محمد رجب البيومي - من أدب العراق.. المرأة في شعر الرصافي - 2-

أما حافظ فقد جعل الأم مدرسة كصاحبه، وزاد فرفعها إلى قمة عالية فكانت عنده أستاذ الأساتذة الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس، كما شبهها بروض زاهر، فذكر أنها ليست أثاثا يقتنى في الدور ولا درراً تصان في الأحقاق، فيجب أن تتبوأ مكانها في المجتمع. وهو مع هذه الصيحة يحتاط أكمل احتياط، وينظر إلى البداية والنهاية معا في وقت واحد، فيخوف من السفور، ويحدد مهمة المرأة الاجتماعية، فهي ربة بيت تنهض بأعبائه، وتضطلع بشؤونه.

قال شاعر النيل:

أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً ... بين الرجال يجلن في الأسواق
يدرجن حيث أردن لا من وازع ... يحذرن رقيته ولا من واقي
يفعلن أفعال الرجال لواهياً ... عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهن شؤونهن كثيرة ... كشؤون رب السيف والمزراق

وإذن فحافظ متحفظ في ثورته، وكل ما يريده أن تخرج الفتاة إلى مدرستها ثم ترجع إلى البيت الذي تديره، ولا كذلك الرصافي، فهو يمشي مع السفور إلى أبعد شوط، ويرى أن المرأة كالحمامة لها ريش يجب أن تطير به، وسجع يلزم أن تردده، وإلا لما خلق الله لها ذلك، وكان التعلل بالشريعة نغمة متصلة، يرددها المحافظون فأطنب الشاعر في دحض هذه الحجة، وأخذ يكرر قوافيه المتلاحقة في نقضها. ومما قاله في ذلك فوق ما قدمناه:

وأكبر ما أشكو من القوم إنهم ... يعدون تشديد الحجاب من الشرع
وذلك أنا لا تزال نساؤنا ... تعيش بجهل وانفصال عن الجمع
أفي الشرع إعدام الحمامة ريشها ... وإسكاتها فوق الغصون عن السجع
فقد أطلق الخلاق منها جناحها ... وعلمها كيف الوقوف على الز
وقصائد الرصافي في هذا الموضوع أكثر من أن تحصر؛ فقد كان يرى الدفاع عن حقوق المرأة أمانة في عنقه، يجب أن يؤديها بغير تمهل وانتظار. وقد أفلح الشاعر في دفاعه أي فلاح، وعاش حتى رأى المرأة الشرقية كما أحب لها من تقدم وصعود، فعاد يمجد في مواهبها، ويبالغ في مكانتها ويفخر بنهضتها التي نمت في وقت يسير. وما ظنك بزارع كادح بذل جهده الدائب في شق التربة وغرس الثمرة. وصادف من الصخور ما كاد يهشم معوله، ويبدد قوته وما زال يتعهد غرسه بالماء حتى رآه - بعد لأي - جنة مورقة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها، هكذا كان معروف!!

وهنا نتساءل بعد ما أسلفناه من جهاد الشاعر عن موقفه العاطفي من المرأة، وهل ملكت يوما زمام فؤاده؟ وماذا أوحت إليه من فاتن الغزل ورقيق النسيب؟؟

وقبل كل شئ نذكر أن الرصافي قد تزوج مرة واحدة في حياته، أثناء إقامته بتركيا، ولم يكتب له التوفيق كزوج مسؤول، فطلق امرأته بعد مدة وجيزة، وألقى العبء عن كاهله، كما صنع شاعر النيل؟

كما لم يحدثنا أحد من معارفه بأنه أحب فتاة معينة، أو أنشأ علاقة مع امرأة بذاتها، وإن كنا نعلم أنه كان إباحيا متحللا يبحث عن شهوات الجسد من أي طريق. وأنت تنظر إلى ما روى عنه من صادق النسيب، فنجده ينظر إلى النساء بمنظار واحد، فهو يغازل هذه وتلك دون أن يدخر في قلبه شجنا مبرحا، أو لوعة حارة. وإذن فمعروف يهوى الحسن مجردا عن ذاته كما يراه في كل لون ووضع؛ فهو بحب البيضاء، إذ تتألق كالبدر، ويعشق الحمراء إذ يتذكر بها طلوع الشمس، ويميل إلى السمراء والصفراء جميعا في وقت واحد!! وقد يظن الناس أن هذا خيال شاعر لا حقيقة له، والواقع غير ذلك، فالجمال لا يقف عند لونه، وإنما يتعداه إلى الخفة والمرونة. وكأني بالرصافي وقد وجد قلبه أعظم من أن يختص بواحدة، فهام بجميع الملاح. اسمعه يقول

وقفت عليكن قلبي الذي ... يمر به الحب مر السحاب
فمنكن أحببت هذي وتى ... وألفيت عذبا بكن العذاب
فمنكن بيضاء ما مثلها ... (عدا حمرة الخد) ألا القمر
فتلك التي طاب لي وصلها ... كما ليلة البدر طاب السمر
ومنكن حمراء جذابه ... حكى وجهها الشمس عند الطلوع
أرى عينها وهي خلابة ... فأمسك بالكف مني الضلوع
ومنكن صفراء في لونها ... كأن قد تردت شعاع الأصيل
إذا ما تمشت على ضعفها ... أصَّحت هبوب النسيم العليل
ومنكن سمراء تحكى الدمى ... وتبعث في القلب ميْت الهوى
على شفتيها يلوح اللمى ... فتوقد في القلب نار الجوى
ومنكن من هي مثل الرياح ... لها في ذرى كل قلب هبوب
تريد غلاب جميع الملاح ... وتبغي عذاب جميع القلوب
فمنكن طرا بوادي الهوى ... أهيم وإن لم تعد عائدة
ألا إن حيا بقلبي انطوى ... كثير فلم تكفه واحدة

وطبيعي أن يكون الرصافي فنانا ماهرا في نظرته إلى المرأة، فهو يصفها في دقة وحذق وكأنما أحاط بحركاتها واجدة فواحدة. وقد صور ملهى للرقص في بغداد، فكدنا نراه في القاهرة. والذي يهمنا منه تلك اللوحة الرائعة التي رسمها للراقصة الفاتنة؛ فقد تكلم عن ثوبها الحريري فخيل إلى أنه حائك ماهر يصفه لزميله كي يصنع مثله. وانتقل إلى حركاتها السريعة فكاد يسبقها في الخفة والوثوب، على أنه يطير معها في الجيئه والذهوب، ولن أترك القارئ حتى أضع أمامه جانبا من هذه اللوحة، فالفن يشوه بالتخليص أقبح تشويه، قال معروف:

خطرت والجمال يخطر مها ... في حشا القوم جيئة وذهوبا
وعلى أرؤس الأصابع قامت ... تتمطى تبخترا ووثوبا
نحن منها في الحالتين نرانا ... نرقب الشمس مطلعا ومغيبا
حركات خلالها سكنات ... يقف العقل ينهن سليبا
وخطّى تفضح العقول اتساقاً نظمتها تسرعا ودبيبا
لو غدا الشعر ناطقا بلسان ... لتغنى بوصفها عنَدليبا
أظهرت في المجال من كل عضو ... لعبا كان بالعقول لعوبا
مشهد فيه للحياة حياة ... تترك الواله الحزين طروبا

وله من هذا السياق النضيد شئ كثير.
هذا وقد رأيت بعض من كتبوا عنه غب وفاته يعدون ما تغزل به في المرأة تقليدا واحتذاء، وحجتهم في ذلك أن الشاعر لا يهدف إلى فتاة معينة، وأنا أقول: إن من الخطأ البين ألا نفرق بين ما تفتتح به القصائد من عبارات التشبيب وبين ما يجيش بصدر الشاعر فهتف به. نعم قد يكون الأديب في إنتاجه متجها إلى عناصر غير الحب واللوعة، ولكن هل يكون معنى ذلك أنه تناسى عاطفته التي تختلج في خفاياه، وتتجاهل غريزته التي تموج في خلاياه، فإذا قال غزلا فتنا قيل له من فتاتك؟ ما اسمها؟ وفي أي بيئة نشأت؟ وبأي ثقافة تميزت؟ وإذا مر الشاعر في طري مزدحم، فوقعت عينه على حسناء ساحرة ثم اختفت عنه لجج الزحام الحاشد، دون أن يعلم عنا أي شئ، أتقول له: حطم يراعك، ومزق طرسك، لأن فتاتك غير معروفة باسمها فلا ينبغي أن تنسب بها إلا كنت صانعا أي صانع!! هذا والله شئ عجيب!!

إن شاعراً يحترم فنه كمعروف لا يمكن أن ينشئ غزلا دون أن تشتجر في صدره العواطف، لنا أن نعد من تشبيبه التقليدي ما يجئ عرضا عن المرأة في موضوع خاص، يهدف إلى فكرة خاصة، لا تتصل بالحب من قريب أو بعيد، كقوله في قصيدة (العالم شعر)

وبيضة خدر إن دعت نازح الهوى ... أجاب ألا لبيك يا بيضة الخدر
تهادت تريني البدر محدقة بها ... أوانس إحداق الكواكب بالبدر
فلله ما قد هجن لي من صبابة ... ألفت بها طيّ الضلوع على الجمر
تصافح إحداهن في المشي أختها ... فنحر إلى نحر، وصدر إلى صدر
مررن وقد أقصرت خطوى تأدبا ... وأجمعت أمري في محافظة الصبر
فطأطأن للتسليم منهم أرؤسا ... عليها أكاليل ضفرن من الشعر
فألقيت كفى فوق صدري مسلماً ... وأطرقت نحو الأرض منحنى الظهر
وأرسلت قلبي نحوهن مشيعاً ... فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري
وقلت وكفى نحوهن مشيرة ... ألا إن هذا الشعر من أجمل الشعر

فهذه الأبيات من قصيدة وصفية، نظمها الرصافي ليعلن نأأن الطبعة ديوان شعري ممتاز، وأخذ يقلب صفحات الديوان، فرأى في سكون الليل قصيدة عامرة عدها من (أحسن) الشعر، ورأى في طلوع الشمس قصيدة بارعة عدها من (أبدع) الشعر، ورأى في وحشة المقابر قصيدة باكية عدها من (أفجع) الشعر، اتجه إلى المرأة فنظم الأبيات المتقدمة لأنه يرى في ركب حواء قصيدة ساحرة من (أجمل) الشعر، وإذن فالكلام هنا عن المرأة تقليدي سلفي، حيث لم تكن صاحبة الفكرة التي تقوم عليها القصيدة. ومن الظلم أن نسحب هذا الحكم على جميع ما ترنم به معروف عن المرأة. وليت شعري من ينكر صدق العاطفة في قوله عن فتاة مجهولة.

فتنت الملائك قبل البشر ... وهامت بك الشمس قبل القمر
وسرّ بك السمع قبل البصر ... وغنى بك الشعر قبل الوتر
فأنت بحسنك بنت العبر
يروح شتاء وتصحو السما ... ويأتي الربيع بما نمنما
فيطلع فوق الثرى أنجما ... ويبتسم الزهر بعد الغما
فأنت ابتسامة ذاك الزهر
فطرفك بالفتر كم قد روى ... نشيد الغرام يهد القوى
وما أنت شاعرة في الهوى ... ولكنما الشعر فيك انطوى
فآية حسنك إحدى الكبر

فهذا الشعر لو روى لشاعر ممن اشتهرت صاحبته لعد من قوافيه المختارة، فهل يليق بعد ذلك أن نتساءل عن الملهمة، من هي؟

فإذا لم نجد الإجابة الواضحة، حكمنا على الشاعر بالتقليد والصنعة دون تريث!! الحق أننا سطحيون.

ولا بد لنا أن نتكلم عن اتجاه الرصافي أقاصيصه الاجتماعية فقد جعل المرأة عنصر الأقصوصة الهام، فلا مناص له من أن يصور خوالجها الهامة، ونوازعها الراجفة، مما يتطلب دراسة عميقة لنفسية حواء. ولهذا كان الشاعر فلسفي النظرة دقيق المنحى، وإن خدع قارئه برونق الديباجة وسلاسة التركيب. ولو ذهبنا نستقصي ما روى له في هذا المضمار لا متدبنا حبل البحث، ولكننا نضع أمام القارئ قصيدة (أم ليتيم) كنموذج لطريقة الشاعر، فهو يريد أن يندد بالتحزب الديني، ولتعصب المذهبي، وما يجر ذلك من نقص في الأموال والأرواح، وسمع أنيناً مؤلما يرن في كوخ بائس فعرفه، حتى إذا بدأ الصبح أتاه، فرأى به أرملة حزينة - هي بطلة قصته - وأمامها طفل جائع تعلله بالطعام، وتدع معروفاً يصف لنا الأم الجائعة وما وقعت فيه من التناقض الغريب، حيث جمعت بين الضحك والبكاء في لحظة واحدة، فهو يقول.

وقفت لديها والأسى في عيونها ... يكلمني عنها وإن لم تكلم
وساءلتها عنها وعنه ... بكاء وقالت أيها الدمع ترجم
ولما تناهت في البكاء تضاحكت ... من اليأس ضحك الهازئ المتهكم
ولكن دموع العين أثناء ضحكها ... هواطل مهما يسجم الضحك تسجم
فقد جمعت ثغرا من الضحك مفعما ... إلى محجر باك من الدمع مفعم
فتذرى دموعا كالجمان تناثرت ... وتضحك عن مثل الجمان المنظم
فلم أر عيناً قبلها سال دمعها ... بكاء وفيها نظرة التبسم
وقلت وفي قلبي من الوجد رعشة ... أمجنونة يا رب فارحم وسلم

ويسير الشاعر فيذكر حنان الأم الرءوم وكيف ضمت إليها ابنها في شفقة وعطفه، وماذا قال لها الطفل وهو يسأل عن أبيه؟ وكيف أجابته بما يريده الشاعر من أقصوصة فوصفت ما دار بين المسلمين والأرمن من مذابح تجري دماؤها باسم الدين؟ استمع إلى كل ذلك في وقوله.

وظلت له ترنو بعين تجودها ... بفذ من الدمع الغزير وتوأم
سلي ذا الفتى يا أم أبن مضى أبي ... وهل هو بأتينا مساء بمطعم
فقالت له والعين تجري غروبها ... وأنفاسها يقذفن شعلة مضرم
أبوك ترامت فيه سفرة راحل ... إلى حيث لا يرجى له يوم مقدم
مشى أرمنيا في المعاهد فارتمت ... به في مهاوي الموت ضربة مسلم
على حين ثارت للنوائب ثورة ... أتت عن حزازات إلى الدين تنتمي
فقامت بها بين الديار مذابح ... تخوّض منها الأرمنيون في الدم
ولولاك لاخترت الحمام تخلصا ... بنفسي من أتعاب عيش مذمم

ومهما يكن من شئ فالمقام لا يسمح أن نلم بغير هذه القصة المشجية، ذات المغزى الرائع، ممانظمه الشاعر الكبير، فقي كل قصة منظر مختلف لفتاة بائسة، داهمتها الخطوب. ولا ضير على الرصافي إذا أكثر من تصوير هذه المآسي الدامية فقد نشأ في أمة مزقتها العلل، وتحرشت بها الأحزان، فتقاطرت من عينه الدموع!!

أين أنت يا معروف؟ وكيف خمدت جذوتك الملتهبة، وسكن فؤادك الخافق الجياش؟ ووقف ذهنك الموار.

سكت فلم نسمع غناءك مشجياً ... فيا بلبل القطر الشقيق ترنم!

(الكفر الجديد)
محمد رجب البيومي



مجلة الرسالة - العدد 774
بتاريخ: 03 - 05 - 1948

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...