1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

عزيز الحدادي - الجماع فاكهة سوق الجنة 5/5

'الجنس في الثقافة العربية' | لا أحد.

الوسوم:
  1. لا أحد

    لا أحد كاتب

    مقدمة: استطيقا الجماع

    نحو قراءة شبقية للمسكوت عنه
    من المؤكد أن كلمات هذا الكتاب مسلية إلى أبعد حد، خاصة عندما تسلل خلسة إلى المسكوت عنه في نصوص الفلاسفة العرب والمتصوفة والفقهاء والأدبيات الجنسية الشعبية، واختراق صمتها وجعلها تنطق باحتشام عن بهجة النكاح، باعتباره مشتركا بين الثقافة العالمة، أي ثقافة الخواص، والثقافة الشعبية; اي ثقافة العوام. ولعل غايتنا لن تتجاوز حدود الإصغاء لنداء الجسد والإنصات لمقولات فن النكاح من أجل تفجير هيرمونطيقا الذات، ذلك أن تقنية الذات عند الفيلسوف تقع على تخوم المطلق الذي تتقاسمه الرغبة بين فن التأويل وفن الجماع، أو بعبارة أعم، فن الحياة. في حين نجد أن ضرورة النكاح في الأدبيات الشعبية تقوم على إفراغ الذات من شحنة العنف في ذات أخرى محاطة بعناية برزخ الصخب والهذيان، ذلك أن هذه الأدبيات تصف قساوة الجماع كفرجة ممتعة بطلها الرجل المحمود عند النساء، باعتباره محاربا عنيفا يوحد بين اللذة والألم، بين إنزال المني ومصه من قبل المرأة، بل والانتشاء باختلاط المني بالدم في لحظة ابتهاج وابتهال، ينفتح فيها باب الفناء أمام جسد المرأة الملتهب بالشبق. ولذلك استطاعت هذه الأدبيات أن تصل إلى أكبر عدد من القراء، فقوتها تكمن في انتشارها، لأنها أصبحت تباع أمام أبواب المساجد، وفي الحمامات، وعند بائعي الأعشاب، أي الصيدليات الشعبية، وفي الأسواق. لانه بالإضافة إلى تقنياتها في وصف فرجة النكاح وصخبه وعنفه الناعم، فإنها تصف أدوية لتهييج الجماع، وتكبير الأير، وعذوبة الفرج، وتضييقه وإزالة الرائحة عنه، ذلك أن شعارها: مطبخي، طبي، وتقديم مواد للشهوة. هكذا قامت باقتحام لا وعي الإنسان العربي وأصبحت تشكل جزءا ثمينا من تراثه تقيم معه في بيته وتخلصه من الكآبة، من خلال تهييج شهوة النكاح. إنها بعبارة أدق أصبحت مرجعا أساسيا لمن أراد أن يجامع بعنف وصخب وهذيان لكي يكون محمودا عند النساء، نجد صاحب الروض العاطر ينصحه بتهيئ أكلة خميائية مقدسة عناصرها صفر البيض، والسمن، والبصل والعسل الممزوج بحليب النوق، ولن ينام إيره طوال الليل بلغة الشيخ النفزاوي([1]). ولعل ما يجعل النص الشعبي محبوبا عند القراء هو استناده على القرآن والحديث النبوي في مدح قدسية ومشروعية الكلام في فن النكاح، هكذا نجد صاحب رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه يفتتح كتابه بالحديث النبوي القائل: "تناكحوا تناسلوا فاني اباهي بكم الأمم يوم القيامة([2])"، كما أننا سنجد أن النفزاوي يعتبر ان قراءة القرآن مهيجة للجماع.
    أما الفلاسفة، فقد كانت حياتهم الجنسية مختفية وراء حجاب اللاغوس وعنف الميتافيزيقا، حيث ظل الجماع سرا من أسرار الوجود ممتزجا بالنسيان والحضور في نفس الآن. هكذا نجد أن أب الفلاسفة سقراط يدعو إلى مشاعة النساء بين حراس الجمهورية من أجل تحقيق النظام والاستقرار لجمهوريته. إنه يضعنا أمام دهشة الحقيقة التي ترغمنا على تقبل الجماع المشترك مقابل فوائد لا نظير لها للدولة; الدفاع عنها في الحرب، وإنجاب أطفال أقوياء وعباقرة، بالإضافة إلى تمديد أيام الجماع للحراس الذين أظهروا شجاعة كبيرة في الحرب، إنه وسام الجماع، على عكس كل الجبناء الذين ينبغي حرمانهم. إنها لعبة ماكرة يمارسها اللغوس على شهوة النكاح المصابة بالجنون، إذ بواسطته يتم إخضاع الدولة للنظام والانسجام والعدالة. إنها دولة قوية تقوم على الجماع المشترك، أي ان يجامع الكل الكل ولو في زمان واحد. إننا أمام دعوة مربكة، ومزعجة للبسطاء من الناس، بيد أن سقراط يبرر ذلك من خلال إبعاد الدولة عن تمزق وحدتها، والمجتمع من الطلاق، والصراعات التافهة بين الرجل والمرأة، وتشريد الأطفال، والخلاف بين الأسر. ولعل كل هذه الأمور وغيرها سيقوم الجماع المشترك بالرمي بها في جحيم العدم.
    وغير بعيد عن المكر السقراطي المغري، نجد قراءة أخرى لشبقية الجماع في كتاب سر الأسرار المنحول على أرسطو، والذي هيمن بظلاله المنتشرة على الأدبيات الجنسية، والكتابات الطبية الجسمانية والروحانية، وحفظ الصحة، وفن النكاح، لأنه نص شامل، وجامع لهذه المعارف وغيرها، لغته تمزج بين الإغراء والخرافة، ولعل هذا ما منحه القدرة على النفاذ إلى نصوص فلاسفة الإسلام، وامتلاك حق الإقامة فيها، إلى درجة أن ابن سينا وابن عربي وابن رشد، وابن خلدون كانوا ضحايا هذا الكتاب الشبقي. على الرغم من أنه كتاب اختصر بهجة الجماع في تعاقب فصول السنة وربطه بنوع الطعام والشراب، وكأنه دعوة للملك من أجل حفظ صحته. إلا أن الطعام الذي يصفه لتهييج الجماع باهض الثمن بالنسبة للبسطاء من الناس الذين توجهوا إلى نصائح رجوع الشيخ إلى صباه والروض العاطر، لأن ما يصفه من طعام هو في متناول الجميع: البيض، والبصل، والحموص، أما العسل، أو حليب النوق فمن استطاع إليهما سبيل، ولكنه يعدهم بعد تناولهم لهذه الوصفة الطبية بقهر المرأة التي تسمى بالمني، حيث لم يستطيع أحد إخماد شهوتها للجماع وقد قهرت كل رجال زمانها، أو المرأة الألفية التي نكحها ألف رجل، أو المتيممة بالنكاح والتي ادعت النبوة، وتنازلت عنها بقهر النكاح.
    لم نجد لهذا الجماع الأسطوري حضورا عند الشيخ الرئيسي ابن سينا الطبيب والفيلسوف الذي اشتهر بمهارة معارفه وقوته على الجماع، لأنه كان قوي القوى كلها وقوة المجامعة تأتي في المرتبة الأولى. هكذا كان يكتب، ويشرب، ويجامع بعنف إلى حدود المرض، ويحقن نفسه بحقنة، ثم يتماثل إلى الشفاء، وسرعان ما يعود إلى الجماع، ويعاوده المرض، وظل على هذه الحال إلى أن أصيب بمرض القلنج، وحقن نفسه حقنة قوية، وتقرحت أمعاؤه، ومات شهيدا لشبقية الجماع. وقد تساءلنا عن صنف النساء اللواتي كان شيخنا يجامعهن ، هل ينتميان إلى تلك النساء المهمشات في محيط الملك، الذي كان الشيخ طبيبه، أم مجرد مومسات يؤثثن فضاءات أزقة مدينته بصخب أصواتهن وشبقية عطر أجسادهن وفروجهن التي لا خير فيها؟، وهل كان اللاغوس ضحية خيمياء الجسد؟، بل أكثر من ذلك هل الهروب من عنف الميتافيزيقا إلى نعومة الجسد كان سببا مباشرا في نهاية مسار الفيلسوف؟
    وسيرا وراء شاعرية شبقية الأجساد، وجدنا أنفسنا في ضيافة نساء الأندلس والافتتان بجمالهن، وحلاوتهن، وظرافتهن، بلغة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، الذي اتخذناه كحجة على شبقية الجماع عند الاندلسيات، خاصة إشبيلية، وقرطبة، وفاس، مدن تفوح منها رائحة عطر الأجساد; لأن المرأة، عند شيخنا هي زهرة الحياة التي تحرك: ˝ الأنفاس، والشهود والأدلة ˝ . ذلك أنها: معطية الرائحة ومنتزها للبصر، ودليلة على الثمرة. هكذا سيصف لنا الشيخ محي الدين أحد شيوخه الذين عاشرهم بإعجاب كبير، بانه: ˝كان مولعا بالنكاح جدا لا يستغني عنه˝. ولكنه عندما بشر بان هناك عروسا غاية في الجمال سيقوم بهتك فرجها والاستمتاع بامتزاج المني بالدم ورائحة صخب النكاح، تنتظره في سوق الجنة بعد انتهاء خمسة أيام، رفض هدية ثمينة من شيخ آخر أراد ان يزوجه ابنة أخيه التي تتمتع بالجمال والشباب. كما أن ابن عربي الذي بشر بالجنة في حياته يوحي إلينا بان سوق الجنة هو مصدر جمال المرأة لانها: "فتنة يستخرج الحق بهن ما خفى عنا فينا".
    ولذلك نجده مولعا بوصف جمال نساء الشيوخ الذين عاشرهم بطريقة مثيرة للدهشة، وكأن الأمر يتعلق بمراودتهن عن نفوسهن. والشاهد على ذلك أنه هرب من فاس بعد ارتكابه معصية الجماع مع نساء غيره. حيث نجده يقول بلغة شبقية : "وله امرأة في غاية الجمال صغيرة السن أحسن منه وأقوى([3])". إنها شهادة على أن المتكلم هنا مصاب بالهذيان وشبقية النكاح لهذه المرأة الجميلة والصغيرة السن والأقوى على النكاح من زوجها الشيخ العجوز. ولن نتساءل عن ما يخفيه الحجاب الذي وضعه ابن عربي أمامنا من أجل حجب الرؤية والإقامة في الخيال الذي يفسر الخيال. والحقيقة اننا نوجد أمام نص شغوف بالجمال كتب في الجنة وأراد صاحبه أن يقتسم معنا متعة ما شاهده، وما أدهشه.
    غير أن هذه القراءة الصوفية الباذخة بتقديس المرأة الفتنة والاستمتاع بها روحيا وجسديا في نكاح صاخب يقرب الذات من اللامتناهي، قد غابت في كتابات الفقيه ابن حزم ومؤلفات الفيلسوف ابن رشد. لأنه إذا كان الفقيه في كتابه طوق الحمامة يعترف بأنه تربى في حجر النساء ولم يعاشر غيرهن إلى أن أصبح رجلا، وهن اللواتي تحكمن في قدره وافاقه، من خلال تعليمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن. فإنه ظل محتشما ولم يتجرأ بذكر مشهد واحد للنكاح، وخيب آملنا، مما جعلنا نتوسل بالفيلسوف ابن رشد، بيد انه كان مأخوذا بعنف الميتافيزيقا وإرهاب اللاغوس الذي يعتبر المرأة مجرد مادة يهبها الرجل الصورة من خلال المني، ولذلك فإن المواطئ يلد المواطئ، ولعل هذا التفسير البارد لصخب النكاح، سيكسره ابن الآبار بقوله "أن ابن رشد لم يدع القراءة والكتابة إلا ليلة موت أبيه، وليلة بنائه على أهله"، أي ليلة دخوله على زوجته. هكذا يكون الموت وهذيان الجماع مناسبة للتفوق عن الخوض في نهر الميتافيزيقا الأبدي. ولذلك اعتبرنا أن شغف الفيلسوف بهتك الفرج والانتشاء إلى حدود الثمالة بامتزاج المني بالدم، كان أقوى إغراء لخيمياء الجسد من أجل التمرد على سلطة اللاغوس. ولكن من كان يجامع في تلك الليلة الاستثنائية، الفيلسوف أم الإنسان؟، الروح أم الجسد؟. اللذة العقلية، أم الحيوانية؟.
    نعم إنها رحلة شبقية في تخوم برزخ النصوص، التي تحرض النفس على جنون الشهوة، وعنف النكاح، باعتباره محركا لاستمرار الوجود، لأن المرأة زهرة الحياة ووعاء للطبيعة يتم إنزال المني فيه، ويقوم بابتلاعه ومصه كما يمص الطفل نهد أمه، من أجل ولادة لحياة أخرى، ممتلئة بضجيج وصخب النكاح.
    النكاح إذن، تجربة وجودية تنقل الذات إلى ما بعد الذات لتتجاوز كل الحدود وتنصهر في لهيب اللامتناهي حين يتحد بالمطلق الذي يريد استمالة الأبدية من خلال الحفاظ على الوجود الإنساني من الاندثار. إنها تجربة تفوق في عمقها تجربة الحكمة والفقه والطب والتصوف، ذلك أن سحرها يكمن في غموضها، وعدم كشف سر أسرارها، بل وقدرتها على التعجيل بموت الإنسان من شدة ولعه وشغفه بالنكاح.
    لأن المرأة التي تستمد فتنتها وجمالها من سوق الجنة وتمنح لذة النكاح وتفجر عنف الشهوة، وتهدئ اضطراب الشبق. هي برزخ يقع بين الجنة والأرض، بين المتعة والألم، بين الحيرة والاطمئنان، بين الحياة والموت، ويصبح المشتاق إلى هذه الفاكهة "في صورة المفلس الذي يرى أطايب الملذوذات ويدخل سوق النعيم والشهوات وماله درهم يصل به إلى نيل شهوة من شهواته" كما يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي .



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    [1]- الشيخ النفزاوي، الروض العاطر في نزهة الخاطر، الطبيعة الشعبية
    [2]- ابن كمال باشا، رجوع الشيخ إلى صباه ص 3
    [3]- الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، رسالة روح القدس ضمن مجموع رسائل ابن عربي بيروت دار الحجة الإسلامية






    01.jpg
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. عزيز الحدادي - الجماع فاكهة سوق الجنة

    ـ الفصل الاول


    الفصل الأول: كيف يمكن أن نجامع برضى سقراط؟

    من اجل أن يصبح اللغوس كاملا ومحققا لغايته، لا بد أن ينفصل عن الجسد، باعتباره مصدرا للقلق، للذة، للنشوة الحارقة لكمياء الروح، عندما تصاب بمس جنون النكاح، ويجعلها تتكلم بشهوة الآخر الذي تعشقه، خاصة وأن الحلم حين يرتبط بالجماع، يجعل الفيلسوف يحلم داخل جسده، متعاليا عن اللغوس وسلطته المرتبطة بيقظة الروح، لأنها تسعى إلى القطيعة مع الجسد، هذا الشيطان الماكر الذي يراودها عن حقيقتها ويجعلها مجرد لعبة للخيمياء داخل سجن الشبق، وضوضاء جنون الشهوة، عندما تلبسها لذة متدفقة تنقلها إلى بلاغة الاستيهام بالجماع، إنها بلاغة تتجاوز العقل واللغة.
    هكذا يصبح كوجيطو الحكماء عبارة عن امتثال لأوامر اللذة التي تسعى إلى التوحد بالأبدية والتطابق مع الوجود، بغية الانزياح عن الشيخوخة والموت. ذلك أن الأنا التي تفكر، وتحلم بهذا الانشطار، الذي يجعل من الفرح عبادة وتقديس لشبقية الجسد، خلال بهجة الشهوة والذوبان فيه، هي نفسها التي تخضع لأوامر اللاغوس، ولذلك فإن سقراط في لحظة من لحظاته المرحة، أراد أن يتهكم من عجوز كان مشهورا بولعه بالنكاح، قائلا: "هل لا زالت تقوم بالنساء؟"، فأجابه كيفالوس العجوز: "..غير أني قابلت كهولا تمتلك نفوسهم مشاعر مختلفة تماما منهم سوفوكليس الشاعر. فقد كنت ذات يوم معه، وسئل: كيف أحوالك مع الجماع الآن يا سوفوكليس؟ أو لا تزال فحولتك على ما هي عليه؟ فأجاب : لا تتحدث هكذا يا صديقي، فأنا احمد الله على أنني تخلصت مما تتكلم عنه كما لو كنت قد تحررت من سيد مخبول متوحش. ولكم أعجبتني كلماته هذه.. إذ لا شك أن الكهولة تتصف بميزة عظيمة من الهدوء والحرية، فعندما ترخي العواطف قبضتها، عندئذ نتحرر لا من قبضة سيد مخبول واحد فحسب، كما قال سوفوكليس، بل من قبضة أسياد عديدين(1)"
    نعم إن سقراط، الذي كان يدعو إلى تحرير النفس من سجن الجسد، كما يحتقر لذة الجماع، ويعتبرها مجرد شهوة حيوانية لا ترقى إلى مرتبة لذة الحكمة، والفضيلة التي تحقق سمو النفس، وارتفاعها إلى عالم المثل، إلى درجة أنه كان يدافع عن مشاعة النساء بين حراس الجمهورية، لكي يتمكن من إفراغ الجماع من رمزيته الوجودية الساحرة، لأن الدعوة إلى حرية النكاح ستحرر الفيلسوف، وحراس الجمهورية من قلق الجسد، ومن عنفه الشبقي الذي يستعبد النفس ويجعلها معتقلة في دهاليزه الممتلئة بالرغبة، والهذيان، بل واللذة اللامتناهية. لأنه بمجرد ما يتحرر الفيلسوف من شهوة الجماع، يسمو إلى اللاغوس، الذي يجعل النفس تتذكر أصلها، ومن أين أتت؟، ولماذا أصبحت تنسى ما كانت تعرفه في ذلك العالم الذي جاءت منه؟، ذلك أن المعرفة بالنسبة لسقراط هي تذكر، والجهل نسيان. لكن من الذي يجامع في الحقيقة; الجسد أم النفس؟، وهل الجماع فضيلة، وفن، وحكمة تسعى النفس من خلالها إلى الحفاظ عن الوجود، واستمرار الحياة بواسطة امتزاج المني بدم الطمث، أم رذيلة وحمقا يجعلان النفس تعيش في صخب العنف باحثة عن إشباع الرغبة؟، وهل تصبح بعد هدوء هذيانها سعيدة، أم شقية؟
    هناك من يرى أن الخلود في تلك النشوة هو أعلى مراقى الفضيلة، ولكنه ينسى ان الطريق إليها سهل ممهد ومقرها قريب: هو جسد المرأة الملتهب:" أما الفضيلة فقد بثت الآلهة في طريقها العقبات"(2)، لأن النفس قد تنحرف بدورها عن هدفها، ذلك أن توسلات الجسد وابتهالاته الصاخبة عندما يريد أن يخفف من عنفه واضطراباته، يجعل النفس تنصاع إليه، وتختار الإقامة الأبدية في جحيمه: "لأن الجماع هو غزو يقعده العناق، والعض، والمص، فشبقيته تخضع لجغرافية مقدسة، فلا بد من التقبيل يمينا وشمالا، إمساك الذكر باليد اليمنى، والنزول عن المرأة من اليمين. فالحركات اليمينية رمز اليمن. ويغير الجماع الإنزال الطبيعي للمني. إنه الكمياء التي توحد الرجل في الجسم المقدس. هذه الكمياء التي يحيل وصفها على كل بلاغة مائية:" القبلة المبللة أفضل من جماع سريع، وأيضا اللعب ألذ من العسل الممزوج بالماء الصافي"(3).
    هكذا يصبح الماء هو أصل الوجود، إنه يوحد الموجودات في المطلق، ولذلك فإن الرجل والمرأة حينما يجمعهما النكاح، فإن الماء يوحدهما في المطلق، وتمتزج الأنا بالانت في طهارة وحدة الوجود، والفناء في كمياء الجسد والاقتراب من لمس روح الآخر: "فالرجل هو الذي ينزل المني والمرأة هي التي تمتصه"، كأن فرجها يبتلع الذكر ويجعلك تظن أنه يمصه كما يرضع الطفل من نهد أمه".(4) لأن التقبيل والمص والعض والغزو، والإنزال هي جميعها طقوس تقود نحو التوحد في الوجود، من خلال حفظ استمراره، ذلك أن المرأة وعاء يقذف فيه المني من أجل ولادة جديدة للوجود. لعل الغاية من وراء هذا الجمع الملتبس بين الفيلسوف الذي يمتلك اللاغوس ويجامع برضاه، وبين الأديب الذي يستغل التراث الشعبي ليكتب بحرية عن الجماع، ويحرف القوانين الطبية، من أجل أن تصبح في متناول العامة من الناس، سيكون الغرض منه هو الوقوف على تلك التحولات التي يعرفها خطاب الحكماء والأطباء حينما يتداول شعبيا، أي حين ينتقل من المكتوب إلى الشفهي، هكذا نجد أن كتاب سر الأسرار الشهير والمنحول على أرسطو حاضرا بقوة في تلك الكتابات التي تناولت بلاغة الجماع كالروض العاطر للشيخ النفزاوي أو كتاب رجوع الشيخ إلى صباه، وغيرهما من كتابات السيوطي، وكأنها تمثل ذلك الوجه الآخر لكتاب سر الأسرار المنحول على أرسطو، مع إضافة الوصفات الطبية من جالينوس، او ارجوزة ابن سينا في الطب. هكذا ستكون فصول هذا الكتاب عبارة عن سفر ممتع في بهاء لذة الجماع على مستوى اللاغوس والميتوس، أو في ثنائية الروح والجسد; الذكر والانثى، ولنا أن نتساءل عما إذا كان أبو الفلاسفة يمزح حين قال أن الفلسفة هي التفكير في الموت، يعني موت الشهوات؟ بعبارة أخرى كيف يمكن للغوس أن يؤدي وظيفته في غياب وثنية الفرح; أي لذة الجماع؟، وهل كان الشيخ الرئيس ابن سينا الثائر الوحيد على تعاليم سقراط وأفلاطون وأرسطو عندما اعترف في سيرته الذاتية بشغفه بالجماع إلى درجة أنه كان السبب الحقيقي في موته؟ وما السر في اعتراف الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي بأن الجماع فاكهة سوق الجنة وبرهان للعسل؟، بل أكثر من ذلك لماذا نجد أن ابن رشد كان مخلصا لمشائيته محتشما من الاعتراف بولعه ببهجة النكاح كما فعل ابن سينا؟
    في رسالة بعث بها أفلاطون إلى فرفوريوس، تحمل عنوان: في حقيقة نفي الهم وإثبات الرؤيا، يقول في مطلع هذه الرسالة: "يجب أن تعلم أن كل ألم غير معروف الأسباب غير موجود الشفاء. فيجب أن نبين ما الهم، وما الغم، وما سببهما.. فالهم تقسم الأفكار، وحيرة النفس، وخمولها، وهو سريع الزوال والانتقال. والغم خطر كبير، وأمر عظيم، يذهب القوة ويفتر الحرارة، ويهدم الجسد، ويكدر الأوقات. وهو ألم نفساني، يعرض بفقد محبوب أو لفوت مطلوب"(5) هكذا يتبين إذن من خلال هذه الرسالة أن سبب الغم، أو ألم النفس هو فقدان المحبوب، وإذا اعتبرنا أن هذا المحبوب امرأة، عاشقة شبقية تقبل الغزو وتتجاوز حدود الذات إلى ما بعد الذات، خاصة وأن أفلاطون يتحدث عن الألم التي يحدثها النكاح للنفس، وكأنه يريد أن يقول بأن لذة الجماع مرتبطة بالجسد فقط، ومنفصلة عن النفس، ذلك أن أفلاطون على لسان سقراط يعترف بأن الجسد يعتقل النفس، إنه بمثابة سجن مخيف تلتهمه النار، باعتباره مقرا للشهوات الحسية، ولذلك ينبغي على العاقل أن يطلب ما يسعده دون ما يشقيه، ويحترز من سلوك طريق الشقاء والجهل، في هذا الأفق الأفلاطوني حيث يصبح الجماع بوابة مفتوحة يدخلها الجهال فقط. باعتبارهم قد انغمسوا في الشهوات الحسية، خاصة شهوة النكاح لأنها الحافز على جمع الثروة، والشراب، والزينة واقتراف الظلم: "ولن تجد مخلوقا تعف يده عما لا يملكه، إن كان في وسعه أن يستولى دون أن يخشى شيئا، على ما يشتهيه في السوق، أو يتسلل إلى البيوت ويضطجع مع من يشاء كما يهوى"(6). لعل أفلاطون يتخوف من أن تستولي اللذة على النفس وتسخرها لارتكاب الظلم حين تتسلل في الليل إلى بيوت الآخرين وتضاجع نساءهم من أجل إشباع رغباتها وإخماد حرقة الجماع التي تلتهم كالنار كل ما تجد في طريقها، لأن الذي يجامع، أو يرغب في الجماع يصبح كالمحارب الذي يعصى أوامر قائده.
    وسيرا في طريقه نحو هذه الغاية، يخاطب أفلاطون فرفوريوس بحزن عميق: "وأقول إن من لم يعرف الزمان، واعتبر أصول الأحوال متى زالت عنه عادة وجود دنيا فارق معها الشهوات الحسية: من لذيذ الطعام، وطيب الشراب ومليح الملبوس والمنكوح.. وقد تقررت معرفته أنها أعراض"(7) والحقيقة أن أفلاطون يوجه نصيحته إلينا قائلا: "ولا تضيع عمرك، فلن تجد له عوضا، واقسمه على أربعة ساعات: ساعة لوظائف علمية وعملية، وساعة لتدبير معاشك وساعة للذتك ودعتك والزم فيه السنة، وان ابتليت بمعصية فاسترها. ولا تتجاوزن إلى ظلم غيرك"(8).
    لم نستطع إلى حد الآن أن نجد منعرجا يوصلنا إلى معرفة برهان الجماع، أو على الأقل سر أسراره، ولذلك وجدنا أنفسنا نتيه في عوالم أفلاطون، سقراط باحثين عن تعريف للنفس الإنسانية خاصة وأننا افترضنا ان الجماع مشتركا بين النفس الروحانية والنفس الجسمانية، لأن شبقية الجماع تشبه إلى حد ما جاذبية الموسيقى، فيها تتعانق النفسان في المحبة الروحانية، وتصير لطيفة بسيطة مشبعة بالمحبة التي تفيض منها; من خلال الرغبة والوحشة والأنس، لأنها الحركة والحياة، وكل متحرك من ذاته دائم الحركة لا يموت، فالنفس لا تموت، ولذلك اتحدث بالجسد الذي يتمتع بعنفوانها، ورشاقتها، وإلا كان الجسد أثقل مما يكون إذا لم تكن فيه، وليس لها جوهر سوى جوهر الحياة، لأن: "فضائل النفس أربع، وفضائل الجسد أربع بإزائها، فالنفس لها الحكم، وللجسد التمام والكمال، وللنفس العدل، وللجسد الجمال، وللنفس الشجاعة، وللجسد القوة، وللنفس العفة، وللجسد الصحة"(9).
    داخل هذه الثنائية التي تجمع بين النفس والجسد يتم تركيب كمياء الجماع، لأنه يتطلب تهيؤا طويلا من أجل أن يتم في منتهى الكمال، فبمجرد ما يكون الجسم معلولا، أو أن تكون النفس مريضة تسبح في الهم والغم والألم يستحيل الجماع، على الرغم من أن أحد الطرفين الذي يتمتع بصحة النفس والجسد يكون مجنونا بالشهوة، محترقا إلى حد الهذيان، ذلك أن النكاح بقساوته وطريقته الهاذية، لا يمكن أن يحقق كماله، إلا من خلال التوحد بين روحين وجسدين في غاية التناغم، بيد أن سقراط الذي كان له تأثير كبير على أرسطو ومسار فلاسفة الإسلام، يشترط في النفس أن تكون خيرة، لكي تصل في النهاية إلى حب الجمال، لأنه: "من الواجب أن يصان الحب من الجنون أو التهور المفرط.. الا ندعهما يفسدان لذة الحب، أو أن يكون لهما أي محل في علاقات المحب ومحبوبه(10).وبعبارة أخرى ان ما يرغب فيه حكيمنا هو ذلك الحب المعتدل والحكيم الذي يتفق مع النظام والجمال. ولا يمكن لهذا الحب المتعالي عن الجنون والتهور والهذيان أن يقوم إلا بين نفوس خيرة، وليس بين نفوس شريرة وأخرى خيرية، واستنادا إلى هذه الرؤية الفلسفية نجد أنه من المحال ان يحصل إشباع الرغبة الجنسية بين النفس الشريرة والنفس الخيرة، أو بالأحرى بين الأشرار: "ففي اعتقادي ان الجسم مهما قوى بنيانه، لا يستطيع أن يجعل النفس خيرة، أما النفس الخيرة فتستطيع بقواها الكامنة أن تضفي على الجسم كل ما فيها من كمال"(11)، لكن كيف يمكن أن نجامع برضى المعلم سقراط الذي تحكم بقبضته الحديدية على تاريخ الفلسفة؟
    إن الفيلسوف وهو يشرع للجماع لا ينظر إليه كغاية في ذاته، كما هو عليه الحال عند كتاب أدبيات الجنس الشعبية حيث يصبح الاير والفرج بمثابة أسطورة يستحيل على الفيلسوف أن يصدقها، مثل المرأة التي نكحها ألف رجل وتسمى بالألفية عند السيوطي، والمتيممة بالنكاح والمرأة التي تسمى بالمني التي لا يشبع رغبتها كل رجال العالم فهي امرأة مثالية الشبق عند الشيخ النفزاوي، بل إن الجماع عند الفيلسوف موجود من أجل الاجتماع، أي تحقيق الدولة المثلى، هكذا نجده يدعو إلى مشاعة النساء بين حراس جمهوريته،حيث يقول: "أن نساء محاربينا يجب أن يكن مشاعا للجميع. فليس لواحدة منهن أن تقيم تحت سقف واحد مع رجل بعينه منهم وليكن الأطفال أيضا مشاعا، بحيث لا يعرف الأب ابنه ولا الابن أباه".(12)هكذا تنصهر الآمال والأحلام في جسد مشترك، وموحد كميائيا يعبق بعطر ممتزج بالأحلام، ذلك أن المعلم يدعو إلى جماع مشترك، يتم بعنف بين اللاغوس والنكاح، تتوسل فيه روح الحكيم إلى الابتهاج من خلال إنزال المني في رحيم الوجود حفاظا عليه من الانهيار، لعل حركية هذه الخدعة الميتافيزيقية تتعالى عن ذلك الجماع المشترك الذي كان يتم أثناء أعياد ديونيزوس، لأن سقراط يكره اللذة من أجل اللذة، ولذلك نجده يتهكم من افروديت في"محاورة فيليبي"حين ربطت بين اللذة والجسد. وقد استطاع المكر السقراطي أن يرفع اللذة إلى مقام العقل الذي يشتهي الحكمة والأنغام..(13)ما دام أن غاية الكون هي الاستمرار، وليس الفساد والانهيار، فإن المعلم يلح على مشاعة النساء وان يجماع الكل الكل ولو في لحظة واحدة، تتعالى فيها الأصوات والهذيان والقساوة المعممة بعدالة، وتمتزج العطور، ويختلط المني بالدم من أجل ولادة فرحة للوجود بواسطة مبدأ أن العبقري يلد العبقري، ذلك أن الحذر السقراطي كان عنيفا فيما يتعلق بانتقاء النساء والرجال الذين لهم الحق في المشاعة والنكاح المشترك الذي يباركه الرهبان والكهنة، "فعليك أن تحتار للرجال الذين انتقيتهم أقرب النساء إلى طبيعتهم ثم تجمع بين هؤلاء وأولئك، فيكون للجنسين معا نفس المسكن ونفس الطعام، مادام من المحظور على أحد أن يملك شيئا لنفسه، ويعيشون سويا ويختلطون معا في الرياضة البدنية وفي بقية التدريبات، ويشعرون برابطة قوية تجمع بينهم بالطبيعة"14إننا نوجد أمام تبادل دائري، جماع مشترك مقابل فوائد لا نظير لها للدولةالدفاع عنها في الحرب، إنجاب أطفال أقوياء وعباقرة، تمديد عمر النكاح لأولئك الذين أظهروا شجاعة كبيرة في الحرب، مقابل حرمان كل من كان جبانا من النكاح، إنها لعبة ماكرة يمارسها اللغوس على النكاح، فبواسطته يتم ضبط الحراس وإخضاعهم للعدالة والنظام، إنها دولة قوية تقوم على الجماع المشترك كما أشرنا إلى ذلك، تكون خالية من الشرور لانعدام الملكية الفردية: " أليس أشر ما في الدولة هو ما يمزق وحدتها ويفرقها أشتاتا، وأفضل خير فيها هو ما يجمع شملها ويوحدها"15.
    هكذا سيرتاح المعلم سقراط من تمزق وحدة الدولة، ومن الطلاق والصراعات التافهة بين الأسر أو بين الرجل والمرأة، ذلك أن: "أقوى الأسباب في محبة الرجل لامرأته أن يكون صوتها دون صوته بالطبع وتمييزها دون تمييزه، وقلبها أضعف من قلبه. وإذا زاد شيء من هذا على ما في الرجل تنافرا بمقداره" 16، لأن الطبيعة لا تصنع باطلا، لأنها تسعى إلى غاية واحدة وهي الكمال، ولذلك فإن: "الطبيعة للنفس شبيهة بالنزوجة للرجل: تدبر البدن، كما تدبر المرأة المنزل.. فان غلبت الطبيعة على النفس كان كتأمير المرأة على زوجها: فانتشر أمر النفس وقبح نظامها. وإن غلبت النفس عن الطبيعة كان كتأمير الرجل على المرأة ووضعه إياها في مرتبتها " 17
    في هذا الأفق الممتلئ بالانسجام والتناغم، تتحرك النفس نحو الطبيعة كما تتحرك المرأة نحو الرجل، لأنها تمتلك الوجود في رحيمها، ولكننها في حاجة إلى محرك وهو المني الذي يخرج هذا الوجود من القوة إلى الفعل، مما يرغمها على أن تكون مغايرة، أو مضادة له في الطباع، ذلك أن الأضداد تعشق بعضها من أجل تحقيق شبقية اللذة، وبمجرد انتهاء اللذة تتصدع وتنفجر حسب قانون افروديت. واستنادا إلى وصية أفلاطون التي تقول: "من لم يهيجه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، والجماع وشبقيته وسحره فهو فاسد المزاج لا علاج له" (18)هاهنا تصبح بلاغة الجماع مرتبطة بشبقية اللغة التي تضفي على الجسد قدسية التناغم والانسجام مع فصول السنة والأنغام الموسيقية، ونوعية الطعام، لأن المقبل على الجماع لا بد أن يتناول أطعمة مهيجة غالبا ما تكون ممزوجة من الأضداد: البيض والبصل، العسل وحليب النوق مع استحضار التوابل العنيفة، كما لا ينبغي نسيان الدور الميتافيزيقي للعطر الذي ينفذ مباشرة إلى ماهية الروح ويجعلها لينة، رطبة تنقاد نحو جاذبية الجسد وكأنه كوكب يتحرك في المجرة. ولا يجب أن ننسى أيضا مكانة الاستحمام، لأنه ضروري يعيد للجسد طهارته وقدسيته، ويمنح للروح فرحها، إنه سابق على كل قانون، أو كلام مهم بل إن صاحب كتاب سر الأسرار يعتبره: "من أعجب ما في العالم وأغرب ما وصفته حكماء الأرض ودبرته لراحة الجسم ونقاء البدن وتحليل الأعضاء وفتح مسام الجسم، وإظهار البخارات والفضلات ونقاء الجلد من بقايا الآلام والأمراض. وذلك أنه مبني على فصول السنة: فالحار للشتاء، والذي يليه للخريف، والذي يليه للربيع والذي يليه للصيف" (19)لكن كيف يمكن تحقيق هذا الجماع الميتافيزيقي الذي يجعل الجسد يتحد بالجسد، والروح بالروح في وحدة وجود صوفية يتحكم فيها اللعب بالكلمات وإبراز الوجه الابتهاجي للنكاح؟، بعبارة أخرى كيف يمكن أن نمتلك الوجود من خلال قدسية النكاح؟
    من المفيد أن نبحث عن الإجابة في تلك الفضاءات المغربية لكتاب سر الأسرار المنحول على أرسطو والذي هيمن بظلاله على أغلب الكتابات السلطانية سواء في السياسة أو في الطب وحفظ الصحة، أو في فن النكاح، لأنه نص شامل لكل فنون القول حتى الخيمياء والسحر. وكأنه يسعى إلى الخلود، يسلك طريقا خاليا من المحالات، لغته تمزج بين الإغراء والخرافة، ولعل هذا ما منحه القدرة على اختراق نصوص فلاسفة الإسلام والإقامة في كينونتها، إلى درجة أن ابن سينا وابن عربي وابن خلدون كانوا ضحايا إغراء هذا النص الساحر. وقد حاول ابن رشد أن يحافظ على استقلاليته إخلاصا منه للمعلم الأول لكن بدون جدوى. سنحاول ان نقضي وقتا ممتعا داخل غرائبية هذا النص أو ربما سنجد أنفسنا نتحرك في هوامشه، خاصة وأنه يربط الجماع بفصول السنة، ويوجه الملك الاسكندر إلى حفظ صحته، انطلاقا من اختياره للأوقات المقدسة للجماع. فما هي الطقوس التي ينبغي توفيرها من أجل نكاح أفضل؟ وما هو الفصل الأمثل لممارسة هذا الطقس؟ ثم ما هي الأطعمة والأشربة التي يجب تناولها لتهييج شهوة الجماع؟



    1 - أفلاطون: الجمهورية ص 5
    2 - الجمهورية ص 49
    3 - الخطيبي: الاسم العربي الجريح، دار العودة بيروت ص 119
    4 - ن م ص 120
    5 - أفلاطون في الإسلام، غ بدوي دار الأندلس
    6 - الجمهورية ص 45
    7 - م م ص 273
    8 - م م وصية أفلاطون ص 244
    9 - م م أفلاطون في الإسلام ص 253
    10 - الجمهورية ص 99
    11 - الجمهوري ص 99
    12 - م م ج 169
    13 - Platon, Philibe, Flammrion P373
    14 - أفلاطون م م ج 170-171
    15 - م م ج 175
    16 - أفلاطون ص 275
    17 - أفلاطون في الإسلام ب ص 274
    18 - أفلاطون في الإسلام بدوي ص 246
    19 - سر الأسرار ص 105


    .
     
  3. عزيز الحدادي - الجماع فاكهة سوق الجنة..

    الفصل الثاني


    الفصل الثاني:الجماع باعتباره سرا للأسرار: الجسد المقدس وبرهان اللذة

    من الصدف الجميلة والرائعة في حياة المترجم يوحنا بن البطريق، تلك التي جعلته يكتشف مخطوط كتاب سر الأسرار هذا الكنز الثمين، بعد معاناة البحث في كل الهياكل التي أودعت الفلاسفة فيها أسرارهم، وقصد البلدان التي سمع بوجود هذا الكتاب فيها، وكأن الأمر يتعلق بكتاب خارق للعادة، كتاب بإمكانه أن يغير مجرى التاريخ العربي الإسلامي، وسيجعل أمير المؤمنين يشبه الاسكندر الذي كان تلميذا لمعلم الإنسانية أرسطو طاليس. هكذا قام بن البطريق بتشويقنا إلى فتح هذا الكتاب وقراءته بصوت مرتفع من أجل أن يسمعنا القارئ. ويقتسم معنا متعة الإصغاء إلى أرسطو المنحول. يقول مترجم الكتاب من اللسان الرومي إلى اللسان العربي يوحنا بن البطريق: "فلم أدع هيكلا من الهياكل التي أودعت الفلاسفة فيها أسرارا إلا أتيته، ولا عظيما من عظماء الرهبان، وظننت مطلوبي عنده إلا قصدته، حتى وصلت إلى الهيكل الذي كان بناه اسقلابيوس لنفسه، فظفرت فيه بناسك متعبد مترهب ذي علم بارع وفهم ثاقب فتلطفت له واستنزلته وأعملت الحيلة حتى أباح لي مصاحف الهيكل المودعة فيه، فوجدت في جملتها المطلوب الذي نحوه قصدت وإياه ابتغيت.
    فصدرت إلى الحضرة المنصورة ظافرا بالمطلوب والمراد، وشرعت- بعون الله تعالى وتأييده وسعد أمير المؤمنين- في ترجمته"سر الأسرار(1) يدفعنا المترجم إلى السير في طريق ممتلئ بالأشباح، غير الطريق الذي اخترناه والذي يجعلنا نتعرف على برهان الجماع عند فلاسفة الإسلام، لأن الفيلسوف هو إنسان لا يتوقف عن الحياة، ولا عن الشك والحلم بأشياء رائعة كما قال نيتشه. فبدلا من أن يقدم ابن البطريق فصول الكتاب ويتحفظ بصدد بعضها، ويتساءل هل هو بالفعل لأرسطو أم منسوب إليه فقط؟، وما هي الشواهد على أن هذا الكتاب هو بالفعل للمعلم الأول؟، اختار أن ينقل إلينا فرحة أمير المؤمنين وسعادته بالحصول على هذا الكتاب، لكن ما الذي ينتظره الملك من كتاب سر الأسرار، هل يحتاج إلى حكمته؟، أم يسعى إلى معرفة أسرار حفظ صحته والاستمتاع ببهجة النكاح، وشهوة الأطعمة، ونشوة الشراب؟.
    يبدو أن كاتب سر الأسرار لا يمكن أن يكون إلا لغزا محيرا، لأنه يعتبر أن كل ما ينطق به أمام الملك سر لا ينبغي إداعته، ولعل هذا ما يجعلنا نقترب من اليقين بأن أرسطو لم يكتب هذا الكتاب، خاصة وأن جل مؤلفاته لم تتحدث بلغة الأسرار، وإخفاء العلم على طالبه، بالإضافة إلى غياب المفاهيم الأرسطية التي حملها كتاب السياسة، وكتاب الأخلاق النيقوماخية وكتاب ما بعد الطبيعة وغيرها من كتبه، إذ أن أرسطو له مفاهيمه وأسلوبه ولغته تميزه عن غيره من الفلاسفة.
    هكذا يجب علينا أن نحتفظ بدورنا بسر كاتب سر الأسرار لننعم مثل الملك ببهجته، حيث يخاطبه قائلا: "وأنا أودع لك هذا السر في فصول من هذا الكتاب ظاهرها حكمة ووصية، وباطنها هي البغية. فإذا تدبرت أمورها وتفهمت رموزها، نلت بها غاية أمانيك وأقصى أراجيك; فكن بها سعيدا. وفقك الله لفهم العلم وتفضيل أهله"(2).
    الواقع أن حياة الملوك عبارة عن سر الأسرار غموض في غموض، لأن ما يقع في البلاط لا أحد من المواطنين يعرفه، أو بالأحرى معرفة عدد الجواري وعاشقات الملك، ومع من يحب أن يجامع، وما هو نوع الطعام أو الشراب الذي يستهويه ويثير شهوته وابتهاجه، بيد أن صاحب سر الأسرار سيقوم بفضح ذلك السر إذ من خلال اطلاعنا على كتابه نتعرف على الحياة الخاصة لأمير المؤمنين: مأكله، ومشربه ونكاحه، والفصول التي تساير مزاجه وأصناف النساء اللواتي يجامعهن عل اختلاف الفصول، فنساء الشتاء يختلف عن نساء الربيع، ونساء الصيف يغايرن نساء الخريف، كما أن لكل فصل أطعمته، ونوع حمامه وعطره، ولباسه. إنها في حقيقة الأمر حياة داخل حياة; شاقة في تنظيمها وترتيبها، بل ومسايرة نظامها المتشدد على الرغم من ابتهاجها وابتعادها عن الرتابة.
    نعم إن الملك شخص غير عادي فهو يستمد سلطته من الله، كما يحب الكاتب أن يظهر لنا ذلك، إنه يحكم ويسود، يوحد، ويجمع شتات المجتمع، ولذلك ينبغي أن يتمتع ويبتهج بلحظات الشبق مع من يريد، فكل شيء مباح، إنه تعبير مربك للحلال والحرام، دوران لبراهين الجسد الخاضعة لتراتب إلهي.(3) هتك للمقدس في طهارة صافية مجنونة بالشهوة، والهذيان، فالملك مباح له حتى الصبيان لما فيهن من حرارة تدفئ الجسم حين الشعور بالارتعاش; يقول للملك: "ومن أدب الأكل أن ترفع يدك وقد بقيت بقية من شهوتك، لأن الإكثار في الأكل يضيق النفس ويبقى الطعام في قعر المعدة... ثم يتناول في آخر طعامه قليلا من الخمر الممزوج... ثم يضطجع على جنبه الأيسر فيستتم على نومه.. فإن أحس بثقل في الشراسيف فينفعه أن يضع على بطنه ثوبا ثقيلا مدفئا، أو يعانق صبية حارة الجسم"(4).
    إن الآداب السلطانية تؤسس النصيحة في غياب الأخلاق، إنها تتعالى عن أخلاق الواجب، كما تتعالى عن القيم والأعراف، وبعبارة أوضح إنها نصيحة موجهة إلى المقدس الذي لا يمكن أن يكون إلا على صواب معصوم من الخطأ، ولذلك فإنها خارج الزمن أزلية تصلح لكل ملك ولأي زمان، وهي غالبا ما يكون مؤلفها مجهولا، وقد انتقلت هذه العدوة إلى الآداب السلطانية الإسلامية، لأن أغلبها لمؤلف مجهول; سواء التي ربطت النصيحة بالسياسة ومزجتها بالخيمياء والسحر والشعوذة متأثرة بروح سر الأسرار، حيث تصبح السياسة معرفة غيبية تساير الملك باعتباره ممثلا لله في الأرض، إنه أمير المؤمنين، أو التي اختصت في حفظ الصحة باعتبارها جزءا من صناعة الطب، بيد أنها تتحول في بعض الأدبيات إلى طب شعبي قواعده الخرافة، والخيمياء، والسحر، خاصة حين يتعلق الأمر بتهييج الجماع، باعتباره جوهر هذه الكتابات. ولعل متابعة قراءتنا لكتاب سر الأسرار، سيوضح إلى أي مدى يسعى كاتبه إلى جعل من عنف النكاح غاية كل نصيحة من نصائحه المتعلقة بحفظ الصحة، فالطبيعة تشبه سن المرأة في تحولاته داخل دائرة مغلقة فمن سن الشباب إلى سن الرقي والتمام ثم الانحدار نحو الكهولة والشيخوخة التي ينبغي ممارسة لعبة الإغماض اتجاهها، كما أن للنكاح مزاج مرتبط بفصول السنة، هناك فصول تسمح بكثرة الجماع والحركة، والغزو بما فيه من قبل مبللة، ولمس، وعناق، وعض. إنها طقوس طبخ للجماع والتي تشبه تناول الطعام في تناغم غاية في الانسجام وفصول لا تسمح بذلك: "وقدم ما ينبغي أن يقدم من الطعام وأخر ما ينبغي أن يؤخر، مثال ان يجمع الإنسان في أكلة واحدة طعاما يلين البطن وطعاما يحبسه. فإن هو قدم الملين وأتبعه الآخر سهل انحدار الطعام بعد انهضامه. ومتى قدم الحابس وأتبعه بالملين لم ينحدر وأفسدهما جميعا"(5) والجماع في هذا الأفق عبارة عن طعام للروح يساهم في حفظ الصحة والمزاج، ولذلك ينبغي أن ينظم حسب الحمية، لأن الإكثار منه مدمر للصحة ومفسد للمزاج. وكأن الأمر يتعلق بواجب أو بضرورة. هكذا يغيب العشق، وشاعرية العواطف والتيمم بشبقية الجماع حين يتحول إلى مجرد وصفة طبية تحفظ الصحة.
    والحال أن ما يهم الكاتب هو صحة الملك وطول عمره، وسعادته، لأن سعادته هي مشترك لمحيطه، والمؤلف يعلم أن: "أسرع الأشياء ضررا الخطأ في السفينة وفي مجالس الملوك"(6) والنصيحة في بعض الأمور التي تثير غضب الملك مضرة لصاحبها ولذلك يقول أفلاطون: "احذر من نصيحة الملوك الدخول إلى الاضرار بالناس. مثل أن توفر عليه حظوظه كما توفر على بعض العامة، ولكن ابتغ له الاضرار بنصيب من ماله والشكر والمحبة، فإنك تحسن بذلك أيامه ولا ينقصه مما أحسنت إلى الناس منه"(7) مع العلم أن أضر الأشياء عليك أن يعلم رئيسك أنك أحسن حالا منه. إنها لعبة ماكرة يحكمها الزمان، ولذلك فإن أغلب فلاسفة الإسلام الذين عاشوا في البلاط بالقرب من الملك كأطباء يحرصون على حفظ صحته وشفاء علله، قد تم إبعادهم ونبذهم ونفيهم، وأحيانا اغتيالهم كما وقع للفيلسوف والطبيب ابن باجة. ولم يستثنى من هذه القاعدة أحد من الحكماء فالشيخ الأكبر ابن سينا تم طرده واطهاده، ابن رشد تم نفيه ومحاصرته حتى الموت، الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي هرب في ظروف غامظة من مدينة فاس، كما هرب ابن خلدون من نفس المدينة. ذلك إن صحبة الملوك دائما فيها عطب. وصاحبنا يعرف ذلك جيدا، لأننا نجده حريصا على سعادة ملكه، من خلال إثارة شهيته للحياة، والإقبال على مباهجها، إلى درجة أنه يقول له: "ياسكندر، لا تحزن على ما فاتك، فإن ذلك من خواص النساء الضعفاء"([8])، فالمهم هو الحاضر بملذاته وطيب العيش فيه. لأنه من المحال امتلاك الماضي أو الآتي. ولكن بإمكانك الاستبداد بحاضرك وجعله في خدمة شهواتك وتطلعاتك. وليس غريبا أن ينصحه بالحذر من النساء لأن المرأة بقدر ما تمنحك لذيذ وبهجة النكاح، بقدر ما أنها تهدد حياتك بمكائدها، لأنها تصبح خطيرة عندما يكبر في قلبها الانتقام، لأن الرجل حين يغادر عشيقته يكون قلبه قاسيا فقط ، أما المرأة فإن قلبها يمتلئ بالشر: "لا تثق من خدمة النساء إلا من اختبرت ثقتها على نفسها ونفسك ومالك، فإنما أنت وديعة بين أيديهن. وتحفظ من السموم فقد صرعت الملوك"([9])، يتعلق الأمر إذن بالمرأة ذات الوجهان، فمن جهة إنها مصدر البهجة والشبق والاستيهام وجنون الشهوة لأنها تنقل الذات إلى ما بعدها. منذ اللحظات الأولى حيث يطبخ الجماع، كما يطبخ الأكل اللذيذ الذي يستمد هويته من الاحتيال بمزج المتضادات من أجل إخفاء مذاقها، ومن جهة أخرى فإن انتقامها يكون قاسيا، قد يؤدي إلى الهلاك والموت، إنها ثنائية ميتافيزيقية : اللذة والموت، الحياة والفناء، فالهتك والاستمتاع بالإقامة الأبدية في رحم المرأة أحيانا يكون ثمنه باهظا، وهو الموت من أجل ولادة جديدة، ولعل كاتبنا يدرك جيدا أن الجماع لا يمكن أن يكون ممتعا وشبقيا إلا حين يتم على حافة الخطر، إنه بمثابة سرقة للحظة نادرة من بهجة الوجود، إنه يشبه تلك الثنية التي تجمع الموجود بالوجود. ولكنه قريب من المخبأ الرفيع.
    نعم إن كاتبنا لا يثير الجانب الأخلاقي للجماع، بل يبيح للملك حرية النكاح مع من يشاء، أما العامة، فينبغي أن تنكح امرأة واحدة، بعد إقرار روابط الزواج، وإلا أصبح النكاح مقرونا بالزنى: "والزاني سارق للفرج، مفسد للنسل. وجزاؤه أليم العقوبة. وقوي الشهوة هم أكثر من يؤثره على التزويج لفساد في نظام نفوسهم، لأنهم لا يصبرون على طول العشرة وجميل الصحبة، ويكون الاستطواف آثر عندهم من التمسك بعلائق الوفاء للزوجة وحسن الانقياد إلى جميل المجازاة"([10]). يبدو أن بنية هذا النص مغايرة للأدبيات الجنسية في الإسلام، وبخاصة الشعبية منها، حيث أن الجماع في هذه الأدبيات يصبح أسطوريا، لأنه من الصعب أن تجد المرأة المحمودة عند الرجال كما يتحدث عنها الروض العاطر: "فأما المحمود من النساء عند الرجال فهي المرأة الكاملة القد العريضة خصيبة اللحم كحيلة الشعر واسعة الجبين زجة الحواجب واسعة العينين في كحولة حالكة، وبياض ناصع مفخمة الوجه أسيلة ظريفة الأنف ضيقة الفم محمرة الشفائف واللسان، طيبة رائحة الفم والأنف طويلة الرقبة غليظة العنق عريضة الصدر، واقفة النهود ممتلئ، صدرها ونهدها لحما، معقدة البطن وسرتها واسعة، عريضة العانة كبيرة الفرج ممتلئة لحما من العانة إلى الآليتين، ضيقة الفرج ليس فيه ندوة، رطب سخون تكاد النار تخرج منه"([11]). هكذا تظل هذه المرأة الأسطورية مرتبطة بالأحلام. إنها تحرك لاوعي الذي يريد أن يجامع امرأة منعدمة هذه الشروط، ربما تظل مجرد صورة معلقة أمامه يرغب في الاقتراب منها، لأن الجماع لا يقوم على ما هو مرئي، بل على الاستيهام والإقامة في اللاوعي ولو للحظات. ولذلك فان أغلب قراء الروض العاطر قد نكحوا هذه المرأة المثالية وتلذذوا بمباهجها. وكمال جمالها إنها تفوح برائحة عطر جذاب كزهرة الحياة عند ابن عربي. كما أن الشيخ النفزاوي لا ينسى الحديث عن المحمود من الرجال عند النساء.
    هكذا تصبح المعادلة مستحيلة، لأنه إذا كانت المرأة التي تخرج من شبقية الروض العاطر وتحفز على إنزال المني بلعبة الكلمات الساحرة الذي تمارس العنف ضد اللاغوس، مستحيلة الوجود في عالم الكون والفساد، فإن الرجل المحمود عند النساء مستحيل الوجود أيضا: "فأما المحمود من الرجال عند النساء فهو كبير المتاع (اثني عشر أصبعا، ثلاثة قبضات) القوي الغليظ البطيء الهراقة والسريع الافاقة وألم الشهوة.. لأن النساء يردن من الرجال عند الجماع أن يكون وافر المتاع طويل الاستمتاع ضعيف الصدر ثقيل الظهر بطيء الهراقة سريع الافاقة ويكون أيره طويلا ليبلغ قعر الفرج فيسده سدا فهذا محمود عند النساء "([12])ومما يثير الدهشة ان صاحب الروض العاطر لا يتحفظ بصدد الكلام المباح عن النكاح أو يخشى من عواقب النصيحة كما هو الشأن عند صاحب سر الأسرار، ذلك أن النفزاوي يتحدث بحرية، وبإمكانه أن يستغل خياله أو أن يصدق حكاية خرافية ويحكيها، على الرغم من أن كتابه موجه إلى وزير في عهده، إذ يحكي عن امرأة ملت النكاح مع زوجها لأنه ليس من المحمود من الرجال، أي كبير المتاع طويل الأير والاستمتاع ، بل إن زوجته تحتقره لصغر ذكره وقصر شهوته وقلة عمله، وكان ذميما وكانت هي عظيمة الخلقة مقعورة الفرج، فخطر ببالها أن تجامع حماره لتوفره على أير طويل، مرعب، سيقوم بنسف الشبق، وتحريك الهذيان ومنح للقساوة، ولذة الألم متعة وللشهوة البهائمية ابتهالا، إنها مفارقة غريبة، بيد أن النفزاوي يعتبرها حكاية حقيقية، وربما كان يصدقها، ويختار لها عنوانا مستفزا: المرأة والحمار، ها هنا يصبح النكاح فنا للحكي العجائبي إذ بإمكانه ان يجمع بين الإنسان والحيوان، وبين الجن والإنسان، فالمتلقي مفروض عليه أن يصدق، والحكواتي يعرف أن المتلقي إنسانا بسيطا لم يتجاوز المرحلة الحسية لانعدام المعرفة وخضوعه للجهل، ولذلك فانه يبيح لنفسه ان يحكي حكايات مدهشة: "فيأتي الحمار ويشم فرجها من خلفها فيظن الحمار أنها حمارة فيرتمي عليها.. تحبس ايره في فرجها وتجعل رأسه في باب فرجها وتوسع له حتى يدخل شيئا فشيئا إلى أن يدخل كله فتأتي لها شهوتها، فوجدت راحتها مع ذلك الحمار".
    الكتاب إذن موجه للعامة فبامكان صاحبه أن يحكي كما يشاء، لان العامة تشبع رغباتها بالعجائبي والغرائبي، فنفسها مؤهلة للانفعالات وحماسة الوجدان، لأنها لم تصل إلى مرحلة الوعي الذاتي، بل إنها تسبح في نعيم الوعي الشقي، كما يقول هيغل. في حين ان كتاب سر الأسرار موجه إلى ملك عالم ومثقف، لذلك فإن مؤلفه كان حذرا تجاه الحكايات وضرب الأمثال، لان ما كان يهمه بالدرجة الأولى هو متعة الملك وسعادته، وكأن الأمر يتعلق بكاتب مرافق للملك كظله، يوجه نصيحته في كل يوم، فبمجرد ما ينتهي منها، يقوم الملك بتطبيقها، إنه جماع موجه من قبل الحكيم الذي يقول له باستمرار:"ياسكندر! حفظ الصحة يكون بإذن الله على وجهين" هكذا تبدأ النصيحة التي تتوجه من الأكل ومتعته، إلى الشراب ونشوته لتتوج بالنكاح وبهجته وسحر شبقيته. إنها دوائر متداخلة فيما بينها، فغياب أحدها ينفي الكل، ولذلك فان الوجود يصبح لعبة بهذه الدوائر التي تتجاوز لحظات الزمان وتجعلها تخضع لحاضر الحاضر، وكأن الحكيم يقول للملك بأن الماضي ليس لك ولا الآتي لأنه بعيد المنال، في حين إنك سيد حاضرك، لابد أن تنعم منه، وتجعله فرحا منتشيا من خلال مزاجك، لكن كيف يجامع الملك، وما هي الأشياء التي يأكلها ويشربها من أجل تهييج شهوة النكاح؟


    * الملك وكثرة الجماع في فصل الربيع
    لم يكن الكاتب يخفي امتعاضه من الزمان، وخاصة حينما يصيب النفس بحزنه ويكدر فرحها، إذ ربط الزمان بفصول السنة، ومن أجل تلطيفه وجعله يتجلى من خلال تغيرات الهواء، حتى يتمكن من التحكم فيه واقتياده نحو الخضوع لنصائحه، إنها حيلة تسعى إلى شفاء النفس من الخوف من المجهول; الحيلة والبرء كما يقول الطبيب جالينوس. لأن الإنسان حين ينتقل من فصل إلى آخر قد يصاب بالكآبة، وتصبح نفسه هشة، ضعيفة أمام تقلبات الزمان. وانطلاقا من هذا التخوف أراد كاتب سر الأسرار أن يمنح لكل فصل متعته، وكأنه يتسوق من سوق الجنة يبحث عن ألذ الأطعمة والفواكه وأبهى النساء دون أن ينسى مرح الأشربة لأنها تبدد الهم والغم، وتلطف النفس وتجعلها لينة مبتهجة بالوجود تسعى إلى التوحد به مخافة من العدم الذي يهددها باستمرار، ويضعها أمام حقيقتها; وهي الموت الذي ينتظرها في ذلك المخبأ الرفيع المشترك بين الإنسانية كشهوة النكاح لأنها أعدل قسمة بين الناس.
    وتحقيقا لغايته سيفتتح كلامه عن الفصول، بفصل الربيع، باعتباره أجمل فصول السنة، إنه الفصل الذي تتناسل فيه الحيوانات، وتكثر فيه الفواكه، و هواؤه يتميز بشاعرية العذوبة،إلى درجة ان كاتبنا يشبهه بجارية غاية في الفتنة. لأنه يعلم بأن ملكه يعشق النساء فوجوده باطلا بدونهن. ولذلك فإنه ينصحه بكثرة الجماع في هذا الفصل المرح، حيث ينتظره الاستمتاع باختلاط المني بالدم وامتزاجه مع عطر الهواء، إنه يهتك في لياليه الجواري في غياب صاحب الأسرار الذي لا يكتب عن شبقية نكاح الملك، لأنه يفضل الاختفاء وراء أقنعة بلاطه، متلاشيا في غسق الانتظار.
    هكذا تكون بهجة الربيع هي بهجة الجماع، التي تدوم: "ثلاثة وتسعون يوما وثلاثة وعشرون ساعة" لأنه من الصعب تعداد عدد الجواري اللواتي سيلتهمهن الملك، خاصة وأن الحكيم يكتفي بقوله ويصلح فيه كثرة الجماع، دون أن يستعرض الجزئيات. حيث نجده يقول عن فصل الربيع: ".. وتفتح النوار واخضر وجه الأرض، وتكونت الحيوانات، ونتجت البهائم ودرت الضروع وانتشر الحيوان في البلاد.. وأخذت الأرض زخرفها وأزينت وصارت الدنيا كأنها جارية شابة قد تزينت وتجلت للناظرين"([13]) وبعد أن يفتح شهيته بهذه الجارية التي تشبه الدنيا في فصل الربيع، ينتقل إلى اختيار الأطعمة التي تناسب هذا الفصل وتتماشى مع تدبير بدن الملك حيث يقول: "وهذا الفصل حار رطب معتدل نسبة الهواء والدم وينفع فيه كل شيء معتدل القوى مثل الفراريج والطيهوج (الحجل) والدراج والبيض النيمرشت والخس والهنديا ولبن المعز.. ويصلح فيه كثرة الجماع وإسهال البطن ودخول الحمام والتعرق"([14])هكذا يكون كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف ب "سر الأسرار"، هو في حقيقة الأمر كتاب في تدبير جسد الملك وإنعاش روحه، لأن السياسة خارج هذا الجسد لا يمكن أن تقوم، لان الملك هو السياسة وهو الدولة، فسعادته سعادتها. إنه التباس في الرؤية يسعى الكاتب إلى منحه شرعيته وقدسيته، لكن من الذي يجامع في حقيقة الأمر الملك أم فصول السنة؟، هل الجماع مرتبط بالمزاج وقوة النفس أم أنه مرتبط بهواء الفصول؟

    * جسد الملك المقدس وقلة الجماع في فصل الصيف
    في هذا الفصل الحار واليابس تصير الدنيا كأنها امرأة منعمة بالغة تامة كثيرة العشاق، هكذا تتحول الطبيعة إلى مجرد جسد مرأة جميلة وغاية في النعومة تخضع لدوران الزمن وتقلباته، حيث يكون الربيع هو لحظة الشباب والجمال، والجسد عبارة عن أزهار قد تفتحت وأصبح عطرها يوقظ الروح من سباتها، ويلينها لتنحل في عذوبة هوائه، وتصاب بلهيب الشبق وجنون الشهوة، هاهنا يبيح الحكيم للملك كثرة الجماع، وكأنه يشير إليه باختيار النساء الشابات والفاتنات اللواتي يستخرجن الفرح والسرور من القلب كما يفعل فصل الربيع. وينصحه بأن يقلل من النكاح في فصل الصيف حين يصبح جسد هذه المرأة منعم وبالغ وتام، أي انها بلغت سن الأربعين وما فوق. يتعلق الأمر إذن بالتلاعب بالكلمات، بالانزياح عن قول الحقيقة، لأن النصيحة والحقيقة يحكمهما التضاد، إذ لا بد لكاتب النصيحة أن يخفي الحقيقة حتى يحتفظ بوظيفته ورفقته للملك، لأنه إذا افترضنا أن زوجة الملك أو عشيقته التي تملك قلبه قد بلغ جسدها فصل الصيف، ومع ذلك ظل متيمما بها، يحتضنها، على الرغم من جماعه مع الجواري والحسنوات، والكاتب يعرف ذلك، هل يتجرأ بإثارة غضب الملك بقوله للحقيقة، أم أنه سيستعمل الحيلة واللجوء إلى مكر اللغة للحفاظ على مكانته؟
    يتحرك النص إذن في هذا الفصل من خلال استراتيجية خاصة تهدف إلى إقناع الملك بعدم جدوى كثرة الجماع لأنها مفسدة للمزاج ومدمرة للبدن، مادام ان الملك قد جامع بكثرة، وبشغف كبير في فصل الربيع الذي دام ثلاثة وتسعون يوما، كانت صاخبة بالنكاح إلى درجة أن رائحة امتزاج المني بالدم كانت تصل إلى أعماق الكاتب الذي يختفي بحلول الليل حيث يترك مكانه لتمجيد الجسد، وعبادة النكاح، وعندئذ يكون هو في إطار البحث عن نصيحة الصباح، التي تصادف حلول فصل جديد. والملاحظ أنه لكي يصل إلى برهان الجماع ينطلق من ذكر محاسن أو مساوئ الفصل ثم يصف الأطعمة التي تليق به ليخلص إلى برهانه، إنها لعبة ماكرة للإقناع تقوم على ذكر بعض المقدمات المشهورة والتي لها تأثير على النفس، سهلة الاعتقاد، لأنه لا أحد من الناس سيرفض الاعتراف بعذوبة الهواء في فصل الربيع وجمال الطبيعة، ولكن ما علاقة هذا الفصل بكثرة الجماع، وما علاقة فصل الصيف بقلة الجماع؟
    إنها حيلة يقتضيها تدبير الجسد المقدس الذي يحكم ويسود، ويعيش الكاتب من خلال نعمه، والشاهد على ذلك أنه سيبيح لهذا الجسد المولع بالنكاح جرعة أكثر في فصل الخريف، ولكن ليس بحجم فصل الربيع، أو فصل الشتاء، هكذا يتم تقسيم فصول الجماع إلى أربعة مراحل: مرحلة الكثرة والهذيان والهتك والقساوة والعنف لأنها تتم مع امرأة شابة، ثم مرحلة القلة والهدوء والنعومة، لأنها تتم مع امرأة بلغت كمالها، ثم مرحلة متوسطة بين المرحلتين، على الرغم من أن هذه المرأة قد: "صارت كهلة مدبرة قد تولت عنها أيام الشباب". ذلك أن المفارقة لا تبدو في النص فقط، بل تبدو أيضا في صاحب النص، لأنه يورطنا في محالات عديدة، لا نملك إلا أن نصفها بالخرافة، ذلك أن ما يهم الكاتب هو حفظ صحة الملك، ولو على حساب قراء هذا النص عبر السنين، وخاصة الذين سيتقون فيه ويطبقون تعاليمه. هكذا سيكون مآلهم الحرمان من النكاح في فصل الصيف، حيث تكثر المتعة: متعة الحياة، ولذة النكاح المقترنة بإغراء الأجساد العارية، والمثيرة للشبق وانفلات الشهوة من قبضة النفس. ان الكاتب يكتب في أفق مضاد للكتابة، انه يكتب ضد الحقيقة، من أجل ان يحكم على نصه بالعدم، أو الإقامة المؤقتة مع تلك النصوص الهامشية التي استنفدت طاقتها. ولم تعد نافعة لكل زمان. ومع ذلك لابد من الاعتراف بشبقية هذا النص، وتلك النصوص التي خرجت من رحيمه.
    أما المرحلة الأخيرة في هذا المسار المشوق وهي فصل الشتاء الذي لا يضر فيه الجماع الكثير بتعبير صاحبنا، على الرغم من أن الدنيا صارت فيه وكأنها عجوز قد هرمت ودنا منها الموت. إنها جمالية البشاعة.لا يمكننا إلا أن نستمر في وصف هذا النص الشيق وقراءته من خلال برهان الفوضى، ربما لأننا نريد أن نلحقه بفوضوية ما بعد الحداثة، حيث يصبح النص عبارة عن آثار تتجه نحو عدميتها، لان ما يمنح للنصوص قوتها هو إقامتها في العدمية، باعتبارها شعارا لمرحلة ما بعد الحداثة بكاملها. هكذا يكون صمود هذا النص أمام عدميته هو ما يحفزنا على تقديمه للقارئ في أفق فرح، حتى ننفض عنه غبار القرون الوسطى، ونجعله يتكلم بعد صمت طويل المدى. لأن ما يهم ليس ما يقوله النص، ولكن من أجل أية غاية قال ذلك. ان كتاب صاحبنا مدهش في قدرته على جعلنا نصدق ما لا يصدق، ونؤمن بما يخرج عن دائرة كل إيمان، ولعل هذا هو سر خلوده. وقدرته على اختراق النصوص الأخرى.
    من أجل أن يبرهن الكاتب على دور المناخ في شبقية الجماع يتخذ الأطعمة كمقدمات مشهورة لها تأثير قوي على النفس، ان الطعام هو المهيج للجماع، هو كمياء يتوحد مع المني في عمق رحيم المرأة، انه يحرك الوجود، ويوقظه من سباته، ليستمر في رحلته نحو الزمان الأزلي. فإذا كان للربيع طعامه وفواكه، فإن للصيف أيضا طعامه وأنواع فواكهه إذ يقول: "ويؤكل كل بارد من الأطعمة والأغذية مثل لحوم العجاجيل بالخل، والقرع، والفراريج المسمنة، ودقيق الشعير، وتؤكل الحصرمية. ومن الفواكه: التفاح الموز الإجاص والرمان الحامض. ويكون المشموم وما يدهن به باردا. ويشرب الماء المبرد بالثلج ويقلل الجماع"، بالرغم من أنه في هذا الفصل تصل الطبيعة إلى كمالها: "ونضجت الثمار وسمنت البهائم واشتدت قوة الأبدان وصارت الدنيا كأنها عروس منعمة بالغة تامة كثيرة العشاق" فإن حيلة الكتاب تتسلل إلى وعي ولاوعي الملك من خلال وصف المناخ بالحرارة واليبوسة ونقص المياه وهبوب السمائم. معنى ذلك أن الجسد هو بدوره يكون حارا في غريزته، لكنه يابسا من السيلان قليل المني، لأن النكاح يقتضي إنزال المني بكثرة من أجل ملء وعاء المرأة، ذلك أن كمياء النكاح، في الروض العاطر يقتضي كمياء الماء، سواء في القبلة المبللة، أو في سيلان المني الذي يشبه سيلان الوديان، لأنه إذا كان الربيع يتصف: بكثرة مياهه: "وسالت الأودية ومدت الأنهار ونبعت العيون وارتفعت الرطوبات إلى فروع الأشجار ونبت العشب" فإن فصل الصيف يتميز بجفافه: "ونقصت المياه ويبس العشب". هكذا يؤثر هذا الفصل في الجسد، خاصة وأن استراتيجية الكاتب هي جعل الملك يؤمن بأن الجسد ينتمي إلى الطبيعة فهي التي تمنحه الصحة والمرض، القوة والضعف، ولذلك فإن هذا الممتد على امتداد الفصول مضطر لمسايرتها في لحظات ازدهارها وتألقها، وفي لحظات تقهقرها وانكماشها، إنها تمنحه الفرح والحزن في نفس الوقت، سيلان المني، ويبوسته، القوة على الجماع وانعدام هذه القوة. والشاهد على ذلك ان الكاتب يستحضر صورة المرأة، لكي يوضح تغير فصول الطبيعة ومدى تأثيرها في الجسد، باعتباره هدية ثمينة من الطبيعة لابد أن تستعيده فيما بعد، انها بقدر ما تمنح تأخذ بقدر ما أنها رائعة وشفافة وعمقها ممتلئ بحب ونزعة شاعرية متفردة بقدر ما أنها بشعة وقاسية تأخذ أشياءها بعنف وقهر لا مثيل له، إذ أنها تحول الجمال إلى بشاعة، لأن نفس الوجه الذي يكون غاية في الجمال يتحول إلى منظر بشع، والحياة إلى موت. وكأنها تقول لنا ينبغي التكفير عن ذنوبكم بالموت. هكذا يكون الملك قد مات دون أن تنتهي نصائح الكاتب، ودون أن ننتهي من استعراضها، فمن الذي سيستمع إلينا بعد هذه النقلة من الفرح والبهجة إلى الحزن والشقاء؟.
    والحال أن الكتابة تصاب هي الأخرى بخيبة الأمل وعدم القدرة على الاستمرار، عندما اصطدمت بهذا الانتقال المؤلم من رحاب البهجة والسرور في ضيافة صديق الملك الذي كان ينصحنا من خلاله كيف نجامع برضى الطبيعة، لأننا نحملها في كينونتنا، ونسير في الاتجاه الذي تشير عليه، بدون تردد، ولا انتظار. بالرغم من مرارة الانتقال من فصل إلى فصل، من المتعة إلى الألم، من إباحة إفراغ القوة الناكحة في فضاء كوني من أجل شحن المرأة وتوحيد جسدها بالطبيعة وتعريضها لقوانين تقلباتها، أو على الأصح إخضاعها لمزاجها إلى منع وتحجيم الشبق بأدلة سوفسطائية. إن الطبيعة والمرأة وجهان لحقيقة واحدة، فكلاهما يهب الحياة حين يتم تبليله بالماء،لذلك فإن ذوبان الثلوج من جراء الحرارة هو نفسه تهييج قوة الجماع وسيلان الماء من فعل الطعام والشراب، فالطبيعة تنبت العشب، والمرأة تنبت الحياة، وتمنح الاستمرار للوجود.لأنها زهرة بالفعل وثمرة بالقوة. ولذلك بمجرد ما تشيخ الطبيعة، تشيخ المرأة أيضا، وتتحول إلى عجوز هرمت ودنا منها الموت، والفرق بينهما ان تحولات المرأة تتم داخل الزمان، في حين أن تحولات الطبيعة، تتم خارج الزمان أي في فضاء دائرة الفصول لانها تمتلك الأبدية، بيد أن الكاتب لكي يخرج من هذه المفارقة يترك مفهوم المرأة بدون إشارة إلى امرأة بالذات، محكوم عليها بقانون الكون والفساد، بل إنها امرأة أبدية بدورها، ولعل هذا ما يجعلنا نستحضر تلك القاعدة الطبيعية لأرسطو والتي تقول يموت الأشخاص ويبقى الجنس. هكذا تموت عاشقات الملك، وتبقى المرأة الطبيعة مستمرة في الوجود، لأنها قبل أن تموت تمنح الحياة وتتجدد كالطبيعة.

    * فصل الخريف لا يندر بنهاية متعة الجماع
    يصف الكاتب بشاعة الخريف بلغة قاسية ومدمرة لفرح النفس، خاصة عندما يشير إلى هجرة الطيور، وفناء الأرض مما يفتح المجال أمام الكآبة لتستوطن في النفس، وتدعوها إلى مغادرة الفرح في اتجاه الحزن والألم: "ودخل الخريف وبرد الهواء وتغير الزمان ونقصت المياه وجفت الأنهار وغارت العيون وجف النبت وفنيت الثمار.. وعرى وجه الأرض من زينته وماتت الهوام وانجحرت الحشرات وانصرف الطير والوحش يطلب البلدان الدافئة.. وتغير الهواء وصارت الدنيا كأنها كهلة مدبرة قد تولت عنها أيام الشباب" وباعتباره كاتبا للفرح، فرح الملك، وليس كاتبا لتكدير نفس الملك ودفعها إلى الحزن، يجد حلا غاية في النعومة ويتجلى في نوع الأطعمة الحارة واللينة والرطبة والأشربة المعتقة التي يصفها ببهجة وفرح تفوق ماهية الفرح: "ويستعمل من الأغذية والأطعمة ما كان حارا لينا رطبا مثل الفراريج والخرفان والعنب الحلو والشراب العتيق. ويتجنب كل ما يولد السوداء"([15])، وتماشيا مع رغبات ملكه ينصحه بالإكثار من الجماع والحركة، بيد أن: "الحركة فيه والجماع أكثر مما في الصيف وأقل مما في الشتاء والربيع"
    نعم إن الكتابة عن بهجة النكاح هي نفسها الكتابة عن مباهج الطبيعة ولحظات انكماشها وحزنها، ولكن صاحبنا يمتلك دواء شافيا لهذا الانكماش، وهذا الحزن حتى لا ينتقل إلى النفس ويضعفها لتسقط ضحية الخوف من المجهول، والوسواس باعتباره بوابة مفتوحة على الهم والغم. فلكل فصل متعته، كما ان لكل طعام نكهته، ولكل شراب فرحه. إنها معادلة صعبة، بإمكانها أن تتحول إلى سلاح ضده، لان تقلبات مزاج الملك وغضبه قد يكون الحكيم ضحيتها، لأن النفس أحيانا تمل من الشهوات وتشتاق إلى الزهد والإنساك، أي إلى دربتها على الصبر، وقدرتها على الاغتراب والعزلة: "أنت وطني أيتها العزلة، ولم يعد لي وطن سواك، طالما انتظرتك"، ولذلك فإن الكاتب يحتاط من هذا الغضب، فهو لا يتحدث مثلا عن التهتك بين الجواري ونساء القصر، ومنهن زوجة الملك، كما يفعل صاحب الروض العاطر، حين تسعى زوجة الملك إلى تبديل إير بآخر، أو نكاح بقصيدة، كما انه لا يتحدث عن عبيد الملك الذين يفسقون مع جواريه ويسرقون الفروج ويدنسون النسل. ان ما يهم صاحب سر الأسرار هو كيف ومتى يجامع الملك، وما هي الأشياء المهيجة للجماع حسب الفصول؟ لأنه خارج هذا الجماع يصاب النص بالصمت المطلق، إلى درجة أنه لا يهمه كيف ينفذ الجماع الحلال بدقة بين الرجل والمرأة، كما دافع عن ذلك الروض العاطر، ورجوع الشيخ إلى صباه، بل إنه يقتصر على هذا الجماع المقدس الذي يجمع بين جسمين; جسم إلهي وجسم طبيعي، من أجل ولادة الإنسان الأعلى.
    وسنرى فيما بعد كيف ان ابن سينا كان ضحية هذا النص، لأنه كان يقتات من سوقه كل أطعمته وأشربته التي تهيجه للنكاح، والأدوية المبرئة للعلل الناتجة عن النكاح.
    يأخذنا هذا النص الشبقي في مساراته المرعبة واللذيذة في نفس الآن، إلى التعرف على أحوال الجماع في فصل الشتاء، باعتباره المرحلة الأخيرة في هذه الرحلة، بالرغم من أن الكاتب يوحد بين هذا الفصل وفصل الربيع. لانهما معا يفتحان شهوة الجماع والإكثار منها، لأنه إذا كان الجماع نافعا في فصل الربيع، فإنه لا يضر في فصل الشتاء. إذ أن هناك فرقا بين عذوبة هواء الربيع، وخشن الهواء في الشتاء. إلا أنه ينبغي أن يسقي الملك فرج المرأة ورحمها، كما يسقي المطر الأرض، ويجعلها تحيل بفصل الربيع، كما يحيل رحم المرأة بمولود جديد. إنها علاقة عشق وخصام بين النكاح والطبيعة، بين الاير والفرج، بين المني ومص المني وابتلاعه إلى حدود النشوة، لأن المني حسب الروض العاطر يسكر المرأة أكثر من الشراب المعتق. والشاهد على ذلك المراة التي تسمى بالمني التي لا يشبعها سيلان المني الذي ابتلعته من كل الرجال الذين هيجت شهوتهم. إنها امرأة تمتص المني بنشوة السكر، كما يمتص الطفل ثدي أمه، وكما ينتشي محب الخمر بكأسه. استطاعت أن تمتص المني بدون توقف إلى أن جاء العبد ميمون الذي يلتهم صفر البيض بشراهة وينكحها بعنف يدخلها إلى لحظة الفناء عند إنزال المني والاتصال بلحظة الإشباع وإخماد نار الرغبة المهيجة لجسد المني. إن النفزاوي يصف لنا صخب الجماع بين المرأة المني والعبد ميمون الذي دام ستون يوما بدون توقف، بعنف مهيج لشهوة النكاح. إنها حكاية تشبه حكاية المرأة والحمار، تستفز لكي تهيج، تضع القارئ في قلب التضاد، وتجعله هو الآخر يلتهب بلمس جسده أو إيره. وهذا بالذات ما يقصده صاحب الروض العاطر. كما ان كتاب رجوع الشيخ إلى صباه ينقلنا إلى جحيم النكاح من خلال حكاية المرأة والخباز، حين يصف بدقة ذلك النكاح الصاخب الذي تم فوق دقيق القمح، بحركات عنيفة وصلت إلى حدود هتك الفرج وإنزال المني ليمتزج بالدم والدقيق الأبيض، وتشعر تلك المرأة وكأنها فقدت روحها. لكن ما الذي يجعل النكاح عنيفا ومسكونا بالقساوة والهذيان والهتك وتفضيل الاير الكبير عن الاير الصغير، والفرج الكبير والعريض عن الفرج الذي لا خير فيه؟ من الذي يجامع في الواقع هل الإنسان المشار إليه، أم أن هناك شخصا آخر يقيم بداخله ينتشي بالفتك والدم كما تنتشي المرأة بالقساوة وإنزال المني؟
    إن كتاب "سر الأسرار"يظل نصا محافظا ليست له الجرأة التي امتلكها صاحب الروض العاطر، أو رجوع الشيخ إلى صباه اللذين استطاعا إزالة الاحتشام وتسمية الأشياء بأسمائها، من خلال ربط النكاح بالطب الشعبي وبالنص القرآني، لأن: "قراءة القرآن مهيئة للجماع" كما قال الشيخ النفزاوي، لأن النكاح ذوغائية مبتهجة فهو نظام إلهي وفاسق في آن واحد.([16]) هكذا يصبح النص الأدبي في الثقافة الشعبية الإسلامية ينشر الوعي بأهمية الجماع بين الناس، ولكن الجماع الحلال، على الرغم من أن هناك انزياحات يصمت بصددها صاحب الروض العاطر، ويتعلق الأمر بالنكاح الفاسق في حكاية جماع صامت بين امرأة وزوج جارتها، دون أن يعلم هو بذلك لأن الوقت كان ليلا وتسللت إلى فراشه فظنها زوجته. لأنه كان قوي المتاع غليظ الاير بطئ الهراقة سريع الافاقة وألم الشهوة. إنها حكاية تنقل إلينا الخيانة الزوجية، ولكن في هذه الحالة ليس الرجل سارق الفرج، إنها المرأة التي سرقت إيره ولو لبرهة شبقية من الزمان، كما كانت تلك المرأة الأخرى تسرق إير الحمار لمدة طويلة. إن الزنى لعبة متبادلة بين المرأة والرجل أحدهما يسرق الإير والآخر يسرق الفرج. من أجل الاستمتاع فقط ويتم تهيجه بالعطر. لعل هذه المتعة المتبادلة يمكن أن تسمى سرقة فاضلة سرقة كانت غايتها إسعاد النفس في زمن يسير عند شيخنا.
    إذا كان الجماع ينتمي إلى باب حفظ الصحة من صناعة الطب، وكان الطب هو الاقتصاد في الأشياء، استنادا إلى حكمة ابقراط([17]) الذي كان يحمل على نفسه في الحمية. فقال له تلميذه: أيها الحكيم لو زدت في غذائك شيئا ازددت قوة ونشاطا به. فقال: "أي بني! إنما أطلب الغذاء حرصا مني على البقاء، ولا أطلب البقاء حرصا مني على الغذاء. فإن صاحب سر الأسرار يأخذ بهذا القانون الطبي، ويسعى إلى تطبيقه من خلال تحديد طقوس النكاح وربطه بالفصول ووضعية المزاج. لكنه يتجرأ ويمنع الملك من المباضعة في بعض اللحظات لأنه يعتبر أن نفس الملك وديعة عنده يجب أن يحفظها من الدمار: "وليحذر الجماع ذلك اليوم عقب الحمام وتلك الليلة، لئلا يهدم الجماع جميع ما ذكرناه ودبرناه فهو أتم للصحة وأبرأ للجسم وأجلب للقوة وأدوم للعافية"([18]) كما يمنعه من نكاح نساء الهدايا المبعثة من الملوك، وخاصة ملك الهند لأنه يتم تغذيتها بالسم حتى صارت مثل الأفعى تقتل كل من يجامعها ببرهان عسلها أو عرقها، حيث يقول: "وتذكر أم ملك الهند إذا بعثت إليك البعثة وفي جملتها الصبية التي غذيت من صغرها بالسم حتى صارت في طبيعة الأفعى، ولولا أني تفرست ذلك فيها.. وأخرجت التجربة أنها تقتل ببضعها وعرقها، فلولا ذلك ومعرفته لأهلكتك"([19]) وكأنه يريد أن يقول لملكه بأنك شغوف بالنكاح لا تستثني حتى الهدايا.
    إن صاحبنا يبدو بمثابة طبيب للجماع غريب المزاج، وخاصة يعتبر ان الجماع دواء، وداء في نفس الوقت كما هو الشراب، فالقارئ يرث حيرة الملك أمام إضراب مزاج هذا الرجل. ولعل هذا بالذات ما يشكل مصدر الاختلاف بينه وبين الأدبيات الجنسية الإسلامية التي تأثرت به، لأنها لا تعتبر الجماع حفظ للصحة، ولذلك ينبغي إخضاعه للحمية، بل إنه شبق مهتاج وهذيان وجنون للشهوة يعبر عن فحولة الرجل وقوته وعظمته، حين يقوم بالغزو والهتك وألم الشهوة ولو اقتضى الحال كل أيام العمر شريطة أن يختار الشخص الذي يتهيأ للجماع أطعمة خاصة بذلك، تدخل في باب طبخ الجماع، يقول شيخنا النفزاوي إلى وزيره: "اعلم يرحمك الله أيها الوزير أن هذا الباب فيه منافع كثيرة جليلة تقوي على الجماع للشيخ الكبير والطفل الصغير، وهؤلاء قال فيهم الشيخ الناصح لخلق الله من داوم على مخاخ البيض كل يوم بلا بياض على الريق هيج الجماع.. واشتاقه شوقا عظيما" الواقع أن الشيخ النفزاوي لا يتحفظ بصدد النكاح، أو يعتبر كثرته مدمرة للجسد، ومفسدة للمزاج، كما هو الحال مع كاتب سر الأسرار، الذي يسير وفق تعريفه للفلسفة كما تركها الأوائل، وبالذات الحكيم ابقراط: "لأن الفلسفة إنما هي ملك الشهوات"، بيد أن صاحبنا يجد نفسه في حيرة مما يجعل نصه متورطا في المحالات، لأن قوامه الأنطولوجي، أي أسسه الوجودية تقوم على الإباحة والمنع، النصيحة بالإكثار، ثم النصيحة بالقلة. هكذا يصبح جسد الملك يخضع للتضاد، أو على الأصح إن النصيحة تساير مزاج الملك ورضاه، ولذلك فإن الحيلة أفضل وسيلة لتبليغ النصيحة. لأنه إذا كان الملك في حاجة إلى النكاح وكبرت شهوته، وعظم شبقه، فإنه يستحيل على صاحب النصيحة منعه من ذلك، وإلا سيصبح مزعجا لحياة ولي نعمته.
    ههنا تتحرك النصيحة لتتحد مع المكر، ويخاطب الملك بلغة أخرى أكثر شاعرية، ووقعها يكون قويا على النفس: "فإن وجد عطشا فليشرب من شراب الورد والتفاح الممسك بالماء البارد نحو نصف رطل، ثم يتمطى قليلا ناظرا إلى كل صورة حسنة مصورة محكمة التصوير، وإن كان إلى آدمي حسن الوجه فهو أفضل وأتم"([20]). ومن غير شك أن النظر إلى وجه امرأة جميلة يثير الشهوة، ويوقظ العنف الناكح، بدلا من أن يهدئ شبقية الجسد ويجعلها تخضع لنصيحة الحكيم الذي يعرف بأنه واقف أمام باب الاستحالة.
    ولعل هذا ما يدفعنا إلى النظر في قانون طبخ الجماع عند أرسطو المنحول وعند الشيخ النفزاوي في أفق التضاد، لأن الأول يريد إعادة الهدوء، والسكون إلى شهوة الجماع بواسطة النظر في المرأة الجميلة والاستلذاذ بمحاسنها دون أن يصل الناظر إلى تهيج شهوة النكاح، لأنها كالعاصفة حين تبدأ ألا تتوقف إلا بعد إنزال الدمعتين. إنها وحش مخبول بلغة سوفكليس. أما الثاني، فإن ما يهمه هو التحريض على تقوية الشهوة وإيقاظ نارها وهيجانها واشتياقها إلى درجة أن إيره لا ينام عليه ليلا ونهارا: "ولبن النوق أيضا ممزوج بعسل وداوم عليه يرى من القوة عجبا ولا ينام عليه إيره ليلا ونهارا"([21]) مع العلم ان صاحب الروض العاطر قد اشترط صفر البيض، وهو كمياء جوهري لتقوية الجماع، والمرأة المحمودة عند الرجال التي يشيهي فرجها حتى الكاتب نفسه، الذي لا يكتب في حياد تام، بل يجامع بواسطة شبق الكلامات وما تحدثه في النفس، وهي أيضا مهيجة للجماع ومحركة للاستيهام. ويصبح الذي يكتب عن النكاح منغمسا في شهوته، أو ربما أنه بإنزال النص يتم إنزال المني، والشاهد على ذلك أن النفزاوي يطلب من الله باستمرار أن يقربه من فرج المرأة الفاتنة ولو لليلة واحدة، هكذا ينتفض بين الحين والآخر حين يكون بصدد وصف الفرج المثالي الذي هو كبير وضيف وليس فيه ندوة رطب سخون تكاد النار تخرج منه ليقول: "نطلب من الله أن يعطينا فرجا مثيلا، آمين"([22]). كما أنه حين يكون في إطار الكتابة الممتعضة على ذلك الفرج الذي لاخير فيه: "وهو فرج واسع بارد نتن الرائحة أصلع ذو قذارة وعفونة وماء" فإنه يلتمس من الله أن يبعده عنه كما أبعد السماء على الأرض: "نطلب من الله أن يحفظنا من فرج مثيل آمين"، لكن هل تقبل دعوة الكاتب ويحقق مبتغاه حين يجامع فرجا مثيلا، أو حين يبعده عن الفرج الذي لا خير فيه؟، هل كان الكاتب بالفعل صادقا في هذه الدعوات؟ أم أن الأمر يتعلق بلغة الإقناع؟.
    ربما كان على كاتب سر الأسرار أن يصف للملك هذا الفرج الذي لا خير فيه من أجل تحجيم شهوة الجماع ولو لبرهة الزمان، بدلا من أن ينصحه بالنظر إلى امرأة جميلة مثيرة يتمناها الكاتب في أحلامه، ولكن صاحبنا ليست له جرأة الشيخ النفزاوي، لكي يطلب بصوت مرتفع من الله أن يعطيه فرجا مثيلا، بل نجده في إحدى فقرات الكتاب ينتفض من الجماع، دون الخوف من غضب الملك، أو قساوة عقوبته، خاصة عندما اعتبر أن شهوة النكاح هي من خواص الخنازير، كان من الممكن أن تجلب عليه هذه العبارة سخط الملك وانتقامه، لأن صحبة الملوك دائما فيها عطب. ومع ذلك فإنه اكتسب الجرأة لنصيحة ملك يهوى الجماع ويقدسه، حيث يقول: "ياإسكندر! لا تمل إلى النكاح فإنه من خواص الخنازير.فما الفخر في شيء الدواب أكثر فيه منك؟ وهو ينقص الجسم ويهلك العمر ويفسد البنية ويكسب أخلاق النساء. وكفى بالتشبيه بما ذكرناه عجزا"([23])لكن ما الذي دفع الحكيم إلى هذه النصيحة المستفزة والتي تحتقر شهوة الجماع؟، هل لأنه لاحظ أن ملكه كان إيره لا ينام ليلا ولا نهارا وخاف على صحته، أم أنه خشي فقدان سلطته وملكه من جراء فقدان اعتداله؟.
    الواقع أننا لا نملك إجابة مقنعة عن هذين السؤالين، وكل ما نملكه هو القول بأننا أمام نص مهيج لاضطراب في دروبه الملتوية، لأنه بمجرد ما يجعلك تثق في نصيحته، وتستريح بالقرب من حكمته، ينقلب عليك ويأخذك إلى مقام الحيرة والتقلب لتقتنع بحكمة الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي الذي يقول: "من لم يذق متعة الحيرة ولذة التقلب لا قلب له. ومن لا قلب له لا يعول عليه".
    ولعل قدرنا هو أننا نمتلك قلبا مما جعلنا نتيه في عوالم كتاب لا سر له، إنه كتاب يقع بين الرفض والقبول كتاب لم نصل إلى حد الآن من لمس هويته، هل هو كتاب في السياسة والحكمة، أم انه كتاب في حفظ الصحة وتحقيق التوازن في الجماع والأكل والشراب، أم أنه كتاب في الخيمياء والسحر والشعوذة؟.
    إذا أردنا أن نكون أقرب إلى الحقيقة جاز لنا القول بأنه كتاب يجمع بين المتناقضات: الحكمة والشعوذة، السياسة والسحر، حفظ الصحة وتدمير الصحة، شبقية الجماع وقدسيته، بهائمية الجماع وتفاهته، إنها ثنائيات تجعل الحكم يقيم داخل اللاحكم، والفهم في اللافهم، والاقتناع في اللاقتناع. لأنه على عكس الروض العاطر الذي كان صاحبه واضحا في دعوته إلى الشغف بأسرار الجماع وتقديم النصيحة لمن : "أراد النكاح في الليل كله وأتاه ذلك على غفلة قبل أن يستعمل جميع ما ذكرنا فليأخذ من البيض قدر ما يجد به شبعا ثم يلقيه في طاجين، ويضع معه سمنا طريا. ثم يلقى عليه ما يغمره عسلا ويخلط بعضه على بعض ويأكله بشيء من الخبز شبعا لا ينام إيره في تلك الليلة" إنه طب شعبي أقرب إلى الخيمياء الذي يقول لك: خذ ما تريد واترك ما تشاء من أجل أن تحصل على غايتك. ويستعمل النفزاوي لعبة الإقناع على قارئه من خلال استعمال عبارة: "وهو مجرب عندنا". بمعنى أن الكاتب قبل أن يقدم نصيحته يقوم بتجريبها، وكأننا أمام رجل يأكل البيض والسمن والعسل . و لا ينام إريه في تلك الليلة، إنه يقيم للقارئ جسرا على الهاوية ، خاصة عندما يقوم بهذه التجربة وتكلل بالفشل، لان إيره لا يستطيع أن يظل واقفا ليلة بكاملها ، لان الجماع مرتبط بالحركة، و الحركة تسكن حين تصل إلى غايتها، فما يحكيه النفزاوي إذن هو خرافة ينبغي تصديقها، والاعتقاد في صحتها إذا كنا نؤمن بالطب الروحاني، و تسعى إلى الاستمتاع بلذة النص، لأنه نص ينقلك إلى طقوس الجماع، تفوح منه رائحة الصخب ، و ينطق بصوت ألم الشهوة من شدة قوة الهتك و عنف النكاح. إنه يؤثر في قارئه أكثر من تأثير أفلام الخلاعة الجنسية على مشاهدها. لأنه نص يتسلل مباشرة إلى كينونة اللاوعي و يستوطنها، بل يجعلها تتحرك كالأعمى الذي يرى بيديه. إنها بلاغة عنيفة و ناعمة في ذات الوقت تتأسس على التضاد: إير قوي محمود عند النساء، إير ضعيف مكروه عندهن، الفرج المحمود أو المكروه، رائحة طيبة ، رائحة نتنة، ساخن، بارد، خصيبة اللحم ضامرته، ([24]).

    و بينما وهو يسرد أوصاف الفرج المحمود يتدخل ليلتمس جماعه هو أيضا، إنه فن الإقناع بامتياز. يبني حججه انطلاقا من ذاته، لان الذات التي تنطق باسم اللاغوس الجنسي هي نفسها في حاجة إلى الانخراط في صخب الشهوة. كما أن كاتب الروض العاطر لم يضع حدودا بينه و بين النص الذي يكتبه، إنه يصف المرأة المحمودة عند الرجال و كأنها توجد أمامه كما فعل الرسام غويا في لوحته المدهشة " لاماخا " هذه المرأة الأسطورية التي سترافق الإنسان إلى ما لا نهاية، امرأة بحجم التاريخ، يتجول في فضاء جسدها الفاتن، ليمارس القهر على قارئ مضطر ليجامع ذلك الفرج الذي لا خير فيه: واسع، بارد، نتن الرائحة أصلع ذو قدارة و عفونة و ماء، وبخاصة أن صاحب الروض يطلب من الله أن يحفظه من فرج مثيل.
    إنها رغبة عنيفة في امتلاك المتلقي، وإخضاعه لسلطة النص، إذ أن النص يتجلى لا كمصدر للشبق فقط، بل كطبيب شعبي يمزج بين الطب الجسماني و الطب الروحاني، إنه يصف الطعام المهيج للجماع كما يصف دواءا للأمراض التي تصيب الأعضاء الجنسية، أو التي تساهم في الزيادة في حجم الاير و تغليظه، بالإضافة إلى ما يجعل الفرج غير المحمود محمودا عند الرجال. بيد أن ما يصفه من أدوية تدخل في باب السحر أكثر من صناعة الطب، و قد تكون خطيرة على صحة الإنسان.
    هاهنا نصل إلى وضع اليد على مكامن الاختلاف بين كتاب سر الأسرار والروض العاطر في نزهة الخاطر، هذا الكتاب الذي يمثل جنسا أدبيا للشبق الجنسي في الإسلام، إنه نص يتداول أمام أبواب المساجد وفي الحمامات الشعبية والأسواق، وقد تجده عند العطار الذي يبيع الأدوية التقليدية والأعشاب، كما وصفها شيخ الناصحين. الذي هو راوي مجهول لا أحد يعرفه حتى صاحب الروض العاطر، الذي يستعمل الاسم دون أن يعرف صاحبه، ربما يكون هو صاحب سر الأسرار ممتزجا بنصوص ابن سينا في الطب وغيرها، ذلك أن هذا الكتاب الساحر عبارة عن موسوعة مختصرة ، شامل لكل فنون القول ، إنه يعادل مكتبة ضخمة بالنسبة للملك، كتاب في حجم مكتبة، إنه يتكلم عن كل شيء و لا شيء في نفس الوقت، لأنه كتاب يربي النفس على الكسل باعتباره شقيق النفس التي تكره التعب و العمل الشاق.
    نعم إن تعلقنا ب " سر الأسرار " وإلحاحنا على قراءته ملتبسا مع الأدبيات الجنسية في الإسلام، لم تكن الغاية منه منح لهذه الأدبيات شهرة أكثر من الشهرة التي اكتسبتها، أي أن انتشارها وأرقام مبيعاتها لا تحصى. إنها كتب بدون ناشر ولا تحتاج إلى إشهار، تباع كما يباع السباح، ولعل ما زاد من شعبيتها وانتشارها عدم تعرضها للتحريم أو الرفض من قبل الفقهاء والأئمة في المساجد، بل إنها محببة إلى نفوسهم، تتم قراءتها في غسق الليالي، مثيرة ومسلية للروح كحكايات ألف ليلة وليلة ، حيث الجنس اتحد مع الزمان ليشكلا إمبراطورية الشبق داخل بلاط الملوك، كما أن ما تصنفه من أطعمة، لأنها لا تتحدث عن الاشربة، بسيط وفي متناول الطبقات الشعبية التي تتوجه إليها بالأساس، فالروض العاطر مثالا لا يتحدث عن الطعام الباذخ أو الفواكه الملوكية و التي لا يعرفها القارئ، لأنه ليس موجها لملك كما هو عليه الحال في كتاب سر الأسرار، الذي يصف للملك فواكه وأطعمة نادرة الوجود، غالية الكلفة من المستحيل أن يتناولها قراء الروض العاطر أو رجوع الشيخ إلى صباه، إن ما يقدمه الروض لا يتجاوز حدود ما هو موجود في متناول الجميع كالبيض، والعسل، والبصل، وحليب النوق، إنها لعبة للإغراء والوصول إلى قلوب الملايين من الناس، ولذلك أصبح الكتاب الأكثر مبيعا في تاريخ الإنسان. فقوته تكمن في انتشاره، وتحكمه في بناء اللاوعي الجنسي عند الإنسان العربي.
    كما انه لم تكن غايتنا أيضا التعريف بكتاب سر الأسرار الذي تجاوز حدود الشهرة، إنه كتاب بلغ درجة التقديس في القرون الوسطى، وأصبح مصدرا لكل الأدبيات السياسية والجنسية والطبية، بل أن رغبتنا اقتصرت في استعراض بلاغة الجماع في هذا الكتاب من أجل مقارنتها بميتافيزيقا النكاح عند فلاسفة الإسلام وأدباء الثقافة الشعبية، وبعبارة أوضح ما هو التأثير العنيف الذي مارسه هذا النص اللغز على مسار الكتابات الجنسية في الإسلام؟ هل يتعلق الأمر بنص شيطاني منبوذ من الله، أم أنه نص روحاني يدبر الجسد من أجل سعادة الروح، ونيلها لمثال الخير؟.
    لم يكن صاحب سر الأسرار يعتبر نفسه كاتبا عاديا يقدم النصائح للملك، وتنتهي مهمته بمجرد انتهائها، ويتم الاستغناء عن خدمته مقابل أجر زهيد أو ثروة باهظة، بل انه كان فيلسوفا وطبيبا وفلاكيا وساحرا وصيدليا، فهذه المهام تمنحه مكانة رفيعة في محيط الملك، لأنه امتلك قلبه وجعله يؤمن بأن حياته وصحته وسعادته مرتبطة بهذا الحكيم، بيد أن ما يهمنا في هذه العلاقة الغريبة التي تجمع الملك بكاتم أسراره، هو مستوى وعي الملك الذي يدبر أمة بكاملها ، فمن جهة انه ابن الله، سلطانه منتشر في ملكه، وعظمته، وقوته تصل إلى كل سكان مملكته، ومن جهة أخرى انه إنسان بسيط وهش، وخرافي يصدق السحر والشعوذة ومتيمم بالشهوات يعشق النكاح و المبالغة فيه، إلى درجة أن مدبر جسده يجد نفسه مضطرا للتدخل لكي يضع حدا لهذه المبالغة مستغلا حيلة الطبيب الماهر، حين يقول للملك: " فأما ما يهزل البدن و ييبسه: قلة الطعام والشراب، وكثرة التعب، والسهر الطويل... وإفراط المجامعة وشغل البال والفقر والخوف "([25]). لكن ما يلبث يستقر على هذا الرأي، أو هذه النصيحة حتى يجد نفسه أمام نصيحة مضادة لها أكثر فرحا، بإمكانها أن تلطف مزاج الملك وتبعده عن الهم والغم، وتجعله أكثر سعادة وبهجة وسرور، حين يعتبران مآل الجسم الذي لا يجامع هو التحول إلى مجرد هيولى، أي بدن كثير اللحم وعريض الخلقة مما يمنحه منظرا بشعا: " وأما ما يسمن البدن ويهيجه ويكثر لحمه: قلة المجامعة وأكل الخبز السميد ولحم الدجاج المسمنة، والشرب في الأواني الجديدة الطيبة الرائحة واطرح الهم و الحزن " (26).
    إنها مفارقة عجيبة تقع على مساحة شاسعة بين المنع والإباحة، بين ما تفعله كثرة الجماع في الجسم إذ تهز له وتيبسه، وما تفعله قلة النكاح، إنها تسمن البدن وتهيجه وتكثر لحمه، فالملك يوجد أمام خيار صعب; فاما أن يجامع بكثرة، نظرا لتوفره على سوق الجنة المكتظ بالجواري والحسناوات اللواتي يشبهن الكبيرت الأحمر، بلغة الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي ، ويصيح جسمه هزيلا و يكسبه أخلاق النساء، وإما أن لا يجامع و يصح بدنه سمينا و لحمه كثير حين يقوم بقهر رغبته أمام العطر الذي يفوح من سو ق الجنة، عطر الأجساد العارية التي تقضي يومها في الاستحمام و تنتظر دورها لامتصاص المني المقدس للملك باعتباره ممثلا لله في الأرض، وهناك من الجواري من لا يصل دورها إلى أن تختفي في كآبة الخريف، أو أحزان الشتاء، عندما تتحول إلى امرأة كهلة، تولت عنها أيام الشباب، أو عجوز هرمت ودنا منها الموت بعدما كانت جارية شابة تزينت وتجلت للملك الذي قام بهتكها بعنف و نكاحها بهذيان مسكون بجنون الشهوة إلى حدود الانفصال عن شخصية الملك والاتحاد بالايروس في حضرة افروديت صاحبة الجلالة وملكة اللذة.
    و قد كان الكاتب يستمع إلى صخب هذا الجماع المقدس وينتشي بألم تلك الجارية الشابة مثل الملك الذي ينساها بمجرد إنزال المني في رحمها، لتمتلك قدسيتها وتحريمها على الآخرين حتى الموت، إنه قانون لعبة المقدس، فلا أحد بإمكانه أن يجامع نساء الملك، وإلا سيصبح الملك مثله مثل الناس، في حين أن الملك مرتبط بالأفلاك السماوية، إنه كوكب من كواكبها جاء إلى الأرض لكي ينشر العدل وينكح أجمل النساء، و يأكل ألذ الطعام، و يشرب أعتق الاشربة، باعتبارها دواءا وليس مجرد غداء: لان الشراب ذهبي اللون بين الحمرة والصفرة، حريف الطعم لذيذا قد رسبت أثقاله ورقت أجزاؤه... يفرح القلب و يحسن اللون و يطلق اللسان و يشجع الجبان ويسوق إلى كل شيء مونق مبهج ويبعث على كل منقبة كريمة وخصلة حميدة... وهو أحد السموم القاتلة لمن لم يدر مقدار استعماله ([27]).
    وانطلاقا من هذا الاعتبار يسعى الكاتب إلى إبراز الوجه المقدس للملك من خلال عدة تجليات، كأن ينصحه بعدم الإكثار من الظهور للناس، أو الإكثار من الهزل والضحك في مجالسه، وعدم مجالسة العامة. بالإضافة إلى تميزه بمظهره الإلهي وأن لا يقوم ولا يقعد ولا يأكل ولا يشرب ولا ينكح إلا عن اختبار من علوم النجوم إذ لابد: " أن تحفظ بهذه النفس الشريفة الملكوتية فإنما هي وديعة عندك.. وإن أمكنك أن لا تقوم ولا تقعد ولا تأكل ولا تشرب و لا تصنع صنعا ، إلا عن اختبار من علم النجوم فذلك ملاك أمرك "([28])
    هكذا يضع الحكيم نفسه أمام استحالة الممكن، فكل ما يقوم به يستمده من واهب الصور ، فهو في الواقع لا يخدم الملك، بل ان هناك قوة غيبية تملي عليه ما ينبغي القيام به، ولذلك فإنه يجعلنا نرتبط بالسماء، ونؤمن بعظمة ملكه، الذي لا يجب أن يشرب حتى الأدوية حينما يكون مريضا، إلا بمباركة السماء، وعناية القمر والأفلاك الأخرى: " إذا أردت أن تشرب دواء فليكن القمر في البروج الجنوبية، ما خلا الجدي" ويكون متصلا بالزهرة أو المشتري، فإن يكن في العقرب أو الحوت فهو أفضل، أوفي الميزان مع الشمالية. واحذر أن يكون القمر مع زحل، فإنه يجمد الدواء في البطن .([29])
    إذا كان كمياء الجسد يفرح القلب ويولد السرور من خلال التحكم في ثلاثية المقدس حسب نصائح سر الأسرار وهي: لذة الطعام، ونشوة الشراب، وبهجة الجماع فان كمياء الروح التي تطيل العمر، وتقضي على الأمراض والعلل، وتبعد البشاعة عن الجسم، تستمد روحها من دوران الأفلاك. إن جسد الملك مرتبط بتناغم الأفلاك السماوية، فبرؤه لا يتوقف على مهارة الطبيب، أو فعالية الدواء، بل على انسجام أفلاك الكون، لان الملك قمر الأرض، لابد أن يسير بقمر السماء: " فإذا كان موضوع القمر أو الطالع له سلطان على ذلك الموضع من الجسد، فلا تتعرضه "،([30]) و كأنه يقول للملك بأنه لا يملك نفسه، إنه مبعوث إلى الأرض: " فلا تفعل شيئا ( يتعلق بصحتك ) حتى يهل الهلال و يقارب الشمس بثلاثة عشرة درجة. و احذر أن يكون القمر في القوس وهو الطالع أو في الدلو أو في الجدي أو في الجوزاء. وتحفظ من نظر الشمس إلى القمر و الطالع في التربيع، أو المقابلة وكون القمر في الاجتماع و القمر في بروج مائية. واحذر أن يكون المريخ في الطالع أو مقابلا له، و كذلك زحل ".([31])
    هكذا ينبغي أن يدبر جسد الملك وروحه، لأنه هبة من السماء، فحياته لا تشبه حياة البشر المنغمسة في الأرض، وليست لها علاقة بالسماء التي تحتضن الله، باعتباره مدبرا للأفلاك، فالتوجه إلى السماء معناه الدعاء والابتهال إلى مدبر الأفلاك، كما أن تقديس الملك هو تقديس لهذه الإرادة الإلهية. إنها لعبة خداع يؤسس عليها الحكيم خطابه، لكي يبرهن على أن الملك مبعوثا من الله في الأرض، وهو الناطق باسم القوة الإلهية، ومردد النصائح لا يتجاوز حدود ما أملته عليه السماء.الواقع أننا أمام رجل ثمل بالمكر والخداع، لأنه ينقلنا من صخب ومتعة النكاح، وعذوبة الهواء ونشوة الشراب إلى التصديق ما لا ينبغي تصديقه، إلى الإيمان بما لا يجب الإيمان به، إنه ملتهم للأحلام الجميلة، ومدمر لبراءة الوجود باعتباره يختار للإنسان الإقامة في بهاء الطغيان والاستبداد. من خلال تبريره للأفعال الوحشية التي يقوم بها ملكه، ذلك أن هتك حسناوات النساء، وعنف النكاح مع الجواري اللواتي لا يمكن عدهن مرتبط بقدسية السلطة إلى درجة أن طرد المرأة الألفية والمرأة المني من البلاط باعتبارهن يرمزان إلى بشاعة النكاح والإيمان به إلى حدود الهذيان. يبررها الحكيم بحفظ صحة الملك ولا يهمه أن يجعل المتلقي يشارك في صخب هذا الجماع الميتافيزيقي الذي لا نعرف إن كان مرتبطا بالجسد أم بالروح، أم أن الروح هي التي تنكح بعنفها مستغلة الجسد في تنفيذ بطشها على جسد آخر، لان النكاح هو اغتيال ناعم لجسد آخر، يتألم، يصيح، ينزف بالدماء، إنها لعبة سادية متبادلة بين روحين متواطئين على جسدهما المغمى عنه



    ــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 - سر الأسرار م م ص 69
    2 - سر الأسرار م م ص 71
    3 - سر الأسرار خ ص 102
    4 - سر الأسرار م م ص 90-91
    5 - سر الأسرار م م ص 90
    6 - سر الأسرار م م ص177
    7 - أفلاطون في الإسلام م م بدوي ص 190
    8 - سر الأسرار م م ص84
    9 - سر الأسرار م م ص 84
    10 - أفلاطون في الإسلام تحقيق بدوي ص 229
    11 - النفزاوي، الروض العاطر
    12 - م م ص 104
    13 - سر الأسرار. م م ص 92
    14 - سر الأسرار م م ص 93
    15 - سر الأسرار م م ص 94
    16 - عبد الكبير الخطيبي م م ص 102
    17 - ابقراط م م ص 87
    18 - سر الأسرار م م ص 106
    19 - سر الاسرار م م ص85
    20 - سر الاسرار م م ص 106
    21 - سر الاسرار م م ص114
    22 - سر الأسرار م م ص 119
    23 - سر الأسرار م م ص 79
    24 - الاطبي م م ص 115
    25 - سر الأسرار م م ص104
    26 - سر الأسرار م م ص104
    27 - سر الأسرار م م ص101-102
    28 - سر الأسرار م م ص 85
    29 - سر الأسرار م م ص 115
    30 - سر الأسرار م م ص 115
    31 - سر الأسرار ص 114


    .
     
  4. عزيز الحدادي - الجماع فاكهة سوق الجنة


    الفصل الثالث: الجسد كهدية للجماع

    في ضيافة حميمية الشيخ الرئيس ابن سينا

    للانتقال من حميمية سر الأسرار وعذوبة الإمتاع والمؤانسة ببراهينه الغرائبية، وأحيانا الخرافية التي تجعلك تكتب خارج طقوس الكتابة، أو بالأحرى تكتب في غياب الكتابة، التي تحولت إلى كوجيطو ديكارتي منحرف: أنا موجود إذن أنا أكتب ما لا ينبغي كتابته، أكتب لا من أجل التصديق، ولكن بغية السير في طريق الإمتاع والمؤانسة، على الرغم من أنه طريق بدون اتجاه لا يؤدي إلى أي مكان، أو ربما يقود إلى اللامتناهي الذي يشكل ماهية اللذة ومصدر قواها، ورغبتها في تجريب قدرتها في الإنسان المتناهي. هكذا يجتمع المتناهي واللامتناهي في صميم الإنسان بما هو إنسان. الأمر الذي يجعله يهرب من الفضيلة باعتبارها توسطا بين الأقل والأكثر، أي بين التفريط والإفراط، كما جاء في كتاب نيقوماخيا لأرسطو، والذي تداوله فلاسفة الإسلام بكثرة، ومن بينهم الشيخ الرئيس ابن سينا، أمير الفلاسفة، وأكثرهم محبة لمتعة الحياة وعنف اللاغوس. وقد اختصر عمره القصير في ثلاثية عميقة الوجود، ومعبرة عن بهائه وإشراقه لذة الكتابة ومتعة الشراب، وبهجة النكاح. مسار ممتزج بميتافيزيقا الروح وكمياء الجسد، فكيف يجامع الفيلسوف برضى الميتافيزيقا وتلبية لنداء الجسد؟، وهل كان الشيخ ابن سينا مختلفا عن فلاسفة المشرق والأندلس؟ كيف استطاع أن يجمع بين عشق اللاغوس وحب الحياة إلى حدود الامتلاء
    تخبرنا سيرة الشيخ الرئيس ابن سينا، والتي أملاها على تلميذه ورفيقه المخلص أبو عبيد الجوجزاني، أنه فتح عيناه في بيت ممتلئ بالضجيج القادم من أصوات شغوفة بالحكمة والمعرفة، لأن أباه كان ينتمي إلى الإسماعيلية وهي مذهب عرف بنزعته للعلم والمعرفة، ولذلك فإنه كان يستضيف أتباع هذا المذهب في بيته من أجل تناول الطعام، وإتمام الحوار الذي لا ينتهي أبدا، كالحوار السقراطي الذي عودنا على الاتفاق مع محاوريه باستمرار أن يلتقي بهم في الغد، هكذا تختتم المحاورات دائما بأمل اللقاء في الغد. ولعل الطفل ابن سينا كان يلتقط المعارف من خلال ما يستقر في ذهنه، ويقتحم لا وعيه: "وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ويعد من الإسماعيلية. وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم وكذلك أخي. وكانوا ربما تذاكروا ذلك بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي وابتدأوا يدعونني إليه. يجرون على ألسنتهم أيضا ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند([1])."هكذا بدأ يكبر الطفل ابن سينا، وتكبر الرغبة معه في المعرفة، لا بواسطة السمع، ولكن بواسطة القراءة والفهم، وخاصة أن روح العباقرة أصبحت بارزة في شخصيته إلى درجة أنه كان يصحح أخطاء أستاذه في المنطق. حيث يقول في هذا الصدد: "ثم ابتدأت بقراءة كتاب إيساغوجي على الناتلي فلما ذكر لي حد الجنس أنه المقول على كثير مختلف بالنوع في جواب ما هو؟ فأخذته في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله. وتعجب مني كل العجب وكان أي مسألة قالها تصورتها خيرا منه وحذر والدي من شغلي بغير العلم"([2]) واستحكم العلوم وأصبح طبيبا مشهورا في العشرين من عمره، بيد أن شيخنا يعترف بصعوبة كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو مما دفعه إلى قراءته أربعين مرة، ومع ذلك لم يفهمه. وكانت الصدفة سببا في انفتاح أبواب هذا الكتاب أمامه، ذلك أنه اشترى كتابا لم يكن في حاجة إليه، بل أراد أن يرضي صاحبه، وبمجرد ما عاد إلى البيت، وفتح هذا الكتاب، الذي كان لأبي ناصر الفارابي، انفتحت أمامه كل صعوبات علم ما بعد الطبيعة: "وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فلم أفهم ما فيه والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به وأيست من نفسي وقلت: "هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه". فحضرت يوما وقت العصر في الوراقين فتقدم دلال بيده مجلد ينادي عليه. فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: "اشتره فصاحبه محتاج إلى ثمنه وهو رخيص. وأبيعكه بثلاثة دراهم". فاشتريه فإذا هو كتاب أبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. ورجعت إلى داري وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب لأنه كان قد صار لي محفوظا على ظهر القلب. وفرحت بذلك وتصدقت في اليوم الثاني بشيء كثير على الفقراء شكرا لله تعالى". ([3])
    لا نريد أن نستعرض سيرة الشيخ لنعرف القارئ بغرابة حياة الفيلسوف، وكيف ينبت في مناخ مشجع للمعرفة ومحبة الحكمة، بل ان مقاصدنا هي الوقوف على بعض الأسرار التي جعلت ابن سينا يستهلك حياته بسرعة كبيرة، وعنف ماكر، وكيف استطاع أن يجبرها على أن تكون جميلة و معبرة عن إشراق روحه، إذ كيف يمكن لهذا الرجل الذي يحلم في الليل كل ما يكتبه في الصباح، أو الذي لا ينام بتاتا إلا بعد أن يستهلك كل الورق والمداد والشراب، وأن يهب نفسه هدية لجنون شهوة النكاح؟ وما الذي دفعه إلى ركوب أجنحة اللامتناهي من أجل تدمير المتناهي؟. وهل كان يعلم أن تناول جرعات الدواء باستمرار، وحقن جسده بكميات كبيرة من الدواء الذي يصنعه بنفسه، من أجل البرء ثم العودة إلى بهجة الجماع ليعاوده المرض؟ أم أنه كان يتنبأ بأن مصيره سيكون هو الموت؟. ومن هن النساء اللواتي كان الفيلسوف يجامعهن، هل ينتميان إلى جواري البلاط الذي كان ابن سينا طبيبه، أم أنه كان مسكونا بهذيان المومسات اللواتي يمنحن للجماع عنفه وصخبه، أو ربما جنونه التائه في كينونته؟. وما هي النصوص المتعلقة بأسرار الجماع التي قرأها شيخنا في شبابه وأثرت في مزاجه، وجعلته يتمرد على تعاليم المعلم الأول، ويخضع اللاغوس إلى خيمياء الجسد؟، هل اطلع على نص سر الأسرار، على الرغم من أنه كان يعرف بأنه ليس لأرسطو؟ أم قرأ نصوصا أخرى أكثر إثارة من سر الأسرار، ولم يذكرها، بل احتفظ بها في لاوعيه، وقد تحكمت في قدره الذي خضع للذوبان في لهيب النكاح؟.
    حين يغيب النص، وتحتجب الاستشهادات، نجد أنفسنا أمام عظمة الخيال الذي يستنجد بالافتراضات والتخمينات التي تعتمد العلل كمنطلقات بغية البحث عن الأسباب، فإذا كنا لا نعرف شيئا عن نساء ابن سينا وعاشقاته، ولا انتماءهن الطبقي، أي هل ينتميان إلى الطبقات الراقية التي تحيط بالملك ويتم الاستغناء عنهن باعتبارهن فروج لا خير فيها، ملتهبة بالأمراض نتنة الرائحة ذوات قذارة وعفونة وماء، وكان شيخنا طبيبها يحركها نحو البرء متلهفا لنكاحها، أم أنه كان مثل نيتشه يبحث عن مومسات الليل في أزقة مدينته، بعد أن ينتهي من الكتابة والشراب؟.
    لم يذكر لنا كاتب سيرته أوصاف نساء ابن سينا، هل كن من المحمود من النساء، ولا طريقته المفضلة في الجماع، ولا حتى نوع الطعام المهيج للشهوة الذي كان شيخنا يتناوله، بل اقتصر على وصفه بقوة الجماع، والإكثار منه إلى حدود المبالغة،" وكان الشيخ قوي القوى كلها وقوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب ويشتغل به كثيرا"[4]نعم إن جنون شهوة الجماع قام باغتيال كمياء الجسد وأرغم ميتافيزيقا الروح على العودة إلى موطنها الأصلي، إلى جزر السعداء.
    كان ابن سينا إذن ضحية ذلك الوحش المخبول الذي يلهب جسده العليل، ولذلك فبمجرد ما يتماثل للشفاء يعود إلى صخب النكاح والاستمتاع برائحة العطر التي تفوح من امتزاج المني ببرهان العسل، وكأنه واهب للصور يحركها في رحم المرأة بواسطة إنزال المني بعنف، لكي يختلط بالدم ويمنح الحياة للموجود بالقوة ليخرج إلى الفعل، ثم يعاوده المرض مرة أخرى. إنها حلقة مغلقة أبطالها: الصحة، والنكاح، والمرض، يتناوبون على جسم الحكيم الذي أفرط في عشقه للوجود وتيممه بالحسنوات وبأصواتهن المتسللة إلى ذاكرته، لتوقظ فيها نار الطفولة ومحبة الحكمة. إن ابن سينا كان ثملا بعطر النساء، كما أن بهجة الجماع لا تنام عنده، بالرغم من مرضه أو انشغالاته بالتأليف والقراءة، لأن الشيخ كان قوي القوى كلها، وقوة الجماع أعظمها، وقد منحته القدرة على تأليف كتاب بكامله في ثلاثة أيام أو أسبوع كما وقع مع كتاب القانون في الطب: "وأرجع بالليل إلى داري وأحضر السراج بين يدي وأشتغل بالقراءة والكتابة. فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب لكيما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة. ومهما أخذني نوم كنت أرى تلك المسائل بأعيانها في منامي، واتضح لي كثير من المسائل في النوم. ولم أزل كذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني. وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن، لم أزدد إلى اليوم فيه شيئا."[5]
    والواقع ان الفيلسوف ابن سينا كان يمتلك نفسا مرحة تستمد عمقها من أفراح و أعياد ديونيزوس، مؤمنة بتعاليم أفروديت التي تعتبران لذة الجماع مصدر الوجود، كما أنها مصدر انهياره أي بانتهائها تنتهي وحدة الوجود التي تعكس وحدة الموجودات، فالجماع يوحد، وبانتهائه يتم التصدع بين الأجساد. إنه يوحد بين الأضداد، ويضفي عليها انسجاما وتناغما: المرأة والرجل، الذكر والأنثى. عالمان متغايران ومتناقضان يوحد بينهما الجماع، وبواسطته يتم حفظ الوجود من الانهيار. وقد كان شيخنا يؤمن بقوة هذا المذهب الفرح، على عكس سقراط الذي كان يحتقر افروديت، ويعتبران ما تقوله مجرد لعب بالكلمات.
    مهما كان الزمان شرسا مع جسد ابن سينا العليل، الذي لم يستطيع أن يعود إلى صباه في القوة على المباضعة، رغم تسخيره عبقريته كطبيب اشتهر بمداوة علل الملوك والأمراء الذين كانوا يضطهدونه بمجرد شفائهم فإنه تمكن من تجرع لحظات فرحه وبهجته وسروره دفعة واحدة لم تتجاوز الثمانية وخمسين سنة: "وكانت ولادته في سنة سبعين وثلاثمائة وجميع عمره ثمان وخمسون سنة. لقاء الله صالح أعماله"([6]).
    لأنه بقدر ما كان فيلسوفا عظيما أبهر الدنيا بعبقريته، بقدر ما كان جسمه عليلا هشا لا يساير قوة نفسه. فداخل هذه المفارقة الرهيبة التي تجمع بين القوة والضعف، بين الرغبة العنيفة، وعدم القدرة، عاش شيخنا آخر أيامه. ومع ذلك ظل يكتب مجموعة الشفاء الذي اشتهر بها منتقلا من العلم الطبيعي مرورا بالبرهان إلى ما بعد الطبيعة كما أنه استمر في مسايرة عنف النكاح، يتوقف في لحظات المرض، وحين يصح، أو على الأقل حين يتماثل إلى الشفاء، يلتهم قوة جسده بعنف غاية في النعومة، فليبدو الرغبة مرتبط بليبيدو الكتابة، إلى حدود أن الكتابة لا تأتي إلى الفيلسوف إلا عندما يغريها بالشراب وبهجة الجماع، إنه شباك يرميه من أجل اصطيادها. إنها امرأة مدهشة بجمالها ومفاتن محاسنها، ولكنها صعبة المنال بدون إغراء، فإذا كانت المرأة مثل الثروة، عند ميكيافيلي لا تخضع إلا بالعنف، فإن الكتابة عند شيخنا تأتي دائما متأخرة في المساء كمنيرفا الحكمة التي كانت تطير كلما أرخى الليل سدوله، شريطة أن يتم اجتذابها بعطر النكاح ورائحة الشراب، ذلك أن الفيلسوف يكتب داخل اللاغوس الذي يسعى إلى تفجير خيمياء الجسد المحكوم بالكون والفساد، والذي يحن إلى أصله ومصدر وجوده; إنه عنف الجماع، لأن جسد الفيلسوف انبثق صدفة من صخب النكاح ومن هذيان النفس حين لا تعرف الاستقرار في موطن غير موطنها، تتحرك وكأنها عرافة دلف التي تحب الانشطار والاستيهام، وهي لا تتنبأ بما يأتي إلا بالعودة إلى الأصل الذي ينبثق عنه.
    والواقع أن فيلسوفنا اضطر إلى الإقامة في هذا الليل الروحاني الممتلئ بالرموز، ولذلك ظل يبحث له عن سر أسراره، فلم يجد غير اقتسام عمره بنعومة فائقة بين ميتافيزيقا الروح وخيمياء الجسد الذي يقضي نصف عمره في النوم، والنصف الآخر في الطعام وصخب النكاح. إنه كان يكتب لكي يحافظ على الوحدة بين النفس والجسد، ولو لمدة قصيرة. وكل مرة شعر باقتراب افتراقهما، لجأ إلى النجاة بواسطة صناعة الطب، التي تسعى إلى إعادة للطبيعة ما تمتلكه، والخيمياء الذي يمتزج بين الأضداد من أجل إعادة إلى الجسم توازنه. هكذا كان الشيخ الرئيس يحقن نفسه مرات عديدة في اليوم: "ولحرصه على البرء إشفاقا من هزيمة يدفع إليها لا يتأتى له المسير فيها مع المرض، حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات فتقرح بعض أمعائه وظهر به سحج. وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة بسرعة نحو إيذج فظهر به هناك الصرع الذي قد يتبع القولنج. ومع ذلك فقد كان يدبر نفسه ويحتقن للسحج ولبقية القولنج."([7])
    إنه جسد منهك من شدة الإفراط في الجماع والكتابة، يسعى الشراب إلى إيقاظه بين الحين والآخر والعطر إلى شفائه، لأنه لا غذاء للنفس الروحانية التي لا تقوم وتبتهج: "إلا باستنشاق الروائح العطرة والرياحين المستلذة، فإنه إذا تغذت النفس وقويت، يقوى الجسم ويفرح به القلب". ([8]) غير أن هموم مرض القولنج كدر سعادته، فهو ليس بمرض عرضي، ينفع معه تحضير حقنة من ماء الكرفس ولعاب السفرجل، والاهليج الهندي ويضاف إليهم من العسل المدبر رطلان أو ثلاثة إن أمكن، ثم يطبخ الدواء بنار لينة حتى يثخن، وحينئذ يكون جسد الفيلسوف والطبيب ابن سينا جاهزا للتجربة، بيد أنها تجربة اختارت مصير الفشل، وتقرحت أمعاء الشيخ، وأصبح المدبر الذي كان يدبر جسمه عاجزا عن التدبير: "فأهمل مداواة نفسه وكان يقول: 'المدبر الذي كان يدبر بدني قد عجز عن التدبير والآن فلا تنفع المعالجة'. وبقي على هذا أياما ثم انتقل إلى جوار ربه ودفن بهمذان في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة".([9])
    هكذا اقتنع الحكيم بنهايته، وعاشها بدون تردد، ولا خوف، بروح عظيمة خرجت من جسد عليل، لكي تكتسب الخلود، وتحقق كمالها في جسم صناعة الطب، والعلم الإلهي، لأنه لا بقاء إلا للنفوس الفاضلة الكاملة، ذلك ان النفوس الشريرة منحلة حسب ابي نصر الفارابي." فهذا حال ما وصل إلينا من سيرة وحياة هذا الرجل ونحن لم نلق شخصه. وأما من كان معاصرا له ممن لم يوصف بأنه في مثل درجته فلم نجد له تأليفا "إنها عبارات مشرقة حملها إلينا حي بن يقضان([10]). الذي يعترف مثل أسطورة فيدرا التي تحكي بأن النفس الإنسانية تنطق بمحبة الحكمة قبل أن توسطن الجسد. ربما لأن إقامتها أحيانا في أجساد شريرة تكون سيئة وشقية لها، ولا ينفعها إلا التخلص من هذه الأرواح الشريرة التي يسميها سقراط ب"أعداء الفلسفة"وهم أخطر على حياة الفلسفة من العوام.
    كان الشيخ الرئيس ابن سينا ممتلئا بالحياة، ويقتات من رحيقها ويتذوق إشراقاتها الجميلة، إنها الحبر الذي كتب به فلسفته، والعطر الذي اجتذبه إلى الذوبان والفناء في بهجة النكاح، حيث أصيبت ماهية شهوته بمس من الهذيان ونعمة الجنون، وأصبح متصلا بكينونة اللذة مشتاقا إلى فتنة أفروديت التي كانت تتمنى أن يجامعها الطبيب و الفيلسوف ابن سينا بعنف مشرقي، لأنه يمتلك خيمياء تهييج النكاح وطبخ الجماع. فقبل أن يقدم النصيحة للآخرين، ينصح نفسه ويربيها على الفوضى، وعدم الاستئمان للزمان; لانه ماكر لا يميز بين الحكماء والعوام، بين الأخيار والأشرار، بين من يحب الحياة ومن يكرهها .
    لقد كان ابن سينا متميزا على كل فلاسفة الإسلام بعجرفته وطبيعة مزاجه الارستقراطية، وحبه الشغوف للذة، خاصة لذة الجماع والشراب. وكانت ثروته تصرف مقابل ليلة بادخة يحتفل فيها بزواج اللاغوس بالجماع عنف الميتافيزيقا بهذيان النكاح، الكتابة مقابل إنزال المني، لانه بقدر ما يسيل اللاغوس على بياض الأوراق، يسيل المني في رحم نساء ابن سينا. إنها لعبة مدبرة من الزمان ضد أزلية الفيلسوف. وكأنه يخاطبه قائلا: "الفلسفة إنما تنحو نحو سعادة الناس العقلية".([11]) أما النكاح فإنه ينحو نحو سعادة الناس الجسدية. لأنه لو كان يسعد لكانت الثيران سعيدة حين تجد ما تنكحه.
    والواقع أن فلاسفة الإسلام قد استسلموا لوصايا المذهب المشائي الذي تركه أرسطو، هذا العبقري اليوناني الذي منح للإنسانية هديته الثمينة. في الفلسفة، والأخلاق، والسياسة، والبرهان والعلم الطبيعي. وقد كانت ظلاله تنتشر في عمق كينونة نصوص فلاسفة الإسلام، الذين أخلصوا لتعاليمه، باستثناء ابن سينا الذي كان متمردا داخل المشائيية الإسلامية، إلى درجة انه أبدع فلسفته المشرقية، مما أغضب ابن رشد، وانتقده بعنف في كتابه تفسير ما بعد الطبيعة ([12])، بل واتهمه بالانحراف على مذهب المعلم الأول. نعم إن مزاج الشيخ الرئيس ابن سينا، أمير فلاسفة الإسلام، كأن ثوريا عاشقا للإبداع في الفلسفة، وصناعة الطب، ومتعة الحياة، لأنه لم يكن يقدس النص الأرسطي كما يقدس الرهبان النص المقدس، لأنه ترك هذه المهمة للفارابي وبان رشد. كما انه لم يكن ينظر إلى متعة الحياة من منظور حفظ الصحة، كما فعل صاحب كتاب سر الأسرار الذي كان يعتبر النبيذ والجماع مجرد دواء، نافع مع الاعتدال، وضار مع الإكثار، ولذلك فإن لكل فصل من فصول السنة جرعته، فالربيع والشتاء يتطلبان الإكثار من الجماع والشراب، أما في الصيف فمن الأفضل الاعتدال ويستلزم التقليل منه في الخريف.
    لعل كل هذه النصائح الخرافية لم تكن تعني شيئا بالنسبة لأمير الفلاسفة باعتباره عاش تداخل الفصول وامتزاجها في زمان قصير يهدده العدم باستمرار. لأنه إذا كانت الكتابة غير مرتبطة بمزاج الفصول، وليست بدواء، لأنها خطاب من اللاغوس إلى اللاغوس تقتضي ممارسة العنف مع ميتافيزيقا الحاضر باعتبارها نسيانا للماضي والآتي. فإن النكاح والشراب يمتلكان نفس الماهية يوجههما نفس القدر. لأنهما ليس مجرد دواء، بل وصفة روحية تمنح للنفس بهجة الإقامة في الوجود، وللقلب الفرح والسرور في التهام أيامه، مادام أنه ليس في طبع الليالي الأمان كما يقول شاعر الحياة. هكذا عاش حياته بدون اقتصاد،ولم يكن يؤمن بأسطورة رجوع الشيخ إلى صباه. لأن الجسد يفسد بكثرة الاستعمال، والحركة. فكلما تقدم في الزمان، كلما فقد حيويته، وقوته إلى أن يتوقف نهائيا عن القدرة على الجماع، وتبدأ مرحلة الكآبة في خريف العمر، إنها مرحلة مشتركة بين الرجل و المرأة عندما ينتظرهما مذاق القدر، وليست مقتصرة على المرأة فقط، حين تصل إلى فصل الخريف كما يقول مؤلف سر الأسرار حين تصير هذه المرأة كهلة مدبرة تولت عنها أيام الشباب.
    ومما لا شك فيه أن شيخنا الذي عاش عمرا قصيرا، كان على وعي بعمق المأساة والشقاء اللذان ينتظرانه في شيخوخته، ولذلك قام بإلغاء الشيخوخة من تفكيره، وتعمد عدم الانصياع للنصائح الدوغمائية، من أجل إنهاء الحياة بالحياة، في عنف عنفوانها، وفي قمة نشوتها وسرورها. لأنه كان يعتقد في المبدأ القائل، ينبغي القضاء على مأساة الوجود بواسطة مذهب الفرح الذي كان سائدا عند اليونان قبل مجيء سقراط. والذي يختزل في أعياد الشراب والجماع. بدون توقف ولا انتظار، لأن الحاضر هو الملكية الوحيدة التي يتوفر عليها الإنسان. إذ ينبغي أن يغنم من لذاته ما أمكن. وسعيا وراء هذا النهم الأنيق الذي يصيب النفس حين تريد أن تلتهم ذاتها بغية الامتلاء بالحاضر، عمد ابن سينا إلى مقارعة الكتابة بالشراب والنكاح، فكلما ازداد نشوة ومتعة، ازداد قدرة على الكتابة، ولم نعرف واحدا من الفلاسفة استطاع أن يؤلف كتابا في ثلاثة أيام، إلا شيخنا: "وكتب الشيخ في قريب من عشرين جزءا مقدار الثمن رؤوس المسائل. وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل بلا كتاب يحضره ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه وعن ظهر قلبه... فكان يكتب كل يوم خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات و الالهيات ما خلا كتاب الحيوان"
    لا أعتقد أن ابن سينا قد خبر كآبة الأيام، ولا حزن الزمان، كما خابرهما أبي نصر الفارابي قبله، فقد عاش حياته، معتزلا الناس: "ولم يكن معنيا بهيئة ولا منزل ولا مكسب"([13])، بل "كان ضعيف الحال، حتى أنه كان في الليل يسهر للمطالعة والتصنيف، ويستضئ بالقنديل الذي للحارس (الذي يحرس الحديقة العمومية). ويذكر أن سبب قراءته الحكمة أن رجلا أودع عنده جملة من كتب أرسطو طاليس، فاتفق أن نظر فيها، فوافقت منه قبولا وتحرك إلى قراءتها، ولم يزل إلى أن أتقن فهمها وصار فيلسوفا بالحقيقة"([14]).
    هكذا يبدو أن صفة الفيلسوف البئيس، الذي لا يمتلك حتى الإنارة في بيته، ولا معنيا بهيئته فقيرا، بدون مسكن، ولا ثروة، يتسول من أجل أن يشتري قلوب الحملان ونبيذ العراق، وليس بإمكانه أن يجامع نساء بغداد كما وصفتهن شهرزاد في ألف ليلة وليلة، قد جعلت ابن سينا، الذي كان يقدر الفارابي تقديرا عظيما، خاصة وأنه كان معلمه لفلسفة أرسطو، إذ لولاه لما فيهم كتاب ما بعد الطبيعة الذي قرأه أكثر من أربعين مرة ولم يستوعب مقاصده، وقال عنه هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، يختار مسارا آخر، غير مسار الفارابي البئيس، ولذلك أصبح طبيبا مشهورا قبل أن يصبح فيلسوفا بالحقيقة، لأن الطب صناعة عملية تدر المال والثروة على صاحبها، والشاهد على ذلك أن الشيخ الرئيس قد اكتسب ثروة من خلال مداواته للملوك والأمراء والأغنياء، وأصبح يتمتع بحضوة خاصة باعتباره طبيبا مشهورا، على الرغم من أنه يحتقر صناعة الطب ويعتبرها صناعة عملية للأغبياء والبلداء. "و علم الطب ليس هو من العلوم الصعبة فلذلك برزت فيه أقل مدة حتى بدأ فضلاء الأطباء يقرؤون علي علم الطب و تعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف"([15]). ثم فيما بعد تفرغ لمحبة الحكمة ومحبة الحياة.
    وفي الحقيقة أن العبرة الفارابية، التي تقدم إلينا الفيلسوف في قمة بؤسه وحرمانه، وعدم تمكنه من الاستمتاع بالحياة، قد جعلت الشيخ الرئيس يستفيد من الدروس الجيدة لهذا الفيلسوف العظيم، لأن الدروس الجيدة تأتي من الشرفاء الحكماء كما يقول أرسطو. هكذا وجد ابن سينا طريقه نحو اكتساب الثروة باعتبارها مصدرا للعيش في نعيم الحياة، لان العيش الأفضل أحسن بكثير من العيش الردئ، عيش الكادحين ، كما يقول المعلم الأول. ولعل هذا ما جعله يطبق المبدأ القائل بأن ما في الطبيعة يبقى للطبيعة، ولذلك أسرف في تبذير ثروته من أجل حياة باذخة تفوح منها رائحة النبيذ المعتق وعنف الجماع الممتزج بالعطر والشبق، ذلك لأن صخب الحياة يشبه صخب النكاح، وبعبارة أخرى ان النكاح حين يمتزج بنشوة الشراب يصبح هو سر أسرار الحياة التي تعودت على الهروب من كل الذين يحبونها، كامرأة جميلة. والحياة قصيرة مهما طالت. ولذلك فإن الشيخ كان يعد أيامه بنعومة منشطرة في العشق،عشق الرغبة في البقاء، أو إهداء ما تبقى من العمر إلى هذيان النكاح والاستيهام بعمقه الوجودي. إنه شعار النفس المتحررة من الندم على الماضي، ولا على الحنين إلى المستقبل. إذ أنها تطلب: الكل أو لا شيء، لأن الفيلسوف بالحقيقة لا يؤجل الحياة التي منحت إليه صدفة إلى الغد، كما يؤجل الكتابة، وإلا أنها ستطير إلى مكان آخر يكون أكثر عذوبة كما يفعل طائر الخطاف الذي يبشر بقدوم فصل الربيع، ويختفي عندما يشعر بكآبة الخريف ليتركنا نتذوق مرارة هذه الكآبة، وينعم هو بربيع جديد وفي أرض أخرى، ربما يكون أناسها أطيب أو أشر من الناس الذين تركهم في حميمية الكآبة. في فصل لا خير فيه، تصبح فيه الدنيا كأنها امرأة كهلة مدبرة قد تولت عنها أيام الشباب. إنه فصل مخيف ينذر بنهاية الحياة، ولذلك لم يكن الشيخ الرئيس ابن سينا يحب العيش فيه، بل انه عاش حياته في فصل واحد عامر بالآمال والابتهاج والفرح والسرور، إنه فصل ابن سينا.
    لقد استطاع شيخنا أن يقتحم كل النصوص الطبية والجنسية والفلسفية للقرون الوسطى ويقيم فيها إقامة أبدية، إذ أنه أصبح طبيب الإنسانية بكاملها، كما أنه تحول إلى أسطورة في الأدبيات الجنسية الإسلامية من خلال أرجوزته في الطب، بيد أن نصائحه قد اتخذت مسارا شعبيا يمزج بين الطب الجسماني والطب الروحاني. هكذا اختفى جسد ابن سينا العليل في هذا الامتزاج الذي يمنح لوصفة تهييئ الجماع، أو البرء من أمراضه كميات تقل أو تنقص، كما وكيفا، عن تلك التي وصفها شيخنا، بيد أن الناس يثقون فيها ثقة عمياء. لان من حلم بموت ذكره، فإن أجله اقترب كما يقول صاحب الروض العاطر. وأحسن طريقة للعلاج والوقاية هي تطبيق نصائح طبيب الجماع. ولذلك فإن الإنسان منذ ولادته إلى مماته يخضع لتدبير صناعة الطب، أو للطب الشعبي، فالطبيب وحده، أو ما يشبهه يعرف أسرار الناس وطريقتهم في الجماع، وقدرتهم أو عدم قدرتهم على النكاح. وربما أصبح مثل ابن سينا ينكح أكثر منهم إلى درجة الاقتناع بان بهجة النكاح وعنف شهوته مآلها الموت. هذا الاقتناع الذي يجعلنا نؤمن بأن الحوار مع الشيخ الرئيس ابن سينا قد بدأ بمجرد الانتهاء من التعريف بسيرته الفرحة والتي تدعو الإنسانية إلى الامتلاء بالحياة قبل الاستسلام للموت. فمن أراد أن يعيش حياة سعيدة لا بد أن يكون سيناويا، معتقدا في مذهبه في الحياة، مذهب البهجة والفرح والسرور، ولكنه لا يدوم إلا فصلا واحدا ، يشبه فصل الربيع الذي يطهر النفس من الأحزان. ويحرك نشوة النكاح.
    لو افترضنا أن شيخنا قد تسلل إلى فضاء الروض العاطر والتقى بالمرأة المسماة المني واستطاع أن يجامعها بكل قواه وعنفه، ولكن دون أن يشبع رغبتها، فمن كان سينهي الآخر؟ أو أنه جامع الألفية التي جامعها ألف رجل فبماذا سيفسر جنون شبقية هذه المرأة؟ والحقيقة أن صاحب رجوع الشيخ إلى صباه كان أقرب إلى مزاج الشيخ الرئيس حين قام بوصف نساء العالم وتحديد استيطيقا الجمال انطلاقا من الانتماء العرقي و الجغرافي للنساء حيث يقول:" واعلم أن النساء الروميات اطهر أرحاما من غيرهن.والأندلسيات أجمل صورة وأزكى روائح وأحمد عاقبة وأطيب أرحاما. ونساء الترك اجمالا من أقدر النساء أرحاما وأسرع أولادا وأسوأ أخلاقا. ونساء الهند والسند أذم أحوالا وأقبح وجوها وأشد حنقا وأسخف عقولا، وأسوأ تدبيرا وأعظم فتنا وأقدر أرحاما. والزنج أبلد وأغلظ وإذا وافقت منهن الحسناء فلا يوازيها شيء من الأجناس، وأبدانهن أنعم من أبدان غيرهن. والمكيات أتم حسنا وأطيب جماعا من هذه الأجناس، غير أنهن لسن بذوات ألوان كألوان غيرهن. والبصريت أشد غلمة وشبقا إلى الجماع. والحلبيات أشد ابدانا وأصلب أرحاما من البحريات، والشاميات أوسط لنساء وأعدلهن في الاستمتاع في سائر الاوصاف والبغداديات أجلب للشهوة من غيرهن وأحسن استمتاعا وجمالا. ومن أراد السكن وحسن العشرة وطيب المنطق فعليه بالفارسيات والعربيات أحسن أحوالا من جميع الأجناس التي تقدم ذكرها".([16])
    لم يكن الشيخ الرئيس محظوظا لكي يتجول في هذا الفضاء الجغرافي لجسد المرأة كما وصفه كتاب رجوع الشيخ إلى صباه، من أجل ان يختار معاشرة النساء الأطهر أرحاما و أحمد عاقبة و أطيب جماعا و أتم حسنا، حتى لا يصاب بمرض القولنج الذي عجل بموته و إرجاعه إلى مجرد ذكرى تنام في قلوب الناس.
    [1] - انظر أيضا 1974 wilaim E. gholaman, the life o f Ibn Sina, Albany, New,York
    [2] - سيرة الشيخ الرئيس ابن سينا ضمن كتاب النجاة تحقيق ماجد فخري دار الآفاق الجديدة، بيروت ص 24
    [3] - سيرة الشيخ الرئيس م م ص 25
    - سيرة الشيخ الرئيس م م ص 33[4]
    م م ص 25[5]
    [6] - william E Gohlman, The Life of Ibn Sina Albany, New York, 1974. م م كتاب النجاة
    [7] - william E Gohlman, The Life of Ibn Sina Albany, New York, 1974. م م كتاب النجاة
    -[8 سر الأسرار م م ص89
    [9] - الشيخ الرئيس الن سينا م م كتاب النجاة
    [10] - م م ص 107
    [11] - ابن رشد التهافت ص 582
    [12] - ابن رشد تفسير ما بعد الطبيعة
    [13] - ابن أبي أصبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء
    [14] - ابن أبي أصعة ص 264-277 [15] - م م ص24
    [16] - كتاب رجوع الشيخ إلى صباه م م ص 39 - 40


    .
     
  5. عزيز الحدادي - الجماع فاكهة سوق الجنة


    الفصل الرابع : حلاوة النكاح مع نساء الأندلس

    ".. فمرت به امرأة من أهل إشبيلية وفيهم وفي نسائهم حلاوة وظرافة فقالت لصاحبتها تعالي يأختي نمازح هذا الرجل فإنه شكاز لا يقوم بالنساء، أي لين العضو مثل الجلد الذي يعمله.. فقالت له ما صنعتك وما حرفتك؟ فقال لها خل عنك هذا. وعلم ما تريد، فقالت له لابد من هذا فتبسم وقال لها أنا رجل أبل اليابس وألين الشديد وأنتف الشعر فولت وهي تضحك وقالت أردنا أن نرميه فرمنا".
    ابن عربي، رسالة روح القدس

    إذا كنا قد توسلنا بكاتب سيرة الشيخ الرئيس ابن سينا من أجل التسلل إلى أعماق حياته الخاصة، وعلاقاته الحميمية، وولعه بالنكاح والشراب، فإننا سنتوسل في هذا الفصل من الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، مستغلين كراماته، ان يقربنا من أسرار شيوخه في فن النكاح، ومباهجه الروحية وعظمة برزخه. وخاصة وانه عرف عن ابن عربي حرصه على وصف مشاهد من حياة شيوخه والتعريف بأحوالهم ومقاماتهم، بل والاتصال بأرواحهم مباشرة من خلال إلهامات وفتوحات وتجليات، ومشاهدات غالبا ما تؤدي إلى كشف الحجاب عن طريقة نكاحهم، وولعهم بالجماع، باعتباره فاكهة من سوق الجنة. هكذا سنساير الشيخ الأكبر في وصفه لمشايخه والتنقل في فضاءات الأندلس من خلال رسالة روح القدس، كما أننا سنعيش معه زمنا يسيرا في مدينة فاس، هذه المدينة الشبقية التي تفوح أزقتها بعنف وصخب النكاح، لنكتشف سر هروبه من فاس، هل كان بسبب نكاح الممنوعات من نساء الغير، أم بمجرد ارتكابه لمعصية مد العينين إلى زوجة شيخ من مشايخه والرغبة في جماعها، ولكن بدون جدوى؟ وما هو المشترك بين ابن عربي وابن حزم وابن رشد في رؤيتهم لشهوة الجماع الحسية الحيوانية والعقلية الروحية؟، بل وما الذي يميز تجاربهم عن تجارب عوام الأندلس، هل كانت لهم نفس القوة والشغف اللذان امتلكهما الشيخ الرئيس ابن سينا في المشرق؟
    ومهما بلغت أوجه الاختلاف والتعارض بين هؤلاء الرجال الثلاثة، نظرا لانتماءاتهم الروحية، المتصوف، والفقيه والفيلسوف، فإنهم يقيمون تحت سقف واحد، وبمنزل أندلسي مشع بإشراقاته وبرودته في عمق قيلولة الصيف، حيث يهدل حمام مدله، ويرتفع من بهو غير مرئي خرير فسقية، يبشر بنزول الماء على الفسيفساء، كما ينزل المني في رحم المرأة الذي يشبه الكون في غموضه وحثه على وحدة الوجود بين المتصوف والفقيه والفيلسوف. إنها وحدة وجود من نوع خاص يحكمها الانتماء المشترك إلى نفس الرحم الذي انبثقت منه، رحم المرأة الأندلسية، التي وهبت ثلاثة مواهب: الجمال، والحلاوة والظرافة. ولعل سلطة الاستيهام وحدها تمنحنا القدرة على رؤية ما لا يرى حين نقترب من تلك الطية التي تجمع بين التضاد، ولا يمكن أن تكون هذه الطية سوى المرأة الأندلسية التي تربى في حجرها ابن حزم وعلمته الكتابة والقراءة وتحكمت في قدره لكي يصبح فقيها، أو التي فر ابن عربي من شدة هذايانه بها وشعوره بارتكاب المعصية بدون عودة، ولا أن يرى الأندلس ثانية التي فجرت فاس هذه القطيعة بين الشيخ المفتون بالمكان وبين الرجل المرتكب لمعصية النكاح. وأخيرا تلك التي كانت سببا في توقف ابن رشد عن القراءة والتأليف من أجل الاستمتاع ببهجة النكاح وعنف هتك فرجها في ليلة استثنائية توقف خلالها الوادي الكبير عن الجريان لتنعم مدينة قرطبة ومعها فيلسوفها بصمت أبدي، منتظرة إنزال المني المتدفق من ما بعد الطبيعة إلى الطبيعة. إنها آفاق متباعدة في مظهرها، لكنها موحدة في ماهيتها، لان المرأة التي تربي هي نفسها التي تغري على ارتكاب المعصية، وهي نفسها التي تأمر بتوقف القراءة والكتابة بغية بهجة النكاح. فما الذي ستحيل عليه هذه القراءة الشبقية لنصوص تقع على تخوم المقدس واللاغوس؟ بل وما الذي يريده الفقيه المحب للنساء والمتصوف المفتون بجمالهن إلى حدود ارتكاب المعصية، والفيلسوف المنتشي بصخب نكاحهن، حين توقف عن عشقه للمتن الأرسطي مقابل ليلة ممتلئة بالرموز الروحية لخيمياء الجسد; أو الميتافيزيقا مقابل عنف الجماع؟
    * ابن حزم والمرأة حين تتجلى في لاوعيه كالحمامة

    بإمكاننا القول أننا أمام رجل غريب المزاج، لأنه بقدر ما يعتز بأنه لم يعرف غير النساء طيلة طفولته وشبابه، حيث تربى بين أيديهن وعلم أسرارهن وعاش في نعيم عطرهن وجاذبية أجسادهن المغرية على ارتكاب المعصية والكبائر مقابل جماع صامت، بقدر ما أنه يخفي علاقته الحقيقية ومغامراته الجنسية عندما تبقل وجهه، ومع ذلك لا يجالس الرجال، بل النساء فقط في رياضات الأندلس المجنونة بشهوة الجماع، من جراء اللقاء الوجودي بين الأير المشرقي القادم من الصحراء والفرج اللين الرطب والذي تكاد النار تخرج منه والمنبثق من التربة الخصبة للأندلس. إنها لعبة للخداع أراد من خلالها صاحب كتاب طوق الحمامة أن يوهمنا بان المرأة الأندلسية الفاتنة، والجواري الحسنوات هن مجرد مربيات، يعلمن القراءة والكتابة وحفظ القرآن والأشعار، لهذا الشاب، مشروع الفقيه المتزمت والذي اتهم ظلما في عصرنا الحديث من قبل البابا بمعاداته للعقل والعقلانية. الأمر الذي جعل النظر إلى طوق الحمامة في أفق "تكوين صورة دقيقة لنفسية المرأة ووضعها الاجتماعي"
    ولعل هذا الانطباع الأولي هو وليد القراءة التي تتوقف عند ظاهر النص، وكأننا أمام نص برئ ومعصوم من الخطأ والمعصية، لأن كاتبه حجة في الفقه الإسلامي، ومن شيم الفقيه باعتباره مفتيا وروح الأمة أن يترفع عن المعصية التي يرتكبها العوام، وخاصة معصية النكاح التي تقوم خارج الشرع، لأن الزاني هو سارق للفرج ومفسد للنسل. نحن إذن أمام نص صامت عن الحياة الحقيقية لصاحبه الذي اعتقل مرارا بسبب مواقفه السياسية. وثورته على النظام القائم في عصره. ولكن هذا لم ينسيه من إثارة موضوع الحب أو العشق في كتابه كما تناوله أفلاطون في محاورة المأدبة، إنه حب بين الأرواح وليس بين الأجساد. يمكن القول بأنها مفارقة بين الأنا التي تحب والانا التي تحترق من عنف الرغبة، لأن الفقيه يكتب من أجل إرضاء الآخرين، وخاصة العوام، وليس بغية إرضاء نفسه، إنه يكتب بعيدا عن مقام الحقيقة، إنها كتابة مضادة للحقيقة تتم داخل نسق قاهر تذوب فيه الذات، وتتحول إلى مجرد آلة تردد ما قيل في الصدر الأول للإسلام، لان الحقيقة قيلت دفعة واحدة، فلا مجال للشك فيها. هكذا ينبغي على الفقيه أن يكون استمرارا للسيرة النبوية، مرددا للاجتهاد، مع حضور النص.
    ها هنا يضعنا الفقيه ابن حزم أمام موقف محرج، فهل نكتفي بتصديق ما جاء في نص طوق الحمامة، أم نغامر في تأويل استيهامات صاحبه الذي كان شغوفا بالنساء. وبعبارة أخرى، هل كان ابن حزم الإنسان الذي كان يردد بان "ذهنه متقلب وباله مضطرب" مكرها على إخفاء طبيعة العلاقة التي تربطه بالنساء، ولم يشر ولو عرضا إلى جمالهن وفتنتهن باعتبارهما بوابة على ارتكاب معصية النكاح كما فعل ابن عربي مع المرأة زهرة الحياة؟
    يقول في كتابه طوق الحمامة المحير في عنوانه والمثير لشهوة الجماع من خلال إيحائه على صدر الحمامة المرأة الذي هو مهد الإثارة لبهجة النكاح: "ولقد شاهدت من النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري، لأني تربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن. ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل وجهي، وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط"([17])
    لو افترضنا أن الشيخ الرئيس ابن سينا كان محظوظا ووجد نفسه في بهاء رياضات الأندلس المكتظة بالجواري الإسبانيات الفاتنات، ذوات حلاوة وظرافة، مهمتهن تربية الأطفال والاستحمام وتأثيث الفضاءات الشبقية للجسد طيلة النهار، لتبدأ بهجة النكاح في الليل مكسرة بألمها وعنفها صمت الأندلس، لجماعهن بأكملهن بقوته المشرقية التي لا يزيدها لهب النكاح إلا اشتعالا وهذيانا يحث على الصمود والذهاب إلى تخوم ما بعد النكاح، وبذلك سيتجاوز المرأة الألفية التي نكحها ألف رجل ولم تحقق إشباع الرغبة، على عكس المرأة المني التي لم يكن يشبعها كل رجال عصرها إلى أن جاء العبد ميمون الذي يزداد كل يوم قوة على الهتك وقساوة النكاح مما أجبر المني على طلب النجدة من الأميرة حيث تقول المني: "يا مولاتي الشرط تعداه ولا أراه يفارقني سألتك بالله العظيم إلا ما أرحتني مما أنا فيه فقد انفكت أفخاذي ولا بقيت أقدر على الجلوس فحلف أن لا يخرج إلا بعد عشرة أيام فزادها فوق شرطها عشرة أيام أخرى"[18]
    إنها حكاية من التراث الجنسي الشعبي الذي يمنح للرجل قدرة خارقة على الجماع، انطلاقا من تناوله للوصفة المقدسة عند صاحب الروض العاطر، وتتجلى في الإكثار من صفر البيض، والعسل، وحليب النوق، بالإضافة إلى البصل والحمص. مع العلم إن كاتب الروض لا يصف للمرأة طعاما يهيجها للجماع، وكأنها أخذت من الطبيعة كل قواها، وأصبحت مثل الأرض التي لا يشبعها تساقط الأمطار بكثرة، بل إنها تبتلع ذلك، كما يبتلع فرج المرأة المني من أجل ولادة جديدة للحياة.
    نعم إن ابن حزم كان باردا تجاه المرأة وكأنه يصف الثلج مكتفيا ببياضه وبرودته، ولم يتناول هياجنه وذوبانه، وتحوله إلى ماء جارف يجر كل ما يجده في طريقه. إنه كان ضحية حبه لأفلاطون الذي تمكن من اغتيال الايروس في خيمياء الحب وملاحقة افروديت الجسد، ليجعل من الحب مجرد ولاع مثالي مرتبط بنبل النفس ومترفع عن اضطرابات وقلق الجسد. مع العلم أن كتاب طوق الحمام هو في الأصل رسالة كتبت إلى صديق يحتل مكانة عالية في السلطة، ويبدو ذلك واضحا من خلال عبارات التقدير والاحترام التي تطفو على سطح النص، حيث يقول في ديباجته لهذه الرسالة: "وكلفتني - أعزك الله - أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما وقع فيه ولو على سبيل الحقيقة، لا متزيدا ولا متفننا. لكن موردا لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره فبدرت"([19])
    الواقع أنه لا يمكن أن ننتظر أكثر مما حمله كتاب الطوق عن المرأة، لا باعتبارها جسدا مثيرا لجنون شهوة الجماع، بل إنها مجرد عاشقه مثالية تلهم النفس أكثر من الجسد، ولذلك فإنه يخبر الذي طلب منه تصنيف الكتاب بحياده التام: "لا متزيد ولا متفننا. لكن موردا لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه". وكأننا أمام كتابة تتم تحت الطلب، تشبه إلى حد ما وصفة طبية وهمية لمريض يتمتع بصحة جيدة، ومع ذلك يتوهم بأنه مريض، بكل الأمراض التي يسمعها. لأنه من المستحيل أن يعرف الإنسان الحب دون الخوض في غماره، والاستمتاع بتقلباته وآلامه الناعمة. بل والاحتراق بناره. هكذا يكون الفقيه ابن حزم قد فوت علينا فرصة الاستمتاع برائحة الأجساد الساحرة لنساء الأندلس وصخب نكاحهن وعنف امتصاصهن للمني والتهامه كتلك الفسيقية التي تلتهم الماء بشكل أزلي. إذ أنه ذاب واختفى في النص، تاركا الرغبة في شوقها وعنفوانها محبطة أمام قهر الكتابة المحتشمة التي تبعث النفس على التقزز والتشنج. إنها كتابة بدون معنى، ولا حياة تقوم بقمع الليبدو، واعتقال جنون الشهوة ومنع سيلان المني وتجميده في المحرم الذي يجعل من الجنس والسياسة والدين طابوهات الإنسان العربي، لأن الكلام عنها محرم، وسيظل إلى الأبد.
    * ابن رشد: حين توقف شبقية الجماع عنف الميتافيزيقا

    يصف لنا بورخيس في يوم من أيام صيف قرطبة الحار، بلغة شاعرية ذات نزعة إنسانية نادرة حياة ابن رشد حيث أنه منح لهذا اليوم الرائع في حياة فيلسوف، تنكرت له الأيام، وصارت كتبه ترمى في النار، حين حل سخط الطغيان بفلاسفة الأندلس، قدسية خاصة، وكأنه يوم عيد محبة الحكمة. ذلك أن النص الميتافيزيقي أبدي، والكتابة عنه لا بد أن تكون أبدية، الأمر الذي جعل بورخيس يبدأ الكتابة عن الفيلسوف من اللابداية، أي أنه اختار السير وراء الزمان في نشوة حركته: "كان الفيلسوف يملي الفصل الحادي عشر من كتاب" تهافت التهافت". هكذا ينطلق نص الأديب العالمي. ليبرهن على أن ابن رشد لم يترك القراءة والكتابة إلا في ليلتين استثنائيتين، لكن كيف أمكن لبورخيس أن يفتتح قصته عن ابن رشد من لحظة حاسمة في حياة الفيلسوف وهو يملي كتاب يدافع فيه عن محاكمة الفلاسفة، وخاصة ابن سينا"
    وتكفيرهم من قبل الغزالي، أي انه كان مشدودا بحركة الزمان، وينهيها باختفاء الفيلسوف في ليل ممتلئ بالأشباح؟، بل ما الذي جعل بورخيس يتسلل إلى كينونة الفيلسوف الذي ينام في عشق الذاكرة ويقبض بعمق على يوم خالد من حياة فيلسوف لا نعرف عن سيرته إلا بعض اللمح المتناثرة في كتب الرجال والطبقات؟
    نعم إننا نوجد أمام كاتب شغوف بالالتحاق بالفيلسوف والإمساك بمعطفه ويسأله الانتظار حتى يصل، كما وقع لسقراط في بداية كتاب الجمهورية، حيث نجده يقول: "ولحقني الخادم فامسك بمعطف من الخلف قائلا: إن بوليمارخوس يود لو انتظرتم، فالتفت إليه وسألته أين سيده".([20]) ذلك أن نص بورخيس مضطرب ورائع كالبحر، لأنه اختار أن يكتب عن زمان الفيلسوف، وكيف ينساب بسرعة كنهر هيراقليط الذي تستحيل فيه السباحة مرتين. يقول بورخيس، وهو مقتنع بأن يوم واحد مع ابن رشد يضاهي العمر كله: "كان القلم يجري على الورقة. والبراهين تترابط ولا تقبل الدحض، غير أن هما طفيفا كدر سعادة ابن رشد" ([21])
    لا يهمنا أن نعرف طبيعة هذا الهم ولا مصدره، بل إن ما يهمنا هو أن الفيلسوف في صراع مع الزمان، لأن القلم يجري على الورقة، كما يجري الزمان على عمره، مادام أنه يعرف أن طبيعة مشروعه: شرح أرسطو، وأفلاطون، ورد على خصوم الفلسفة، والكتابة الطبية إرضاءا للخليفة ومصدرا للعيش، والكتابة الفقهية مقابل هدنة العوام.. إنه مشروع مترامي الأطراف، لا يتحمل التوقف، ولو ليوم واحد. والواقع أن الفيلسوف هو الوحيد الذي لا يعرف مذاق الزمان خارج متعة القراءة وشهوة الكتابة، التي تنتزع الألم من النفس، وتوزعه على بياض الورق ليصبح مشتركا للإنسانية، فهو يكتب ضد مكر الزمان، وتذكر الأيام. إنه: "يكتب باطمئنان بطيء من اليمين إلى اليسار. ولم تكن ممارسة القياسات المنطقية ولا وصل طويل الفقرات مما يمنعه من أن يشعر، كما لو كان الأمر سعادة، بالمنزل البارد العميق الذي يحيط به. ففي عمق القيلولة يهدل حمام مدله.. شيء ما في جسم ابن رشد الذي جاء أجداده من الصحاري العربية. كان يسر بتدفق الماء". ([22]) لكن أي ماء، هل الماء الطبيعي الذي يتدفق من الفسقية التي توجد في بهو الرياض الأندلس الذي خصصه الخليفة لطبيبه، أم الماء/ المني الذي سيسيل في هذه الليلة التي تفوق في حسنها وجمالها شاعرية الشبق في ألف ليلة وليلة، حيث أن الفيلسوف أوقف مشروعه، وتوقف عن الكتابة والقراءة من أجل الهتك وصخب النكاح العنيف الذي يطهر خيمياء الجسد من عنف الميتافيزيقا وتطرف اللاغوس، إنها ليلة بنائه على أهله، أي زواجه؟.
    يقول ابن الآبار في كتابه التكملة لكتاب الصلة: "إن ابن رشد لم يدع النظر والقراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه وليلة بنائه على أهله. وأنه سود فيما صنف وقيد وألف وهذب واختصر نحو من عشرة آلاف ورقة" لم يسجل التاريخ بصددها سوى أمور قليلة تضاهي في جمالها وشدة تأثيرها ما كرسه طبيب عربي لأفكار رجل تفصله عنه أربعة عشر قرنا([23]) بيد ان الغريب في الامر هو أن ابن الآبار يظهر لنا ابن رشد وكأنه عديم الإحساس، حين ربط إقباله على الحياة بليلة واحدة، خاصة وأن أرسطو يقول: "أنه لا فرق بين السعداء والأشقياء طوال نصف أعمارهم " ([24]) لأن الخير والشر، لا يتميزان في وقت النوم، كما أن السعيد لا ينام أفضل من الذي كدرت سعادته كما أن يوما واحدا معتدل الهواء لا يبشر بحلول فصل الربيع: "لأن خطافا بمفرده لا ينذر بقدوم الربيع"، ولذلك فإن يوما واحدا لا يمكن أن يجعل الإنسان سعيدا، وخاصة وأن السعادة في ذاتها تسهم في تجميل الوجود، والإنسان السعيد لا يمكن أن يصبح شقيا، لأنه يستحيل أن يكون خاضعا للتحول والتغير، ولذلك فإنه لا يتزعزع في حياته بسهولة، إن كان رجلا فاضلا.
    حقا ان ميزاج ابن رشد كان مختلفا عن ميزاج الشيخ الرئيس بن سينا المرح والمقبل على الحياة بشغف لا يضاهيه سوى شغف النكاح والشراب، إلى درجة أن ابن سينا استهلك عمره في جرعة واحدة إسمها الحياة، ولم يكن يحب التأجيل، أو الانتظار، كما أنه لا يحب الإخلاص إلى أرسطو وتقديس مذهبه، كما فعل ابن رشد، بل انه بقدر ما كان متمردا على أرسطو والمشائية، بقدر ما كان مفرطا في إقباله على مباهج الحياة; الكتابة، والشراب، والنكاح، إنها ثلاثية ميتافيزيقية شكلت عالم الشيخ الرئيس، وأخلص إليها إلى أنه مات في صميم كينونتها. لأنه لم يكن يتحمل أن يصفه أرسطو بالإنسان المتقلب الأحوال: "سعيدا مرة شقيا مرة أخرى، جاعلين هكذا من الإنسان السعيد نوعا من الحرباء أو بيتا يتهدد بالهدم"[25]ان السعادة إما أن تؤخذ كاملة، أو تترك كاملة. إنها كالدواء الضروري لاستعادة الصحة، وأخطر مرض هو مرض الوجود، الذي يجعل الإنسان تعيسا في حياته. كان ابن رشد إذن عقلانيا محافظا ينظر إلى اللذة كشيء ثانوي يمكن أن يفجره مع امرأة واحدة، وفي ليلة واحدة، لتصبح العادة هي الإنسان فيما بعد، إذ أنه يعيش نهاره مثل الخاصة، وليله مثل العامة، إنه سيكون محط سخرية ابن سينا الذي كان يحتقر الفلاسفة الدغمائيين الذين يقومون بتصبير(Conserver) نسائهم. لأنه إذا كانت بعض الأشياء إذا أعوزت السعيد كدرت سعادته مثل جودة الحسب، وإنجاب الأولاد، والجمال،([26]) فإنه ليس سعيدا من يعيش الحياة، كما يتناول الدواء مبتهجا يحفظ صحته، وفرحا برتابة أيامه وجماعه لامرأة واحدة، وشرب أقداحه في الحلم، الذي يشترك فيه مع الأشرار والتعساء. لأن أرسطو، الذي أخلص له ابن رشد كثيرا، كان يمنع علينا أن نصف إنسانا بأنه سعيد طالما أنه لم يمنح للحياة حريتها وانتشاءها بالبهجة والفرح والسرور. لأن الحياة التعيسة تبدأ بالشعور بالاطمئنان وعدم التقلب اللذان يفقدان الإنسان قلبه، كما قال ابن عربي، ولذلك، فإن السعادة اللذيذة لا يمكن أن توجد إلا مع عمق الكتابة والإقامة في اللاغوس، وعنف النكاح الذي يفتح باب خيمياء الجسد. الذي تسعى الميتافيزيقا إلى إغلاقه، ودفعه إلى الانتشاء بلذة ذلك المخبأ الرفيع، الذي تنعدم فيه لذة الجسد، وشهوة الجماع، ونشوة الشراب. إنه دعوة للعدم، لكي يتحد مع المطلق ويقومان باغتيال السعادة والفرح في كل مفرط في الحياة، ومحب للذة، مبتهج بالجماع، منتشي برحيق الوجود الذي لا ينضب، كذلك النهر الأبدي الذي جرف كل الأحباء، وتركنا نتعقب خطاهم، عسانا نصل ذات يوم للإقامة في سر أسرارهم.
    كان الفيلسوف إذن أمام لحظتان حاسمتان في حياته، أرغمته على التوقف عن الكتابة والقراءة، إنهما لحظة الموت، ولحظة الجماع، فهذه الهزة الأنطولوجية قد أحدثت جرحا عميقا في حياة الفيلسوف الذي كان مخلصا لتعاليم معلم الإنسانية، نهما لمؤلفاته إلى حدود الإغماء. هكذا جعلنا نعيش رتابة الكتابة عنه، وغياب شبقية العبارة، وبهجة الروح كما يقع للمريض الذي يكون مكرها لشرب الدواء المر من أجل استعادة صحته وتماثله للشفاء، ومع ذلك أرغمنا أنفسنا على السير معه في لحظة صمته، ولحظة كلامه، بيد أنه خاطبنا قائلا: "ولولا سفري لبسطت لك القول في هذه الأشياء على ما تعلم من كراهة التكلم فيها"([27]) هكذا سنغلق باب الحوار مع هذا الفيلسوف البارد الذي أرغمه السفر على تركنان كما أرغمته كراهية التكلم عن إخفاء كل حياته عنا، ولم يترك لنا سيرته الذاتية كما فعل أمير فلاسفة الإسلام، الشيخ الرئيس ابن سينا. الذي أدخلنا إلى مقام بهجة الحياة وتركنا هناك. نبحث عن حياة فيلسوف وطبيب آخر تشبهه، وتوسلنا بالفقيه ابن حزم وخاب أملنا، كما أننا توسلنا بالفيلسوف والطبيب ابن رشد وعدنا إلى مؤلفاته في محبة الحكمة وصناعة الطب وحفظ الصحة دون جدوى، لأننا وجدناه يناقش الاسكندر وثاميسطيوس في بهجة الجماع ويحصرها في مسألة تولد المواطئ عن المواطئ له بالاسم والحد. ويجعل من الجماع مجرد بذور ينتج عنها الجنين، وهل هي كائنة فاسدة أم لا؟. إنه يتكلم عن الجماع عند الإنسان كالجماع عند الحيوان. إذ لا فرق بينهما في حين أن سعادة الروح التي يحركها الجماع لا يمكن أن تكون إلا عند الإنسان، باعتباره الكائن الوحيد الذي وهب الالتذاذ بالسعادة لأنها شيء في غاية الشرف والجلالة: "لان غاية الغايات وما يستفاد منها يرى أنه أمر إلهي يغتبط الإنسان به([28])، ويضيف أرسطو قائلا: "وبحق لا نسمي سعيدا: الثور، ولا الفرس ولا أي حيوان آخر، لأنه لا واحد منها قادر على المشاركة في فعل من هذا القبيل، ولهذا السبب عينه فإن الطفل لا يمكن أن يكون سعيدا، لأنه ليس قادرا بعد على القيام بمثل هذه الأعمال، بسبب سنه، والأطفال الذين يوصفون بأنهم سعداء ليسو كذلك إلا من حيث الأمل. لأن السعادة كما قلنا تتطلب فضيلة كاملة وحياة تجري إلى غايتها"([29]). هكذا اختفى ابن رشد بشكل مفاجئ في نهاية قصة بورخيس، وتركنا نتأمل اختزال مسار رجل عظيم في ليلة واحدة ممتلئة بالشبق واللذة. ثم إلى عنف الميتافيزيقا التي تقودها عاشقها نحو الموت.
    * ابن عربي: النكاح فاكهة سوق الجنة

    أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
    ترجمان الأشواق

    يعترف الشيخ الأكبر في رسالة روح القدس بأن الله قد بشره بالجنة، غير أنه لم يكن يدر هل تمسه النار أم لا، بيد أن هذه البشرى قد أدخلت الفرح والسرور على قلب شيخنا: "ولا شك البتة في أني من أهل الجنة كما أنه لا شك في نبوة محمد(ص)، غير انه لا أدري أتمسني النار أم لا عافانا الله وإياكم وأرجو من كرمه أن لا يفعل([30]). هكذا يتحول تأويل الرؤيا إلى حقيقة قابلة للتصديق، خاصة وأنها مجربة من قبل الآخرين، لأنه كلما رأى رؤيا تدل على انتقال أحد شيوخه من مقام إلى مقام. ينال هذا الشيخ ذلك المقام: "رأيت له رؤيا تدل على انتقاله من مقامه إلى ما هو أعلى منه فقال لي بشرتني بشرك الله بالجنة فلم يكن إلا يسيرا ونال المقام الذي رأيت له فدخلت عليه اليوم الذي حصل فيه والسرور باد على وجهه فقام إلي وعانقني فقلت هذا تأويل رأياي من قبل".([31])
    كان الشيخ إذن يفيض بالرؤية لنفسه وللآخرين، إلى درجة انه بشر بالجنة في حياته، وكان مفتونا ببريق الجنة، ومندهشا بالجمال، لأنه كان شاعرا متجولا تقتات روحه من فتنة المرأة والمكان، ذلك أن المرأة هي هيبة المكان ومصدر جماله وكشوفاته الروحية، فنساء اشبيلية يتمتعن بالحلاوة والظرافة، والمرأة المسماة نظام من الجزيرة العربية تلقت من الله ثلاثة مواهب: الجمال والمعرفة والحكمة، ونساء فاس جمالهن فتنة تغري على ارتكاب المعصية. والشاميات المدهشات مصدر للفناء والخلود.
    لعل هذه الرغبة التي تسعى إلى الإقامة في تخوم ما بعد الرغبة قد حددت لنفسها مصيرا شاقا يتجلى في عشق الجمال المطلق الذي لا يوجد إلا في الجنة. بيد أن هناك أماكن في عالم الكون والفساد قد تسوقت من سوق الجنة الذي يعرفه شيخنا، أو ربما أنه يشتري منه كل أحلامه ومصدر عظمة روحه.
    إن شيخنا منتشي إلى حدود الثمالة بجلالة الجمال، جمال المرأة التي تسعد في الأرض والجنة. ولذلك نجده لا يستثني نساء شيوخ المتصوفة الذين عاشرهم، بل إنه يتجرأ على القول بأن امرأته غاية في الجمال شابة أحسن منه، ربما يكون هذا الكلام صادر عن رجل يغمى عنه كلما رأت عيناه نساء حسنوات، غاية في الجمال، حيث ينسى نفسه ويقول: "عاشرته معاشرة انتفعت به. وله امرأة في غاية الجمال صغيرة السن أحسن منه وأقوى"، ([32]) ربما يكون هذا الكلام غير صادر عن اللاغوس، أو عن العقل العرفاني، بل إنه استيهام صادر عن الليبدو الذي يوجد أمام جنون الشهوة، شهوة النكاح التي تجرف بالنفس إلى لهيب المطلق، حيث تزداد رغبة وعنفا، عندما تحقق كمالها في اتحادها مع الجسد الفاتن القوي الذي يبتلع روح وجسد الشيخ المفتون والذي استسلم لقدره، وترك لمعصية الخواص الذين بشرهم الله بالجنة أن تفعل فعلها: "من أجل أن أكثر العشق آفة ولذة، ومن أجل هذا يحبون ويكفون سريعا مرارا كثيرة في يوم واحد، وينتقلون ويريدون أن يكونوا متواصلين نهارهم وحياتهم".([33])
    والواقع أننا نوجد أمام شيخ ممتع، ومحير في ميزاجه، مع العلم أنه يعترف بأن المحب مطالب بالتقلب والتحول والنسيان: "لأن من لم يذق متعة الحيرة ولذة التقلب لا قلب له. ومن لا قلب له لا يعول عليه". هكذا تكون هذه الرغبة في التقلب، والعمق الوجودي للنسيان، باعتباره نسيانا للنسيان، حين يصل إلى الإقامة في تلك الثنية التي تجمع الموجود بالوجود، وتصبح الذات مطلقة كالوجود حين تلتهمه بشغف، كما تلتهم الجمال. ههنا يصبح الشيخ الأكبر مولعا بالإقامة في كل الأمكنة، وعاشقا إلى حدود الإغماء لكل النساء اللواتي وهبن الجمال، والمعرفة، والحكمة، والحلاوة والظرافة، لأنه كان يكتب، ويرحل، ويهدي قلبه المتقلب للنساء الجميلات، وليس كالشيخ الرئيس ابن سينا الذي جعله عنف النكاح وقوته أن يجامع حتى تلك الفروج التي لا خير فيها ذات الرائحة النتنة والقذارة والماء. مما كان سببا في أمراضه المتتالية، بل وتقرح أمعائه من شدة الحقن، وموته المبكر. إنه كان مفرطا في عشقه للذة وترياق الحياة، شهيدا للجماع. ومرعبا في اختياره لموته، بحقنة ساحرة تقوم على الحظ التائه بين الموت والحياة.
    قد يدفعنا إغراء المقارنة بين الشيخين: الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، والشيخ الرئيس ابن سينا إلى الاعتراف بتشابهما في حبهما لبهجة الجماع والنفاذ على كينونة هذيانه وسحر عنفه. فكلاهما محب ضعيف أمام جمال المرأة، وعاشق أسير لتعدد النساء، وجماع أكبر عدد منهن لتحقيق أسطورة المرأة الألفية التي نكحها ألف رجل، وما المانع أن يكون أحد شيوخنا نكح ألف امرأة طيلة حياته وتنقلاته المستمرة؟، بيد آن أهم ما يميز بينهما، أنه إذا كان الشيخ محي الدين ابن العربي يعاشر المحمود من النساء لأنه يهوى الجمال، ولذلك لم يصب بمرض القلنج وغيره من الأمراض الجنسية، فإن الشيخ ابن سينا كان ضحية أمراض متتالية، و ذات مقامات عالية أودت بحياته، ربما لأنه كان مهووسا بجماع المومسات اللواتي يمتلكن فروجا لا خير فيها بلغة صاحب الروض العاطر، وبعبارة أوضح، إن ما كان يهم ابن سينا الفيلسوف والطبيب هو عنف النكاح وإنزال المني وشبقية الأجساد العارية، حين يتم النظر إليها بعد الانتشاء بنشوة الشراب، في حين أن ما كان يجتذب ابن عربي هو حبه للجمال واختبار عاطفة العشق والهيام كما وقع مع نظام هذه المرأة التي وهبها الله الجمال والحكمة والمعرفة وأهداها شيخنا ديوانه الشعري ترجمان الأشواق، لأنه كان يعتبرأن الجمال يأتي من الجنة ليحفز النفس على العمل الفاضل من أجل الدخول إليها، ولو مستها النار. هكذا يكون الجماع مع نساء جئن من الجنة، يشبه من يأكل فاكهة من سوق الجنة، ومن يجامع النساء المذمومات والقبيحات الصورة والجسد، ذوات الفروج التي لا خير فيها، وكأنه يلتهم فاكهة من سوق جهنم. إلى حدود أن ابن عربي يفتخر بشيوخه الذين لهم نساء في غاية الجمال والشباب، كما أنه كان معجبا بالشيخ الشكاز الذي: "كان مولعا بالنكاح جدا لا يستغني عنه". ربما تكون هذه هي حال كل من دخل إلى هذه الطريقة.
    لم تقف العلاقة مع هذا الشيخ المولع بالجماع عند حدود الإعجاب، بل إن الشيخ قد: "انتثر عاشرته من وقت دخولي في هذه الطريقة حتى مات"[34]ربما تكون هذه المعاشرة قد أثرت في شيخنا وجعلته هو الآخر مولعا بالنكاح، لأن الدروس الجيدة تأتي من الأخيار. ومما يدعم يقينية هذا الاحتمال ان الشيخ الشكاز الذي كان مولعا بالنكاح جدا لا يستغني عنه، كما كان ابن سينا من قبله، استطاع أن يحرك شهية آخر لمصاهرته، رغم كبر سنه: "فأراد شيخنا السبريلي يأخذه لابنة أخيه فمشت إليه أم الزهراء فقالت له يا أبا علي إن أبا الحجاج يحب أن يعطيك بنت أخيه وكان هذا يوم الأحد، فقال أنا كنت من أحب الناس في مصاهرته، ولكن قد تزوجت وبعد خمسة أيام من يومنا هذا أدخل بزوجتي عروسا، فقالت له بنت من تزوجت قال لها ستري ذلك الوقت وانصرف إلى منزله ولازم فراشه حتى انقضت خمسة أيام فمات"([35]). هكذا تكون الموت بمثابة عروس شرسة تقضي على طموح شيخ حبب عنف النكاح لاتباع الطريقة، ولذلك فإن رفضه للهدية الثمينة أي المرأة الشابة لم يكن نتيجة عدم قدرته على هتكها والانتشاء برائحة المني حين يمتزج بالدم، ولكن لأنه بشر بالموت والصعود إلى الجنة والاستمتاع بفواكهها، والارتواء من شرابها والجماع مع عرائسها.
    وفي الحقيقة إن نص رسالة روح القدس لابن عربي يبني حقيقته على أشياء خارقة وغريبة في عجائبيتها، وكأنه نص كتب في الجنة ونزل إلى الأرض، أو بالأحرى أن كاتبه قد زاد الجنة وأراد أن يقتسم مع المتلقي اندهاشه بما رأى، ولذة مذاق النكاح الذي لا يختلف عن الجماع مع جميلات الأرض، ولذلك فإن الشيخ الشكاز لا يميز بين العروس التي عرضت عليه في آخر أيامه وبين العروس التي تنتظره لكي يدخل بها بعد خمسة أيام. لأن النكاح مشترك بين الأرض والجنة. والأحلام ممتزجة بالواقع، والحقيقة ملتبسة بالكشف والعرفان. إنها حقيقة ابن عربي التي ينبغي تصديقها بقلب محكوم بالتقلب، أي أن ما يصدقه اليوم يمكن أن يرفضه في الغد، وكأن الحقيقة خيال في خيال، تستقر هناك حيث ينعدم البرهان، بإمكانه أن يسمي الأرض والسماء بأسمائه الخاصة، ويصف الجنة كمن يملك مسكنا فيها يقضي فيه ليالي أحلامه. هاهنا تكمن مصدر قوته وانتشاره في وعي ولا وعي الآخرين. الذين عاشرهم، خاصة وأنهم مجرد تجار صغار وحرفيين، أو ممن يعيشون من الفتح ويحفظون القرآن للأطفال ويؤذنون في المساجد، أو عبارة عن متسولين، وبالجملة إنهم أناس بسطاء يشبهون قراء الروض العاطر أو رجوع الشيخ إلى صباه يصدقون معجزات النكاح، كما يصدقون الخوارق، لأن أغلبهم لم يقرأ سوى القرآن طيلة حياته، بل إن منهم من لا يعرف القراءة والكتابة فيستعين بمن يقرأ له كل يوم سورة من سور القرآن، دون أن يفهم كل معانيها ومقاصدها.
    هكذا كان ابن عربي إذن محاطا ببسطاء الناس ينبهرون إلى أقواله ويقدسون أفعاله، إلى درجة أنه يبيح لنفسه ارتكاب معصية النكاح مع نسائهم. دون أن يندم على ذلك مستعملا برهان العسل الذي يجوز للخواص ارتكاب المعصية المحمودة. وسنرى مدى ارتكابه من المعصية التي ارتكبها في فاس البرزخ، وهروبه بدون عودة. فمن هذه المرأة التي كانت وراء معصية فاس وهروب ابن عربي ليلا؟ هل افتضح سره وهو إمام مسجد عين الخيل المحاط بفواكه الجنة؟ هل قاده عنف النكاح وجنون الشهوة إلى إفساد نسل الآخرين بعد إنزاله للمني في رحم المرأة الجميلة الشبقية التي أهداها شيخنا حقه في المغرب والأندلس؟.
    غادر ابن عربي فاس وترك زهرة الحياة التي حصل بها نعيم النكاح غير المباح الذي تحول إلى: "مقام عرفاني راقي لم يذقه ابن عربي لحد وقته إلا في فاس". وبخاصة وأن شاعرنا المتجول كان يقدس النساء ويعتبر جمالهن عبادة وزهد وورع إلى حدود الفناء، ولذلك فإن وحدة الوجود لا يمكن لن تتحقق إلا بقوة الجمال التي تتجلى في زهرة الحياة التي يستخرج بها الحق، لأن النساء الجميلات: "فتنة يستخرج الحق بهن ما خفى عنا فينا مما هو به عالم، ولا نعلمه من نفوسنا"([36]) هكذا تتحول المرأة في برزخ الشيخ الأكبر إلى محرك أول للوجود بالقوة، الذي يقبع في كينونة الرجل، لكي يخرج إلى الفعل، إنها السر الخفي للوجود بواسطته يتذكر الرجل نسيانه للوجود، ولعل هذا الحرص، وهذا الحذر الذي اكتسبته المرأة الفتنة من الطبيعة، لأنها هي الأخرى لا تريد أن تصنع باطلا كالطبيعة. إن سرها يكمن في حفاظها على سيرورة الحياة في الطبيعة. بيد أن عصرنا الحالي قد تحولت فيه المرأة إلى آلة لصنع الباطل لأنها أصبحت تستخرج الحق من نفسها، وليس من نفس الرجل، مثال السحقيات اللواتي يؤثثن مشاهد وتجليات عالم الكون والفساد في زمننا هذا. ولسنا ندري كيف كان سيكون موقف الشيخ من هذه الظاهرة التي تمنح لزهرة الحياة منظرا بشعا يحولها إلى زهرة للموت يتم قطفها من هوامش المقابر. ألا يؤدي هذا الوجود بالقوة إلى الحكم على الوجود بالاندثار بمجرد ما يختفي الإنسان، لأنه وحده منح القدرة على فهم الوجود بامتلاكه للغة، للاغوس؟.
    إن فتنة المرأة متعددة تصيب القلب، والروح وتوقظ النفس من سباتها وتهبها الانسجام والليونة وتحررها من الغضب والطبيعة الشريرة، بل إنها سر حياة النفس وسعادتها، بيد أن هذا التعدد محكوم بالأمكنة والمقامات والأحوال. فلكل نفس مذاقها الخاص لفتنة المرأة، على الرغم من أنها موجودة في كل نفس وفي كل زمان وحال من الأحوال. بيد أنها تخضع لتراتب المقامات والرؤى، إذ نجد المرأة كمادة بالنسبة للرجل الذي يحركها بقوة الصورة انطلاقا من المبدأ الطبيعي الذي يقول بأن المواطئ يلد المواطئ، وفي هذه الحالة يتم النظر إلى المرأة باعتبارها موضوعا للنكاح، وقد رأينا كيف أن الأدبيات الجنسية العربية في العصر الوسيط تدافع عن المرأة النكاح من خلال تفريغ وجودها في قوتها على الجماع وابتلاع المني. الذي يقوم بإخراج ثمرة الوجود من كينونتها. ونجد المرأة أيضا في الأفق الأكبري كزهرة تعبق بالرائحة والعطر وتحيل على الحياة في أعماقها إنها برزخ يوحد بين الجمال في سوق الجنة والجمال في سوق الأرض، لأن الجمال هو هبة من السماء إلى الأرض، من الجنة إلى الإنسان، من أجل أن يستخرج الحق الجوانب الخفية في عتمات الرجل، ولذلك: "ففي نظر ابن عربي من ينظر إلى المرأة كامرأة وحسب، وليس كزهرة تعبق بالرائحة وتدل على الثمرة باعتبارها موضوع متعة حيوانية وحسب، لن يظفر بشرف الإنسانية". لأنه ينال المرأة "بحيوانيته لا بروحه وعقله". هكذا تصبح مقامات المرأة الزهرة الفاتنة هي نفسها مقامات الرجل، فكلاهما محتاج إلى موهبة المعرفة والحكمة، لينتقل من مقام الحيوانية إلى مقام الإنسانية، ثم إلى أسس مقام وهو الافتتان بالجمال بروحه وعقله الذي يكبه الحق في النزعة الإنسانية. والحال أن شيخنا قد شيد لنا قنطرة على الهاوية لكي نجرب المشي على حافة الخطر ونستأنس بمذهب الحيرة والتقلب، حين انتقلنا من إباحة النكاح وعنفه والسماح لمن كان مولعا به، وإهدائه نساء شابات وجميلات كما وقع للشيخ الشكاز في رسالة روح القدس، إلى المشاهدة الروحية للمرأة الفتنة التي "يستخرج الحق بهن ما خفى عنا فينا مما هو به عالم، ولا نعلمه من نفوسنا" في الفتوحات المكية، ويصبح الإنسان "من أهل الأنفاس، والشهود، والأدلة" ويصل إلى نزعة رومانسية تجعل من جسد المرأة منبعا للعطر ومنتزها للبصر. وتحرير الوجود من طغيان النسيان الذي يمتلك قدرة خارقة على التجدد باستمرار. تفوق قدرة الإنسان.
    يتركنا ابن عربي إذن، في مفترق للطرق فنحار أمام اختيار الطريق الذي يقودنا إلى الاستمتاع بالمرأة، هل نكتفي بتقليب النظر إلى جمالها وتقابل هزات فتنتها، من أجل القضاء على النسيان وفتح المجال أمام ملكة الإبداع والكتابة لتتحرر من سجن كسل النفس التي ترتاح في حميمية المرحلة الحسية الحيوانية، أم أن نشتهيها بعمق وعنف، وقوة شبيهة بقوة الشيخ الرئيس ابن سينا، ونتحرك إلى تجريب شبقية الجماع، وبهجة إنزال المني في عمق كينونتها، وتحريك الوجود من القوة إلى الفعل بغية استخراج ثمرتها. إن ابن عربي نفسه قد تحول من حال إلى حال، من مقام إلى مقام بعد ارتكابه لمعصية النكاح مع امرأة غامضة في فاس منحته كتابة فصل "الرؤية المحرمة "في كتابه الفتوحات المكية. وتبرير جواز هذه الرؤية عند أهل الشهود وتحريمها عند العوام.
    والواقع أننا أمام رجل غريب المزاج مليح الدعابة يمزح: "ولا يقول إلا حقا وكان يعجبه المزح بالحق ويكره الكذب وأهله"[37]، بيد أنه يشبه إلى حد ما كاتب سر الأسرار الذي يبيح للملك تعدد النساء وكثرة الجماع حسب فصول السنة، ويحرم ذلك على الرعية، وإلا اتهمت بسرقة الفروج وإفساد النسل، أما شيخنا فإنه يضع أمام أهل الشهود المنتسبين إلى طريقته طابقا من فواكه سوق الجنة ينبغي الاستمتاع به روحا وجسدا، لأنهم بلغوا سمو المطل الذي يحيط بعنايته الأجزاء: "فهو كل وهي جزء، فلذا كثرت أزواجه من نفسه"[38]ويمنع على عامة الناس هذه المتعة، لأنهم لم يتجاوزوا بعد مرحلة الحيوانية، ولذلك نجده يقول بعبارة مشرقة تتسلل من أنوار العرفان الذي يطابق بين القلب والتقلب: "فإذا لم يدرك صاحب هذه الزهرة رائحتها ولا شهدها زهرة، ولا علم دلالتها التي سبق له على الخصوص، وإنما شهدها امرأة، وزوجت به، وتنعم بها، ونال منها ما نال بحيوانيته لا بروحه وعقله، فلا فرق بينه وبين سائر الحيوان، بل الحيوان خير منه".[39]
    هكذا تكون الإقامة في ضيافة الشيخ الأكبر ممتعة كطلوع شمس مشرق يطهر الروح من كوابس الليل المزعجة، إنها إقامة في البرزخ الذي يجمع بين الحلال والحرام، المحمود والممنوع، الروحي، والعقلي، والحيواني، المرأة الزهرة ورائحة العطر، الولع بالنكاح وجنون الشهوة، الولع بالمشاهدة والفناء في فتنة جمال المرأة. نحن إذن أمام ثنائيات يوحد بينها برزخ ابن عربي، ويجعلها تتجه نحو أفق لا أفق له، نحو ذات تجاوزت نفسها إلى ما بعد الذات والفناء في المطلق الذي يحيط بعنايته كل الأجزاء، لأن الإنسان ملك لوحده أخطر الملكات، ومن خلالها يتم فهم سر الوجود والتوغل في غموض فتنة المرأة، لأنها كون ممتلئ بالرموز يحتجبه الغموض من الرؤية الحسية، ويظل الأمل مغلقا على الإدراك بالأنفاس والشهود والأدلة، وهذه هي وظائف أخطر الملكات التي يسميها ببراءة الشاعر النعيم هولدرلين ملكة اللغة، وحدهم الفلاسفة والشعراء يمتلكون هذه الملكة، وبإمكانهم تسمية الأرض والسماء ووصف الجمال والفناء في رؤيته، والتسوق من سوق الجنة الذي كان ابن عربي محظوظا، لأنه كان يقتات من فواكهه، ما دام أنه بشر بالجنة وحصل على تأشيرة أبدية بالدخول إليه. وربما يكون هذا هو السر وراء ترك فاس الباذخة التي اشتهرت باغتيال أهل الشهود من الشعراء والفلاسفة مثال: لسان الدين ابن الخطيب وابن الصائغ وابن باجة.
    ولكنها إقامة مؤقتة، مهددة بالتوقف في كل لحظة، لأنها تستمد عمقها من جمال المرأة زهرة الحياة المتقلبة كالزمان الذي لا يؤمن بالصداقة، والمحبة والعشق، إنه مغترب يهوى الاغتراب، متوحش يتشوق إلى التوحش، متوحد في طريقه إلى التوحد. فالإذمان على الزمان وعلى الجمال، يقود الإنسان إلى الهذيان الذي يشبع رغبته بالموت. لأن سحر الجمال هو نفسه سحر الفناء، وفتنة المرأة هي نفسها فتنة الإغماء. لأن الإنسان يدمر جسده من شدة ولعه بلذة النكاح، كما وقع لابن سينا الذي خاض تجربة الفناء في جنون الشهوة واشتياقها للتوحد مع الجمال في حميمية المطلق أو كما وقع لان عربي، الذي تحولت المرأة عنده إلى: "فتنة يستخرج الحق بهن ما خفى عنا فينا"، أي أنها أصبحت هي حقيقة الوجود التي يستحيل الوصول إلى هتك الحجاب عن وجهها إلا بهتك الفرج وإنزال المني بعنف يجعله يخترق المادة الأولى للوجود، لتستمر بهجة الحياة ويتابع الوجود سيرورته نحو اللامتناهي. إن الحوار مع ابن عربي ممتعا، ولذلك سنتركه مفتوحا بشكل أبدي يشبه أبديته، لأنه كان محظوظا أكثر من ابن سينا وابن حزم وابن رشد، وحده بشر بالجنة وتسوق من سوقها أجمل النساء وأشهدهن فتنة. ولذلك استطاع أن يترك إلى الإنسانية تراثا مرحا يدخل الفرح والسرور على القلب المحاط بعناية التقلب، والذي يموت بموتها.
    خاتـــــــــمة:

    كانت الرحلة شيقة في كل تجلياتها، وسموها الروحي، لأنها استطاعت أن تقرأ فتنة جسد المرأة من خلال ألوان من الثقافة العربية، فمن الفلسفة إلى الفقه، والتصوف والطب الجسماني والروحي، لكن مع الحفاظ على أفق محبة الحكمة، ومحبة المرأة، لان الحكمة امرأة غاية في الجمال لا تمنح نفسها إلا لمحارب مغامر، امتلك القدرة على إهداء الوطن والحنين إل الأهل والأحباب مقابل الافتتان بجسد امرأة وبجماله، خاصة إذا كانت من مملكة المحمود من النساء والتي تستمد وجودها وسر فتنة جمالها من سوق الجنة الذي يمتاز بتنوع ألوان جماله والتي وزعت على أمكنة متعددة من العالم، كان ابن عربي متشوقا لرؤيتها بعين القلب، ولمسها بالجسد من أجل تحقيق جماع على حافة وحدة الجسد التي تبرهن على وحدة الوجود.
    لقد منحنا لأنفسنا حرية الاختيار، وتلقائية الكتابة الشبقية عن بهجة النكاح وشبقية الجسد الملتبس بعطر الميتافيزيقا الذي يفصل الروح عن الجسد بعنف، كما يتم فصل المرأة عن طفولتها وبراءتها بالهتك وممارسة بشاعة العنف الذي ينتهي بالدماء، بيد إن إنزال المني يضمم الجرح، ويجعل المرأة تنساب في الاستهام باحثة عن وصايا الطبيعة، على الرغم من أن نص ابن عربي وغيره من النصوص العربية التي تناولت المرأة والجماع قد اهتمت بسلطة الرجل وقوته على النكاح ووصايته على جمال المرأة، ولم تهتم بسلطة المرأة وقدرتها على منح انطولوجيا النكاح حلاوة وظرافة وعمقا وجوديا. قد يصل إلى الاعتراف بمن يملك الحقيقة المرأة أم الرجل، ويحكي صاحب الروض حكاية غريبة الأطوار عن ادعاء النبوءة بين رجل وامرأة، ويتعلق الأمر بمن يمتلك الحقيقة، وكانت قوة العطر مصدر إغراء للاعتراف بملكية الحقيقة والسماح بالجماع كيف ما يريد، وبأي طريقة يشاء، لأنه عندما بعثت التميمية لمسيلمة برسول حتى تنكشف الحقيقة، فاقترح عليه مناظرة لتتأكد ممن هو على حق.
    وعندما استشار احد الحكماء قال له "فادخل تحت المباخر المذهبة بأنواع الطيب مثل عود الأقمار والعنبر الخام والعود الرطب والعنبر والمسك.... فإذا امتزج الماء بالدخان فاجلس على كرسك وأرسل لها... فإذا اجتمعت بها وشمت تلك الرائحة ارتخى منها كل عضو وتبقى مدهوشة فإذا رأيتها في تلك الحالة راودها عن نفسها فإنها تعطيك فإذا نكحتها نجوت من شرها ومن شر قومها... وعندما أحس مسيلمة بأن المتنبئة اشتهت النكاح أنشدها قصيدة يطلب منها أن تختار وضع نكاحها فأجابته "اجمع، هكذا انزل يا نبي الله"، وبعد الجماع أعلنت لأهلها أن الحقيقة عند مسيلمة. إنه استسلام لقوة النكاح لأن الذي يمتلكها يمتلك الحقيقة ونحن نعلن بأن الحقيقة ظلت معلقة في شبقية النكاح ولم يستطيع أحد من الحكماء والفلاسفة كشف سر أسراره، ولا الوصول إلى كشف الحجاب عن لغزه الميتافيزيقي، رغم أننا توصلنا إلى لمس نعومته الحارقة والتي كانت السبب في موت ابن سينا، وصمت ابن رشد وهروب ابن عربي من فاس.النكاح إذن تجربة وجودية تفوق في عمقها تجربة الحكمة والفقه والطب والتصوف، إنها تجربة تمتلك سحرها في غموضها وقدرتها على التعجيل بموت الإنسان من شدة شغفه وولعه بالنكاح. لأن المرأة التي تمنح لذة النكاح وتفجر عنف الشهوة، وتسكن اضطراب الشبق، هي برزخ يقع بين الجنة والأرض، بين المتعة والألم. بين الحيرة والتقلب بين الحياة والموت. لأنها امرأة تجتذب بعطر جسدها، كما اجتذب مسيلمة المتيممة وتنازلت عن امتلاكها للحقيقة بعد نكاحها بالطريقة نفسها التي اخترق العطر جسدها، وجعل روحها يغمي عليها في حضرة نبي النكاح

    [17] -طوق الحمامة ص155-93
    [18] - ح ص11
    [19] -الطوق ص75
    [20] -أفلاطون، الجمهورية ص 3
    [21] - بورخيس، ابن رشد ص107
    [22] -بورخيس،ابن رشد ص107
    [23] - بورخيس ابن رشد ص 108
    [24] - الأخلاق ص62
    [25] - أرسطو، م م ص66
    [26] -أرسطو ص 76
    [27] - جمال الدين ص 92
    [28] - أرسطو، الأخلاق م م ص 73
    [29] - أرسو م م ص74
    [30] - ابن عربي روح القدس م م ص171
    [31] - ابن عربي م م ص 171
    [32] - ابن عربي وح القدس م م ص179
    [33] - أرسطو الأخلاق ص 279
    34 ابن عربي م م ص 175[34]
    35 - ابن عربي م م ص 176[35]
    36 - الفتوحات ج 4 ص 125[36]
    37 رسالة روح القدس ص 176[37]
    38 - الفتوحات ج4 ص 124[38]
    39 - ن م ص 125[39]


    .
     
    أعجب بهذه المنشور Maged Elgrah