نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ كهف الرماة

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. ذرف على الستين وكان مع ذلك يبدو منتصب القامة، وقد خطت السنون على جبهته وخديه أخاديد عميقة تنبئ عن معاناة أحداث وكفاح مرير، عرفته صائدا للأسماك، ينتقل بين الغدر والوديان بـ (غرافه) الذي صنعه بيده من القنب المتين، وسلته التي كان كل أمله أن يعود بها إلى المدينة مع الغدوة وقد ناء بحملها مما تحويه من سمك بلدي و (بوقة)، ولا يكاد يسند ظهره إلى أسفل صومعة المدرسة العنانية بضع ساعات حتى يكون الزبناء قد أتوا على ما فيها ليجمع ثمن سلعته النافذة في كيس تحتاجه الدار من مؤونة. فإذا نفذت الدريهمات بعد يومين أو ثلاثة فليحمل (غرافه) وعصيه وسلته وليتجه راجلا إلى نهر أو غدير غير الذي بات به في المرة الأخيرة، قد يكون سبو قرب قنطرة مولاي رشيد وقد يكون وادي فاس أو بعض روافده، وقد يكون إحدى سواقي (بوركايز) ولاسيما (العربة) التي لا تضن عليه مما بها من (بوقة) سمينة بيضاء كالفضة وسمك بلدي ذي زعانف كالعاج، وقد يكون (عين السمن) تلك التي ترتعش فرائصه كلما عزم على الذهاب إليها، لأنه لا ينسى تلك الليلة من ليالي مارس وقد انفتحت أنابيب السماء وتحولت إلى بحر زخار تتلاطم أمواجه ليومض برق خاطف ويهزم رعد قاصف، كان ناصبا (غرافه) بمضيق على بعد مسافة من رأس العين معتمدا على العصا الصغيرة التي تدع فم الغراف مفتوحا حتى تلج الأسماك إلى الدخل ليشعر بدخولها بواسطة إبهام رجله اليمنى الذي يكون عادة داخل إحدى فتحات الشبكة، ليسرع برفع « الغراف » بواسطة العصا ويخرج ما به من الأسماك ملقيا به إلى السلة التي يحملها على ظهره وقد حاذى فمها قفاه، بينما هو كذلك وإذا به يلمح من بعيد موكبا يحمل شموعا ويسمع أصوات صرنايات ودقات طبول تؤلف جميعها نغمة جبلية كان يرقص لها لو سمعها في غير هذا الموقف،تتخلل كل ذلك زغاريد نساء من نوع غريب وفي وسط الموكب فارس يمتطي جوادا يهتز للنغمات الجبلية،وإلى جانبه بغلة على متنها امرأة في ثياب العرس، هل يمكن أن يكون موكب هذا العرس لا نأسى في مثل هذه الليلة الماطرة؟ وتلك الشموع لم لا تطفئها الأمطار والعواصف؟ إنه عرس أهل المكان من الجنون، ليبق في مكانه إذا قبل أن يلمحوه ويوقعوا به، ولا يكاد يبتعد الموكب حتى يخرج من الساقية ويعجل بالعودة إلى المدينة حيث يقضي نصف شهر صريع الحمى لولا أن جاءه الفرج على يد الفقيه (الغمري) الذي كتب له عدة « زلافات » بالصمغ محا ما بها بماء الزهر وشربها، كما كتب له عدة حروز بخر بها وحجابا حفظه في غلاف من النحاس الأصفر وعلقه عليه، ولم يعد يقصد عين السمن إلا بضع مرات في السنة رغم أن الفقيه الغمري أكد له أن الحجاب المغلف بالنحاس سيقيه كل شر ويدرا عنه العفاريت والشياطين، سألته وقد لقيته خارجا من باب (الشاكمة).
    على من ستكون ضيفا هذه الليلة يا عمي هشوم؟ سأروح إلى (العسرية) إن شاء الله، فالجو ينذر بالمطر وبوسعي أن ألجأ إلى (كهف الرماة) حيث أجمع حطبا وأشعل نارا أتدفأ بها.
    ـ إنك لم تحدثني عن هذا الكهف من قبل
    ـ إنني مستعجل وبوسعي أن أحدثك عنه إذا استطعت أن تقطع معي بعض المسافة، أم أنك لا تستطيع؟ فأنتم شباب اليوم ضعيفو القوى تعلمتم العجز بركوب (عود الريح) والطوبيس والطاكسيات وغيرها،لذلك كنتم تشتكون دائما من أمراض متعددة،فهذه أمراض الكبد،وهذا ..وتذهبون عند النصارى ليحرموا عليكم أكل كذا وكذا من نعم الله،وليغرزوا في لحومكم الابر والشوكات،أتعلم أنني بقيت وأنا في ضعف سنك صحيح الأضراس والأسنان ولا أمتنع عن أكل شيء مما أحل الله دون شوكة الطبيب.
    ـ معك الحق يا عمي هشوم في كل ما تقول، هيا حدثني عن الكهف الذي ذكرت. أين هي تلك الأيام التي كانت أيام شجاعة. وخير وبركة. أتدري أن ريالا واحدا كان يكفي لمؤونة شهر، من زرع وزيت وسمن وعسل وخليع وقطنية، وغيرها من لحم وخضر؟ لكن الريال اليوم لا يساوي إلا ثلاثة أعراش من النعناع، آه على تلك الأيام، وحمد الله، كانت أيام بطولة وشجاعة، كان رماة المدينة وشجعانها يخرجون للصيد « بمكحلاتهم » فيقضون عدة أيام في الفرجة والنزهة والصيد فما شئت من حجل، وما شئت من أرانب، وما شئت من دجاج الماء علاوة على الخرفان التي يتفارضون في شرائها من الدواوير المجاورة، وفي الليل كانوا يلتجئون إلى كهف فسيح يسع أكثر من مائة فارس يقع قرب النهر ليسمروا على الأمداح والسماع والغناء، أين هو الشيخ العربي الذي كان لا يخطئ الهدف أبدا؟، وأين هو المعلم العربي الذي كان لا يفلت (الزوانة)؟ واين (أبا عباس) مضحك الرماة وأكثرهم لجوءا إلى صيد السمك بيده، فقد كان (بدادا) بارعا؟ كل هؤلاء ذهبوا ألحقنا الله بهم مسلمين.. وبقي ذلك الكهف يحمل اسمهم تخليدا لبطولتهم.
    ـ كان هذا حقا ولكن الزمان مع ذلك لا ينسى أن الاستعمار دخل إلى البلاد بالرغم عن شجاعتهم وبطولتهم.
    ـ لا تقل هذا، واستغفر لله يا ولدي، لم يدخل النصارى إلى البلاد لجبن في شجاعة أبطالنا، ولكن لحيل النصارى ومكرهم واتخاذ صنائع لهم من ذوي البيوتات ممن كانت لهم حماية الدولة الفلانية أو غيرها، فكان ما يغدق عليهم من الوزير) وسيلة لشراء الضمائر واتخاذ الاعوان والأصحاب واستغلال هؤلاء لهتك الاعراض،أنت لا تعرف عبد القادر بن شهبون تصور أنه كان يجلس على (فرتالته) بباب الدرب وحوله أعوانه المسلحون ـ وكان من أصحاب الحمايات فلا تمر أمرأة يروقه جمالها حتى يوعز إلى أصحابه بحملها إلى منزله،وقد يروق له أن يوعز إلى أحد خدامه بخرق عمامة أو(قب) أحد المارة ب
    حبة من مكحلته وقد تصيب المسكين في الرأس فيقع إلى الأرض (يفركل) في دمه، يضاف إلى كل كثرة الفتانين والمشعوذين وقطاع الطرق، وكثرة الجواسيس في ثياب مختلفة، ومع ذلك فقد كافح المخلصون، واستشهد كثير من الشهداء، حتى النساء ساهمن بحظ وافر، رحمك الله يا عمتي نجمة، فلقد صعدت إلى السطح لتطل على مواكب المجاهدين وإذا بها تجد نصرانيا مختبئا بين (شقوف) الغرس وقد هرب من (فوندة) للنصارى هجم عليها ثلة من الشبان وكان بها نصارى كثيرون.. يتناولون طعام الغداء، فما كان من العمة نجمة إلا أن حملت ركيزة من ركائز السطح التي ترفع بها الحبال وقد نشرت عليها الثياب،وأخذت تطعنه وتضربه على رأسه وهو يستعطف : (أوجه مولانا، أنا نسلم) خذي ما عندي من لوزير، وثيابي وكل ما عندي ولكن نجمة كانت مسلمة لم تكف عنه حتى تركته صريعا.
    وهب ريح بارد وبدأت الأمطار تنزل خفيفة لتشتد بعد حين فحاولت صرفه عن الذهاب للصيد، ولكنه أصر على متابعة سيره.
    وقبل أن أودعه داعيا له بصيد غزير، احتد عمي هشوم وهو يقول : متى كان المطر حائلا دون الرجل والعمل من أجل قوت أولاده؟ ثم أنني ـ بارك الله فيك ـ لم يسبق لي وقد تجاوزت الستين أن قبلت الصدقة من أحد!.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..