دانييل خارمس - في الساعة الثانية على شارع النيفسكي ...

iCAKVCK2D.jpg




في الساعة الثانية على النيفسكي ، أو بالأرجح ، على 25 أكتوبر ، لم يحدث أي شيء مميز .
أبداً – أبداً ، فبمحض الصدفة ، توقف ذاك الشخص قرب الكلوزيوم . ربما حل رباط حذائه ، أو ربما أنه يرغب في التدخين .
أو ، أبداً ، لا شيء من ذلك ! فهو مجرد عابر سبيل لا يعرف وجهته .
لكن ، إذن أين أغراضه ؟ بل ، مهلاً ، هاهو ذا يرفع رأسه لسبب ما، وكأنه يريد النظر إلى الطابق الثالث ، بل إلى الرابع ، بل إلى الخامس .
أبداً ، أنظروا ، لقد عطس بكل بساطة والآن هاهو ذا يواصل سيره. أحدب قليلاً ، يبقي كتفيه مرفوعتين .
و معطفه الأخضر تنفخه الرياح . هاهو ذا ينحرف إلى شارع "ناديجدينسكايا" ويختفي وراء المنعطف .

لاحقه بالنظر ماسح الأحذية ، شرقي الملامح ، ثم ربت بيده على شاربيه الأسودين الكثين.

كان معطفه طويلاً ، سميكاً ، أرجوانياً ، ليس بتربيعات ، ولا بمخطط، وليس ......- اللعنة - ....بأرقط .



دانييل خارمس
1931
 
العجائز المتساقطات
[SIZE=6]دانييل خارمس - ت: إبراهيم فضل الله[/SIZE]

من شدة الفضول ، سقطت عجوز من النافذة ، ارتطمت بالأرض وتهشمت.
أطلت من النافذة عجوز أخرى وطفقت تنظر إلى الأسفل إلى التي تهشمت، ولكن من فرط الفضول ، هي الأخرى هوت من النافذة ، ارتطمت بالأرض وتهشمت.
بعدها تهاوت عجوز ثالثة من النافذة ، ثم رابعة ثم خامسة .
عندما سقطت العجوز السادسة ، سئمت من المشاهدة ، فتوجهت إلى سوق " مالتيفستسكي " ، حيث ، سمعت ، بأن أحدهم قد أهدي شالاً مطرزاً إلى ضرير.

دانييل خارمس
 
احتضار رجل عجوز
دانييل خارمس


اندفعت كرة صغيرة من أنف رجل عجوز وسقطت على الأرض .
انحنى الرجل العجوز ليلتقط الكرة ، لكن في تلك اللحظة انطلقت من عينه عصا صغيرة وسقطت على الأرض.
أصيب الرجل العجوز بالذعر، وبينما هو حائر فيما عساه فاعل ، طفق يحرك شفتيه .
وفي تلك البرهة هوى من فمه مربع صغير .
لحظتها وضع الرجل العجوز راحته على فمه ، ولكن وثبت فأرة صغيرة من كمه.
شعر الرجل العجوز بالوهن من شدة الرعب ، فجلس القرفصاء ، كي لا يقع أرضاً .
ولكن عندئذ تهشم شئ بداخل الرجل العجوز ، فانزلق متكوماً على الأرض مثل معطف فرو مرن.
عندها نبل غصن طويل من بين أضلع الرجل العجوز ، وعلى طرفه يجثم طائر صغير.

أراد الرجل العجوز أن يصرخ ، ولكن حشر أحد فكيه وراء الآخر ، وبدلاً عن الصراخ ، شهق بوهن مغمضاً احدى عينيه.أما عينه الأخرى فقد ظلت مفتوحة ، توقفت عن الحراك واللمعان ، أصبحت جامدة ومعتمة ، مثل أعين الأموات .

هكذا نال الموت المخاتل من الرجل العجوز ، الذي لم يعي بدنو أجله.

----------------------------------
دانييل خارمس
 
مكاروف و بيترسان



مكاروف : هنا ، هذا الكتاب يتحدث ، عن رغباتنا وتحققها . اقرأ هذا الكتاب وستدرك كم هي خاوية رغباتنا. وستدرك أيضاً ، مدى سهولة تحقيقك لرغبة الآخر ، ومدى صعوبة تحقيقك لرغبة ذاتك.
بيترسان: أنت تتكلم بطريقة احتفائية موجعة . هكذا يتكلم زعماء الهنود.
مكاروف : هذا الكتاب.. كتاب، الحديث عنه يجب أن يكون مبجلاً . حتى أنني أخلع قبعتي، لمجرد التفكير فيه.
بيترسان: وهل تغسل يديك ، قبل أن تمس هذا الكتاب .
مكاروف : نعم ، واليدان يجب غسلهما.
بيترسان: كان عليك ، تحوطاً ، أن تغسل قدميك !
ماكاروف : هذا ليس لماحاً وفظٌ .
بيترسان : إذن أي كتاب هذا ؟
ماكاروف : اسم هذا الكتاب غامض...
بيترسان: هي- هي – هي !
ماكاروف : هذا الكتاب يسمى مالجِيْل.
(بيترسان يتبخر)
ماكاروف : يا إلهي ! ماذا يجري ؟ بيترسان!
صوت بيترسان: ماذا حدث ؟ ماكاروف ! أين أنا ؟
ماكاروف : أين أنت ؟ أنا لا أراك !
صوت بيترسان: وأين أنت ؟ أنا أيضاً لا أرى !.. ما هذه الكرات ؟
ماكاروف : ما العمل ؟ بيترسان، هل تسمعني ؟
صوت بيترسان: أسمع ! لكن ما الذي حدث ؟ وما هذه الكرات ؟
ماكاروف : هل يمكنك التحرك ؟
صوت بيترسان: ماكاروف ! هل ترى هذه الكرات ؟
ماكاروف : أي كرات ؟
صوت بيترسان: دعوني ! اطلقوني ! ..ماكاروف !..
( هدوء . ماكاروف يقف مذعوراً ، ثم يلتقط الكتاب ويفتحه ) .
ماكاروف ( يقرأ ) : "...تدريجياً يفقد الشخص هيئته متحولاً إلى كرة . بعد أن يصبح كرة ، يفقد الشخص جميع رغباته " .

ستارة


---------------------
خارمس
1934
 
ما أغرب هذا ، ما أغربه حد العجز عن توصيفه
دانييل خارمس


ما أغرب هذا ، ما أغربه حد العجز عن توصيفه ، خلف الجدار ، ذاك الجدار هناك ، رجل يفترش الأرض ، مدداً ساقين فارعتين غائصتين في حذاء أشقر ذي رقبة عالية ، ووجه غاضب .
كي نراه ، كل ما علينا فعله ،هو ثقب الجدار ، ثم النظر عبر الثقب ، و حالاً سنرى كيف يجلس ذاك الرجل الغاضب .
لكن ، ما الداعي لأن نفكر فيه . فماذا يكون ؟ أليس مجرد شظية حياة مائتة ، هوت إلينا من فراغات متخيلة ؟

أياً يكن ، ما علينا به.


22 يونيو 1931

http://aljsad.org/images/sandsofhome/statusicon/user_offline.gif
 
هل يمكن الرمي بحجر إلى سطح القمر ؟
دانييل خارمس


كانت ليلة مخيفة العتمة. وحقيقة ، أن النجوم كانت مشعة ، إلا أنها لم تكن تضئ .
كانت الرؤية مستحيلة. فلربما قامت شجرة إلى جانبك ، أو ربما أسد ،أو فيل ، أو ربما لا شيء على الإطلاق .
ثم هاهو ذا القمر إرتفع ، وعم الضياء .
عندها أصبحت رؤية الجرف الصخري ممكنة، و على الجرف المغارة والمرج إلى اليسار ، والنهر إلى اليمين ، والغابة وراء النهر.

خرج من المغارة قردان يدبان على أربع ، ثم إنتصبا على إثنتين ومشيا الهوينا ، بأذرع طويلة تتأرجح .
------------------------
1931
دانييل خارمس
 
في الساعة الثانية على شارع النيفسكي ...
--------------------------------------------
في الساعة الثانية على النيفسكي ، أو بالأرجح ، على 25 أكتوبر ، لم يحدث أي شيء مميز .
أبداً – أبداً ، فبمحض الصدفة ، توقف ذاك الشخص قرب الكلوزيوم . ربما حل رباط حذائه ، أو ربما أنه يرغب في التدخين .
أو ، أبداً ، لا شيء من ذلك ! فهو مجرد عابر سبيل لا يعرف وجهته .
لكن ، إذن أين أغراضه ؟ بل ، مهلاً ، هاهو ذا يرفع رأسه لسبب ما، وكأنه يريد النظر إلى الطابق الثالث ، بل إلى الرابع ، بل إلى الخامس .
أبداً ، أنظروا ، لقد عطس بكل بساطة والآن هاهو ذا يواصل سيره. أحدب قليلاً ، يبقي كتفيه مرفوعتين .
و معطفه الأخضر تنفخه الرياح . هاهو ذا ينحرف إلى شارع "ناديجدينسكايا" ويختفي وراء المنعطف .

لاحقه بالنظر ماسح الأحذية ، شرقي الملامح ، ثم ربت بيده على شاربيه الأسودين الكثين.

كان معطفه طويلاً ، سميكاً ، أرجوانياً ، ليس بتربيعات ، ولا بمخطط، وليس ......- اللعنة - ....بأرقط .

دانييل خارمس
1931
 
عن كيفية تناثر أحد الأشخاص !
دانييل خارمس


- يقولون ، أن كل النساء الفاتنات – ذوات مآكم . آه ، كم أعشق النساء المكتنزات ، يعجبني عبيرهن ،
- ما إن أتم عبارته هذه ، حتى بدأ يتطاول ، وعندما بلغ السقف ، تناثر إلى آلاف الكريات .

حضر بانتيليه ، حارس البناية ، وجمع تلك الكريات على مجرفة ،عادة يستخدمها لجمع روث الخيل ، ثم حمل تلك الكريات إلى مكان ما بالفناء.

بينما ، استمرت الشمس كدأبها في الشروق ، وظلت النساء الفاخرات كدأبهن فواحات.


23 أغسطس 1938
 
" أثرت غبارا . طاردني صبية ..."
---------------------------------------------
أثرت غبارا . طاردني صبية ومزقوا الثياب على أجسادهم. تساقط شيوخ وعجوزات من على الأسطح .
أصدرت صفيراً وقعقعةً وإصطكت أسناني ، وقرعت بعصاً حديدية .
إندفع الصبية الممزقون ، عبثاً، للحاقي ومن فرط السرعة تقصفت سيقانهم النحيلة بشكل مريع . تواثب الشيوخ والعجوزات من حولي. وأنا أندفع قدما ! تناثر تحت قدميا ، الصبية القذرون ، المضعضعون ، كما عش الغراب .كان صعب علي الركض . كنت في كل لحظة أترنح ، وأوشكت ذات مرة على السقوط في العصيدة الطرية المعجونة من الرجال العجائز والنساء العجوزات ، يتلوون على الأرض .قفزت ، وأطحت بعدد من رؤوس الفطر ، ثم وطأت على بطن عجوز هزيلة ، فتهشمت وهي تهمس : " عذبتموني ! " واصلت ركضي دون إلتفات .الآن ينبسط تحت أقدامي رصيف نظيف في إستواء . فوانيس شحيحة أنارت سبيلي .
ركضت نحو الحمام البخاري . نيران الحمام البشوشة بدأت تتراقص أمامي ، وبخار الحمام ، مريح ، لكنه خانق ، بدأ يعبيء منخاريا وأذنيا وفمي . ركضت ، دون أن أتعرى ، متجاوزاً الاستقبال ، ثم الصنابير و الطسوت والمقاعد ، مباشرة نحو الأرفف .
أحاطت بي سحابة بيضاء ساخنة . سمعت صوتاً هزيلاً ، لكنه لحوح . يبدو ، أنني طريح .

هــا هنا ... أوقف الإسترخاء الجبار قلبي عن الخفقان .

دانييل خارمس
1 فبراير 1939 م
 
مشهد
-------------------------------------------------------------------
شاشكين ( متوقفاً بوسط الخشبة) :
لقد هجرتني زوجتي.
حسناً ، ماذا لديك لتفعل ؟ على كل حال ، بما أنها هربت ، لن تقدر على إرجاعها.
عليك أن تكون فيلسوفاً وأن تتحلى بالحكمة في مواجهة الفجائع .
سعيد من يمتلك الحكمة .
وهاهو ذا كودروف ، لا يمتلك هذه الحكمة ، و أنا أمتلكها.
أنا قد قرأت كتاباً مرتين بالمكتبة العامة. مكتوب بغاية الذكاء عن كل شئ.
أنا أهتم بكل شئ ، حتى اللغات .
أعرف العد بالفرنسية وأعرف " البطن " بالألمانية .
دير ماغين . هكذا !
حتى الرسام كوزلوف يصادقني .
نحن نحتسي الجعة معاً .
وماذا عن كوروف ؟ هو لا يعرف حتى قراءة الساعة .
يتمخط بأصابعه ، يأكل السمك بالشوكة ، ينام منتعلاً ، لا يستاك ....تفو !
بإختصار هو يمثل ما يمكن تسميته – تيس !
إذا رافقته في أي مجتمع : يطردونكم شر طردة ، ليس وحسب ، بل يلاحقونكم بالسباب ، ويقولون : لا تعود، برفقة تيس ، أيها المتذاكي . لن تستطيع الإرتفاع إلى مقامي . هيا أيها الكونت ، أخاطب الكونت . هلم أيها البارون – وأتحدث مع البارون . لن يكون بمقدورك إستيعاب قيمتي بسهولة. من المؤكد ، أن معرفتي باللغة الألمانية غير جيدة : بطن – دير ماغين .بينما إذا خاطبني أحدهم : دير ماغين فن ديل مون " ،- لن أفهم ماذا يعني .أما كوروف هذا ، حتى " دير ماغين " لا يفهمها .
مع ذلك ، هي قد هربت مع أحمق كهذا !
أرأيتم، هذا ما تستاهله تماماً !
هي ، أتفهمون، لا تعتبرني رجلاً .
" تقول – صوتك – صوت أنثوي !"
بينما هو ليس أنثوي ، لكنه طفولي ! طفولي ، ناعم ، لكن ليس أنثوي إطلاقاً!
ما أشد حماقتها ! ماذا منحها كوروف ؟

كوزلوف الرسام يقول ، بأنني أستأهل الرسم .

خارمس
 
" ما أسهل أن يتوه الشخص ..."
دانييل خارمس


ما أسهل أن يتوه الشخص بين الأشياء الصغيرة . يمكن أن يمشي الشخص بالساعات من المائدة إلى الدولاب ومن الدولاب إلى الكنبة دون أن يعثر على مخرج .
بل يمكنك أن تنسى موقعك حتى، وأن تطلق السهام على أي دولاب صغير معلق بالجدار .
"أيها الدولاب ! – يمكنك تنبيهه . – إليك هذه ! "
أو يمكنك أن تتمد على الأرض وتتفحص الغبار .
و هذا أيضاً مصدر للإلهام .

ومن الأفضل فعل ذلك بالساعات ، وفقاً لحكم الزمن . حقيقة ، من الصعب جداً هنا تحديد أطر زمنية ، فأي أطر زمنية يمكن أن تكون للغبار ؟

كذلك من الأفضل التأمل في طست مياه . النظر إلى الماء مفيد دوماً ومصدر للتهذيب .
حتى إن لم يكن هنالك أي شئ يمكن رؤيته ، يظل الأمر جيداً .
نظرنا إلى المياه ، لم نرى فيها شيئاً ، وسريعاً ما تسرب إلينا الملل .
إلا أننا طمأنا أنفسنا ، بأن ما فعلناه عمل صالح .
كنا نطوي أصابعنا ونعد . ولكن لم نكن نعلم ، ماذا كنا نحصي ، وهل يوجد في الماء ما يمكن أن يحصى ؟

خارمس
17 أغسطس 1940
 
معزوفة رقم 1
دانييل خارمس

مياه هادئة تجري تحت قدمي .
نظرت إلى المياه الداكنة فشاهدت السماء .
هنا ، على هذا الموقع تحديداً ، سيطلعني ليجوديم على معادلة خلق الأشياء من العدم .
سأنتظر حتى الساعة الخامسة ، وخلال هذا الوقت إذا لم يظهر ليجوديم من بين تلك الأشجار ، سوف أغادر .
إنتظاري يصبح مثيراً للحنق . ها أنذا منذ ساعتين ونصف أقف هنا ، والمياه الهادئة تنساب تحت قدمي .
أدخلت عوداً في اللجة . وفجأة أمسك شيء بالعود ثم انتزعه .
أفلت العود من قبضتي ، فانفلت بسرعة ، محدث صفيرا .
وقفت مضطرباً ومذعوراً قرب الماء .
حضر ليجوديم في الخامسة تماماً . كانت تمام الخامسة ، فالقطار الذي يعبر بالشاطئ : يمر كل يوم بجموح جوار ذاك الكوخ ، عند الخامسة تحديداً.
سألني ليجوديم عن سر شحوبي . أخبرته بأمر العود .
مرت أربع دقائق ، حدق خلالها ليجوديم في المياه الداكنة . ثم قال : " ما حدث ، لا معادلة له .
بمثل هذه الأشياء ، يمكن إخافة الأطفال ، لكنها بالنسبة لنا غير مثيرة للإهتمام .
نحن لسنا من هواة جمع المواقف الخيالية . قلوبنا تحب الأعمال العبثية فحسب .الفنون الشعبية وهوفمان ، هي أشياء كريهة لدينا . هنالك جدار بيننا وبين الحوادث الغامضة كهذي .

أدار ليجوديم رأسه حول عنقه دورة كاملة ، وهو يخطو القهقرى حتى غاب عن الأنظار .

دانييل خارمس
10 نوفمبر 1937
 
شوارب طويلة ، مثل بان بشيخوفسكي
دانييل خارمس


كان لماتفييف سمولينسكي شوارباً طويلة ، مثل بان بشيخوفسكي .
كان بان بشيخوفسكي يفتخر بشاربيه ، بينما يثير حنقه وجه ماتفييف الأبله .
فيخبط بقدميه ويديه ، ويصك بأسنانه ويبصق على الجدران ؛ يسود وجه بان من الغضب ويصرخ بصوت حاد و كريه .

تعودت على قرض الشعر عن "ساعة المعصم"، بينما في الغرفة المجاورة يجلس بان بشيخوفسكي يحيك جيوباً على ماكينة الحياكة .
كانت الماكينة تقرقع بطريقة غير منتظمة وتشتت تركيزي .
كان بان يعمل على الماكينة بصورة سيئة للغاية : و يكيل السباب للمنول والخيط بصوت مرتفع ، لكن ، عندما ينصاع المنول والخيط لإرادته ، يقوم بان بإدارة مقبض الماكينة ويبدأ في سب ماتفييف سمولينسكي .
لقد سئمت من هذا السباب المتواصل وقعقعات ماكينة الحياكة .

بصقت وخرجت إلى الشارع .


نوفمبر 1937
 
خداع بصري
دانييل خارمس


وضع ، سيميون سيميونوفيتش، عويناته ثم وجه بصره نحو الصنوبرة فأبصر: رجلاً يتقرفص على الصنوبرة يتهدده بيد مقرفصة.

خلع، سيميون سيميونوفيتش عويناته،ثم وجه بصره صوب الصنوبرة، فأبصر أن لا أحد يتقرفص على الصنوبرة.

فوضع،سيميون سيميونوفيتش، عويناته ثم صوب بصره نحو الصنوبرة، وتارة أخرى أبصر رجلاً يتقرفص على الصنوبرة ويتربصه بيد مقرفصة.

نزع، سيميون سيميونوفيتش، عويناته، ثم صوب بصره نحو الصنوبرة، فأبصر أن لا أحد يتقرفص على الصنوبرة.

فوضع،سيميون سيميونوفيتش، عويناته تارة أخرى، ثم صوب بصره نحو الصنوبرة، وتارة أخرى أبصر رجلاً يتقرفص على الصنوبرة ويتربصه بيد مقرفصة.

سيميون سيميونوفيتش لم يرغب في تصديق هذه الظاهرة، فخلص إلى أنها خداع بصري.


--------------------------
دانييل خارمس
------------------------

هامش :
تكرار الكلمات والأحرف مقصود، لنقل خاصية أسلوبية لدانييل خارمس...والحرص على نقل هذه الخاصية الأسلوبية في جزئية الأحرف، مبني على ما توفره اللغة العربية من ثراء ...يستوعب ما استوعبته اللغات الأخرى...ويفيض عنه....
 
خارمس الكاتب الروسي الذي قتل من أجل فقرة
علي بدر

صديقتي الألمانية هانكا بولدمان هي التي حدثتني عن كاتب روسي مجهول اسمه خارمس.. أضحكني الاسم أول الأمر، جربته.. خارمس أو هارمس.. أو شارمس.. خاء وشين وما بينهما واللفظ على الدوام باللغة الألمانية، تصدق أو لا تصدق.. تسمع كثيراً أو قليلاً، تقرأ، تعجب.. هنالك على الدوام خارمس، أو دانييل خارمس.. والاسم طبعاً منتحل.. وهو رائد من رواد مسرح العبث في روسيا في زمن ستالين.. يا للمقارنة.. يا للعجب.

خارمس.. هارمس.. شارمس، هكذا.. دانييل اسمه الأول... وهو الذي أنجز شهرة غريبة، هذا الطليعي غريب الأطوار والذي عاش اواخر العشرينيات في لينينغراد، خارمس إذن.. الخاء في العربية أفضل.. قلت.. أفضل من الشين والهاء.. انه كاتبنا الجديد انه دانييل خارمس الذي أسس في العام 1927م مع عدد من الكتّاب التجريبيين المجموعة الأدبية أوبريو، القوة التي تجمع بين علم جمال مستقبلي ونظرة شكلية، أعمال.. دعاية.. إعلانات مثيرة، سحر، إحساس بسيط يساعدهم في تقديم مساء مسرحي غير مألوف جداً، وسط شعارات الأوبريو، وهكذا كان يقول خارمس:

الفنّ مثل دولاب، وقصائدنا ليست فطائر، ونحن لسنا سمك الرنغة.

في أعوام ستالين، لم يكن الفنّ التجريبي طيشاً مراهقاً.. انما كان عملا سياسياً معادياً للثورة!.. وهكذا فرقت القوة البوليسية مجموعة أوبريو.. واتهمتهم بصرف انتباه الناس عن بناء الاشتراكية.. ثم اعتقل خارمس ونفي إلى مدينة كورسك، في الجبال والجليد عاش منفاه الجديد، هناك في مكان بعيد لا يصله أحد كان يواجه قدراً مأساوياً حقيقياً، شاب في العشرين يعرى وسط الثلج والظلام والقهر والإذلال والجوع لأن التجريب الفني ممنوع، وهذا الحكم صادق عليه مثقفو العسكر؟!

ثم أطلق سراحه بعد عامين ليعمل عملاً عادياً في المؤسسات الحكومية تحت الرقابة البوليسية.. وعند اندلاع الحرب اعتقل من قبل الأمن الروسي في موسكو.. وترك في السجن الانفرادي وسط الظلام والبرد والاذلال والجوع مرة أخرى، ولكن هذه المرة شاءت العقلية القمعية أن تقتله بطريقة أخرى، فقد أقفلت زنزانته عليه في العام 1942م دون طعام حتى وجد متكوماً على نفسه وسط الظلام والبرد ميتاً.. ولم تنشر أعماله في روسيا إلا بعد نهاية الشيوعية.. كاتب مات جوعاً بسبب كتاباته العبثية.. يا للروعة.. خارمس الذي كان الجوع والفاقة رفيقين ثابتين لكتاباته مات جوعاً في سجن مظلم.. وسط الجليد والبرد.

لننظر بما قاله خارمس واستحق أن يموت من أجله:

في دفتر الملاحظات الأزرق لا. ,,10. أو الرجل الأحمر الشعر.. يقول خارمس:

مرة كان هنالك رجل أحمر الشعر، ليس لديه عيون ولا آذان، لم يكن لديه شعر أيضاً، وكان يسمى «أحمر الشعر» نظرياً فقط..

لم يكن قادراً على الكلام لأنه ليس لديه فمّ ولم يكن لديه أنف. لم يكن لديه سيقان ولا أسلحة، لم تكن عنده معدة، ولا ظهر، ولا عمود فقري، ولم تكن لديه أحشاء داخلية، لم يكن لديه أي شيء مطلقاً! لذا ليس واضحاً عمن نتحدث نحن في الحقيقة.

أو من الأفضل أن لا نتحدث عنه مطلقاً.

هذه القطعة النثرية هي التي أودت بحياة دانييل خارمس، هذه هي التي جعلته يعيش في سجن مظلم وسط الجليد، راجفاً جائعاً حتى نفق.. هل تستحق الكلمات أن ندفع حياتنا ثمناً لها؟

طبعاً الحياة هي أثمن شيء على الأرض، وكان مالرو هو أول من صرخ: الحياة لا تساوي شيئاً.. ولكن لا شيء يساوي الحياة.. وأنا اليوم أقف منبهراً وعاجزاً ومتأسفاً على شاعر وكاتب مثل خارمس دفع حياته ثمناً لكلمات هي بكل المقاييس ليست معادية لأحد، هذا يعني أنه لم يهاجم سلطة ستالين، لم يفندها أيديولوجياً.. لم يحمل السلاح لاسقاطها، لم يكتب المناشير مطالباً الناس بالخروج ضدها، لم يتآمر مع أحد ضدها، انما قتل لأنه لم يكن مهتماً بها، هل نتذكر غاليلو الذي تراجع عن فكرة علمية أمام محاكم التفتيش.. لتظل الحقيقة هي هي، حتى وإن تخلى عنها غاليلو.. ولكن ما معنى البطولة هنا نسبة لغاليلو؟

خارمس دافع عن مبدأ.. دافع عن وجهة نظر في الأدب فسرت من قبل الجدانوفية البغيضة بأنها معاداة سياسية، وسلوك لا أخلاقي، ولكن ما هي الأخلاق إن لم تكن الدفاع عن وجهة نظر والتمسك بمبدأ لا يجعل الناس تموت من الجوع أو تذل أو تهان، هل سيقول كوبرنيكوس لغاليلو تعيس هو البلد الذي ليس فيه عظماء، فيرد غاليلو بل تعيس هو الذي بحاجة إلى عظماء.. وهكذا تنتصر الحقيقة وثمنها حياة الكاتب الشاب دانييل خارمس؟..
 
أعلى