نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ الظلام و الأحزان

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. كان الليل معتما كأنه يريد أن يلف هذه المرئيات في عمى متصل، واغلب الظن أن المصابيح النابتة على رؤوس الجدران الخربة القديمة، والخيوط الضوئية النابعة من مرابض تقف بتحد على واجهات الشوارع فيما يوازي الأفق، كانت هي الأخرى متضامنة مع هذا العمى الليلي الحالك.
    لم يفتر هذا الليل عن شرارة ضوء : النجوم والكواكب اللامعة منطفئة، وكل شيء منبثق من الأعماق يفشل في أمواج القتامة الأبدية.
    كانت الشوارع القديمة الضيقة في فاس تسترخي مستلقية في حضن سراب ظلامي كالح، فكأنها كانت تتأوه من ثقل الإشعاعات الكهربائية الخاطفة، تلك التي تمحو عنها روعة الماضي وجلاله.
    في هذه الأثناء، كان رجل متهرئ يزحف وراء حماره : عمامة خلقة ترسو بغير عناية على صلعة أجهد في أن يغطيها، ورأس تقبع في سواحله شعريات بيضاء بينما يكتسح الصلع كل ما يوازي العمامة في قمته، ووجه مثلث ناتئ العظام، وفم ذو لثغة جوعية حين ينفتح عن أسنان محالة مطحلبة غير منتظمة، وعينان غائرتان تندران بالضياع، وهما تطلان من القمة على انف مستطيل معوج إلى اليسار من أرنبته.
    كان هذا الرجل على العموم ذا سحنة بربرية، تفصح قامته الصفصافية تجمد بشرته على العظام ونتوء العروق من أغلب ما ظهر من أعضائه عن ذلك، كان يزحف وراء حماره، من غير أن يسمع حفيف وقع قدميه المنتعلتين حذاء مطاطيا، أما حماره، فقد كانت الصفائح الحديدية الأربع التي تتشبث بحوافره، تحدث نقيفا منتظما وهي تصطدم بالحجارة الغرانيتية التي رصفت بها شوارع فاس القديمة.
    وصاح صيحة مكتومة وهو يتحسس الحائط بيده، بينما يدفع حماره باليد الأخرى ليستحثه على السير: (أراه يخيل إلي أن ليس هناك غير الحمير)، وتابع تحسسه للجدار الأجرب مظهرا برمه بهذا الظلام السائد، وفكر:
    (هذا الظلام لا يستطيع أن يستمر، أنا لا أحبه، ومع ذلك، فهناك ظلام آخر، ينبثق من خلال هذه الأشعة نفسها، من (النيون) أيضا، هناك ظلام يأتي من أعلى، ظلام يجعلني أكثر ارتباطا بهذا الحمار مني بأي شيء آخر)، وتنبه فجأة إلى انه مدعو إلى أن يبدد عن نفسه وعن الحمار أيضا هذه الزوبعة الحاقدة، وساعدته ذاكرته على ذلك، فبدأ يلهج بخفوت ببعض الأذكار والأمداح النبوية، وكان حينما يندمج بصوفية في اذكاره، لا يلبث صوته أن يعلو، فيتطاير شذرات مع ندواة الفجر لتتلقفه الجدران التي يخفيها الظلام، كان مؤمنا : فقد كان لا يخرج حماره من مربطه إلا بعد أن يكون قد انهى حسابه مع السماء، وهو فوق ذلك : من الذين يقومون قبل الفجر، ليرضي الله، وليسبق الآخرين في البحث عن الخبز، وحتى حماره، كان يلقي منه معاملة شيقة : كان يملأ مدوده بأحسن أنواع العلف ولم يكن ليتركه كنبتة برية يعيش، بل كان يخضعه إلى تقبل حياة منتظمة من اجل صحته، من أجل أن (يحج عليه) لأنه ضمانته الوحيدة.
    وتحرك وهو يتأرجح على أمواج الظلام، ونهر حماره حتى سمع نفسه، وحين جد الحمار في السير، أخذ يسبح ويدعو متمتما :
    (اللهم أرزقنا رزقا حلالا)، وأضاف بخشوع : اللهم صلي على الطاهر المطهر)، وهنا بدأ صوته يعلو برنة حزينة منغمة (اللهم صل على الشفيع المشفع، اللهم صل على صاحب التاج. اللهم صل على صاحب المقام المحمود)، وخمد الصوت النغمي كأنه أصيب بإغماءة مفاجئة، ثم ارتعش من جديد أقل خفوتا من السابق، ولكنه غير منغم(هذا الصباح مبارك : ندواته وروعة ظلامه، والآذان الفجري الذي جلجل في سكونه، كل هذه الأشياء تدل على البركة. يا رب الأرباب، يا من عنده علم الكتاب، يا مقسم الأرزاق)، وتغل في يده رشاشا من ريقه، وقبل أصابعه بحنان، كما يفعل الذين يحصلون على أول درهم في الصباح.
    كانت بعض الخيوط البيضاء قد بدأت تتسرب إلى الأفق، كاشفة بروعة ذلك الحقد الملتهب الذي أشاعه الظلام في كل إرجاء هذه المدينة القديمة، كان هذا البكور رائعا في عيني الرجل، إذ أنه كان يتلقى بشهية جائعة طراوة الريح وهي ترتطم بوجهه، وتتكسر على المباني العتيقة التي يمر بها، وكلما ازداد الإشراق وضوحا، إلا وازداد تعلقه بتلك الحمرة الواهنة وهي تتحشرج في الأفق كأنها احتضار. وصل الرجل إلى البطحاء، فامتدت عيناه إلى مسافات شاسعة من السماء، كانت الجدران الخربة والأسطح العالية قد حجبتها عنهما، ودقق النظر فيها، وضاع في نوبة تلاش في روعتها : كان هذا الرجل ذا نزعة صوفية سطحية، ولم يكن ذلك ليمنعه من التغلغل في كل روعة بشكل وجداني يوحد ذاته بها.
    وعاد متهالكا على أذكاره وتهويماته: اللهم بجاه هذا الصباح المشرق، أرزقنا ما يحفظ علينا الحياة، اللهم صل على خاتم الأنبياء). وصل الرجل إلى سوق الخضر متهلل الوجه، ضاحك الأسارير، واختلط مع حماره بهذا الضجيج النملي، وبتلك الروائح العفنة التي تتصاعد من وسط هذا السوق الواسع.
    كان سوق الخضر الكبير الرابض وراء السجن المدني في فاس، خلية نحل تنزع من الصباح المشرق على هذه الناحية، كل الإبداع الذي يهل به على الناس، بعد ليل محمل ببعض قساوة حرارة النهار : الناس يتناكبون في كثير من العداء، ورائحة الدراهم تفصح أن هناك كثيرا من الخداع والخيانة، والحلوق الجافة والوجوه الصفراء، ترغي من أجل الحصول علة كسب جديد، والواقع أن هذا السوق كتلة بشرية للتدليس بإجازة حكومية، يدل على ذلك تلك الأكوام المتراصة من الخضر النتنة التي تباع للإنسان الأدون.
    كان الرجل يذرع وسط السوق بعصبية، وكان ينظر إلى الحمير المتربصة للخضر المباعة بحقد، وارتاع حينما شاهد المربط الملوث بروث الحمير يكاد يجلو عنه آخر حمار مثقلا بأحمال يرزح تحتها كما لو كانت قيدا يشده إلى الأرض. كان حماره في هذه الأثناء منزويا ببلاهة في عمق مربط، يرفع رأسه ويحركه من اليمين إلى الشمال بعنف، فتصطدم قمتا أذنيه، فيحدث ذلك صوتا بليدا، ونظر الرجل إلى الحمار، أن إليكم أجدر منا بكل عناية)، ونقل عينيه إلى داخل السوق الذي بدأ يقفز شيئا فشيئا، وابتسم ابتسامة صفراء يداري بها ألمه، وتعلق برجل كان يربت على جراب منتفخ بالدراهم، كان هذا الرجل يضع مع خصمه الصيغة النهائية للاتفاق على البيع، وتمت الصفقة : ظهر ذلك من الابتسامة التي سطعت من وجنتي البائع، وتنهد الرجل بارتياح، وكان يتهيأ لأقل إشارة من المشتري، ونظر إلى حماره بحب، وتصنع انه كان لاهيا عن هذا المشتري، حين دفن خديه إلى ما يوازي عينيه في راحتيه، وهو جالس على صندوق خشبي متآكل، ليلاحظ بنفاذ صبر آخر حركات هذا المشتري. وصعق الرجل، حين غادر المشتري السوق متعجلا.
    وكان لابد للرجل من الرجوع، فقد كانت هذه الصفقة هي الجولة الأخيرة، ورجع منهمكا على ذيل حماره يلكزه بآلة حديدية مسننة.
    كانت الشمس تذوب فوق قفا هذا الحمار، هذه القفا التي يتكسر عليها العرق والذل والحاجة.
    وبدأت المباني والمرئيات تتساقط أمام عيني الرجل: السجن المدني.أطلال تاريخية متهرئة. المدرسة الثانوية. المحكمة العصرية. المتحف. الدور المتخمة الرابضة على أكمات ثرية. وشتم بحقد :
    (الناس حمير، هذه مرابطهم) وأشار إلى المباني بحركة مسعورة وأضاف(ليست هناك بركة. ما جدوى كل هذه الأذكار والتهويمات ؟ هذا النهار كان مكفنا في أقماط ظلامية حين مولده . آه. الظلام. الظلام لا يمكن أن يحمل بشارة. الظلام ظلام دائما. الظلام ملعون، وهو جزء من أحزان الناس).
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..