نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة قصيرة مجهول ـ في أرض العنف

'باقي الدول العربية' | جبران الشداني.

الوسوم:
  1. لا يزال ولدي الصغير مريضا، ولا يزال العرق يتصبب من جبينه.
    لا تخف يا ولدي، فإن أمك بجانبك، تسهر عليك ترعاك، لا تخف يا ولدي، فإنني لن أبرح هذا المكان حتى ترجع إليك الصحة، وحتى يتورد خداك كما كانا في السابق، وحتى أسمع صوتك من جديد يرن في أرجاء الدار، يملأها بالفرح والبهجة.
    وخارج البيت تتعالى أصوات وترتفع صيحات، وأسمع ضجيجا لا أكاد أتبين منه شيئا. لا تخف يا ولدي، فإن الوادي الساحر الجميل الذي ولدت فيه يحيط بك من جميع الجوانب : فالنهر يسير رقراقا صافي الأديم، والريح تهب لينة رفيقة، والحيوانات تعود من المرعى الخصيب.
    وهي الآن تهبط إلى الوادي، تحت الأشجار الوارفة.
    يا إلهي، أتضرع إليك أن تعيد الصحة إلى طفلي الصغير.
    كانت واقفة أمام بيتها، وكانت تتقي أشعة الشمس بيدها، وكانت تحس أن هذه الأشعة الرقيقة تغمرها وتنفذ إلى أعماق جسدها.
    ـ يا سيدي ألا تعلم أين أستطيع أن أجد طبيبا؟
    ـ يا سيدتي، إن الطبيب يأتي إلى القرية مرة كل أسبوع، لذلك فأنا لا أعتقد أنه سيحضر قبل مرور أربعة أيام.
    كانت تضم إلى صدرها طفلها الرضيع الذي لفته في خرق بالية، وكان الطفل يمتص الحليب من ثديها الناصع البياض الذي أبرزته من خلال فتحة ثوبها الرمادي. ونظرت إلى الطفل نظرة إشفاق، ثم قالت:
    ـ ولكن إذا لم يحضر الطبيب في هذا اليوم، فسيموت طفلي الصغير. أنظر إلى وجهه الشاحب وعينيه الذابلتين..
    ـ ما عليك يا سيدتي إلا أن تصبري..
    ـ ولكن ألا تستطيع أن تذهب إلى عيادته أو إلى منزله، وأن تطلب منه أن يأتي لوجه الله، وإن تتوسل إليه باسم الإنسانية؟ ألا تستطيع يا سيدي أن تجد في المدينة طبيبا يعطف على هذا الطفل البرئ؟.
    ـ سأحاول يا سيدتي، سأحاول..
    ـ أشكرك يا سيدي، أشكرك جدا.
    الليل مقمر، والريح تحمل نسمات منعشة. وخارج البيت تحت الزيتونة، أجتمع الرجال، رجال قريتنا. إنهم ينشدون نشيدا تعلمته في صباي الأول عندما كنت تلميذة في المدرسة الابتدائية. ولكنه ليس كجميع الأناشيد الأخرى، فهو مقدس عند شباب القرية.. إنهم ينشدونه في كثير من القوة والعنف، وكان كل نغمة من نغماته تعبر عن شبابهم الفائر وثورتهم العارمة. لقد قال لي مصطفى بأن الحاكم الفرنسي هدد بالسجن كل من يتجرأ على إنشاده. أما رجال قريتنا، فلم يكترثوا للتهديد والوعيد، ولم يقيموا وزنا لما قالته السلطات العسكرية، فقد ظلوا طوال الليل المقمر يرددون بأصواتهم القوية.. نعم ظلوا طوال الليل يرددون :
    قسما بالنازلات الماحقات
    والدماء الزكيات الطاهرات
    والبنود اللامعات الخافقات
    في الجبال الشامخات الشاهقات
    نحن خضناها حياة أو ممات
    وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
    فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا
    حينما عاد مصطفى من الاجتماع وجد زوجته تنتظره. وكان الطفل الصغير موضوعا في إحدى زوايا الغرفة، وكان نشيجه يتعالى بين الحين والآخر لكي يذكر والديه بأنه يجب أن يكون موضع عنايتهما.
    وكان المصباح ينفث في أرجاء الغرفة دخانه المحمل برائحة الغاز، وكان ينشر نوره الباهت الذي يسقط على الجدران البيضاء المرشوشة بالكلس ظلالا سوداء غريبة الأشكال. ونام الطفل بعد قليل وانقطع نشيجه، وشمل الغرفة سكون عميق، ثم قال مصطفى :
    ـ لقد قررت أن أغادر هذه القرية، قررت يا عزيزتي أن ألتحق بإخواني، فلم أعد أطيق أن أرى كرامة وطني تداس، ولم أعد أتحمل أن أراهم يفدون بين الحين والآخر إلى قريتنا، ليقوموا فيها بما يشاءون من المناكر والمظالم.
    ـ وإلى أين تريد أن تذهب؟
    لا أدري.. إلى أي مكان.. المهم أن لا أبقى في هذه القرية، في الوقت الذي يستشهد فيه إخواني..
    ـ وكيف تتركني، وهذا ولدنا الصغير مشرف على الموت؟
    ـ إن مئات من الأطفال يموتون يا عزيزتي ولن يكون ولدنا إلا واحدا منهم. ومن يدري، فلعله لن يموت، ولعلي سأجده حينما أرجع قد نما وصح جسمه. الوداع يا عزيزتي، الوداع.
    وقام من مكانه، وأخرج من أحد مخابئ الغرفة رشاشا صغيرا، ثم اتجه إلى الباب وهو يلتفت إلى الوراء ويقول:
    ـ الوداع يا عزيزتي، الوداع.
    لم أعد أحتاج إلى طبيب، ولا يهمني أن يأتي فمات الطفل الصغير في نهاية الليل قبل شروق الشمس. غفا إغفاءة هادئة حتى حسبت أنه قد شفي، وعندما تلمست جسده، وجدته باردا.
    يا ولدي، كم كنت سعيدة عندما كنت أضمك إلى صدري وأشم في شعرك رائحة الحياة، وأقبل وجنتيك الورديتين. كم كنت سعيدة عندما أحس بيدك الناعمة في يدي، وأسمع صوتك الجميل يناديني.. أما الآن فقد انتهى كل شيء.. فارقتني بعد أبيك.. وتركتني وحيدة في هذا البيت..
    لقد تعودت أن أراهم يفدون إلى قريتنا.. إنهم يجيئون بين الحين والآخر ليأخذوا عنا صورا ينشرونها في مجالاتهم كأننا حيوانات متوحشة لا تعيش كما يعيش سائر الناس. وقد تعودنا أن نراهم يحدقون فينا في شيء من الدهشة والاستغراب، ولعلهم يتساءلون كيف يعيش هؤلاء في هذه الأكواخ البائسة، وكيف لا يقضي عليهم البرد، وماذا يفعلون عندما تصب الأمطار والثلوج، وتهب رياح الشتاء؟
    لقد سمعت الناس يتحدثون عن بعض المشاريع التي ستحققها السلطات الفرنسية في قريتنا..
    ومن حملة ما قيل أنهم سيبنون لنا مساكن شعبية ومستشفى ومدرسة..
    ولكن ها هم الآن يعودون. يعودون لا ليبنوا لنا دورا جديدة ومساكن شعبية، بل ليدمروا أكواخنا البائسة، ويشردونها في الفيافي والقفار.
    لقد غضبوا علينا، لا أدري لماذا. ولكنني أعلم أنهم جمعوا رجال قريتنا وأطفالها، وساقوهم لا أدري إلى أين...
    يا إلهي أتضرع إليك أن ترحم قريتنا وتحفظ رجالها وأطفالها من كل سوء..
    ذاك الصباح، أقبل إلي أخي ثقيل الخطو، كئيب الوجه، يمسك في يده جريدة. وأدركت للحال أنه يحمل إلى أنباء مزعجة وانتابني شعور غريب: شعور إنسان يعرف تمام المعرفة أنه مقبل على كارثة. وتملكتني رعدة باردة وخيل إلي أنني سأنهار عما قليل. وساد السكون بعض الوقت ثم سمعته يقول: هل ـ قرأت الخبر في الجريدة يا زهرة؟
    ـ لا والله.. ماذا حدث؟
    ونظر إلي نظرة ملؤها العطف والحنان، وأطرق برأسه لحظة، ثم رفع وجهه، فرأيت شفتيه تتحركان، ولكن لم يستطع أن ينطق ولو حرفا واحدا
    ـ فهمت كل شيء.. قتلوه.. قل لي يا أخي هل قتلوه؟
    ـ قتلوه. نعم قتلوه مع جماعة أخرى من الخارجين عن القانون » كما تسميهم السلطات العسكرية الفرنسية. ولكن أقسم لك يا زهرة، يا أختي الصغيرة زهرة، إنني سأنتقم له شر انتقام.
    وضرب برجله الأرض، وقطب جبينه، ثم استدار راكضا يصيح:
    ـ سوف أنتقم، سوف أنتقم.
    وبلغني صوته الغضوب وهو يتناقص في البعيد، وتبعته ببصري مدة من الوقت حتى اختفى تحت الأشجار.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..