نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ ترجمة أحمد عبد السلام البقالي ـ السيد أجرة

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

  1. كنت أنا وزميلي "لاري" مهندسين في معمل الغاز، أي كاتبين صغيرين، فكل شيء يمكن وصفه بعمل كتابي كان يوضع على المكتب المستطيل الذي نجلس حوله متقابلين، وكانت الإدارة المركزية بالمدينة قد أرسلت إلينا مجموعة محيرة من الأوامر والقوانين لتطبيقها.
    ولم يكن أحد ينظر إلى صغار المهندسين بعين الاعتبار إلا عمال المصنع المكسيكيون. وكنا نحن بالنسبة لهم الشكل المرئي لمستخدم بعيد لا يمكن معرفته. كنا "السيد أجرة".
    كان أولئك المكسيكيون عمالا ممتازين، وكان الأريستوقراطيون بينهم هم الوقادون، وهم رجال ضخام كانوا يعملون بالتناوب ثماني ساعات "هرقلية" في حرارة المعارج اللافحة. كانوا يغرفون الفحم بمجارف ضخمة ويرمونه داخل أبواب صغيرة بتصويب دقيق. كان الفحم ينساب من المجارف كماء أسود من أنبوب بقوة هائلة، دون أن يخطئ الفتحة الضيقة أبدا. كانوا يعملون نصف عراة باعتزاز وكرامة. لم يكن يستطيع القيام بذلك العمل إلا القليل من الرجال، وكانوا هم ذلك القليل.
    وكانت الشركة تدفع أجور عمالها مرتين في الشهر فقط، في الخامس من الشهر، وفي العشرين منه. وكان هذا سخف بالنسبة للمكسيكيين. فأي رجل يستطيع الاحتفاظ بفلوسه مدة نصف شهر كامل؟ فلو احتفظ بفلوسه أطول من ثلاثة أيام فهو بخيل، ومتى، يا سيدي، كان دم الإسبان يجري في عروق بخيل؟ ولذلك كان من عادة عمالنا أن يظهروا كل ثلاثة أو أربعة أيام لسحب ما لهم على الشركة.
    كانت ثمة مرونة في قوانين الشركة فكنت أنا و "لاري" نبعث بالأوراق المطلوبة للإدارة المركزية فنتسلم تسبيقات من أجور العمال. وفي أحد الأيام تفضلت علينا الإدارة المركزية بمذكرة نصها:
    "لاحظنا أنه يوجد استغلال شنيع لامتياز التسبيقات من الأجور. لذلك، من الآن فصاعدا سوف لن يعطى تسبيق لأي مستخدم إلا في حالة استعجال حقيقية".
    وما كدنا نفرغ من تعليق الإعلان حتى دخل الوقاد "خوان كرثيا"، وطلب تسبيقا، فأحلته على الإعلان. وتهجاه ببطء ثم سأل:
    "ما معنى (حالة استعجال حقيقية)؟".
    فشرحت له بصبر أنه رغم طيبة الشركة وعطفها على عمالها فقد كان من المضايق صرف أجورهم كل بضعة أيام. أما إذا كان أحد مريضا أو احتاج أجرته لسبب ضروري جدا، فالشركة مستعدة لصرف الأجرة بطريقة استثنائية.
    فأدار "خوان كرثيا" طربوشه مليا في يديه الكبيرتين وقال:
    "لا آخذ فلوسي؟".
    قلت: "يوم صرف الأجور، يا خوان، يوم عشرين".
    فخرج صامتا، وشعرت بالخجل من نفسي. ونظرت إلى "لاري" عبر الطاولة فتفادى نظرتي.
    وفي الساعة التالية دخل وقادان، فنظرا إلى الإعلان، وطلبا شرحه ثم خرجا في وقار، ولم يأت بعدهما أحد. والذي لم نعرفه هو أن "خوان كرثيا" وزميلاه نشرا الخبر فأصبح كل مكسيكي يشرح لصاحبه الأوامر الجديدة:
    "للحصول على الفلوس الآن، ينبغي أن تكون الزوجة مريضة، ولابد من شراء دواء للطفل".
    وفي الصباح التالي كانت امرأة "خوان كرثيا" على فراش الموت، وأم "مندوشا" لن تعيش لآخر النهار، وكان هناك وباء حقيقي بين الأطفال، ولكسر الرتابة كان هناك أب مريض وكنا فعلا نعتقد أن الرجل العجوز كان حقيقة مريض، إذ ما كان لأي مكسيكي أن يفكر فيه. وعلى كل حال، لم نكن أنا و "لاري" نتقاضى أجورنا لنتدخل في أمور الناس الشخصية، لذلك أتممنا الأوراق المطلوبة، وأضفنا سطرا يصف "حالة الاستعجال الحقيقية". وتقاضى عمالنا أجورهم.
    واستمر ذلك مدة أسبوع..
    وبعد ذلك جاء أمر جديد، قصير واضح: "من الآن فصاعدا ستصرف الأجور يوم الخامس ويوم 20 من الشهر فقط. ولن يكون هناك استثناء إلا في حالة العمال الذين يتركون العمل مع الشركة".
    وعلقنا الإعلان على الخشبة وشرحنا معناه بحزن:
    "لا يا "خوان كرثيا".. لا نستطيع تسبيق أجرتك.. نحن آسفون عن حال زوجتك وبني أعمامك وأخوالك، ولكن هناك قانون جديد".
    فخرج "خوان كرثيا" وفكر في الموضوع فكر فيه بصوت عال مع "مندوثا" و "كونثالين" وبقية الزملاء، ثم عاد في الصباح ليقول:
    "سأترك العمل في هذه الشركة لعمل آخر. هل تدفعون لي أجرتي الآن؟".
    فحاولنا رده عن إقراره وإقناعه بأنها شركة حسنة، وأنها تحب مستخدميها كالأطفال ولكن في النهاية اضطررنا لدفع أجرته له لأنه ترك العمل.
    وكذلك فعل الباقون.. أحسن وقادين.. ورجال لا يعوضون.
    ونظرت أنا و "لاري" إلى بعضنا البعض، كنا نعرف ما سيحدث خلال بضعة أيام.. فقد كان أحد واجباتنا أن نقعد في صف التأجير كل صباح باكر لاستئجار العمال العابرين للأشغال اليدوية. وكنا نقبل أي رجل يأتي إلينا ماشيا ويطلب عملا دون أن يسقط على الأرض ولم نستأجر من قبل عمالا ماهرين في الوقادة لمثل هذه الأعمال اليدوية العابرة حتى الآن.
    في ذلك اليوم كان "الوقاف" يفرك يديه ويتساءل عما إذا كان عليه هو شخصيا أن يجرف الفحم الملعون، بينما ينتظر في صف العمال العابرين وقادون مهرة مثل كرثيا ومندوثا وآخرون.
    كل يوم كان يقف صف من الوقادين يستقيلون من العمل ليعودوا في اليوم التالي لطلبه.. وأصبح عملنا الإداري معقدا جدا، وفي الإدارة المركزية كانوا يقفزون من الحيرة. لرزمة أوراق "خوان كرثيا" يستقيل من العمل ثم يعود إليه مرة بعد أخرى كان أكثر مما يحتملون. وأحيانا كانت الإدارة المركزية تضع "كرثيا" على لائحة الأجور مرتين في نفس الوقت حين تبطئ كاتبة في تسجيل استقالته من يوم أمس وكان هاتفنا يرن كثيرا ومبكرا.
    وكنا نشرح بصبر وحلم أننا لا نستطيع أن نفعل شيئا إذا أراد رجل أن يستقيل. وإذا كان هناك وقادون يحتاج إليهم المصنع يقفون على بابه، فإننا نستخدمهم".
    وأصدرت الإدارة المركزية أمرا آخر في غمار فوضاها. وحين قرأته صفرت. وقال "لاري" وهو ينظر إليه:
    "سيصبح الهدوء مخيما حولنا".
    جاء في الأمر: "من الآن فصاعدا لا يمكن إعادة استئجار عامل استقال إلا بعد مرور مدة 30 يوما".
    وجاء دور "كرثيا" ليستقيل مرة أخرى، وحين دخل أطلعناه على الأمر الجديد وشرحنا له أنه لن يكون لوقوفه في صف العمال غدا أي جدوى إن هو استقال اليوم.. وأضفت:
    "ثلاثون يوما مدة طويلة يا خوان".
    كانت مسألة خطيرة بالنسبة إليه فذهب ليعطيها قسطا من تفكيره. وكذلك فعل بقية زملائه. وفي النهاية عادوا جميعا واستقالوا.
    وقد بذلنا جهدنا لصرفهم عن الاستقالة وحزنا جميعا للفراق. هذه المرة كانت حاسمة.. فتصافحنا بوقار، وقالوا لنا إنهم كانوا سعداء بمعرفتنا. ونظرنا أنا و "لاري" إلى بعضنا البعض حين ذهبوا ونحن على علم أن أحدا منا لم يساعد الإدارة المركزية على الفوز في هذه المبارزة.
    كان يوما حزينا..
    المهم، أنهم في الصباح كانوا جميعا يقفون في صف المستخدمين. وبجد كبير أخبرني "كرثيا" أنه وقاد يبحث عن عمل.
    فقلت: "خوان، نحن لا نلعب، ارجع بعد ثلاثين يوما.. لقد أنذرتك".
    وسلط عينيه مباشرة على عيني دون أن يرمش، وقال:
    "سنيور، لابد أن هناك خطأ ما. أنا "مانويل هيرنانديس" أعمل كوقاد في "بويبلو" وفي "سانتافي" وفي أماكن عدة..".
    وحملقت فيه بدوري، متذكرا الزوجة المريضة، والأطفال بلا دواء، والحماة في المستشفى وتكرر الاستقالات من العمل والعودات إليه، وكنت أعرف أن هناك معمل غاز في "بويبلو" ولم يكن هناك أي في "سانتافي"، ولكن من أنا حتى أجادل رجلا في صميم اسمه؟ الوقاد وقاد..
    واستأجرته. واستأجرت كذلك "كونثاليس" الذي أقسم أن اسمه كان "كاريرا" و "أيالا" الذي أصبح اسمه، بكل وقاحة "سميث".
    وبعد ثلاثة أيام بدأت الاستقالات.
    وفي بحر أسبوع كانت لائحة أجورنا ككتاب لتاريخ أمريكا اللاتينية. كل اسم معروف كان فيها حتى "سان مرتين" و "يوليفار".
    وفي النهاية، تعبنا أنا و "لاري: من النظر إلى وجوه مألوفة، وكتابة أسماء غريبة، فذهبنا إلى المشرف الأعلى وقلنا له القصة بكاملها. وحاول ألا يبتسم وقال:
    "كلام فارغ".
    وفي اليوم الثاني أزلنا الأمر من لوحة الإعلانات، ونادينا أبرز وقادينا إلى المكتب وأشرنا إلى اللوحة..
    لا أوامر بعد اليوم.
    وقال "لاري" بحزم:
    "حين سنستخدمكم في المرة القادمة، ينبغي أن تختاروا الاسم الذي تفضلونه، لأنكم به ستبقون في سجلاتنا".
    ونظروا إلينا ثم إلى لوحة الإعلانات، وعندئذ ولأول مرة بعد المبارزة الطويلة، لمعت أسنانهم البيضاء وهم يقولون بسرور:
    "سي سنيور".
    وكذلك كان.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..