قصة ايروتيكية عليا ـ سمر يزبك

  • بادئ الموضوع لا أحد
  • تاريخ البدء
ل

لا أحد

[SIZE=6] سمر يزبك
عليا [/SIZE]



إنه خط الضوء المائل!
الباب كان موارباً.
الخادمة السمراء نسيت إغلاقه، كما اعتادت بعد نوبات هذيانها مع سيدتها، ولو أن الضوء المنبعث كخط مائل نحو المرآة، التي تحتل الحائط في الممر العريض، لم يكن ساطعاً، لما انتبهت حنان الهاشمي إلى الهسيس الخافت، وهي تمشي حافية القدمين على غير عادتها، بعد أن قفزت من فراشها كملسوعة، حالمة أنها تحولت إلى امرأة بخمسة أذرع، وثلاثة أثداء.
كانت ما تزال تهذي. تتلمس جسدها، تتحسس الدانتيلا النبيذي الملتصق بصدرها، وتبحث عن استطالات ما، وأذرع جديدة نبتت بين ضلوعها، ولم تكن لتصدق أنها ما زالت على حالتها الطبيعية، حتى هبطت درجات السلم الخشبي، وركضت نحو المرآة الطولانية، والتي احتفظت بها وحدها من كل الأثاث الذي تركته في بيت المهاجرين القديم. كانت تعرف أن المرآة لن تكذب عليها، وستجعلها تصدق، أن أذرعاً نحيلة ومخيفة لا تتراقص في جسدها كأفاعي ميدوسا.
لكنه خط الضوء!
خط النور المائل الذي قسّم الممر إلى شطرين، هو من جعلها تستفيق من كابوسها، وتنتبه أنها حافية القدمين، وأنها تسمع هسهسات ما، تنبعث من تلك الغرفة.. غرفة زوجها.
وقفت بصلابة، كانت ترتجف، وعيناها جاحظتان، حتى أنها لم تستطع تحريك رجليها لتعرف ما الذي حدث داخل الغرفة، تذكرت أنها لم تدخلها منذ سنوات، ولا تذكر محتوياتها، ولم ينتابها أي فضول، لمعرفة المكان الذي ينام فيه زوجها.
أكملت طريقها باتجاه المرآة. وقفت بعريها بعد أن أضاءت الممر. ولم يكن يسترها سوى ثوب قصير من الدانتيلا. حملقت في المرآة تفكر بالضحك الذي سينتابها بعد قليل، لفكرة غبية مرت على خاطرها، فكرة فضول أعمى لمعرفة ما يفعله زوجها.
نظرت إلى المرآة، ولمعت عيناها بسحر شيطاني، ومررت أصابعها على وركيها، وهي تحبس أنفاسها، وتتذكر كيف كانت منذ ساعات قليلة تنتفض بين ذراعي عليا. ضحكت بصوت منخفض.
حتى تلك اللحظة كانت تشعر بالسعادة، وتحاول إشباع نهمها في التقاط أكبر تفاصيل لجسدها أمام المرآة. ترفع ثوبها القصير. تتأمل ردفيها بفضول، وكأن ما تشاهده هو جسد امرأة أخرى. كانت تتلمس سطح المرآة الأملس، وتمرر أصابعها عليها، ثم تطلق صوتاً خافتا من الضحك، وهي تضع كفها على فمها، كتلميذة مهذبة وخجولة. مدت يدها، واطفأت النور، تفكر بالّظل الذي ستلمحه أمام المرأة، لكنها غرقت فجأة في العتمة، وانتبهت إلى أن الضوء المنبعث من غرفة زوجها قد اختفى، والباب الموارب قد أوصد. ارتجفت، وشعرت أن ما يحدث هو أمر مخيف.
حاولت أن تتماسك، فكرت بالصراخ، لأن الخاطر الوحيد الذي مر ببالها، هو أن لصاً اقتحم بيتها، لكن الصراخ لن يجدي، فعدة كيلومترات تفصلها عن أقرب فيلا، والحارس يغرق في نومه الثقيل
تجمدت، وصارت تبحث وسط العتمة عن الجدار، لتشعر بقليل من الأمان، صارت تتنفس بصعوبة، كانت تفكر في الوصول إلى أقرب هاتف، فهي متأكدة تماما أن زوجها لم يكن ليستيقظ حتى ساعة متأخرة، وإذا حدثت معجزة وفعل، لن يطفأ الأنوار فجأة عندما يسمع وقع خطواتها.
التصقت بالحائط حتى صارت جزءاً منه، وكورت جسدها وذراعيها، كتمت أنفاسها. عندما انقضت دقائق وهي ما تزال على هذه الحال، سطع ضوء من الغرفة، وعادت الهسهسات ثانية.
هسهسات ناعمة. ضحكات خافتة، وآنينٌ ملتاع.
كانت تمد رأسها إلى الأمام، وتمشي ببطء وتثاقل، محاولة التكهن بمصدر الصوت، كان جسدها قد بدأ بالارتجاف بشدة، وتحولت شفتيها إلى اللون الأزرق، وباتت على وشك أن تصدق كابوسها. صارت أمام مقبض الباب. التصقت به، وفضولها يمنعها من التريث، أو الخوف. فتحت الباب بحركة عنيفة، خائفة من لحظة نمو الاستطالات، والأثداء من تحت إبطيها.
وهذا تماماً ما شعرت به عندما صارت وجهاً لوجه، أمام ما يحدث في الغرفة، بهق وجهها، وبدأ جلدها بالتمزق. عيناها جاحظتان. فاغرة الفم. مشلولة الشفتين. زوجها العاري ممدد على السرير، وتغضنات الآلم تعلو جبهته، وإلى جانبه تقف عليا.
عليا؟ الخادمة السمراء تتلوى أمامه بغنج.
كانت حنان الهاشمي تخاف الآن من خروج كرتين زجاجيتن من وجهها، بعد أن اخترق سيخ من النار محجرييها، تمعن النظر في عضو زوجها المتدلي كخرقة، وهو الأمر المنطقي الوحيد الذي انتظرته.
صرخت:عليا ؟؟!
لم تنتبه أن وجعها لم يكن من تلك الصورة التي وجدت زوجها عليها، ولكنه كان من أجل عليا!
عليا التي خذلتها كما لم يفعل أحد من قبل.
ربما كان عدم إدراكها طعم الخيانة المباغت، هو من جعلها تقرر أن تمحوها من حياتها نهائياً، صباح اليوم التالي، وهي تشرب مع زوجها العجوز الصامت، فنجان القهوة، هادئة كأن شيئا لم يحدث، وكأن عليا لم تكن يوماً تعيش معهم لأكثر من سبع سنوات. ولم يخطر في ذهنها المشوش، أنها ستقضي أياماً قادماً، تائهة تبحث عنها، دون الهداية إلى ذلك الزقاق الضيق، القذر الذي خرجت منه عليا يوماً، بين أكوام الصفيح، وبكاء الأطفال الحفاة، العراة، الذين يلعقون مخاطهم بلذة اكتشاف طعم للحلوى، ويتدلون من حاويات القمامة، كأغصان برتقال محروق، ولن تصدق أنها ستعيش لياليها وحيدة، رغم السهرات الماجنة التي كانت تقوم بالإعداد لها هي وبعض السيدات المترفات، بين حين وأخر في القصور الصغيرة الفخمة، المنتشرة حول دمشق. وراء تلك الأزقة التي ستحفظ تعاريجها عما قريب.
قبل أن ترتدي عليا ثوب نومها، وتنسل إلى غرفتها، كما طلبت منها حنان الهاشمي في تلك الليلة المشؤومة، كانت تفكر بتفاصيل النصف الثاني من الليل، كانت تحب الليل، وتنتظره طول النهار، وكأنها على موعد غرامي، والليل الذي انتظرته، لم يكن عادياً، الليل الذي تطلبها فيه سيدتها بصوتها الناعم المبحوح، بعد عودتها من إحدى سهراتها، كانت تعتلي عرشها مرتين، مرة في النصف الأول من الليل على فراش سيدتها، وفي النصف الثاني، حيث تنام قرب العجوز عارية، تغفو قليلاً، تعبث به وتلعب معه، وتمتطيه، وتطلب منه أن يجعلها دميته، ويتحول إلى مطيتها، ثم تغادره إلى غرفتها، وكأنها أنهت عملاً عظيماً، دون أن يتأفف من عبثها بجسده، ولو مرة واحدة على مدار سنوات عدة، ودون أن تفلح في جعله يستعيد بعضاً من رجولته الفائتة. وهو أمر لم يكن يعنيها في شيء، لأنها كانت تفضل النوم قليلاً بحضنه، تسمع أنفاسه المحروقة، وهو لم يكن ليحلم بأكثر من ذلك في نهايات العمر.
كانت في كل مرة تفعل ذلك، وقبل طلوع الفجر بقليل تذهب إلى غرفتها، وتستحم، تبصق أثناء الاستحمام كثيراً، وتنام كقتيلة فهي تعرف أن النهار قادم، وستخلع عنها رداء السحر. وتعود إلى تلقي الأوامر.
وعرشها ذاك لم يكن يحتاج للكثير من المهارة بعد أن تعلمت فنون الحياة، وكيف تستطيع أن تكون الأقوى في السرير، ولم تحسب حساباً، لنزول السيدة اللعين، آخر الليل، لترى بعينيها ما كانت تفعله. كانت تلك اللحظة التي نظرت فيها بعيني سيدتها تعود بها إلى ذكريات الخوف.
رغم أن طعم الخوف لم يفارق قلبها منذ زمن بعيد، ولم تستطع السنوات السبع التي فصلتها عن عالم طفولتها القاسي أن تمحو من عينيها ذلك الارتجاف القلق، والتشنجات الحادة في وجهها، وتذكرت في تلك اللحظة الطويلة كمئة عام، كيف اختفى الضوء من عينيها، وكيف هربت بعريها من غرفة العجوز، وركضت نحو غرفتها، وأقفلت الباب، ورمت نفسها على البلاط، وأجهشت ببكاء لم تصحو منه إلاّ وصوت حنان الهاشمي الجاف يأمرها بالرحيل عند طلوع الفجر، دون أن ترى وجهها، كانت واثقة تماماً، أنها لو خرجت من غرفتها، وفعلت ذلك الشيء مع سيدتها، كما علمتها، ودربتها لسنوات طويلة، فإنها ستقلب السحر على الساحر، وستجعل قلبها يرق، فالليل ما يزال ليلاً، والنهار لن يطلع عما قريب، وما تزال هي الملكة الوحيدة، وعندما يطلع النهار، وتتحول إلى تلك الخادمة من جديد، سيكون لها شأن آخر، كانت تستطيع أن تفعل ذلك لثقتها بسحر الليل، لكنها فضلت انتظار النهار، لتحمل حقيبتها بهدوء، وتنسل من الفيلا، دون أن تنظر إلى الخلف، ولم تنتبه وهي تغادر في الصباح، أن حنان لهاشمي كانت ما تزال واقفة وراء النافذة، تنتظر مغادرتها، وعيناها مفتوحتان كمغارتين، وعندما اختفى خيال عليا، أغلقت الستائر، واندست في فراشها، وهي تتشمم رائحة شراشف الليلة الماضية، الشبيهة برائحة القرفة، ونسيت موعدها الصباحي مع صديقاتها في الطاولة الخاصة بإحداهن في فندق الميريديان، حيث اعتدن تناول قهوة الصباح قبل التوجه إلى مدينة بيروت للتسوق، لكن الوقت كان أيضاً غير مناسب، فالبارحة تماماً كانت على موعد مع الرعب، لأن التفجير الجديد الذي صارت المدينة على موعد متكرر معه، طال ضحية جديدة، امرأة هذه المرة، وهو الأمر الذي لم تحسب له حساباً، لأنها ظنت على الدوام، أن الرجال وحدهم فقط هم المعرضين لحوادث الاغتيال. الآن وبعد مرور أسابيع على آخر تفجير، تكتشف أن هناك نساء يقتلن أثناء جائحة الخراب التي ألمت بشرق المتوسط. كان ذلك السبب كافياً لتهلع، وتمتنع عن التوجه إلى أرقى محلات بيروت، كما اعتادت، ولسنوات طويلة خلت، لذلك عندما اندست في فراشها، بعد اختفاء عليا عن ناظريها، وتحولها إلى شبح. أغلقت هاتفها المحمول، وانتزعت أسلاك الهاتف الثابت، فالموعد الصباحي لهذا اليوم لن يكون أكثر من ثرثرة فارغة، ستزيد ألمها وحشة.
نامت برجاء أن يكون ما حدث كابوساً أخر، ولفت يديها حول صدرها، لتمنع نمو الأثداء، ونسيت وجود زوجها الممدد في الطابق السفلي، والذي كان يغط منذ زمن في نوم عميق!


* فصل من رواية
 
التعديل الأخير:
أعلى