نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ القصة الملعونة

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. يصل المد والجزر غايتهما القصوى عند منتصف كل شهر قمري.. وعند الجزر الأكبر يهرب البحر عن شواطئ المدينة الساحلية الصغيرة فيترك صخورا سوداء وخضراء ورمادية، ومروجا عميقة زرقاء، وبحيرات كبيرة بين تلال الرمال... وكلها تعكس أشعة الشمس الغاربة بحمرتها وشاعريتها.
    هذا المنظر كان دائما يلهب خيالي ويغرقني في إغفاءة لذيذة كلما شاهدته.
    وفي ذلك الصباح بالذات كان الجزر قد بلغ منتهاه وكنت أقود جماعة من صغار الكشافة نحو الضاحية الجنوبية للمدينة الصغيرة، حيث توجد الكهوف والشقوق المظلمة، التي يعشش فيها الحمام والخفافيش، ويملأها البحر حتى منتصفها عند المد الأكبر..
    وبدأت علامات الإعياء تبدو على الأوجه الصغيرة، وانقطع الحديث، ولم يبق يسمع إلا صوت تكسر الأمواج على الصخور البعيدة داخل البحر..
    ولأصرف أذهانهم عن التفكير في طول المسافة، بدأت أحكي لهم قصة ارتجلت كل حوادثها في الحين... بدأتها بمقدمة حتى أضفي عليه نوعا من الجدية، وأبعد بها عن لغو " مداحي" السوق..
    سألت : "من يعرف العباسة؟" فأجاب أكبرهم : " العجوز العمياء؟".
    قلت : "نعم".
    قال: لقد ماتت، أليس كذلك؟.
    قلت: "نعم منذ عدة أشه.. ولقد أوصت لأبي بصندوق فيه كثير من الوثائق والأوراق القديمة هذه الأيام كنت أنشر محتويات الصندوق على السطح للشمس فعثرت على كراسة بها قصة عجيبة كتبها أحد العدول بخط يده...".
    وسأل أحدهم بلهفة :
    "وما هي القصة ؟".
    وتحنحنت قبل أن أبدأ :
    "القصة بدأت قبل أربعين أو خمسين سنة.. طبعا قبل دخول الاستعمار.. كان بالمدينة صياد شاب يدعى " شويدن" من أقارب العباسة، كان يعيش هو وعائلته في فقر مذقع.. يعمل صياد سمك في الصيف وحائكا في الشتاء.
    وفي يوم خرج هو وزميل له لجمع محار "السرنباق". وكان البحر في زجره الأقصى... مثل اليوم.. وتفرق الزميلان على صخور الساحل وبين المروج يقتلعان المحار الكبير الممتلئ بمعاول صغير متينة.."
    ودخل "شويدن" الكهف متتبعا حقلا مستطيلا من المحار النابت بداخله.. وبينما هو يضرب على الصخور، دخل طرف المعول في شق صلب بين النبات البحري الذي يكسو الصخرة.
    وأزاح " شويدر" بيده النبات عن رأس المعول، فوجده داخلا في حلقة ذهبية لامعة..
    وفوجئ بما وجد، فهم بمناداة رفيقه.. ولكنه آثر أن يعرف ما وراء الحلقة أولا، حتى إذا وجد شيئا كان له وحده، وأدخل المعول في الحلقة مرة أخرى وبدأ يجذبها بقوة.. وبعد عدة دقائق من الجهد شعر أن بابا كبيرا ينشق حوالي الحلقة..
    وبدأ قلبه يدق بعنف وهو يجذب الباب لينفتح..
    وانفتح الباب إلى تحت... نزل أعلاه إلى الأرض، فإذا بسلم حديدي ملصق بباطن الباب وأطل بداخلها فإذا ظلام حالك يسمع بداخله وقع قطرات ماء تنزل من السقف على الأرض..
    وبحت في جيبه عن الوقيد، فأشعل عودا ثم صعد السلم، ودخل..
    كان داخل المكان عبارة عن قبة عالية تتدلى منها أستار كثيفة من العنكبوت، وعلى الأرض فردات رحي تتدرج في الضخامة والوزن... واختار هو واحدة كانت أصغرها وأخفها، فرفعها من مكانها فإذا تحتها بئر على جداره سلم حديدي.. فأشعل عودا آخر ونزل البئر إلى نهايته، فإذا به أمام الباب قديم ضيق، وحين دفعه هوى إلى الأرض غبارا مسحوقا.. وأشعل عودا آخر وتقدم، فإذا به وسط قاعة أضاءت الوقيدة فيها فجأة إضياءة باهرة... ونظر حواليه فإذا الجدران والسقوف والأرض كلها تلمع وتعكس أشعة وقيدته الصغيرة..
    وبقي مبهورا فاغر الفم حتى أحرقت الوقيدة أصابعه لتنبهه أنه ليس في حلم فاضطر إلى إشعال أخرى.
    كان المخبأ كنزا قديما يحتوي على صناديق معدنية وخوابي فخارية وتماثيل حجرية كلها ملآنة عقودا أو جواهر ودنانير بحجم الكف الكبير، وسيوفا وخناجر وأحزمة وتيجان مرصعة إلى كل ما يدركه وما لا يدركه الخيال.
    وكاد "شويدن" يجن وهو ينظر إلى ما يرى حوله... وفي النهاية قرر أن يعود وحده ليحمل على بغلته كل ما تستطيع حمله، كل ليلة قليلا، حتى ينقل الكنز إلى بيته..
    وحين هم بالخروج انحنى فالتقط دينارا من الدنانير الذهبية العملاقة ووضعه في جيبه وخرج..
    ومن فرط تأثره لم يستطع الصبر على البقاء مع زميله، فقال له أنه أصيب بدوار مفاجئ وأن عليه أن يصحبه إلى البيت، وعاد الاثنان إلى المدينة.
    ومع منتصف الليل كان البحر في جزره الأقصى.. وقد هرب الماء عن الكهوف.. وخرج "شويدن" ببغلته يشق طرقات المدينة الخالية حتى الشاطئ، وحين وصل إلى كهفه المعلوم، ربط البغلة على صخرة ببابه، وأشعل فنارا كبيرا.. ودخل ومعوله في يده قاصدا باب الكنز.. وفي مكانها بالذات بدأ يبحث عن الحلقة الذهبية التي كان قد غطاها ببعض نبات البحر..
    وبحث مرة واثنين وثلاثة دون أن يجد لها أثر... وأقبل على النبات بمعوله يزيله عن الصخرة الصماء، حتى عرى المنطقة كلها من نبتها، وبدأ يبحث بفناره عن إطار الباب الحجري المدفون في الصخرة فلم يجده..
    وكاد يجن.. بدأ يشك في شيء حتى في أنه مستيقظ، وبدأ يضرب على الصخور بقبضته ويصرخ ليعرف أنه صاح، فكانت أغوار الكهف تردد صراخه ثم تعود إلى صمتها الأزلي..
    وقعد على صخرة هناك ينظر إلى فناره في شبه غيبوبة بليدة..
    وبدأ المد..
    ودخلت موجة فأطفأة الفنار... وبدأت البغلة المربوطة خارج الكهف تحمحم وتحاول الفكاك، من رباطها حين بدأ الموج يتكسر على قوائمها..
    ولم يستيقظ "شويدن" حتى كادت الأمواج تغطيه فأفاق من غيبوبته وخرج يجري، كانت البغلة قد قطعت رباطها وعادت إلى المدينة، وعاد هو وحده يهذي بكلام غير مفهوم.
    وبعد أيام قلائل شاع خبر جنون "شويدن"..
    وفسره الناس تفسيرات كثيرة مختلفة.. فمنهم من قال أنه رأى "عيشة قنديشة" جنية البحر التي تختار الشباب وتخطف عقله.. ومنهم من قال أنه الكيف والحشيش.
    واحتفظت أمه "العباسة" وحدها بالسر.. لقد وجدت الدينار في جيب ابنها كدليل على صدق ما حكاه لها عن الكنز...
    وبعد يومين جاء أحد أهل الساحل إلى المدينة يخبرهم أنه رأى رجلا يدخل البحر متجها غربا نحو المياه الزرقاء ولا يعود.. وقال أنه ناداه، ولكنه يشك في أنه سمعه لبعد المسافة بينه وبين الشاطئ...
    وخرج كثير من الصيادين في مراكبهم للبحث عنه.. وقضوا ليلة بأكملها يجذفون ويبحثون بفناراتهم القوية وينادون..
    وفي الصباح عادوا وعلى وجههم خيبة وإرهاق..
    وحين خلا الشاطئ من الناس، بقيت العباسة وحدها تبكي، حتى أخذتها خادمتها المخلصة عائدة بها إلى بيتها..
    وهكذا انتقلت هذه القصة مع بقية وثائق العباسة إلى بيتنا.
    وسأل أحد الصغار: "وأين الدينا" ؟.
    "الدينار ؟ أوه... لا أدري.. قد تكون صرفته العباسة في طور حياتها الأخيرة"?.
    وتركت قصتي على أوجه الصغار أثرا عميقا.. وسكتوا جميعا يفكرون في تفاصيلها.. ثم بدأت المناقشة..
    ولم تمض يومان على حكايتي لهذه القصة حتى انتشرت كالنار في البنزين في المدينة..
    وانتهت عطلتي، وعدت إلى مقر دراستي الثانوية، وفي أول ليلة لي بالقسم الداخلي طلبت مني الجماعة أن أحكي لهم قصة.
    فسألت هل يعرفون قصة "شويدن" تمهيدا لحكايتها.. فقالوا كلهم أنها قديمة : لقد حكاها لهم طالب من مدينتي بالأمس، وانتشرت بين طلبة القسم الداخلي انتشارا سريعا..
    ثم نزلت إلى المدينة الكبيرة لتكتسحها..
    وفي داخل الفصل من السنة، وقد نسيت أنا عن القصة، ترامت إلى مسمعي من مدينتي الصغيرة أخبار عجيبة..
    جاء أحدهم يحكي أن جماعة من رجال السحر والأرصاد قدموا من سوس إلى المدينة للبحث عن كنز في ناحية الكهف.. وقد وجدوا مساعدات كثيرة من بعض السكان ومن المراقب العسكري نفسه..
    وبدأ الحفر داخل الكهف وخارجه.. وكان أهل المدينة يضيفون الفقهاء السنوسيين ضيافات فخمة طمعا في جوهرة أو عقد من الكنز المنتظر :
    وكان الفقهاء يوزعون الوعود والناس تغدق لتمويل مشروع الحفر.
    وحفر العمال نفقا عميقا في جدار عال بداخل الكهف، وتفرعوا في داخله يمينا وشمالا ونزلوا إلى تحت مستوى مياه البحر.
    وفي صباح يوم فوجئ العمال بوجود جثة في قاع النفق.. وبعد فحص الجثة تبين أنها لرجل من الفقهاء الموجودين بالمدينة..
    وكثرت الإشاعات على أن للكنز توابع وأرصادا.. وأن الحفر قد وصل نهايته..
    وبعد يومين وجدت جثة أحد الفقهاء بداخل النفق.. لم يكن غريبا.. بل كان واحدا من الباحثين الثلاث...
    وتسرب الخبر إلى الجرائد فكتبت عنه "إسبانيا" بإيجاز واعدة قراءها بتفاصيل القصة..
    وخاف المراقب العسكري أن يقع في ورطة فأوقف عمليات الحفر.
    وفي تلك الليلة اختفى الفقيهان الباقيان.
    وحين نزل المحقق إلى قعر النفق وجد آثار جرة كبيرة في طين الحائط.. واستمر البحث حوالي النقطة ليسفر عن وجود قطع من الجرة مبعثرة هنا وهناك?.
    لقد هرب الفقيهان بالكنز الموعود.. وخرج البوليس ورجال الجيش للبحث عنهما فلم يعثر لهما على أثر..
    وهكذا انتهت القصة الملعونة التي بدأت في صباح يوم صيفي وديع، فقط، لتبعث الدفء في قلوب الصغار وتنسيهم متاعب الطريق الطويل.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..