نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ الثأر

'باقي الدول العربية' | جبران ش.

الوسوم:
  1. جبران ش

    جبران ش Moderator

    135
    2
    إنها الريح (1) ما زالت تعصف تلك الريح، منذ عشر سنوات ما زالت تعصف.. ما زالت تمزق كبريائي يوما أثر يوم وساعة بعد ساعة، أنها ريح شرسة قاسية تصفع إحساسي في الأعماق وأنا أدور في دوامة هائلة، انتظر هذا اليوم الذي أصبح فيه حرا طليقا.
    لقد جاء، جاء هذا اليوم، وساعات، ارتاح من صورة أخي التي تلح على ذهني رغم مرور عشرة أعوام.
    كنت آنذاك فتى يافعا، أهيئ نفسي لمستقبل حلو كان يمكن أن يتحقق، كان أخي الرجل الذي إنشأني بعد وفاة أبي الذي لم أتذكر ملامحه قط، ولقد أرادني أن أكون شيئا هاما في الحياة : طبيبا أو محاميا، فإن التجارة التي كان يزاولها عمل صعب يحتاج إلى أعصاب متينة.
    ولما عرفت « سلمى » السمراء الدافئة، جئت أخي بخجل وحنين، وحدثته عن حبي العميق لها، فربت على كتفي وقال لي بصوته الهادئ : ستكون لك يا أخي.. المهم أن تهيئ لنفسك المستقبل الذي أحبه لك.
    وفي الحديقة الواقعة في ظاهر المدينة، ضممت يد سلمى بين يدي لحنان، كان ثمة أشجار تظلننا وتعاهدنا على أن نكون لبعضنا، وقالت سلمى: سأنتظرك يا عزيزي.. وسأشعر بلذة في انتظارك.. سأنتظرك.. تأكد من ذلك..
    قبلت باطن كف سلمى بحنان، وما إن مالت الشمس إلى المغيب، حتى قالت : يجب أن أذهب، إن إخوتي يقتلونني لو رأوني معك، فقد تأخر الوقت.
    ذهبت سلمى، وبعد قليل هرولت طربا وأنا أصفر لحنا جميلا إلى البيت، كانت صورة سلمى الحزينة السمراء ترسم لي مستقبلا جميلا حلوا فيه بيت وأطفال وفيه خصامات صغيرة تنتهي دائما بقبلات ناعمة، آه كم كان المستقبل الذي كنت أحلم به آنذاك جميلا.
    وصلت البيت، وقبل أن أدخل، لمحت سلمى تقف بالقرب من النافذة وابتسامتها العذبة ترتسم على شفتيها، كأنها تقول: كل شيء على ما يرام.
    استقبلتني زوجة أخي قائلة وعلى يدها خالد ابنها : لقد تأخر أخوك عن ميعاده؟ قلت : لا تقلقي.. لابد أن يأتي بعد قليل.
    ولم أهتم للأمر، ذهبت إلى غرفتي، وجلست أفكر في الوجه الأسمر الدافئ الذي فارقته منذ حين، وهتفت: يا لروعة سلمى.. كم سأكون سعيدا معها، وكم سننجب من الأطفال.. لا بأس سأوصيها على عشرة، سبعة صبية، وثلاث فتيات.
    ذلك اليوم، مرت ساعات طويلة، قبل أن تدخل علي زوجة أخي مرة أخرى لتقول: تأخر أخوك دون سبب.. قم.. يجب أن تعرف أين هو، فقلت دعيني الآن، وأين يجب أن يكون إذا لم يكن في السينما أو عند صديق آخر.
    في تلك اللحظة، قرع بابنا بشدة غريبة، وأسرعت زوجة أخي، ثم أمي وجدتي بعدها بقليل.. ودقائق.. ترامى إلى مسمعي صراخ رهيب.
    قفزت من السرير، وفتحت باب الغرفة لأجد المنزل وقد امتلأ برجال الشرطة وبممرضين وبعض الأشخاص الآخرين.
    هبطت الدرج مسرعا لأجد النسوة الثلاث قد انكببن على المقعد الطويل في صدر الغرفة الوحيدة التي تتصدر صحن الدار.
    أسرعت، فإذا بي أمام جثة مسجاة.. يا الله.. جثة أخي.
    تقدمت كمجنون منها، ورحت أهزها صارخا:
    أخي.. أخي.. من فعل ذلك.. قل.. أخي..
    وراحت دموعي تنحدر بحرارة وأنا أهز الجسد الصامت وأصبح : يا الله.. أخي مقتول.. أخي مقتول.
    ورحت أهذي بأشياء لا أذكرها، لكن تلك الكلمة ما زالت معلقة بإحساسي وأنا أصرح والريح من حولي تقول: أخي مقتول.
    أبعدوني عن الجثة، وسرعان ما حضر أقاربي ووالد زوجة أخي وراحوا في نوبة من التفجع والبكاء.
    وفي اليوم التالي، علمت بأسباب الوفاة المفجعة.
    .. اصطدم أخي برجل آخر يريد منه مبلغا من المال.. وبعد أن شتم كل منهما الآخر، أطلق الرجل على أخي ثلاث رصاصات من مسدس ضخم أراده قتيلا.. وألقي القبض على القاتل الذي استسلم فورا
    لم أحتمل أبدا ذلك المنظر المخيف الذي صلب عيني، فكنت أغيب عن الوعي بين الفينة والفينة فلا أذكر ما كان.
    وبعد أيام قليلة، وجدت نفسي مسؤولا عن عائلة وأنا بعد في العشرين، ونسيت كل شيء، سوى أنني أريد أن أرى الرجل الذي قتل أخي..
    أما صورة قاعة المحكمة التي حوكم فيها فما زالت ماثلة أمام عيني بوضوح.. القاضي ذو الفودين الأبيضين، والمحامون والنائب العام، والشرطة والشاب القصير الممتلئ القامة وهو يصرخ: محكمة. والرجل القاتل في القفص وهو خائف مضطرب ووجهه الأصفر الباهت يتلفت بذعر يمنة ويسرة، وما أن تلتقي عيناي بعينيه حتى يبدو وجهه مغرقا في رعب هائل، وكنت بالفعل أرمقه بنظرات قاسية كلما التفت نحوي.
    وفي الطرف الآخر، كانت تجلس امرأة متشحة بملاءة سوداء وعيناها تسجان بالدموع، بينما كانت تسند إلى كتفها طفلا صغيرا أشقر تقارب سنه سن خالد ابن أخي.
    وتبين من خلال المحاكمة : أن أخي قسا على الرجل بشكل مهين، فقد كان الشهود جميعهم إلى جانب الرجل الخائف الذي كان يتمسك بقضبان القفص وعيناه مصلوبتان إلى الشهود الذين أكدوا أن أخي كان شرسا وقاسيا.
    وبعد أيام صدر الحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة عشر سنوات.
    وصرخت في قاعة المحكمة: هذا ليس عدلا.. يجب أن نبشروا القاتل بالقتل.. إنكم لستم عادلين ولكن شرطيا وضع يده على فمي وأخرجني من القاعة.
    ومنذ ذلك اليوم، بدأ حقدي ينمو في أعماقي، ورحت أحاول أحاول إعادة محاكمته لكن المحامين كانوا يقنعونني بأنني لن أستطيع ذلك.. فالحكم قد صدر بناء على أقوال الشهود الذين أكدوا أن أخي كان مغاليا في القسوة على الرجل.
    كنت أعرف أخي جيدا، فلم أصدق هذه الأقوال، لابد أن أحدا قد لقن أولئك الشهود لينطقوا وها هو اليوم قد جاء الآن، ومازالت صورة أخي تلح على ذاكرتي بعنف وضراوة، كان يريدني طبيبا أو محاميا.. وكانت لي جارتي السمراء سلمى وكنت سأطالبها بعشرة أطفال، سبعة صبية وثلاث بنات وكانت ستلبي رغبتي فإنها تحبني حبا عميقا، كان بالإمكان أن تتحقق كل هذه الأحلام لو لم يصوب ذلك المجرم ثلاث رصاصات إلى صدر أخي.
    إن صورته وهو مسجى مطبق العينين والشفتين وحوله أمي وزوجته قد انكببن عليه ينتحين بصوت عال.. كانت تلح علي منذ عشرة أعوام.
    لم أستطع أن أفعل شيئا لسلمى، حتى أن الحقد الذي ترسب في أعماقي أنساني ابتسامتها الدافئة وحنو يدها الصغيرة، وكل ما فعلته سلمى إن تزوجت ضابطا شابا أنجبت منه حتى الآن ثلاث صبية.
    ومنذ أسبوع خرج قاتل أخي من السجن، ومنذ أسبوع لم يغمض لي جفنن وراحت صورة أخي تلح علي بشكل عنيف، وكان خياله يقول لي : أنت لم ترض بالحكم يا أخي، أنك انتظرت عشرة أعوام كي تحكم أنت في مقتلي، عشرة أعوام طويلة، أعددت نفسك لكي تحاكمه من جديد، عشرة أعوام عشرة أعوام.. عشرة أعوام..
    كنت أقفز من السرير مذعورا، وأشعل الضوء الكهربائي الذي كان يهتز أمام عيني صارخا : أحكم.. أحكم أنت، لقد انتظرت عشرة أعوام لتحكم بالعدل.. عشرة أعوام.
    مر هذا الأسبوع وأنا على هذه الحال، لم أنم، ولم أهدأ، بل إنني نسيت كل شيء إلا أخي والرجل الذي قتله، كان أخي يطالبني في كل لحظة : ماذا أنت فاعل، كيف ستحكم، لقد انتظرت عشرة أعوام لتحكم.. إثأر لأخيك.. إنني ما زلت أنتظر أن لا يذهب دمي هدرا، أقتله يا أخي، اقتله، اقتله.
    و... قررت أن أقتله، أجل يا أخي.. سأقتله إذا ذاك، بدت صورة أخي تبتسم برضى واطمئنان، وها أنا اليوم قد حصلت على مسدس فيه تسع رصاصات لا ثلاث.. أجل.. سأثقب جسده تسعة ثقوب يا أخي..
    انتظرت الليل لرخي بساطه، فقد استدللت على بيت الرجل الذي عاد إلى أهله، إلى زوجته وابنه الذي لم يحرم منه.
    خالد، ابن أخي أصبح يتيما، كم كان الحقد يقتات أعصابي عند ما كنت ألمح في عينيه ذل اليتيم لما كانت أمه ترسله ليزورنا بعد أن تزوجت رجلا آخر.
    كان يسألني بسذاجة : لم لا تزورنا يا عم، لماذا أنت عمي.. وأصدقائي لهم آباء، أحمد، يأتي أبوه كل يوم ويأخذه من المدرسة.. لماذا ليس لي أب يا عمي لماذا..؟
    وكنت أقول له : سيأتي يوم وتعرف طفلا آخر لم يجد له أبا، سيمزقون صدره بالرصاص.. كما مزقوا صدر أبيك يا ابن أخي.
    كانت كلمات خالد تجرح كبريائي، فقد كانت عيناه تبدوان لي وكأنهما عينا أخي اللتان تشيران لي غدا أو بعد غد، سألمح في عينيه الرضا والاطمئنان : أن طفلا آخر قد أصبح بلا أب.
    وأخيرا خرجت من المنزل قاصدا بيت الرجل بعد أن اطمأننت إلى المسدس يطلقاته التسع، وكنت اقتربت خطوة يزداد وجيب قلبي.. والريح ما زالت تعصف، ما تزال منذ عشرة أعوام تعصف.
    ولما امتدت يدي اليسرى إلى الباب لتدقه كانت يدي اليمنى قابضة على المسدس بإصرار وعنف وأصبعي على الزناد.
    وفتح الباب، وبدا لي طفل أشقر على ضوء مصباح الزقاق باهت النظرات يقارب الثانية عشرة من عمره وهو يتثاءب ببراءة وقال: نعم .. قلت له بصوت غليظ النبرة: أين أبوك؟ قال وقد تبدلت ملامح وجهه: أبي.. إنه نائم.. لقد جاء تعبا جدا هذا اليوم.. فنام باكرا.. قلت له: أيقظه.. وقل له أنني أريده لأمر ضروري.
    فهرول الطفل يقرع البلاط بحذائه الخشبي.. كنت ما أزال مضطربا.. عندما عاد الطفل بعد لحظات يتقدم أباه.
    وقال لي الرجل بصوت واهن وهو يفرك عينيه: نعم.. ماذا تريد..؟ قلت له : لا شيء سوى أنني أحب أن أذكرك من أنا.. فقال بنفس الصوت الضعيف: من تكون؟ قلت له بصوت قاس وشرس: إنني شقيق من ثقبت صدره عشر سنوات.
    وهنا اضطرب الرجل، وبدا الرعب على وجهه مخيفا عندما لمح يدي ترتفع إلى صدره وفيها مسدس ضخم، وصرخ: لا.. لا تقتلني أرجوك.. دعني لطفلي..
    وكان الطفل قد لمح خوف أبيه، فالتصق به وعانق ساقيه وراح يصرخ: بابا.. بابا.. وكان الرجل يهتف في نفس الوقت: لا تفعل.. أرجوك يا سيدي.. لا تفعل.. لم يبق لي سوى خطوات.. لقد كبرت يا سيدي.. لقد كبرت. دعني أعيش لطفلي، لأجله دعني.. أنظر.. أنظر إليه إنه بريء. أنظر ياسيدي. أنظر أرجوك. أنظر.. ألا ترى شعره الأشقر الناعم.
    وهبطت عيناي إلى الطفل الصغير وهو متمسك بقدمي أبيه يصرخ : بابا.. بابا، كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وكان خائفا، خائفا.. وفجأة تخيلته (خالد)، كان يهتف بي: لأجلي لا تفعل يا عمي، لا تحرمه أباه، دعه له، هل تريد أن يتألم كما أتألم أنا.. وما ذنبه هو، دعه يا عمي.. دعه.
    وفجأة، هبطت يدي إلى جانبي كأنها شلت، كان الرجل قد انحدرت دموعه أيضا، بينما التفت الطفل نحوي ورمقني بحنان آسر، وسرعان ما حملته ومسحت دموعه، ثم تركته وهرولت خارج الزقاق.
    لما ضمني زقاق آخر لوحدي، لمحت صورة أخي ترافق ظلي، كانت تربت على ظهري وهي تقول لقد كنت عادلا.. لقد كنت عادلا..
    وغابت عني صورة أخي لتبرز صورة سلمى سمرائي الدافئة، فهتفت لها وعيناي دامعتان : كما أحببتك يا سلمى.. كم أحببتك.

    (1) إحدى قصص بعنوان (العالم يغرق) مجموعة تصدر قريبا للكاتب.

    ــــــــــــــــــــــــ

    دعوة الحق، عدد 59
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..