قصة ايروتيكية سعيد رضواني - همس

اندفنت يد "رانيا" في زغب كلبها الذئبي، ثم شرعت تزحف عبر ظهره مدغدغة إياه بأطراف أناملها. استعذب "دوكي" دغدغتها تلك، واستشعر نشوة لذيذة، جعلته ينقلب على ظهره مداعبا إياها بقوائمه الأربع الغزيرة الزغب.
رن الهاتف، فاضطرت رانيا إلى مغادرة الغرفة، تاركة "دوكي" مع خادمتها سعاد، وكانت هذه الأخيرة قد جلست قبالته، وأخذت تتأمل زغبه الكثيف، وبريق عينيه، ظلت طويلا ترنو إلى هذا البريق وحين رأت عينيها منعكستين على عينيه، أدركت أن عينيه كانتا منعكستين على عينيها، أدركت أيضا أنه انعكاس متبادل لصورتين متراكبتين إلى ما لا نهاية.
من عمق هذا الاندهاش الطفولي، اقتلعها صوت "رانيا" الآتي من الغرفة المجاورة :
"اعتني بدوكي جيدا يا سعاد، سوف أتأخر عن المجيء حتى المساء".
وفي اللحظة التي أجابت فيها ب: " وَاخا كُونِي هَانْيَا"، كانت عيناها قد انزاحتا قليلا عن عيني "دوكي"، فتبددت في لمح البرق تلك الصور اللامتناهية التراكب، واختفت متلاشية عن الوجود.
انصفق باب الفيلا، ولم يبق بالداخل سوى "سعاد" و"دوكي" تتهادى أنفاسهما متواشجة مع رائحة المعطرات الفائحة داخل الجدران. قدرت سعاد أن ساعة واحدة من الساعات الثلاث المتبقية قبل حلول المساء كافية لترتيب الأثاث، وكذلك لإعداد العشاء. و حين تيقنت في خضم تقديراتها من أن الزمن المتبقي سيغدو ملكا لها، انتابتها رغبة مبهمة في القبض على هذا الزمن المتبقي واكتنازه، علها تتمكن مع مرور الأيام من تكديس أزمنة فائضة. قد تكون في أمس الحاجة إليها في لحظات أخرى، كتلك اللحظات الحميمة القصيرة التي تقضيها مع سليمانوسط دروب الأكواخ القصديرية القابعة في ما وراء الطريق السيار.
كادت تنسى وجود "دوكي" معها حين شرعت بعد أن أغمضت عينيها تخال نفسها وحيدة تحتضن طيف سليمان وسط هذه الجدران الصامتة، لكنها سرعان ما أدركت بعد أن سمعت صوت لهاث رتيب أن كائنا آخر يشاركها الوجود في هذا المكان. وفي الحال تلاشى طيف سليمان عن خيالها بعد أن أحست بدفء أنفاس هذا اللهاث. استرقت النظر إلى "دوكي"، فرأت عينيه تشعان وتحدقان في جسدها. أرهبها بريق عينيه الآسر، فهجست لنفسها وهي تحاول أن تزيح عنه بصرها : "عينا إنسان".
ظلت حائرة، تفكر في العمل الذي ستبتدئ به، وحين تنبهت لوجود المريشة في قبضة يدها، تقدمت تلقائيا، بخطى آلية، وأخذت تنتقل عبر أرجاء الليفينْغْ رُومْ، وبين لحظة وأخرى، تمرر أهداب المريشة المخملية على الأشياء التي تقاسمها الوجود في هذا المكان؛ منفضة الكريستال، أيقونات المرمر، خشب الدولاب اللامع، كل هذه الأشياء بدت لها وهي تزيل عنها الغبار، كأنما تدب فيها الحياة، وكما لو أنها تبتسم و تحيى وتمتص أكثر أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة. أطلت سعاد، فلاحت لها كراسي الحديقة، و حوض السباحة، و البِرْجُولا حيث يَحْلٌو لِ"رانيا" أن تتناول فطور صباح يوم الأحد هناك.
أخذ النسيم يداعب شعرها، بينما في ذهنها كانت تتراقص انطباعات عديدة حول "دوكي". رنات صوت "رانيا" " اعتني بدوكي جيدا يا سعاد" وعظمة هذا الكلب الذئبي الضخم، وسمتا نفسها بشيء من المهابة تجاه هذا الكائن الذي يحتل مكانة رفيعة في البيت، ويتحرك بحرية تتجاوز الحدود التي رسمتها هي لحريتها منذ دخلت هذا البيت. في خضم هذه التأملات، أحست و لأول مرة برغبة عارمة في تجاوز هذه الحدود اللامرئية، فتنهدت تنهيدة عميقة ثم أدبرت عائدة إلى عمق الغرفة، تاركة النافذة مفتوحة كي يتسلل مزيد من النسيم إلى داخل البيت.
انحنت مبرزة أردافها المكتنزة، فأحست بها قد ابتلعت شريط تبانها الرقيق، ثم همت تريد مسح الطرف الأسفل للمرآة الحائطية الطويلة. هناك وعبر زجاجها العاكس لغرفة البيت لمحت عيني "دوكي" تحدقان في مؤخرتها. توقفت عن المسح وأخذت ترنو إلى عينيه البراقتين، ثم هجست لنفسها مرة أخرى:"عينا إنسان". استقامت، وبشيء يشبه الحياء أغمضت عينيها كأنما تحاول استعادة توازن نفسها، وأرهفت سمعها فكاد الصمت يطبق على أذنيها لولا تِكْتَاكٌ الساعة الحائطية وصوت لهاث "دوكي" الرتيب، ثم فكرت على نحو مفاجئ بأن سليمان قد يكون الآن صحبة تلك العجوز الدرداء التي تنغص حياتهما، ربما هما هناك يتبادلان القبل، أو ربما يتناكحان في مكان خفي داخل أحد الأكواخ. شعرت بحقد على تلك العجوز، فضمت قبضتها بقوة، و هجست في غضب بكلمات خرجت من بين أسنانها بقوة: "سأخنقها إن رأيتها معه مرة أخرى".
هبت ريح خفيفة من النافذة المفتوحة، فتماوج ثوب فستانها الهفهاف، واحتك ببعض أعضائها محدثا رعشة سرت عبر كامل بدنها.
حاولت أن تتمالك نفسها إزاء هذه الرعشة التي أفرزتها غريزتها الأنثوية، لكن محاولتها هذه، صادفت اقتراب "دوكي" منها الذي سرعان ما شرع يحتك بها مداعبا إياها، فتضامن زغبه الناعم مع نعومة ثوبها الهفهاف، وهيجا من جديد ودون قصد ربما تلك الرعشة التي أرادت إخمادها.
" ألزم مكانك دوكي"، قالت بلهجة آمرة. أصدر "دوكي" أنينا خافتا، ربما كان تعبيرا عن الاحتجاج، لكنه رضخ للأمر، وتراجع للخلف ثم دار حول نفسه، وعاد إلى مكانه.
لاحظت سعاد أن لطخا قليلة من الغبار لما تزل عالقة بالمرآة فأخذت منديلا و شرعت تمرره عليها إلى أن اختفت اللطخ والمرآة معا، ولم يعد هناك سوى غرفة مُضاعَفة بكاملها: بأيقوناتها، بأرائكها، بنوافذها، بساعتها الحائطية، و...و...و...و بكلبها وكذلك ب" سعاد"ها.
أتاحت لها شفافية ثوب فستانها، إمكانية رؤية جسدها المنعكس على المرآة كما لو كان عاريا، فراحت تتأمل تعاريج بطنها وثنايا إبطيها وتبانها و رافعة ثدييها، وبعد برهة أحست بأن انفصالا ما أو شرخا قد شطرها إلى نصفين، فتركز جسدها هناك داخل المرآة، ووعيها هنا خارجها، ثم خالت بصرها كأنما هو بصر كائن آخر يشتهي ذلك الجسد المنعكس هناك.
رفعت يدها اليمنى بحركة لاشعورية، ثم وضعتها على زجاج المرآة، فانطبقت اليد مع انعكاسها وشرعتا معا تسبحان في ذلك الفضاء المزدوج، بينما كانت يدها اليسرى تارة تتحسس نهديها وتارة أخرى تنساب عبر تعاريج جسدها، وثنايا إبطيها و...و...و...
فجأة انتشلتها من هذه التهويمات نحنحة" دوكي"، التفتت تجاهه، فرأت عينيه تتفحصان جسدها. انتابها شيء من الحرج، وطفق العرق ينساب من جبينها، وأحست بقلبها وكأنه يكاد يقفز من صدرها.
حاولت أن تتمالك نفسها، دون أن تزيح بصرها عن عينيه اللتين كانتا يشع منهما في هذه اللحظة بريق غامض وساحر. أدركت بأنها لا تستطيع مقاومة سحرهما المغناطيسي، وأن شيئا ما بداخلها قد انهد وهوى بكامله. ابتلعت ريقها ثم هجست لنفسها وهي ترنو إلى ذلك البريق : " عينا إنسان".
التفتت تجاه الساعة الحائطية، حملقت في عقاربها قليلا، ثم أخذت وجبينها ينضح بالعرق تقترب بخطى بطيئة من الكلب وهي تفكر : " لا تزال ساعتان قبل حلول المساء".


.
* عن منتدى مطر


procris.jpg

Roder, Endre
Procris
(oil on board)
 
أعلى