أمجد ناصر - في أحوال القُبلة المتقلبة

داهمه هذا الخاطرُ وهو يمشي في شارعٍ يتدافعُ فيه الناسُ بالمناكبِ إلى أقرب محطة باصٍ أو "مترو" فراراً من يوم عملٍ طويل: ماذا لو ماتَ الآنَ لأيِّ سببٍ تافهٍ، مثلما يموتُ الناسُ عادةً، وقاموا بإفراغ محتوياتِ أدراج مكتبه ووجدوه في المغلف المطبوعة عليه قلوبُ القديس فالانتاين الحمراء؟
أيُّ سقطةٍ سينهي بها حياتَه المتأرجحةَ على حبالٍ رفيعةٍ، بل قل، أيُّ نكتةٍ سيتندرُ بها زملاؤه إلى أمد طويل؟ لم يكن الأمرُ يتعلقُ بمتحف الصورِ والرسائل والزهور المحنّطةِ التي أرسلتها إليه النساءُ اللواتي ظنتْ كلُّ واحدةٍ منهن أنها حبّ حياته. ولا أقلقته كثيراً العلبُ والأكياسُ التي تحتوي أعشاباً ومقوياتٍ جنسيةً شرقيةً هو الذي لم يعتزَ يومًا بشيءٍ قدرَ اعتزازه بفحولته ذائعةِ الصيت. أما دفترُ المذكرات الذي دوّنَ فيه رأيَه الصريحَ بربِّ عملِه كدجالٍ من الدرجة الأولى وزملائه كأنذالٍ لايستحقون أن يجمعَه بهم حلبةٌ أو "كريدور" فيهونُ أمرهُ أمام ذلكَ "الشيءِ" الموجودِ في مغلفٍ مطبوعة عليه قلوبُ القديس فالانتاين الحمراء.
...........
ابتسمَ، ثم راحَ يضحكُ يضحكُ يضحكُ من دونِ أن يلاحظَ أنَّ الشارع خلا، تماماً، من المتدافعين بالمناكب فراراً من يوم عملٍ طويل.

لندن - \3\2001

***

حلُّ متأخرٌ لأحجيةٍ قديمة

الآنَ، فقط، حزرتُ تلك الأحجيةَ بعد أن اجتزتُ الأربعينَ خبباً ووجدتُ، ذاتَ مرةٍ، ذلك "الشيءَ" تحتَ مخدتي يتفوحُ برائحةِ جَديٍ صغير. فلم يخطر على بالي أن هذا ما يمكنُ أن تتركَهُ امرأةٌ، عن سابق إصرارٍ وتعمدٍ، بعد ليلة حبٍّ رضية. السؤالُ (أو لنقل الأحجيةَ) الذي طرحه عليَّ صديقٌ متزوجٌ يكبرني بعشرِ سنينَ يرقى لأيامِ الوقوفِ ساعاتٍ من دونِ كللٍ أو مللٍ تحتَ شُباكِ الحبيبةِ التي لم يصلْ حبُنا، في ذروةِ هيجانهِ، إلاّ إلى قُبَلٍ خاطفةٍ تَرْتجُّ لها أعمقُ طبقاتِ مياهِنا الجوفيّة.:
ما الذي تتوقعُ أن تتركَه لكَ امرأةٌ بعد ليلةٍ حبٍّ رضيّةٍ؟
ذكرتُ أشياءَ مثلَ وردةٍ، منديلٍ مُعطّرٍ، خُصلةِ شَعرٍ، بل تطرفتُ وقلتُ بقعةَ أحمرِ شفاهٍ على قميصٍ تحاولُ أن تواريها وأنتَ عائدٌ إلى البيت.
ضَحِكَ صديقي الذي لم يكن يكتبُ الشِعرَ ولا النثرَ ولكنه كان يرى فيَّ شاعراً واعداً إن تخلصتُ، سريعاً، من معجمي الأثيرِ: القمر،الصفصاف، الياسمين، الأصيل، وقال بخبثٍ:
أحسنتَ
أحسنت!

***

ماذا في القُبلة؟

لشدَّ ما حيَّره الموقعُ الإنطولوجيُّ للقُبلةِ في الحبِّ، أو ما يتصورُه حبَّاً. مرةً قالتْ له بائعةُ هوى وهي تعدّدُ "ثَمَنَ" كلِّ فعلٍ يقومُ به معها (منفصلةً تماماً عن جسدِها أثناء شرحِ شُروطِ التعاقدِ.. والممارسةِ أيضاً) إنَّ لكلِّ شيءٍ ثمنه.. وكلُّ شيءٍ ممكنٍ.. إلاَّ القُبلة!

امرأةٌ مطلّقةٌ يعرفُها قبلَ الزواجِ وبعدِه تركتْ، في لحظةِ انسجامٍ كاملٍ، يدَه تصولُ وتجولُ في أنحائها البهيّةِ وشفتيه تطْبعانِ قُبلاً مُذَنَّبةً على نحرِ الصدرِ، العُنقِ، الخدينِ، ولما اقتربتا من الفمِ أدارتْ له خدَها. استغربَ، طبعاً، هذا التمنّعَ المفاجىءَ بعدَ أنْ قامَ بكلِّ ما يلزمُ للوصولِ إلى الشفتين فقالتْ له: لستُ جاهزةً لتسليم مفتاحي!

لكنَّ الأغربَ، من هذه وتلك، الفتاةُ التي بالكاد يعرفُها ولم يكنْ في ذهنه لما دعاها إلى كأسٍ سوى تزجيةِ وقتٍ مرحٍ معها. الكؤوسُ المتلاحقةُ التي تجرعاها تحتَ قصفٍ مُتصلٍ من الضحكِ والهذرِ أدتْ إلى تلامس الأيدي، السيقانِ، تقاطعِ الأنفاسِ، فعزّزَ الاحتكاكَ بلمساتٍ اختباريةٍ للكتفِ، لوحِ الظَهرِ، تجويفِ الخصرِ، أرادها عارضةً، كهذا اللقاءِ نفسِه، فتحولتْ، لدهشتهِ، ضمّاً وتقبيلاً على الفم، وراحَ اللسانانِ يفتحانِ محاراً في الفمِ ويُقطّرانِ عنّاباً على الشفاه.. وإذ حاولَ الإنتقالَ، سُفلاً، إلى الخطوةِ الأخرى أمسكتْ يدَه.

لدهشته أيضاً، بل لإحباطه، قالتْ له، بامتلاءٍ داخليٍّ لم يبلغْه: هذا يكفي.
لا بدَّ أنه احتارَ، لاحقاً، تحتَ أيِّ نجمٍ ماكرٍ يُصّنفُ أحوالَ القُبلةِ المُتَقلِّبة.
القُبلةُ..
القُبلةُ..
ماذا في القُبْلةِ؟

***

تحليلُ القُبلة

كيف يمكنُ أن يتوقف الأمرُ عند هذا الحدِّ عندما تُطبِقُ الشفتان على الشفتين ويندفع اللسانان لإيصال بريد الدم الحامي إلى أقصى الثغور ولا يتكللُ المسعى بتلك الشهقات، الانتفاضاتِ، تقطُّعِ الأنفاسِ التي تُشبهُ مفارقة الحياة؟ أهو تواطؤُ نصفِ الرغبةِ، نصفِ السُكرِ سرعان ما يتبددُ إذ تنزلقُ اليدُ لتفتحَ سحّابَ البنطلون بعدما فكّتْ عُرى القميص ونَفَرَ نهدانِ فتيّانِ لا يعترفان بأنصاف الحلول؟ أتكونُ القُبلةُ، هذا المفتاحُ السريُّ الذي نَحْسبُ أنه يفتحُ أيَّ بابٍ مهما تعقّدَ قفله، وضعاً قائماً بذاته لا يؤدي إلى أيّ شيءٍ عداه، أم نزوةً يَحْسُنُ أن تُنسى، ما دامتْ أُدْرِجتْ في دفترِ أعمالِ الليلِ الناقصةِ، في اليوم التالي؟
القُبلةُ..
القُبلةُ..

ابريل 2001

***

القلعة

جسدُكِ قاطعٌ كالكلمةِ التي رميتِها فصار تفاحُ القبلةِ نرداً، كسكينٍ تقطعُ وتقطعُ ولا تتركُ أثراً. جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ إلى درجٍة أشكُّ فيها بمصدر هذا الشميم الذي يمهد الطريق إلى طيرانٍ بلا أجنحة، فكيف في هذه الأرض الضيّقة يمكنُ للخشخاش أن يذرّ بقرنه. جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيّقٌ كعين الحسود ولكنني بأطوال نايات أسلافي أدخلُ وأجدُ ريشاً ملوناً وعظاماً ليّنةً ولا أصلُ إلى ما أخفاه اسمُكِ عندما تقدم إليَّ بجرسه الآمرِ. جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيّقٌ يقرّبُ خدماً وأوباشاً من جاهلي إعجازه ويغلقُ قلعتَه على نفسه.

***

Déjà vu

I

هل كانت تغني لكاميليا جبران تحت سماءٍ أرختْ سدولاً ثقيلةً على ساحة "الطرف الأغرّ" أو هو امتدادٌ لحديثهما عن المغنية الفلسطينية التي تحزُّ، عندما تبلغُ حالةَ السلطنةِ ، حبالَها الصوتيةَ بريشةِ نسر؟ لكنه مع ذلك سمعَ، في ليلٍ مترعٍ بالنبيذِ والصبواتِ، تلك الأغنيةَ ونبشت يده كنوزاً دفينة. هكذا يتذكرُ، خفتَه غيرَ المحتملةِ (على حدِ وصفِها لحالته) في ذلك الركنِ القصيِّ من البار: ظلَ يشربُ ويشربُ ويتحدثُ عن الأرواح التي لا ترتاح في الأبدان، مهما طال الزمان، إلا بعد أن تعثر على صنوها، فيما يدُه تعبثُ بطرفِ قميصِها الأبيضِ وتتسللُ (كأن شيئاً لم يحدث) إلى الخصرِِ فالظهرِِ فسلسلةِ العمودِ الفقريّ وإذ وصلتْ إلى الفقرةِ الأخيرةِ عثرتْ على خيطٍ من النايلون راحَ يشدُّهُ كطفلٍ فأنّبته، على هذه الزعرنةِ ، بنبرةٍ حيّرَه مغزاها، فهل يواصلُ شدَّ الخيطِ، يهبطُ قليلاً، يَكشفُ القميصَ ليراه، أم يتوقف؟
يتذكرُ كذلك (وهو يزدادُ خفّةً مع توالي الكؤوس واللفائف) أنه قبّلَها على شفتيها الجافتيِن (لم يعرف إن كانت تلك علامةً على عدم رغبتِها فيه أو لا؟) ثم همسَ في أذنها، من دونِ أن يدري لماذا، أن لها صوتاً ذكورياً مغوياً فنظرتْ إليه كمن يستطلعُ ميولَه الجنسيةَ فأكدَ لها، بتضرعٍ، أنه ليس شاذاً جنسياً وأنها امرأةٌ مشتهاةٌ من أخمص قدمِها حتى شحمةِ أذنِها (تذكّرَ أيضا أنه لعَقَ الأخيرةَ مراراً عندما كانت تُديرُ له خدَها ولم تندَّ عنها آهةٌ واحدةٌ، لا بدَّ أنها ليست مفتاحَها!).
................................
عندما التقاها ثانيةً كانت ترتدي القميصَ الأبيضَ ذاتَه ولشعرِها نفسُ رائحة الأعشابِ البرّيةِ الجافّةِ التي شمَّها من قبلُ، فدعاها إلى كأسٍ أو عشاءٍ، فلاحظَ، وهما يرتشفانِ كأسيهما، أن قميصَها مُحكمُ التزريرِ (هل كان كذلك في المرة الأولى؟) ولا يكشفُ، عندما تميلُ أو تنحني، جانباً من خصرِِِها الأسمرِ، أو خيطاً من النايلون فوقَ حافةِ البنطلون ذي الكمر الساحل .

تحدثتْ، وهي تشربُ كأسَها بوتيرةٍ أسرعَ من المرةِ السابقة، عن النشوةِ الجسديةِ التي لا تعادلُها نشوةٌ أخرى عندما تُرضعُ طفلَها (أحسَّ بطعمِ الحليبِ ساخناً على شفتيه)، ثم سألته، عرضاً، هل جرَّبَ حبوبِ "إكستاسي" فقال لها إنه جرَّبَ حشيشةَ الوجدِ على "جبل قاف" ، وتسللتْ يدُهُ إلى خصرها وأمسكَ الخيطَ إياه وأخذَ يشدُهُ ولكنها سرعانَ ما نزعتْ يدَه وقالتْ بنبرةٍ مُستنكرةٍ:
ـ أين تظنُ نفسكَ؟
فأجاب: في لندن.
فقالت: بل في رام الله!
ثم شاهدَ على شاشة التلفزيون، في أحدِ أركانِ المطعمِ الذي يتفوّحُ برائحةِ الشواءِ والأراجيلِ، مغنيةً بشعرٍ قصيرٍ غزاه الشيبُ تغني: ودي أغني لنسمة الحرية...

II

لم تعد المشكلةُ أنها نِصْفُ رَفضَتْهُ نِصْفُ قَبِلَتْهُ (تلك الأنصافُ التي وسمتْ حياتَه بعدلها السقيم) بل التأكدُ أن ذلك اللقاءَ حدثَ في لندن وليس في رام الله التي لم يزرها قط.
براهينُه أقوى من كونها مصادفاتٍ: قميصُها الأبيضُ، شَعرُها المتضوّعُ برائحةِ أعشابٍ بريّةٍ جافةٍ، صوتُها المتهدجُ العميقُ (لا يدري لِمَ أحسَّه ذكورياً)، يدُه التي تجولتْ بأنحائها (دليلُها الرعشةُ وحدها)..وأخيراً حَنَقُها من وصفهِ الخيطِ الذي عثرَ عليه فوقَ حافّةِ البنطلون بأنه نايلون فصححتْ جهلَه الفادحَ بالمراتب الحسيّةِ للثياب، قائلةً:حرير!فَهمْتَ؟ حرير! أهو الإفراطُ في الشربِ واللفائف الملغومةِ ما جعله يشكُّ في لقائِها جنبَ تمثالِ "نلسون" ؟ ولكن ماذا عن السماءِ المهددةِ بمطرٍ وشيكٍ التي التقاها تحتَها، "البار" الذي تلفحُ الداخلَ إليه كمخةُ البيرةِ والرطوبة، جرسِ الكأسِ الأخيرةِ في الحادية عشرة إلا ربعا (أين تُقرعُ الأجراسُ في ليلِ الشاربينَ إلاّ في لندن؟)..ثم محطةِ "هلبورن" التي لا يعرفُ هل وصلا إليها بالسيارة أو مشياً على الأقدام؟ أجرى له كل هذا في حياةٍ سابقة؟ ولكن مهلاً. إنه يتذكّرُ، الآنَ، شيئاً عن رام الله في خلفيةِ هذا الهلامِ الرجراج. فعندما دَخَلّتِ المحطةَ مسرعةً لتلحقَ القطارِ الأخيرِ لم تقلْ وداعاً بل قالتْ، بصوتٍ أيقظَ حارسَ المداخلِ الضّيقةِ للعالم السفلي:
رام الله تُحبُّكَ !
ثم سمعَ الأغنيةَ تأتي من عمقِ الدرجِ المتحركِ: ودي أغني لنسمة الحرية...

III

بعد أن قلّبَ الأمرَ على وجوهه وصلَ إلى هذا الإستنتاجِ المريحِ: ما دامَ لا سبيلَ إلى تأكيد أو نفي ذلك اللقاءِ من أصله، لا فقط أين وكيف، فإنّ ما حصلَ ربما كان" ديجا فو" أو، بحسب رامبو، تشوشاً كاملاً للحواس.
هكذا تكون ترهاتُه عن الأرواح التي لا ترتاحُ في الأبدان إلا بعد أن تعثرَ على صنوها، حماقاتُ يدِه التي تكذِّبُ نيرفانا لسانِه، فشله الذريع في أخذِها إلى السرير، كأنها لم تكن.
هو، الآن، فَرِحٌ بنجاته من اعترافٍ مضحكٍ آخرَ عن الحبِّ الذي لم يتقدم ساعةً أو يتأخر عن موعده المرقون في اللوح المحفوظ! جيدٌ أن هذا اللقاءَ الذي فَخْخَه بشراك "القدر" كان وهما خالصاً، وإلا لعانى الأمرينِ من القُبل الزائفةِ التي تلي الفراغ من الجماع والأكاذيبِ التي ينبغي عليه حبكُها جيداً كلما بدا منه فتورٌ أو تراخِ.
أيُّ راحةٍ أن ينجو من ترهات لسانه وحماقات يديه.
حبٌّ آخرُ كهذا ويهلك ( مَنْ قالَ هذا مِنْ قبل؟).
لم يكن حبّاً.
لم يكن جرحاً.
لا مرارة في الحلق.
ولا رضاب على الشفتين.
وإنما...إنما لحنٌ شاحبٌ يتردّدُ في أقصى زاوية في نفسه.

إنه الآن حرٌّ.
إنه الآن خفيف.
إنه الآن يدندنُ في القطارِ الأخيرِ: ودي أغني لنسمة الحرية....

من "حياة كسرد متقطع"
 
أعلى