحمها ولحمها في صورة فتاة ألمانية شقراء; فلن يفرط فيها. لديه مسوغ ديني وشرعي. في السابق أراد أن يكمل نصف دينه الآن سوف يركب فوق سنام الاسلام حسبما قال إمام المسجد ذات خطبة. مسح على شاربه الذي شعر به استطال ( لا و ألمانية). ود لو يلتقي بالشيخ الذي أصدر تلك الفتوى. لا يدري ما الذي سيفعله أو يقوله له ولكنها رغبة جامحة اجتاحته مثل رغبته المجنونة للانطلاق في ركب جهاد الرغبة هذا المساء. شغل التلفاز; لطمه صوت المذيعة ومناظر القتل والدمار. شعر بالاثارة فكّر بسرعة ( لا لن تكون هذه حالنا بعد اليوم). وكأنه الممثل الوحيد وقد استولى على خشبة المسرح; شرع يديه وفتح صدره وأطلق العنان لصوته( أنا قادم إليك; أيتها الحور العين. فيك جنتي وسعادتي. قادم إليك ممتطيا خيول الرغبة و شاهرا سيف الشهوة. سأمزق زيف الماضي وأحلام المستقبل. لن يقف في طريقي أحد).
    شعر بالحماس وهو يسمع هتاف الجمهور الوهمي; وحديث صديقه الذي يعيش في فرنسا: تستطيع أن تلف أوربا كلها ببطاقة قطار كما يمكنك عبور المحيط إلى أمريكا وهناك تحصل على تأشيرة الدخول بالمطار.
    هتف بنشوة النصر( يمكنني إذن أن أطوف أوربا كلها في شهر العسل وفي كل رحم أضع بذوري). فرقع أصابعه( هكذا ببساطة وأنطلق لأرض بكر أخرى). مسح حبات العرق ومشى نحو نهاية الصالة التي بذهنه حافة خشبة المسرح القريبة من الجمهور ( أين ستهربين مني ياحاملة شعلة الحرية; من يحتاج إلى النور في ليلة كهذه. لا يحتاج إنجاب أبناء وبنات الأفكار إلى نور.). تلفت في الصالة وكأنه يهيئ خيال الجمهور. الكراسي والطاولة والتلفزيون و فنجان القهوة وعلبة السجائر.
    ( انجاب ذرية صالحة كتلك يحتاج إلى.........).
    وفجأة سمع طرقات بالباب. بريق الكلمة الأسطوري لمع بعينيه. ( هااا لقد أتت اللحظة إنها هي.. إنها هي). قال مبتسما و مخاطبا الصمت. هرول نحو المنضدة الجدارية; رش عطر الغواية على صدره وعنقه وفي كفه ومسحها بالأخرى; واستنشق عبير الأمسية الجهادية الحمراء; ألقى نظرة أخيرة على صورته في المرآة وعلى الطاولة المعدة بشوق; فتح الباب; فاندفعت عاصفة الأصوات المقنّعة.