نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ اليد على الحلقوم

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. كان ذلك في أيام "السيبة" قبل مجيء الفرنسيين إلى هذه البلاد بعدة سنوات
    البرد قارس والثلوج تتساقط باستمرار على قمم الجبال الشاهقة وفي منحدراته، وفي الوادي حيث تجمعت القرية كلها حول دار القائد علال، يخيم ظلام دامس وسكون رهيب لا يقطعه من حين لآخر إلا نباح الكلاب وصفير الرياح العاتية ولا يسمع أي صوت للبشر، وغم كون القصبة آهلة بالسكان.
    وفي هذا الفضاء القاتم، دوت بغتة بين منعرجات الأطلس الكبير طلقة نارية قوية، وكان دويها ينذر بأنها انطلقت من بنادق عديدة، وفي الحين، انقلبت القصبة الهادئة الصامتة إلى سوق حامي الرواج وخرج النساء في زينتهم، وخرج الأطفال وملأوا الممرات التي سيمر منها القائد علال إلى داره، واحتل أصحاب الدفوف والمزامير مراكزهم العادية وعمت الزغاريد والأفراح، وانطلقت الألسنة من عقالها.
    وكان من عادة القائد علال، وهو من زعماء "السيبة" في الأطلس الكبير، أن يعلن عن رجوعه، كلما عادة من غارة على الأعداء والمخالفين، بواسطة طلقة نارية قوية يشارك فيها كل أصحاب البنادق ويتردد صداها في الوادي بين النجود والوهاد، فيخرج النساء مع أطفالهن في زغاريد متتالية وهن فرحات بعودة أزواجهن، وخائفات في آن واحد من سماع خبر موتهم أو فقدانهم، ولكنهن على كل حال مستعدات لينقلبن في الحين من الغناء إلى البكاء ومن الفرح إلى الحزن.
    وبدأ أهل القصبة، المعلقة في حضن الجبل، يسمعون تصاهل الخيول ووقع حوافرها على الأرض المكسوة بالجليد، وأخيرا، ظهرت جموع الفرسان أمام باب القصبة يتقدمهم القائد علال، وكلهم ملتحفون في برانيسهم الصوفية، متقلدون للبنادق الطويلة والخناجر الفضية اللماعة، ولا يرى من تحت عمائمهم الكثيفة إلا أحداق ذات نظرات مخيفة.
    أما القائد علال، فكان يتميز عن الكل بقامته المديدة وبهيئته وطلعته المهيبة، وكان يحدق فيمن حواليه بعينين يتطاير منهما الشرر ويعلوهما حاجبان كثيفان كبيران قد اختلط فيهما الشعر الأسود بالأبيض.
    وتقدم الشيوخ والكهول يسلمون عليه، بينما الدفوف تضرب والمزامير ترقص الهواء، والرجال والنساء يتجاوبون في حوار غنائي تساري الإيقاع، ودخل القائد علال إلى القصبة وتبعه الفرسان، ثم جاء من بعدهم الجرحى وهم محمولون على ظهر البغال، وأخيرا الأسرى والسبايا والمغانم والأسلاب والاخراج الكبيرة المملوءة برؤوس الأعداء التي قطعت أثناء المعارك والتي ستعرض على القبيلة في حفلة كبيرة تلعب فيها الفرسان ويطلق الرصاص.
    دخل القائد علال إلى داره ودخل معه أصحابه الذين رافقوه في غزوته، وكذلك أعيان القصبة، فملأوا صحن الدار التي هي في الواقع قصر عظيم، شاهق البنيان يحتل أكثر من نصف القصبة.

    وانتهى النساء من غنائهن وزغاريدهن، وكان الخدم مصطفين أمام القائد علال ينتظرون منه أدنى إشارة وتفرس القائد في وجوه الحاضرين على ضوء الشموع والقناديل الزيتية وقال لهم:
    "رجعنا إليكم والحمد لله، منتصرين، لقد غلبنا العدو في كل قتال نشب بيننا وطاردناه في الوديان والجبال، وقتلنا منهم عددا كبيرا، وقد أخذنا معنا أكثر من سبعين راسا سترونها غدا في حفلة "البارود" وما أتأسف إلا على الذين لم يحضروا معنا في هذه الغزوة، أما نحن فلم نفقد من جانبنا إلا عشرة رجال، رحمهم الله رحمته الواسعة، وإن أبناءهم سيصبحون أبنائي ونساءهم سيكونون تحت حمايتي ورعايتي.. والآن أطلب منكم، يا إخوتي ويا أبناء عشيرتي أن تبقوا كلكم عندي حتى تتناولوا العشاء".
    ثم التفت إلى الخدم ونظر إليهم نظرة السيد وقال: "هيا، قدموا للناس الطعام".
    وتفرق الحاضرون في الحجرات الفسيحة حيث نصبت لهم فيها بعد القصاع الكبيرة المملوءة بالطعام، بينما دخل القائد علال إلى بيت نسائه، حيث كانت تنتظره حفلة أخرى هي أحب إلى نفسه وأشهى.
    فقد اعتاد كلما عاد من غزوة، أن يدخل بإحدى الكواعب الأبكار المختارة من بين بنات القبيلة الموصوفة بالجمال والأصالة، وقد حرص في المرة الأخيرة أن يختار هو بنفسه الفتاة التي ستزف إليه ليلة رجوعه من مغامراته الحربية.
    وبالفعل، فما أقبل على صحن البيت حتى وجد نساءه الكثيرات مصطفات وبأيديهن الدفوف والدرابيك وهن في إيقاع حار ملتهب يرددن أهازيج الترحيب والفرح، واخترق صفوفهن شامخ الأنف واتجه نحو القبة، وتبعته امرأة بدا يطفو على وجهها ماء الكهولة، ودخلت معه إلى القبة، وما أن استوى به المجلس حتى انحنت عليه لتقبل يديه، فأشار إليها بالجلوس وقال:
    كل شيء مهيأ، يا فاطمة؟
    ـ نعم، سيدي، كل شيء مهيأ.. ولعلك، محتاج إلى تناول شيء من الطعام أولا؟
    ـ لا.. هاتي البنت.. والطعام معا
    ـ حالا، سيدي
    ولكنها ما وقفت حتى تذكرت شيئا مهما، وقالت: "ولكن، يا سيدي، لا بد أن تعلم أن..
    فقاطعها مغضبا: قصي علي الأمر فيما بعد.. هل فهمت؟
    وخرجت المرأة وهي لا تكاد تصدق بخروجها سالمة من بين يديه، وغابت برهة وجيزة وعادت وبجانبها الفتاة العروس وهي ممسكة بيدها وخلفها الخدم يحملون أطباق الطعام والنساء خارج القبة مسترسلات في الأهازيج والأغاريد والتراجبع.
    وضع الخدم الأطباق في أحد أبهاء القبة، ثم خرجوا سراعا، وعند ذلك اقتربت فاطمة وبجنبها الفتاة وهي تشجعها وتقول لها: "افرحي، يا يزة واسعدي، إن القائد سيحبك أكثر منا جميعا، وسنكوني أثيرة عنده، عزيزة لدية .. ابسمي واضحكي، فالقائد يحب في المرأة أن تكون طروبا لعوبا ضحوكا .. وجميلة بالطبع، وإذا كانت كذلك، فإنه يعطيها كل ما تتمناه.
    وكان القائد ينظر إلى عروسه نظرة جدية ليس فيها ابتسام، ولكنها نظرة فيها كثير من الرضى والارتياح، نعم، إن العروس أجمل مما كان يتصور، ولكنها صغيرة لا تعرف ما يراد بها، يدل على ذلك ارتعاشها وقفزان صدرها.
    وما هو إلا أن قام القائد إليها وأمسكها من ذراعيها وأجلسها إلى جنبه، وانسلت فاطمة وخرجت إلى النساء تأمرهن بهز "عمارة" جديدة بالدفوف و"التعاريج".
    وهكذا، دخل القائد علال بعروسه الجديدة وسط الأناشيد والزغاريد وبين أهليه وذويه ونسائه ووسط أعيان القبيلة ووجهائها.
    وبعد ساعة خرج من القبة وتوجه إلى الحمام واغتسل ودخل إلى حجرة بجنب الحمام يستريح فيها، وصلى ما فاته من أوقات، وعند ذاك دخلت عليه فاطمة وهي من أولى زوجاته وأذكى نسائه وتفرست في وجهه خفية وفهمت أنه قلق من شيء، فقالت: إنك، يا سيدي، متعب، وفي حاجة إلى شيء من النوم والراحة..
    ـ لا، لا..
    أو لعل، سيدي، غير راض عن عروسه وأنكر منها شيئا؟
    ـ لا، لا، بالعكس.. ايه، يا فاطمة، الآن، يا فاطمة أعيدي علي قصتك.
    ـ كنت أريد أن أخبرك أن يزة لما ذهب أصحابك ليأتوا بها وأخرجوها من بيتها، تعرض لهم ابن عمها في الطريق ومعه صاحبان له، وأوقفهم، وأمرهم بأن يتخلوا عن البنت لأنه خطبها من عمه ووعده بها، وطلب منه أصحابه أن يتركهم وشأنهم ويفسح لهم الطريق، فلم يقبل، ونشب بين الفريقين جدال انقلب إلى قتال، وقد وقع ابن عم يزة في الأسر، وهو الآن سجين في المطمورة التي بجنب الدار، وكنت أريد أن أشير عليك بإطلاق سراحه حتى تكون يزة منشرحة النفس طيبة الخاطر، وقد حدثتني هي نفسها في الموضوع واستعطفتني.
    وسكت القائد برهة ثم قال وعلى وجهه إمارات الاحتقار والغضب: "قبحكن الله، يا نساء، فما أوهى عزائمكن وأضعف قلوبكن وإيمانكن.. والله، لولا إني مصاب بداء الحلم لقطعت رأسك ورأسها، وجعلتكما عبرة لنساء القبيلة، ولكن، انذريها أنها إن عادت إلى الخوض في هذا الموضوع، فإنها لن تأمن غائلتي..
    أما ابن عمها، فقد ساقته الأقدار إلى الموت.
    وبهتت وجحظت عيناها لما سمعت ذكر هذه الكلمة، ولم تتمالك أن صاحت: الموت! الموت! الله! الله!
    ـ نعم، نعم، الموت.. إنني أحارب الأعداء خارج القبيلة، ولا أريد أن يكون لي أعداء في داخلها..
    انصتي، إني سآمر بقتله الآن، والذي أطلبه منك هو أن تقولي ليزة إني أطلقت سراحه وأمرته بالخروج من القبيلة والابتعاد عن الأطلس بالمرة.
    وسكتت فاطمة، وسكت القائد علال برهة من الزمان، وتفرست فاطمة في وجه زوجها وكانت أعرف الناس به، وقرأت في ملامحه أن هذه المرة لم يعد راضيا، مرتاحا من غزوته، فلم تتمالك أن بادرته قائلة:
    ـ والله، يا سيدي، إنك لم تعد مسرورا فرحان من رحلتك.
    ـ ومن قال لك هذا؟
    ـ هذا ظاهر على وجهك؟
    ـ ذلك لأني لم أقتل ما يكفي من الأعداء.
    فأجابته متعجبة: وهذه الاخراج الملأى بالرؤوس المقطوعة، وهذا العدد الضخم من الأسرى والسبايا؟ أليس ذلك كافيا؟
    فارتعش شارباه، وقال لها وقد التقى حاجباه وتقطب جبينه: والله لو قتلت كل هذه القبائل المجاورة، ما كان ذلك يشفي غليلي، وما دام القائد ابراهيم حيا يرزق، فلن يطيب لي منام.
    ـ ومن هو القائد ابراهيم، يا سيدي، حتى تعبأ به وتحسب له كل هذا الحساب؟
    ـ إنه نذل، خسيس، لئيم، ولكنه ما دام معتصما برؤوس الجبال، وما دام يسبني وينتهك حرمتي وأنا لا أعرف الراحة ولا يهدأ لي بال.. لقد دانت لي القبائل المجاورة، وأصبح القواد من أقصى سوس إلى بلاد الحوز يخطبون مودتي ويهابونني، ولم يبق إلا ابراهيم ذلك الوغد السافل .. ولا بد لي من رأسه، طال الزمان أم قصر.
    ـ مع مثل هذا الرجل لا تنفع إلا الحيلة.
    ـ وأي حيلة؟
    ـ لا بد أن توجد حيلة تقضي عليه، وقد قيل قديما: رب حيلة أنفع من قبيلة..
    وسكتت برهة، ثم قالت بقوة وحماس: وإذا دللتك على حيلة ناجعة، ماذا يكون جزائي؟
    ـ اطلبي ما تريدين..
    ـ أنا لا أطلب منك شيئا لنفسي، لا مال ولا حلي.. وكل ما أرجوه هو أن تطلق سراح ذلك الشاب ابن عم "يزة".
    فنظر إليها متعجبا وقال: إتك لمشغولة القلب بهذا الشاب، هل هو من أقاربك؟
    ـ لا ولكن، يا سيدي، ليس له ذنب إلا كونه يحب ابنة عمه.
    ونظر إليها القائد نظرة ملؤها الغطرسة وقال: أنا ليس من عادتي أن أسامح وأصفح.. ولكن في هذه المرة سأحاول، على شرط أن تكون حيلتك ناجحة، فإذا ما قبضت على القائد ابراهيم وأتيت به مكبلا، مسلسلا، فسأطلق سراح ذلك الشاب الجريء، وإلا فلن يكون حظه إلا الموت، هل فهمت، هل فهمت؟
    ـ نعم سيدي
    ـ والآن، ما هي حيلتك؟ أشيري علي بها وعجلي
    ـ إن أذنت لي يا سيدي، أن أخرج لأتصل بأخي فإن له دورا مهما يقوم به في هذه المسألة، ثم أعود لأبين لك ما استقر عليه رأينا.
    ـ تخبئين علي، يا ملعونة! قومي لعنك الله، ولك أجل إلى غد عند آذان الظهر، فإذا لم تعطيني جوابا، فأنا في حل من قتل الشاب، والآن قولي ليزة أن تأتي حالا عندي.
    وفي الغد، عند الضحى، دخلت فاطمة على القائد ومعها أخوها عسو المدعو "القنفذ" لكثرة ما ينكمش في جلسته وهيئته، وكان القنفذ أحد أدباء الأطلس الشعبيين، شاعرا، مضحكا، ماجنا، منشدا، ومغنيا، يتجول بين القبائل ويجلس مع القواد والكبراء في خلواتهم، مقبولا لدى الجميع لنكتته وخفة روحه، وإلى جانب هذا، كان رؤساء الأطلس يستشيرونه في المسائل الجدية، فيجدون لديه الرأي السديد والفكرة الثاقبة.
    واستقبله القائد بشوشا: على سلامتك، يا قنفذ، ما بالك لم تحضر البارحة؟
    وحدق فيه القنفذ بعينين ساخرتين: وهل بحثت عني؟ وهل أنا امرأة جميلة حتى أتقدم إليك ليلة عودتك؟
    ـ قاتلك الله، أنت لا تعرف إلا الضحك والمزاح، ولا يعرف الهم إلى صدرك طريقا.
    ـ وماذا يفعل الهم برجل مسكين مثلي، هو لا يحب إلا مرافقة الكبراء.
    وظلوا في حديث ومداعبة إلى أن قال القائد: لعل فاطمة تحدثت إليك فيما يشغل بالي؟
    ـ نعم، وإذا عملت بمشورتي فستنتهي المشكلة.
    ـ وما هي مشورتك؟
    ـ الرأي الذي ساشير عليك به سيجعل القائد ابراهيم في قبضتك، وسيترك لك الخيار بين أن تقتله أو أن تتخذ منه صديقا، والرأي عندي هو أن تتخذ منه صديقا.
    ـ ولماذا؟
    ـ لأن القائد ابراهيم يستحق ذلك، أنت لا تعرفه، أما أنا، فلي معه صحبة قديمة تتجاوز العشرين سنة، وإذا انصت لي واسكت العداوة في قلبكن فسأتكلم لك عنه بكل إنصاف وحق، إنه رجل شهم، شريف وهو أحسن من كل هؤلاء القواد الذين يحيطون بك، لأنه ليس بالمنافق ولا بالغدار، وكلمته كلمة الرجال، وإذا ما رأيته استمر في حربك، فلأنه لا يرضى أن يخضع للقوة، ولو أظهرت له الاستعداد للصلح والصداقة وظهر له منك العزم الصادق، فإنه يمد إليك يده ويعتمد عليك، هذا هو القائد ابراهيم.
    ـ والآن، ما هي خطتك؟
    ـ خطتي هي أن تزوجه إحدى بناتك، وإذا ما تم ذلك نشأت بينكما الثقة، وإذا ما قدم عندك، فلك أن تفعل به ما تشاء.
    فأجابه القائد مستنكرا: هرمت يا قنفذ وخرف عقلك ولو يبق لك رأي.
    ـ ولماذا؟
    ـ لأنك تقترح علي أن أزوج إحدى بناتي من من ألد عدو لي.. وإذا أمسك بنتي عنده واستمر في محاربتي ورفض أن يقدم عندي كما تقول، فأي وجه سيبقى لي، وكيف تكون حالي أمام الناس؟
    ـ أنا أعرف القائد ابراهيم وأعرف طبعه، وعلى كل حال، إذا وقع شيء مما تخاف، فدونك رأسي فاقطعه.
    ـ ومن سيدبر هذه الخطة؟
    ـ ما عليك إلا أن تكل إلى الأمر، حتى آتي إليك لأخطب بنتك نيابة عن القائد ابراهيم، وكل ما تهتم به الآن هو أن تزودني بما يكفي من المال والزاد وأن لا تكون في ذلك مقصرا مقترا.
    وفكر القائد مليا ثم رفع رأسه وقال بصوت قوي، صوت الذي اتخذ قرارا حاسما: طيب، إني أقبل أن أمشي معك في هذه التجربة، فإن نجحت أطلقت سراح ذلك الشاب وجازيتك بجائزة أترك لك اختيارها، وإن فشلت قتلتك وقتلت فاطمة أختك والشاب أيضا، ففكر قبل أن تجازف بنفسك، وإذا قبلت هذه الشروط جهزتك بالمال وبما يلزم لتذهب حيث ترمي شبكتك.
    ـ أيها القائد، لست في حاجة إلى شبكة، وإنما إلى صنارة، لأننا لا غرض لنا إلا بسمكة واحدة، أما شروطك فقد قبلتها، ولا احتاج معها إلى روية وتفكير.
    وهنا نطقت فاطمة التي ظلت صامتة إلى تلك اللحظة: لعل سيدي يقبل الآن أن يخرج ذلك الشاب من المطمورة ويضعه تحت الحراسة في إحدى الحجرات.
    فنظر إليها شزرا وقال لها بصوت مغضب، ذلك أمر موكول إلي، وتيقني أني لست فظا غليظ القلب.
    فابتدره عسو: هل أفهم من هذا أنه إذا قدم عليك القائد ابراهيم ليصطلح معك، فستمحو من قلبك كل ضغن وستستقبله كصديق؟
    ـ هذه مسألة أخرى نتركها للزمان هو الذي يفصل في شأنها.
    وبعدما اتفق عسو مع القائد على ترتيبات السفر ولوازمه وجهزه بكل ما يحتاجه لمهمته، خرج من القصبة وانصرف على بغله يخترق نجود الأطلس ووديانه، متجها نحو أحد المرتفعات حيث يربض القائد ابراهيم وسط عشيرته.
    جلس القائد ابراهيم وحوله جماعة القبيلة، الساعة ساعة الحكم وفض النزاعات، يتقدم المتحاكمون إليه وهو يفصل في قضاياهم بسرعة، وأعضاء الجماعة لا ينبسون ببنت شفة، ذلك أن القائد ابراهيم كان في نفس الحين قاضيا موفقا موهوبا يهتدي بسرعة إلى الأحكام التي تسوى بها القضايا الشائكة، هذا مع كامل النزاهة والتجرد.
    والواقع أنه ما كان أحد، سواء من أعيان القبيلة أو غيرهم، يستطيع أن يجرؤ على القايد ابراهيم لأنه يفوق الجميع بدمائة أخلاقه وشجاعته ورجولته وتواضعه وإيثاره وكرمه وأحسانه، وقد بلغ من السخاء مع الضعاف والمحتاجين أنه صار في الآخر لا يملك أي ثروة شخصية، إلى جانب هذا فقد كان شابا بهي الطلعة مهيب السمت.
    وكان آخر من تقدم غليه في ذلك اليوم للتحاكم شخص محدودب الظهر، معتم بعمامة غريبة، ملثم، اقترب منه وهو يتكئ على عصاه وقال له: لقد بقيت أنا الآخر، أيها القائد، لأن لي شكاية طويلة.
    فنظر إليه القائد متعجبا وقال: ومن هو خصمك؟
    ـ خصمي؟ .. إنك أعرف الناس به .. وأخشى أن لا تأخذ لي منه حقي.
    فحدق فيه القائد متعجبا وقال: قل لي من هو وسأفرجك عليه.
    ـ إذا كنت تتعهد لي بذلك، فأنا أقول لك من هو .. خصمي أيها القائد هو أنت .. فهل تستطيع أن تنصفني من نفسك؟
    واندهش الحاضرون وازداد تعجب القائد وقال له بقوة: إنك تتهمني أيها الشيخ دون أن تعرفني بنفسك، والآن سنتحاكم إلى الجماعة، فإذا تبين أنك تظلمني فماذا سيكون جزاؤك؟
    وما أتم القائد ابراهيم كلامه، حتى انطلق الشيخ بضحكة عالية مدوية وأزاح اللثام عن وجهه، وكم كانت دهشة الحاضرين عندما عرفوا في وجه الرجل "القنفذ" أحد شعراء الأطلس المعدودين وأحد ظرفائه ومضحكيه.
    وضحك الجميع وقام إليه القائد فعانقه وأجلسه إلى جانبه، والتفت القائد إلى أعضاء الجماعة وقال لهم: أيها الأحباء، أنتم ضيوفي في هذا النهار ما دام الشيخ عسو جاء ليزورنا ويسمعنا من شعره ونوادره.
    وذبحت الأكباش ونصبت الموائد، وكان يوم كله ضحك ولهو وقصف وعزف، وكلما انتهى الشيخ عسو من لون انتقل إلى غيره، مما جعل الحاضرين كلهم ينسون أهليهم وذويهم وينسون كذلك هموم الحياة ومتاعبها ويمرحون في جو كله سرور وسحر وسلو وغرور؟
    وظل القنفذ في ضيافة القائد أسابيع وهو أرغد عيش وأطيب مقام إلى أن اغتنم خلوة مع مضيفه ففاتحه قائلا: بعد هذه المدة التي قضيتها عندك في أحسن ضيافة، لا أخفيك أيها الأخ تعجبي من شيء لا يفارق بالي، والآن ولم يبق لي إلا أن أودعك، لست أرى بدا من التحدث إليك في ذلك بكل صراحة حتى يطمئن قلبي.
    ـ وما الذي يثير في آن واحد تعجبك وتألمك، قل لي بكل صراحة، فأنا أحب أن أسمع الحقيقة.
    ـ الذي يثير تعجبي هو عداوتك مع القائد علال.
    ـ ولمه؟
    ـ لأني أعرف كل واحد منكما حق المعرفة، فكلاكما راشد عاقل، والعاقل لا يقبل أن يصير عدوا إلا لأسباب معقولة، وأنتما أي شيء بينكما؟ حقا لقد كان أبواكما متعاديين، ولكن عداوة الآباء قد تنقلب إلى صلح وصداقة بين الأبناء.
    فأجابه القائد بهدوء وصرامة: لا تحدثني عن صهرك القائد علال، فكلما تذكرت اسمه تذكرت مصائبه واسودت الدنيا في عيني.
    فضحك عسو وقال: سبحان الله، أنتما تتشابهان حتى في طبعكما، فهو كذلك يقول نفس الشيء عندما يذكر له اسمك، ولكن، في الأيام الأخيرة، شعرت أنه يتضايق من هذه العداوة ويحمل هما كثيرا بسببها إلا أن أنفته تأبى عليه أن يصرح بشيء,
    ـ أنصت يا عسو، إن القائد علال وجهك إلي رسولا من عنده، فتفضل وأبلغني الرسالة، وإلا فلنترك الحديث في هذا الموضوع.
    ـ عجبا لكم أيها القواد، أنتم لا تعترفون إلا ببعضكم، فمن جاءكم رسولا من عند قائد مثلكم تنصتون إليه، وإذا جاءكم أحد ليدافع عن ضعفاء ومظلومين تغلقون آذانكم وتسدون في وجهه الأبواب، لست أنا أيها القائد ابراهيم، رسولا من عند القائد علال، وإذا أراد القائد علال أن يوجه إليك رسولا، فلن يختار شيخا خرفا مثلي، وإنما أنا، في الواقع، رسول للثكلى والأرامل واليتامى الذين فقدوا الأبناء والأزواج والآباء في هذه الحروب التي تشعلون نرها أنتم معشر الكبراء، أما ترفقون بهم وتنهون الخصومة فيما بينكم؟
    ـ هل فكرت في ما تقول، يا عسو؟ من المسؤول عن هذه الخصومة؟ ومن بدأها؟ ومن استمر فيها؟
    ـ كل هذه مسائل الحق فيها بجانبك، ولكن، هل من الصواب البقاء على حال كهذه؟ أليس من الممكن إطفاء نار الحرب بطريقة تحفظ لكل من الخصمين شرفه وكرامته؟
    ـ أنصت يا عسو، كلمة أخيرة، إذا كان صاحبك يرغب في الصلح، فأنا لا أقول له: لا، وإنما يجب أن يكون رجلا معي.
    ـ إني متيقن أنه في قرارة نفسه يرغب في الصلح، ولا يحول دون هذا الصلح إلا حاجز العناد من الجهتين، وإذا أدنت لي وتركت نسيم الخير والسلام يهب على نفسك، فسأفكر بما بقي لي من عقل ضعيف، في أشرف طريق للوصول إلى صلح الإخوة وتطهير النفوس من الضغن وأدران العداوة.
    ـ كل ها حسن ولكن، أنا لا أستطيع أن أمد يدي أنا أولا، فلست البادئ بالشر، وعلى كل، فليعلم صهرك أنه إذا أراد الاستمرار في الحرب، فأنا مستعد لها، وإذا جنح إلى السلم، فأنا رهن إشارته.
    وتهلل وجه عسو وانطلقت في تجاعيده ابتسامة تدل على رضى وارتياح، وقال بلهجته المرحة: الحمد لله.. الحمد لله.. إن أجري عند ربي يكون عظيما، فقد ساعدتني الأقدار على حقن الدماء وإصلاح ذات البين.. والله لقد انشرحت نفسي حينما تحققت أن كل واحد منكما له رغبة أكيدة في الصلح، ورجائي إلى الله أن يتم الأمر بينكما على أحسن حال ويستحكم التقارب حتى تنسينا الأيام المقبلة ما مر من ساعات النحس والنكد..
    قال ذلك بلهجة الأولياء الصالحين وبصوت فيه رقة وحنان، ولم يتمالك أن تلألأت في عينيه دمعتان عند ذكره لساعات "النحس والنكد"، وسكت لحظة ثم قال: والآن، أيها القائد المغوار، إذا أذنت لي، فقبل أن أودعك غدا، سنجدد الكلام في هذا الشأن حتى نصل إلى الغاية المنشودة.
    ـ أنصت، يا عسو، أنا لا أريد أن اسمع منك كلمة الوداع، وسيؤلمنا أن تفارقنا هكذا بهذه السرعة، فاجلس، معنا فإن لنا رغبة أكيدة في أنسك وحديثك، أما ما ذكرت، فسيأتي بأجله.
    وقضى عسو أياما أخرى مع القائد ابراهيم، ثم جاء ليوعه وأعاد الكرة من جديد، مرغبا إياه في الصلح عارضا خدمته ووساطته، وصادف من القائد ابراهيم نفسا كريمة وقلبا صفوحا لا يعرف الضغن إليه سبيلا، حيث سمع منه هذا الكلام: إذا وجدت طريقا لإصلاح ذات البين فأنا مستعد لقبولها لا أشترط عليك إلا شرطا واحدا، هو أن يتجنب القائد علال كل اعتداء على أراضينا وأولاد قبيلتنا ويحترم حريتنا.
    فنظر إليه عسو مبتسما ابتسامته العريضة وقال له: ضع يدك يا قائد ابراهيم في يدي، وتوكل على الله وعلى صحبتي، لقد وجدت الطريق، وما أوسعها وأحسنها وأسهلها من طريق، هل عرفتها؟
    ـ لا، والله.
    ـ لقد فكرت وفكرت في الأمر وتبين لي أن أحسن طريقة لإنهاء العداوة هو أن تصبح صهرا للقائد
    ـ هذا أمر صعب، بعد كل ما مر من الأحداث.
    ـ والله ما هو بصعب ولا شاق، وإذا لأنت القلوب من الجانبين فأحسن ما يؤلف بينها هو علاقة الزواج ورباط المصاهرة، وعلى كل حال، فإتمام الأمر موكول إلي، ما دمت قد قبلت أن أكون واسطة خير، وأزيدك ايها القائد أن المسألة لها جانب مغر، أنت لا تعرف عائشة بنت القائد علال، عائشة وما أدراك ما عائشة! صدقني، والله لو رأيتها في جمالها وطول قامتها وبياضها لصحت من غير شعور ورميت بعمامتك ونسيت نفسك والزمان وبقيت تنظر إليها بدون انقطاع، كل هذا مع العقل والعرض والأخلاق وحلاوة الطبع وخفة الروح، والله، يا قائد ابراهيم، ما نلت من الدنيا شيئا إن لم تتزوج عائشة بنت القائد علال.
    فأجابه القائد ابراهيم بدون تفكير: أنا لا أطلب كل هذا، ويكفيني العرض والعقل، قاتلك الله من شاعر، أنت لا تكون مسرورا حتى ترى صاحبك مستسلما أما بلاغتك.. ومعنى هذا أنني لا أرى من جانبي أي مانع من المصاهرة مع القائد علال إذا كان يرغب في صلح حقيقي.
    ووضع القنفذ يده في يد القائد وصافحه بحرارة وإيمان، مفهما إياه أنه متفق معه على كل شيء، وتعانق الرجلان للوداع، وركب القنفذ بغلة مسرجة أهداها إياه القائد ابراهيم وانصرف قافلا إلى بلدته.
    وسارت الأمور بسرعة وبسهولة، عاد عسو فاخبر القائد علال بنتيجة رحلته، فارتاح القائد لما سمع وطلب من عسو أن يعود إلى القائد ابراهيم ليبلغه استعداده للصلح معه وتزويجه من ابنته عائشة.
    وعاد عسو إلى القائد ابراهيم في جبله الشامخ واطلعه على كل ما تم في الأمر، وبعد أسابيع زفت عائشة بنت القائد علال في موكب من فرسان القبيلة ورجالها إلى القائد ابراهيم وكان عرس وكانت أفراح وولائم، تناقلت أخبارها قبائل الأطلس.
    ومرت الشهور والأعوام، ورزق القائد ابراهيم أولادا من عائشة، وأحبها كما أحبته، ووجد فيها أكثر مما قاله عسو ووصفه.
    ونعم الأطلس بالصلح بين القائد علال والقائد ابراهيم، وأمنت السابلة، وتنوسيت الأحقاد، ولحد تلك الساعة لم ينزل القائد ابراهيم إلى صهره ولم يزره، وإنما كانت الرسل تتناقل بينهما بدون انقطاع، وكانت العلاقات على أحسن ما يكون من الود والمحبة، ولم يكن ثمة أي حيطة أو حذر من جانب القائد ابراهيم، وإنما أقعده عن زيارة صهره نوع من التعفف والاحترام، ربما كان ناتجا عن أيام العداوة والحرب.
    وفي ذات يوم جاءت المناسبة ليزور صهره، فقد وجه القائد علال يطلب بنته عائشة أن تزوره هي وأولادها وينزلوا في ضيافته أياما.
    وفهم القائد ابراهيم أن الفرصة سنحت ليتلاقى مع صهره فوجه إليه يخبره بقدومه، وتهيأ للسفر في جماعة صغيرة من أصحابه وساروا ومعهم زوجه وأولاده في منعرجات الجبال، يتنقلون بين الوديان والهضاب إلى أن أشرفوا على قصبة القائد علال، والمؤذن ينادي لصلاة العصر.
    وكان القائد علال في تلك الأثناء جالسا في دهليز بيته مع شيخ يظهر من سحنته وهيئته أنه تاجر أتى من إحدى المدن الحضرية، وكانا جالسين على طنقستين من دوم وهما غارقان في حساب طويل، إلى أن فاجأهما المخزني بدخوله وقال للقائد علال وعلى وجهه علامات الجد: سيدي لقد وصل القائد ابراهيم ومعه العيال والأصحاب، فلم يفكر القائد علال طويلا، وإنما قال له:
    ـ العيال يدخلن عند العيال، والأصحاب ينزلون في ضيافة الخليفة أحمد.
    وسكت، فقال له المخزني: والقائد ابراهيم؟
    فنظر إليه القائد علال بهدوء ووضع أصبعيه على عنقه وأمضاهما من الوريد إلى الوريد، مشيرا إليه بالذبح.
    خرج المخزني والتفت القائد إلى صاحبه التاجر قائلا "لنعد إلى حسابنا" ولكن التاجر كان قد أغمي عليه، فنادى القائد على مخزني آخر وقال له: "رش الحضري بالماء حتى يستيقظ، فسأعود بعد قليل.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..