نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ طريق لا أراه

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. (هل حدث مرة أن كنت في محنة أو شدة كبرى، أو وقفت أمام الموت وجها لوجه، فسألت الله في داخلك، بخشوع، أن يفرج عنك فكدت تراه وهو يمد إليك يده..)
    كنت، وأنا طفل صغير، أشك كثيرا في وجود الله والأنبياء والرسل، وكل ما كان يقوله لنا الكبار.. وخصوصا حين بدأت أكتشف أن كثيرا مما كانوا يقولونه لي، وأنا أصغر من ذلك، كان كذبا وبهتانا.
    وأشد من ذلك أنهم كانوا يعيدون أكاذيبهم مع إخوتي الصغار بمحضري، ويغمزون لي لأنني أصبحت كبيرا أفهم..
    « للا رحمة الله » التي تأتي للأطفال حين يبكون، و« الغولة » التي تسكن البرج المجاور إلى جانب « دار الخالات ».. و « الكبراتة » التي تخطف الصغار وتنزل بهم إلى البحر إلى جانب « قصر الريسوني »، وغير ذلك كثير، كصوت المؤذن بالليل، كلها كانت تبعث الرعب في نفسي، وتوقف شعري وأنا صغير فأكف حالا عن البكاء..
    وحين بدأت أفكر، فكرت في الله.. مشيت على شاطئ البحر وحدي ساعات طويلة أتخيله في جميع الأشكال والصفات.. وحين تأخذ صورة ما شكلها النهائي في خيالي تمتد يد كبيرة معروفة بممحاة لتسمحها وتقول : كل ما خطر ببالك، فالله مخالف لذلك.
    وأثور بيني وبين نفسي : « لا يوجد.. لا يوجد.. كل ما لا يستطيع العقل تصوره لا يوجد ». وأجري على الرمال، وأجري حتى يتقاطر العرق على سائر جسدي.. وكأنني أريد أن أترك تلك الأفكار ورائي.. ولكنها دائما تعود..
    وفي إحدى هذه الخلوات، قادتني قدماي إلى « كهف الحمام » المطل على المحيط.. كنت أسمع عنه كثيرا، وكنت لا أعرف أين يوجد..
    كانت الأساطير العجبية عنه تتردد بيننا نحن الصغار كلما اجتمعنا في حلقة..
    « كان سيدنا سليمان يخزن فيه كنوزه.. » (ما تزال القماقم راقدة في قعره وفي أجوافها العفاريت التي سجنها الملك سليمان) « عيشة قنديشة، وحمو قيو يسكنان هناك بالنهار ويخرجان بالليل..»
    إلى آخر ما يلهب خيال الطفولة المريض.. وقررت أن أنزل إليه من فوق، أنزل من قمة الجبل متسلقا حتى فم الكهف على مستوى الماء..
    وتبعت طريقا ينزل منه البحارة إلى الشاطئ ليجلسوا على الصخور القريبة من الماء.. وانحرفت عن الطريق لأنزل رأسا بجانب الكهف.. وبعد بضع دقائق وجدتني معلقا بحائط قائم عمودي، وقد أمسكت يداي بحجرين ووقفت على حجر واحد.. وبدأت أبحث بإحدى رجلي عن حجر آخر فلم أجده.. كان الحائط بعد ذلك ترابا أملس.. وبدأت أبحث برجلي الأخرى عن طريق العودة فلم أجد إلا ترابا أملس أيضا.
    ونظرت إلى تحت، وأنا أبحث عن أي حجر ناتئ أضع عليه رجلي فاتعدت واقشعر جلدي.. المسافة بيني وبين الأرض شاسعة.. وتحتي صخور سوداء كثيرة النتوء الحادة، والموج يزأر بينها، وكأنه أسد جائع ينتظر فريسة..
    وخفق قلبي بشدة.. وقلت في نفسي باستسلام : « هذه هي النهاية.. ويا لها من نهاية ».
    لقد كنت أعد نفسي للموت في الجهاد.. وها أنا أموت ضحية طيش صبياني.. وأغمضت عيني وبدأت أدعو الله...
    لا أذكر في حياتي أنني دعوت الله أو صليت له بخشوع أكبر من ذلك.. وحين فتحت عيني، كنت على الحافة الأخرى من الطريق.. وتراجعت رويدا رويدا حتى وصلت إلى حيث كنت.. وحين أدركت أني نجوت.. جلست منهارا على صخرة، وانفجرت باكيا..
    ما كان أحلى تلك الدموع، كانت دموع الشكر والامتنان لله..
    هذه مرة..
    ومرة أخرى ذهبت للسباحة مع جماعة من رفاقي، ودخلنا نسبح حتى الميناء الطويل الذي يمتد من رمال الشاطئ إلى داخل البحر ثم ينحرف يمينا ليحجب المياه عن المرسى..
    وتسلقنا إلى قسمه الأعلى، ومشينا فوقه ننظر إلى الموج المتوحش وهو يضرب ظهر الميناء الفولاذي بقوة جبارة، ثم يتراجع ليستجمع قوته، ويعود مرة أخرى أقوى وأعنف..
    وبدأت أصوات التحدي ترتفع : « من يقفز من هنا إلى الماء؟ من يستطيع؟ تعالوا نقفز جميعا.. واحدا بعد واحد.. »
    ودفعتني يد شريرة إلى الماء.. نزلت من العلو الشاهق إلى الماء وأنا أحاول أن أعدل من شكل نزولي حتى لا تكون الصدمة قاسية على جسمي، ونجحت في أن أنزل عموديا برأسي إلى تحت.. ولما كنت قد نزلت والموج هارب عن الحائط الشاهق فقد كان العمق قليلا نوعا.. فأحسست بأصابع يدي تلمسان نباتات الأرض.. وجاهدت في الصعود إلى سطح الماء فإذا موجة عاتية ترتفع في عنان السماء، وتنثني وتبدو الرغوة على صدرها الأعلى استعدادا للانكسار الهائل على الحائط..
    وتنفست بعمق ثم غطست تحتها ودفعت بكل قواي إلى الإمام حتى لا تضرب بي على الجدار.. وأحسست ببنان قدمي يلمسان الحائط برفق.. و حملني التيار الهائل بعيدا عن الجدار.. ورفعت رأسي مرة أخرى لا تنفس.. كانت الموجة العائدة في طريقها للاصطدام بموجة أخرى آتية لتضرب الحائط .. ومرة أخرى غطست إلى العمق..
    وأحسست بهدير اصطدام الموجتين فوقي كضرب مدفع جبار..
    وخرجت مرة أخرى على سطح الماء بعيدا عن الحائط، وبدأت أسبح بجنون إلى داخل البحر.. وكلما انكسرت موجة اختبأت حتى تجاوزت منطقة الخطر..
    وحينئذ فقط، أدركت أنني هالك خائر القوى لا أستطيع السباحة أكثر من بضع بردات.. ونظرت إلى الناحية التي سأعرج فيها على الميناء لأدخل المرسى، فإذا هي بعيدة عني بعد السماء..
    ومنعني الكبرياء من أن أتوجه إلى الجماعة على الميناء طالبا النجدة.. أنهم لا يستطيعون عمل شيء على كل حال.. وبدأت أضرب الماء بذراعين خائرتين فلا أتحرك إلا ميلمترات قليلة كان التعب والبعد يجعلان نجاتي مستحيلة.. وبين دقيقة وأخرى كنت أتوقع أن يبتلعني المحيط لأصبح بعد جثة هامدة على الشاطئ، أو أختفي في أعماقه إلى الأبد..
    وأحسست بشيء يداعبني من تحت الماء.. كان ملمسه ناعما خفيفا على صدري وبطني وساقي.. وكدت أصرخ من شدة الرعب.. وكأن طاقة جديدة ولدت بداخلي قبدأت أسبح بجنون..
    وحين لم أعد أحس باللمس المرعب من تحتي توقفت لأنظر إلى ما عساه أن يكون.. فإذا هو نبات أزرق طويل يخرج من الأعماق السوداء حتى يقترب من سطح الماٍء..
    وتذكرت ما سمعت مرة عن هذا النبات القاتل.. أنه يمسك بالجسد فيتشبك عليه، ويبقيه أسيرا حتى ينهك ويعلو فوقه الماء وحينئذ تتناوله الأسماك..
    وأغمضت عيني، وبدأت أبتهل إلى الله.. لقد كنت داخل منطقة لا يخرج منها أحد حيا.. وأحسست بالقهر فبدأت الدموع تنهمر من عيني بدون إرادة مني..
    وفي داخلي كنت أحس أنني معزول عن العالم.. كنت أحس أنني راكع تحت أقدام جبارة لا يمكن أن تخيب سؤالي..
    وبعد لحظات أحسست بشيء صلب يلامس صدري.. شيء صلب ناعم.. فنظرت إلى تحت، فإذا جزيرة من الرمال تحت سطح الماء ببوصة واحدة، جزيرة في مكان لم يكن يتصورها فيه أحد.. لابد أنها ولدت من تيرات البحر المفاجئة الدائمة التغير.. وربما جئت غدا فلا أجدها هناك..
    وصعدت فوقها وتمددت ألهث وأرتعش حتى استرجعت قواي..
    مرة أخرى تمتد إلي يد الصديق في محنتي.. هذه المرة بجزيرة كاملة من خلقه، برزت من أعماق المحيط.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..