حسن حماد - صوفية الجسـد وسوريالته أيضا في شعر محمد آدم

مقدمـة :

يقف محمد آدم بمفرده وسط شعراء السبعينيات بمثابة جزيرة مستقلة ؛ فهو لا يشبه أحداً من أقرانه ، لقد قرر منذ البداية أن يكّون نسيجاً خاصاً وصوتا فريداً ومتفرداً ، ولذلك فهو يستعصي على التصنيف ويصعب على أى ناقد أن يختزله فى مدرسة شعرية محددة ، نعم إنه من أروع من كتبوا قصيدة النثر لكنه حتى داخل هذا الإطار لا تستطيع أن تقتنصه فهو دائم التمرد ، دائم التجريب ، لا يمل من تدمير القوالب الشعرية المعروفة، فتارة تستطيل لديه القصيدة وتتوحش حتى تصبح كالمعلقات فى الشعر القديم ، وتارة تتضاءل وتتشظى لتصبح كبقعة ضوء مكثفة لكنها شديدة الابهار واللمعان .
أما عن العالم الشعرى لـ محمد آدم فإنه يتميز بالعجائبية أو الغرائبية ؛ فالصور التى يبدعها آدم ليست صوراً تقليدية أو مسبوقة ؛ فهو يخلق صوره على غير ذى مثال، إنه يمارس لعبة الغوص فى الأعماق النفسية لذاته ببراعة غواص محترف يعرف متى يهبط إلى الأعماق السحيقة ليتحصل على أجمل اللآلئ ، ومتى يصعد ليملئ رئتيه بهواء ربما يكون ملوثاً بصخب الحياة وضجيجها وعذاباتها وإخفاقاتها التى لا تنتهى لكنه أبداً يرفض أن يستسلم أو يسقط ، إنه يتوكأ على عصاه الشعرية حتى لا يسقط فى وحل الواقع المتشئ ، أو يهش يها الأغنام البشرية التى تحاول أن تقتصيه عن رحلته المضنية بحثا عن يقين أو عن خلاص أو عن معنى أو عن قيمة أو عن هدف لرحلة كل ما فيها يشى بالخسران والفقدان والعدم .
إن آدماً يشبه من كل الأوجه "سيزيف" وهو يحمل صخرته ليرتفع بها إلى أعلى قمة فى الجبل برغم يقينه القاسى بأن الصخرة ستسقط وأن كل المحاولات مآلها الإخفاق لكن آدم قد تحرر من الأمل .. من اليأس ؛ وبالتالى فهو يمارس مثل " نيتشه " تجربة الأعالى إنه يحلق فى الأفق البعيد مثل صقر ينظر إلى الأشياء من أعلى ، ولذلك يراها صغيرة جدا وحقيرة إلى ابعد حد .

إن عالم آدم الشعرى عالم شديد الثراء وشديد الخصوبة والحيوية وصوره الخيالية تشبه الحمم البركانية لأنها تصيب القارئ بالدهشة المشوبة باللذة والمتعة ، لأنها ليست لذة خاطفة عابرة بل لذة مقيمة وآسرة ولذلك فإنها سرعان ما تتحول إلى متعة تتفاعل مع الحواس والعقل والروح ، لذة مبعثها الانتهاك .. انتهاك التابوات السائدة فى ثقافة خربة .. متآكلة كقطعة حديد صدأة ، ومتعة تستحوذ على الحواس والعقل والروح ، وتمارس التطهير الفنى بكافة ألوانه وأطيافه ومعانيه .
إن فرادة أو خصوصية العالم الشعرى لمحمد آدم تنبع من ثراء الخلفية الثقافية التى انطلق منها محمد آدم ، فهو يقول عن نفسه : " أنا محمد آدم .. ابن هذه الأرض ، الفلاح الذى تشققت قدماه والذى قرأ فى الثقافة الغربية بقدر ما أسعفنى العمر والزمن ، ولازالت ، وشرقت فى الثقافة العربية من فلسفة وشعر ولاهوت ، وغرقت فى الشعرية العربية حتى النخاع ... " (١) . وهكذا فقد استوعب آدم كلا من التراث الغربى ، خاصة التراث الوجودى وقرأ مؤلفات الروسى العظيم " دوستويفسكى " وغرق فى كتب المتصوفة خاصة أبن عربى والحلاج والنفرى وتسلح بالفكر العقلانى عند المعتزلة وابن رشد وسائر فلاسفة الإسلام .
والأهم من ذلك أن محمد آدم قد عرف المعاناة منذ طفولته ، ولذلك فقد ذاق مرارة الحرمان وعرف معنى البؤس والمعاناة والعرى بمعناه الجسدى والنفسى .. إن كل هذه العوامل وغيرها هى التى شكلت ذلك الوجدان المتوهج لهذا الشاعر الذى أؤمن بأنه أهم شاعر عربى فى القرن العشرين ، ولكن لأن النقد العربى والمصرى بخاصة قد أصيب بالعقم والعمى ، لذلك لم يتم الاحتفال والاحتفاء بهذا الشاعر الكبير بما يتناسب مع قيمته الشعرية الهائلة والتى تجسدت فى أربعة مجلدات ضخمة تربو على الألفى صفحة قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بطبعها ونشرها عام ٢٠١٢ .
على أية حال فإن الكتابة عن شعر محمد آدم ليست أمراً ميسراً خاصة فى ظل غزارة ما أنتجه الشاعر من قصائد ومن دواوين . ولا أظن أننى فى هذه الدراسة القصيرة أستطيع أن أحيط القارئ برؤية نقدية تستوعب هذا الكم الهائل من القصائد التى تتحدث عن الجسد ، خاصة وأن محمد آدم مسكون إلى حد الجنون بجسدانية اللغة والعالم والروح والطبيعة ؛ ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائده مهما كان موضوعها من ملامسة جسد العالم أو جسد الروح أو جسد اللغة .

الصوفية والسوريالية والجسد :

إن نقطة الانطلاق الملائمة التى من خلالها نمسك بالخيوط الحريرية المتشابكة للمتخيل الشعرى عند محمد آدم يمكن أن تبدأ من الكشف عن ذلك اللقاء الذى هيأه الشاعر داخل رحم قصائده ليكون ملائما لامتزاج الجينات الصوفية بالخلايا السوريالية . وقد تنبه الشاعر السورى " أدونيس " إلى هذه العلاقة فى كتابه المبدع : " السوريالية والتصوف" وهو يقول فى هذا المعنى : " .. أن اللغة الصوفية هى تحديدا ، لغة شعرية ، وأن شعرية هذه اللغة تتمثل فى أن كل شىء فيها يبدو رمزيا: كل شىء فيها هو ذاته وشىء آخر . الحبيبة ، مثلاً هى نفسها، وهى الوردة، أو الخمرة ، أو الماء ، أو االله. إنها صورة الكون وتجلياته . ويمكن أن يقال الشىء نفسه عن السماء أو االله أو الأرض . فالأشياء ، فى الرؤية الصوفية ، متماهية متباينة ، مؤتلفة مختلفة . وهى فى ذلك ، تتناقض مع اللغة الدينية ـ الشرعية حيث الشىء هو ذاته لا غير " (٢).
إن ما يوحد بين اللغة الشعرية واللغة الصوفية هو أن كليهما لغة مجاز بكل ما يندرج تحت هذه اللغة من فروع تنتمى إلى العائلة المجازية : مثل الرمز أو الاستعارة أو الكناية أو القصص الرمزية الأسطورية ، أو غير ذلك من مصطلحات تشير إلى التعبير غير المباشر أو إلى الوظيفية الرمزية للغة . إن الشاعر هو الذى حافظ على الاستعمال الاستعمارى للغة ، وبهذا بقيت القوة السحرية للشعر قائمة من أقدم العصور حتى الآن ، وكل ما تغير هو الجانب الذى يتوجه إليه الشاعر بسحره (فحل القارئ أو المستمع أو المتلقى محل الطبيعة (٣)

ومحمد آدم لا يقدم لنا نفسه كشاعر فقط ، بل إنه يقدم نفسه أيضا كساحر أو كاهن ، وهو فى هذا يستدعى المعنى القديم للشعر عند الإغريق بوصفه نوعا من الكهانة . ولقد كانت الكلمة اللاتينية القديمة " فايتس " – كما يذكر رمسيس يونان – (تشير إلى معنى الكاهن والشاعر فى آن واحد)٤. والشعر بهذا المعنى رسالة نيتشوية هدفها تحطيم الأفكار والتقاليد والقيم السائدة وإعادة صياغة العالم والأشياء واللغة وفقا لشطحات وتخيلات وتهويمات الشاعر . وتعبيراً عن هذا المعنى يقول شاعرنا فى جزء من قصيدة طويلة من ديوانه " أنا بهاء الجسد واكتمالات الدائرة " ما نصه :
هناك
سأقيم علاقة خاصة بين اللغة والمجازِ
وسأغترف من سموات الجسد ومواويله ما تنوء بحمله الذاكرة وما لا يقدر
على احتماله .
جسد آخر
وأكشف عن فصولِ الليلِ وأقاليم النهارِ
وارتد بعيداً
إلى حيث تغيب الذاكرة عن سماء مألوفة لى
وأكشف عن أرض مراوغة وسماء
بلا نكهة ...
وسألتف على نفسى إذن
وأمسك بكرة الهواء وأدثر بكلماتى
وأتعلق فى قصبة الروح الفارغة وأفك مغاليق الجسد
ولا أبوح باسمها لأحد
وانتشر فى الأرض كالخراب ولا حد لى
واقرأ على عتبات الذاكرة ما تيسر من آية الجسد..(٥)
وعلى الرغم من أن السوريالية تكاد تخلو من أى نوازع لاهوتية ، إلا أنها تلتقى مع التصوف فى سعيها لنشدان النشوة المطلقة . الصوفية تحاول بلوغ هذه النشوة من خلال الفناء ، فناء الذات الإنسانية فى الذات الإلهية ، أما السوريالية فإنها تستهدف الوصول إلى ما يسميه " بروتون " : " النقطة العليا " أو نقطة التسامى ، تلك النقطة التى تجمع اليقظة بالحلم والوعى باللاوعى (٦) . إنها اللحظة التى يستضىء فيها العالم والنفس بنور من التناسق والكمال وتتلاشى الفوارق الزمنية ، حيث يرتد الإنسان إلى حالة مثالية تشبه عالم الطفولة السحرى الذى يتسم بالبراءة التامة والتوحد والتماهى بين الإنسان والطبيعة حيث يشعر بأنه السيد المطلق للكون ، وهى حالة تشبه من بعض الوجوه حالة الوجود قبل السقوط فى الخطيئة أو المعصية (٧)
إن السوريالية بهذا المعنى تبدو وكأنها ديانة ، ولكن بلا إله ، إنها ديانة وثنية تبحث عن المطلق عبر الفن وداخل الإنسان وتحديدا داخل المرأة ، ومن المفيد لموضوعنا أن تذكر أن السورياليين قد انتصروا للمرأة وردوا إليها الاعتبار بوصفها الرفيقة الروحية والجسدية للرجل(٨)
إن المرأة والحب عنصران كاشفان فى ظلمة الوجود ، فالسوريالية تعتقد اعتقاداً غامضا بأن الرجل غريب على هذه الأرض وأن المرأة هى التى تمنحه معنى الانتماء للحياة ، ففى الحب والمرأة يكمن الحل السحرى لجميع ألغاز الوجود. وتؤكد السوريالية أننا نحب الأرض من خلال المرأة ، وهى فى هذا تستدعى كل التراث الميثولوجى القديم الذى يجعل من الأرض رمزاً للمرأة التى تحمل الغذاء والخصب ، المرأة التى تحتوى الرجل بحبها وحنانها . فالمرأة حسبما جاء فى سفر التكوين هى التى جذبت الرجل إلى الأرض ، وأن الشىء الفردوسى الوحيد الذى استطاع الرجل أن يحمله معه إلى عالم التعاسة أو الأرض إنما هو المرأة ، فالمرأة هى هذا الجزء الخارج من فلك الفردوس ، والذى بدونه يشعر الرجل بالاغتراب والضياع ، ولهذا ليس مستغربا أن ينادى بروتون بفكرة الخلاص الأرضى من خلال المرأة ، وأن يؤمن بأن وظيفة الفن هى الأعداد المنتظم لمجئ المرأة وتسيدها لسائر المملكة الحسية (٩).
وفى الصوفية أيضا تحتل المرأة دوراً كبيراً فى بيان أهمية العلاقة بين الجسد والحب والمقدس ، فالجسد الأنثوى هو المنطلق لإيجاد جسر يربط بين الإلهى والإنسانى . ولقد كانت حياة " ابن عربى " تجسيداً لهذا المعنى ، فقد كان لزواجه من " مريم بنت عبدون" تلك المرأة الجميلة روحاً وجسداً أثره البالغ على فكر ووجدان ابن عربى ، الذى تغنى بجمالها وحسنها فى كتابه " ترجمان الأشواق" (١٠).
وانشغال ابن عربى بالحديث عن الحب الإلهى ، أى الحب الذى يربط بين الخالق والمخلوق لم يصرفه عن الاهتمام بالحب الإنسانى ، فهو يؤكد فى العديد من المناسبات على الأساس الجسدانى لتجربة العشق ، فالعين تعشق والأذن تعشق ، وفى هذا دلالة قاطعة على أن الجسد هو مركز الذوق الصوفى لدى ابن عربى ، وهو ميدان تجلى المقدس ، فالفناء ليس تغييباً للجسد بقدر ما هو حضور وتجلى للجسد فى أسمى درجاته ، حيث نشهد الواحد فى أعلى وأجمل وأروع صورة تجليه (١١).

ولقد كان محمد آدم واعياً بمكانة الجسد وأهميته فى تصوف ابن عربى ، ولذلك فقد أفرد عدداً من قصائده لهذا الموضوع ، ففى نص شديد الشاعرية والعمق يلخص الشاعر رؤيته لمكانة الجسد فى فلسفة أبن عربى ، وهو يقول بالشعر ما تعجز كتب الفلسفة والتصوف عن الإتيان به . ففى مقطع من قصيدته : " هكذا والذى لا أسم له " ، يقول :
كان محي الدين بن عربى يغسل نافورة الجسد بتراب الرغبة ويملأ جرته من زبد الشمس كل صباح وفى القيلولة يبدأ مدوناته وفتوحاته وكان يفرش الجسد على امتداد السمع والبصر والفؤاد ويمضى به وحيداً إلى الهاوية فيرصف له الكلمات حيث يشاء ُويشم هواء الأنوثة الحى من خلال طواحينه ويختار ما يلائم اندفاعاته ويوافق فتوحاته وهيولاه ويصنع خريطة العالم بسباته ثم يحبسها فى قفص الجسد وشجرة المعرفة
......
كان محى الدين بن عربى يبتكر لغة تليق باللغة ويوضئ الكلام على شفا الكلام ويقدم قربانه لهوائياته ويتربص بالجسد فى كل آنِ ويخطف من الأثير فوق ما تقدر اللغة أن تقول(١٢).
....
لم يزل محي الدين بن عربى يناشد الحروف ويمسك بتلابيب اللغة فتنهمر الكلمات من بين شفتيه كالكواكب
هل ستتجه إلى خراسان ؟
ولماذا تخفى عنا امرأتك
وما كتبت ما كتبت إلا من أجل خلاخيل رجليها وعجين سُرتها وذهب بطنها الأبريز..؟ (١٣).

لقد كان محمد آدم شاعراً مبدعا وبارعاً حينما مزج الرؤية الشعرية الصوفية بالمتخيل السوريالى بحيث أصبح من الصعب التمييز بين العناصر الصوفية والأخرى السوريالية ، فالمطلق والنسبى ، والسماء والأرض ، والوجود والعدم ، والمقدس والمدنس، والحقيقة والوهم ، والروحى والجسدى ، والحياة والموت ، الخصوبة والعقم ، والنور والظلمة ، والشعور واللاشعور ، والإيمان والكفر ، الأبدية واللحظية ، الجمود والصيرورة ، المعنى والعبث .. إن هذه المتناقضات وغيرها تتعايش وتتجاور داخل العالم الشعرى لمحمد آدم ، وبهذه الكيفية يتشكل المتخيل السوريالى عبر علاقات غير مألوفة للألفاظ والجمل والتراكيب أو من خلال جمع عوالم متنافرة لا تخلو من تضاد أو مفارقة تشى بالحالة العبثية للوجود ، وتجسد ما يعانيه الشاعر من أحساس بالاغتراب والتيه الكونى وفقدان اليقين وغياب المعنى (١٤).

ولقد تجلت هذه الروح العبثية الساخطة على أكمل وجه فى اختياره لموضوعات قصائده وعناوين دواوينه ومفردات كلماته التى مالت أحيانا إلى ما يسميه " هربرت ماركيوز" بالتسفيل وهو عكس التسامى عند فرويد وهذا يعنى أن الشاعر لم يحاول أن يتسامى بكلماته ومشاعره بالمعنى الفرويدى الذى يربط وجود الحضارة بالتسامى بالرغبة الجنسية .

محمد آدم المتمرد الذى يدرك على حد الفجيعة حجم المأساة الإنسانية ـ برغم صوفيته ـ يتعمد استخدام كلمات صادمة وقاسية وربما مبتذلة مثل : الخراء، الوساخة، القحبة ، اللبؤة ... إلخ وهذه الكلمات تعبر عن كم المرارة والغثيان الذى يستشعره الشاعر تجاه واقع داعر يتحصن بأخلاق شكلانية زائفة تخفى مدى قبحه وتدنيه وهو فى هذا يلتقى مع " نجيب سرور " فى ديوانه المحظور " الأميات " فكلاهما يعانى من ثقافة يسودها المهرجون والراقصون والطبالون والمجوفون والمنافقون والمزيفون . هذه الثقافة لا تحترم سوى المدعين : دعاة التدين ، دعاة الثقافة ، دعاة الطهر والأخلاقيات ، دعاة السياسة ، دعاة الثورة .. إن هؤلاء وغيرهم هم نجوم المجتمع ونجوم الفكر والثقافة فى كل عصر وكل زمان .
ولهذا يكتب الشاعر عن نفسه بكل مرارة فيقول :
أنا رجل تافه بما يكفى
لم تنفعنى حياتى الماضية بشىء
ولم يتقرر مصير حياتى بعد
نزيل خمارات سابق
وصديق دائم لمستشفيات الدرجة الثالثة وكذلك
لنوبات الجنون
والصرع !!
أنا أستاذ وأبله
فقيه فى علم الروث الكونى
وصديق دائم لسقراط
مقامر ولا أملك سوى أزرار بنطلونى
وفردتى حذاء من مخلفات حرب كونية سابقة
لم يقل لى أحد ما هى الحياة
وماذا يحدث بعد الموت
أصاب بالزكام لمجرد عبور امرأة على سطح الذاكرة
....
فى الحمامات العامة
أصاب بإسفكسيا الغرق
وأبصق على كافة الجماهير البلهاء التى لا تعرف غير معنى واحد للحياة (١٥).
.....

الجسد المقدس :

يلوذ محمد آدم بالجسد بوصفه المرفأ الأخير الذى عليه ترسو شراعاته ، وهو لا يتردد فى أن يقيم لهذا الجسد الصلوات والمعابد والأضرحة ، بل ويقدم له القرابين والعطايا ثم يعفر جبينه فى محرابه المقدس . إن الجسد فى عالم آدم يتخذ صوراً شتى وتحولات صوفية وسوريالية لا حدود فتارة يصبح الكون وتارة يصبح الهيولى الذى لا أول له ولا آخر ، وتارة يصبح المرأة ، وأخرى يصبح الوطن ، وربما يتخذ هيئة الكواكب والمحارات والمجرات والأنهار والبحار والمحيطات . ومرة يصبح هو الروح أو تصبح الروح هو . وقد يستحيل إلى ورده أو إلى خنجر أو يستدير كالتفاحة أو يتخفى فى صورة جنية ، لكنها ليست تلك الجنية المخيفة المرعبة ، ولكنها بالأحرى النداهة التى تمنح لمن يهواها ثمرة العشق المحرمة . إن الجسد هو اللانهائى واللامحدود فى عالم آدم الشعرى ، فى قصيدته الطويلة التى تحمل عنوان " هكذا والذى لا أسم له " يقول مخاطبا الجسد :
أيها الجسد
ياقرين البدايات وياصبغة الرب
كيف أتجمل لك
مثلما تتجمل لى ؟
كيف أمتثل لكمالاتك مثلما أتمثل بك فى كل واد؟
....
كيف أقف منك موقف الخشوع ولا تقدم لى سوى الإثم على
موائد اللذاذات
مرجان الرغوة أنت
وياقوته السموات
وعشبة الأرض
....
أنا الصامت الصامت وأنت الناطق الصامت ولا ذنب لى
أنا اللغة
وأنت إمام الحروف
ومنجم المعانى والتلاوين
...
أيها الجسد :
اعطنى كلاماً آخر كالكوثر
أخرج علي من حدقة العين ومن بؤبؤ الروح
وأجمع الأشلاء من فوهاتى
ولتتحد بموت لى
أعطنى أيها الجسد كلاماً كالنبيذ لأشربه فى كل زمان
وفى كل آن
أتشح بك عند كل شمس
وأمام كل قمر أقول كلماتى
أكتب على لألئك ما أود قوله وعلى تضاريسك أخبار الفصول وزمن
القيامات
وآخذك فى كل ليلة لجحيمى
اصنع منك فخارة وأملأها بك
وبكلام الرب أقول الذى فيك وأزيتك لعينى
وبك ما بك من الترهات والأوهام
أصنع منك فخارةً
وأضعها أمام الرب (١٦).

ويصل الشاعر إلى قمة امتلائه وفناءه فى الجسد عندما يقول فى كلمات تشبه التعاويذ والابتهالات :
أيها الجسد :
يابهى ياسمى ياعلى ياوقتى يإإنى يا أزلى ياأبدى
يازكى ياشجى ياغنى ياقوى يارضى ياجلى ياخفى
ياشيئى ياشمسى ياقمرى ياصخرى يارملى ياجبلى
ياسهلى يامرئ يامخفى يا ارضى يافوقى ياتحتى يانارى
يامائى يابدئى ياأخرى يانجى ياليلى ياصمغى
ياسمعى يابصرى ياشرقى ياغربى (١٧).

وفى قصيدة أخرى من ديوانه " متاهة الجسد " يقدم لنا الشاعر نصا رفيفا وشفيفا يفُيض بالصور السوريالية العجيبة ، إذ يقول :
أهئ نفسى لعاصفة هى الخلاص وخلاص هو العاصفة
اصنع من جسدى خميرة المحبة الواهنة .
وألهو به أمام الأطفال لعلهم يفرحون
فإذا بهم يرجموننى بحجارة أرواحهم الضائعة
وشجرات طفولتهم الهرمة
وينظرون إلى شذرا وأنا أقول لهم :
تعالوا إلى ياجميع المتعبين وأنا أريحكم ) (١٨ ).

وعلى الرغم من أن الجسد يمثل قشة النجاة الوحيدة وقارب الخلاص النهائى لشاعرنا ؛ إلا أنه يبقى مثل أبطال الأساطير اليونانية ممن حلت عليهم لعنة الرب فهو مثل " تانتالوس " أحد أبناء " زيوس " المتمردين والذى حكم عليه زيوس بأن يبقى سجينا فى العالم السفلى إلى الأبد وهو يقاسى ثلاثة أنواع من العذاب : العطش الأبدى ، الجوع الأبدى ، الخوف الأبدى ( ١٩).

وآدم شاعر الجسد بلا منازع يعانى عطشا وجوعا دائما لهذا الجسد المشتهى ، الغائب ، المحتجب فى دروب المتاهة الطويلة ، متاهة الجسد ، ومتاهة الوجود ، ففى نهاية قصيدته المريرة " عن سيرة حياة رجل تافه " يقول :
لم لا أقول :
إن هذه السماء صندل وإن هذا الليل
جورب بثمانية أزواج
لم آت لأقلق أحداً
فقط
أقلقت روحى الجريحة
أنا سائق العربة المعطوبة
لست أكثر من دودة تسعى على الأرض
و ٧٠ كيلو غراما
من اللحم المخلوط بالعظم
والمخاطات !! (٢٠).

إن محمد آدم بالتأكيد ليس رجلاً تافهاً ، بل هو رجل عظيم وشاعر عظيم أيضاً يمتلك موهبة شعرية متدفقة ، وثقافة إنسانية عالية تجعله يقف فى مصاف الشعراء الكبار، خاصة شعراء السوريالية ، رامبو ، لوتريامون ، أبولينير ... وغيرهم . إنه لا يقل عنهم قيمة ولا إبداعاً ولا أهمية . ربما كانت أزمته أنه يكتب بالعربية ولجمهور اعتاد أن يتعاطى شعر المراهقين وقصائد البورنو ، لكنه لم يألف هذا النوع من الشعر الذى يعالج القضايا ذات الطابع الكونى والإنسانى ، ولذلك سيظل آدم يشعر بالاغتراب والعزلة واللاجدوى ولكن يكفيه أنه قال ما يريد أن يقول لنا .. قال كلمته بكل صدق وبكل شرف؛ لقد قدم محمد آدم ومازال يقدم شعراً عظيما وفناً جميلاً سيبقى شاهداً على صدق تجربته وعمق نظرته وكونية رؤيته ، وربما كان فى هذا عزاء له ولنا جميعاً.


الهوامش

(١ (من حوار أجرته منى نور مع الشاعر . أخبـار الأدب ، العـدد ١٠٢٥ ، ١٧ مارس ٢٠١٢ .
(٢ (أدونيس : الصوفية والسوريالية ، دار الساقى ، بيـروت ، الطبعـة الثانيـة ، . ٢٣ ص ، ١٩٩٥
(٣ (حسن طلب : المقدس والجميل ، مركز القاهرة لدراسات حقـوق الإنسـان ، . ٢٠٠١
(٤ (رميس يونان : دراسات فى الفن ، الهيئة المصرية العامة للكتـاب ، ٢٠٠٦ ، ص ١٥٣ .
(٥ (محمد آدم : الأعمال الكاملة ، الجزء الثانى ، الكتاب الخامس ، الهيئة العامـة لقصور الثقافة ، ٢٠١٢ ، ص ١٢٧ .
(٦ (ميشيل كاروج : أندريه بروتون والمعطيات الأساسية للحركـة السـريالية ، ترجمة إلياس بدوى ، منشورات وزارة الثقافـة ، دمشـق ، ١٩٧٣ ص١٩ .
- ٧ - إدوارد الخراط : ما وراء الواقع ، مقالات فى الظاهرة اللاواقعية ، الهيئـة العامة لقصور الثقافة ، أكتوبر ١٩٩٧ ، ص ص ٢٦-٢٧ .
- ٨ - والاس فاولى : عصر السريالية ، ترجمة خالدة سعيد ، مؤسسة فـرنكلين للنشر ، بيروت ، نيويورك ، ١٩٦٧ ، ص ٢١٠ .
- ٩ - ميشيل كاروج : المرجع المذكور ، ص ص ٢٧٠ – ٢٧٢ .

- ١٠ - هوارى حمادى : الجسد والجمال والمقدس فى الخطاب الصوفى الإسلامى ، ابن عربى نموذجا ، دراسة منشورة بكتاب المؤتمر الـدولى المنعقـد فى الفترة من ١٥-١٦ ابريل ٢٠١٢ ، مسـتغانم ، الجزائـر ، ص . ٢٠٦ – ٢٠٥ ص
- ١١ - المرجع السابق ، ص ص ٢٠٦ – ٢٠٧ .
- ١٢ - محمد آدم : مقاطع من قصيدة : " هكذا والـذى لا اسـم لـه " ، الكتـاب الخامس، الأعمال الكاملـة ، المرجـع المـذكور ، ص ص ١٥٢–.١٥٣
- ١٣ - محمد آدم : مقاطع من قصيدة : أنا مشغول عنك بالمرأة ، أنـت مشـغول عنى بالعبارة ، الكتاب الخامس ، الأعمال الكاملة ، المرجع السابق ، ص ١٨٣.
- ١٤ - محمد المسعودى : تشكيل المتخيل فى شعر محمد آدم ( الأنساق الثقافيـة وجدلية الاستمرار والتفرد ) ، المجلس الأعلـى للثقافـة ، مصـر ، . ٤٣ – ٤٢ ص ص ، ٢٠١٣
- ١٥ - محمد آدم : عن سيرة حياة رجل تافه من ديوان : أشياء صغيرة ، الأعمال الكاملة ، الجزء الأول، الكتاب الثانى ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، ٥٦٠ ص ، ٢٠١٢
- ١٦ - محمد آدم : الأعمال الكاملة ، الجزء الثانى ، الكتـاب الخـامس ، ص ص . ١٣٥ _ ١٣٢
- ١٧ - المرجع السابق : قصيدة نهايات الجسد / سيادة الفراغ ، ص ص ١٣٩–.١٤٠
- ١٨ - محمد آدم : متاهة الجسد ، مركز الحضارة العربية ، القـاهرة ، ٢٠٠٤ ، ص ١٤٢ .
- ١٩ - عبد المعطى شعراوى : أساطير أغريقيـة ( أسـاطير البشـر ) ، الهيئـة المصرية العامة للكتاب ، ١٩٨٢ ، ص ١٢٣ .
- ٢٠ - محمد آدم : الأعمال الكاملة ، الجزء الأول ، الكتاب الثانى ، ص ٥٦٥ .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...