ثقافة شعبية محمود تيمور - الأدب الشعبي.. -1-

جرى الاصطلاح بإطلاق صفة (الشعبي) على الوضيع والرخيص أو ما دون المستوى الرفيع.

نقول: فكرة شعبية، أي أنها مشوبة بمطاوعة الأهواء والنزوات، لا سلامة فيها ولا سداد.

ونقول: نكتة شعبية: نريد أنها لا تخلو من تبذل وإسفاف.

ونقول: طعام شعبي، نعني أنه ساذج في مظهره، غير متقن ولا مستساغ.

ونقول: ثوب شعبي، للدلالة على أنه من نسيج غير فاخر، ولذلك يرخص ثمنه، ولا يعز على المقلين شراؤه.

ونقول: مسرح شعبي، فيفهم عنا السامع أنه مسرح لجمهور العامة، لا يتذوقون فيه شيئاً من الأدب السري والفن الرفيع.

فكل ما هو منسوب إلى الشعب محمول عليه مجانبة السمو والأصالة والجودة، مفروض فيه الابتذال والتفاهة والهون.

فهل صحيح ذلك في ميدان الأدب على وجه خاص؟.

هل (الشعبية) في الأدب أن يتصف بالابتذال والضعة، وأن تجانبه خصائص الأدب الرفيع في التفكير والتصوير والتعبير؟.

أما الأمر الواقع فبين ظهرانينا نتاج أدبي يشيع الآن في بعض طبقات الشعب بقدر كثير أو قليل، ومعظم هذا النتاج ضئيل الحظ من رفعة الفن وسموه، سقيم الأداء، لا يخلو من تبذل وإسفاف، ولكن تسميته بالأدب الشعبي ظلم عظيم، فإن صفة هذا الأدب تلحق بأصحابه لا بالشعب، ثم بالدين تقف بهم ملكاتهم وقرائحهم ومواهبهم في مستوى محدود، فتتقاصر عن أفق الفن الرفيع، فإن دل أدبهم على شيء فإنما يدل على مستوياتهم ومزاجهم لا على مستوى الشعب ومزاجه.

حقاً إن هذا اللون من النتاج الأدبي يلاقي من أفئدة السواد هوى، ويصادف من الجمهور مزيد إقبال. ولكن هذه الظاهرة ليست فيها حجة على الشعب، فالنفوس بطبيعتها يستهويها ما يرضي بعض الغرائز القريبة الاستجابة وما يلائم النزوات التي تتعاور الإنسان ف أطوار حياته، فإذا قدم لها شيء من ذلك في مختلف شؤون الحياة أقبلت عليه، وانساقت معه، إلا أن يعصمها من ذلك حسن التنشئة والترويض. ولا ريب أن الرياضة الأدبية والعمل على السمو بالأذواق والتوجيه التهذيبي العام، خليق أن يجعل من الشعب عنصراً صالحاً يستعصم على الابتذال في الأدب، فيعرف ما يقدم إليه مما ينطوي على شذوذ وانحراف أو تهافت وإسفاف.

والقول الذي يجب أن يكون مردوداً على صاحبه، هو القول بأن الشعب لا يستطيع استساغة لون من الأدب، إلا هذا اللون التامة الوضيع، فالطعام الجيد الصنع الكريم العنصر: من يألفه؟ ومن لا يألفه؟.

لقد آن لنا أن نصحح الوضع في معنى الأدب الشعبي، فما ذلك الأدب الشعبي في الحق إلا الأدب الفني الرفيع الذي يستلهمه الفنان من روح الشعب ومن مختلف بيئاته، فيعبر به عن مشاعر هذه الأمواج المتدافعة من الناس في ملتطم الحياة، وإن هذا الأدب الشعبي ليمثل الجانب الأكبر من الأدب الحي الخالد في كل أمة من الأمم، وفي كل عصر من عصور البشر.

تلك هي روائع الأدب العالمي الباقية على الزمن، ليست أصولها إلا أساطير الشعب وأقاصيصه، فالإلياذة والإنيادة والمهابهاراتا والشاهنامة وألف ليلة وليلة، إنما هي كتب شعبية تعبر عن نفسية الشعب في مجموعة، وتسجيل أصداء صوته، وتصور ما ظهر وما بطن من نزعاته ونزواته. وما خلدت هذه الأعمال إلا بإزاريها وبين الناس وشائج موصولة على الوشائج الإنسانية الخالدة.

وما نجح (شكسبير) و (جونه) و (دانتي) و (موليير) و (ناجور) و (تشيوف) وإضرابهم من أفذاذ الأدب في الأمم إلا بأنهم يخاطبون الشعب كله، ويجلون ما يعتلج في قلبه، في أداء صادق واستلهام أمين، فهم فنانون عظماء بأنهم استطاعوا أن يتملكوا ناصية الجمهور الزاخر، وأن يندسوا إلى أعماق نفسه، فيكون بينهم وبينه تجاوب عميق.

وإليك (القرآن) العظيم مثلا رفيعاً للعمل الفني، ففيه تصوير رائع لهذه البشرية في متباين عواطفها ومختلف منازعها، فيه نجد كل نفس مناها، وقد هبطت آياته على الشعب بلغة الشعب، وعمت رسالته الناس كافة، فكان له وقع السحر، وظل على الدهر رمزاً خالداً للأدب الحي، لا يفتأ يثير في نفوس الناس على تباين مراتبهم ألوان المشاعر والأحاسيس.

ما تعريف الأدب؟

إن هو إلا تعبير فني بالكتابة والقول، مثله كمثل التصوير والغناء والموسيقى والرقص، فالتصوير تعبير فني بالرسم والتلوين، والغناء تعبير فني بالتنغيم والتطريب، والموسيقى تعبير فني بالجرس والرنين، والرقص تعبير فني بالحركة والإيقاع.

تلك هي الفنون التي يعد في جملتها الأدب، فالأدب فن والأديب فنان، والفن للروح لا للعقل، وللنفس لا للذهن. ومن ثم كان الأدب لونا من الألوان التي تخاطب العاطفة والشعور والوجدان، والناس أجمعون قادرون على أن يفهموا هذا الخطاب، فهم سواء فيما انطوت عليه جنوبهم من وجدان وشعور وعاطفة، وإنما يتمايزون في العقول والأذهان، ويتفاضلون بالمنطق واستظهار الحقائق، وليس شيء من ذلك يتعلق به الأدب أو يتخذه له هدفاً.

القارئ الذي لا تسمو عقليته، ولا تكتمل ثقافته، يتعاصي عليه أن يأخذ في شيء من العلك الذي يقوم على استقراء واستنتاج، مما يخاطب العقل، ويتطلب جودة الذهن، وسعة النظر، ولكنه لا يتعذر عليه أن يتأثر بالأدب الفني الرفيع، مادام فن الأدب تعبيرا عن الحياة في صورة تتصل بالنفس وتساير العاطفة وتخاطب الوجدان.

ليس الأديب بمكتشف حقيقة من الحقائق، أو مبتدع حكمة من الحكم، أو مزاول تجربة من التجارب، فالحقائق والتجارب والحكم متعالمة متعارفة، لا يزيدها الأديب شيئاً، ولا يضيف غليها جديداً، وإنما هو يستخلص شذورها من بين الأخلاط والشوائب، ويلم شملها من فرقة وشتلت، ويحسن انتزاعها والتقاطها من مضطرب الحياة في صورة فنية جملية، كما يلتقط الجهاز الكهربي ذبذبات صوتية معينة في أفق عريض يعج بأمواج متلاطمة من الأصوات.

لا ضرورة ثمة إلى أن يكون الشعب مثقفاً لكي يفقه الأدب الفني ويستسيغه ويتأثر به، فحسب الشعب أن يكون سري العاطفة، قوي البصيرة، ذكي القلب، نقي الذوق، وأذن يسعه أن يتقبل الأدب الفني بقبول حسن، ويحله منه المحل الكريم.

رب فلاح أمي في بطن الريف يعقب على الأحداث بجملة فإذا هي مثل سائر، ويخوض في الحديث بكلمة فإذا هي من جوامع الكلم، ويهزه الطرب أو يروعه الفزع فيرسل الأنشودة فإذا هي فن، ويغنيها فإذا هي لحن. . . ولا شيء من ذلك يبعث على عجب. فما الأغنية أو الأنشودة أو الحكمة أو المثل إلا تعبير عن الحياة من فيض العاطفة ووهج الروح وهذه الروح والعاطفة كلتاهما هبة الله للشر لا يفتقران إلى معاناة العلم، ومكابدة الدرس، ولا يتوقفان على اكتساب الأقيسة المنطقية التي تحقق بها ظواهر العيش وطبائع الأشياء، وتتألف منها صنوف المعارف والعلوم.

الأدب لا يقول لك: أعلم هذا وأعرفه، ولكن يقول: تأثر بهذا واستشعره. وعبثا تطلب من الأدب إن ابتغت عنده أن نريدك علما ومعرفة؛ وإنما أنت راغب إليه في أن يشيع في أقطار نفسك الروعة والاهتياج، ويملك عليك عاطفتك بالاستهواء، فيهرب بك من حاضرك وينسيك ما أنت فيه، ويمضي بك محلقاً في آفاق من الأخيلة والتصورات، فأنت عنده طالب سلوه وتعزية، أو مقتبس فرحه وابتهاج، أو ملتمس لوعة وبكاء، وساعة أنت تطلب منه أن تفكر أو أن تحلم. . . وفي ألوان الأدب ما ينيلك هذه المطالب جميعاً.

غاية الأدب إذن أن يروع، ونعني بالروعة إثارة المشاعر ونفض الاحساسات. ولا يكون هذا إلا إن كان العمل الأدبي فنياً، أي جميلاً، أي رائعاً. . . والأدب الفني إنما يجمل وتكتمل فيه الروعة حسن بتوافر له عنصر اللذة والإمتاع، أو التسلية والترفيه، فبهذا العنصر تحمل القارئ على أن يقرأ، وتحبب إليه أن يتابع. فالاستجابة بين الكاتب والقارئ شرط التواصل بينهما، ولن يستجيب القارئ لكاتب إذا فقد عنده ما يسعده ويمتصه ويؤنسه، والمقصود من الإيناس والإمتاع أن يبعث الكاتب عند القارئ نشطة الفكر وأن يلمس مشاعره، وأن يثير فيه الإعجاب بالجمال.

وإنك لا تبلغ مبلغ الاستجابة من نفس القارئ إذا جلوت له الواقع الذي يحيط به أحداثاً كما هي في مجمع الناس، فالواقعية البحت لا تخرج بالقارئ عن مشهوده المبذول ومسموعه المملول، وكذلك لا تبلغ من نفسه ذلك المبلغ المنشود إذا نأيت به عن مألوفة في دنياه، وباعدت بينه وبين آفاق أفكاره وأحيلته، وإنما وأنت مصيب غرضك متى بعثت في الواقع الميت، وصبغت الأحداث الجامدة صبغة الحيال، فبذلك يسمو العمل الأدبي إلى المستوى الفني، فإذا هو فتنة تثير وجال يروع.

ربما عن لسائل أن يقول:

أني للجماهير أن تستجيب للأدب الفني الرفيع، وهي محدودة الوعي والإدراك، متخالفة الأذواق؟.

والجواب غير بعيد، فالصورة الأدبية الفنية يأنس فيها كل ذوق ما يلائمه ويحد فيها كل امرئ ناحية يتأثر بها ويستجيب لها، حسبما تعنيه ملكاته ومداركه.

الفنان العبقري يرفع مصباحه الدري، مرسلا منه نوراً أبيض وهاجاً صافي الإشراق. وإن هذا النور الأبيض لينطوي على مختلف الألوان حينما يتحلل بالمنشور. والنفس البشرية منشور بلوري يتحلل به ذلك النور الوهاج، فكل امرئ يشهد ما يرتاح إليه، أو ما تستطيع عينه أن تراه. وفي أدب الفنان العظيم نور كامل تكمل فيه الأطياف جمعاء.

وإنما يتفاوت الفنانون درجات بما يعوز أدبهم من ألوان هذه الأطياف، فمنهم من يعوزه الكثير، ومنهم من يعوزه القليل، ولذلك نرى تأثير الفنان مقصوراً على طائفة مخصوصة من الناس إذا كان أدبه مقصوراً على بعض الأطياف التي تلائم تلك الطائفة وحدها. فأما الفنان الذي نفحته (عبقر) فإن أدبه تتكامل فيه أطياف النور على اختلاف الألوان، فيه لكل طائفة أرب، وعنده لكل ذوق متاع.

وليس بكاف أن تبعث النور وهاجا متكاملاً لكي تطمئن إلى إمكان الاستنارة به، فلا بد من رعاية الطريقة التي يتجلى بها النور للعيون. لا بد من رعاية الزجاجة التي تنظم انبعاث الشعاع، أعني بها اللغة والأسلوب. وهنا تنجم عندنا مشكلة العامية والفصحى، فالعامية لغة التخاطب في الجمهور، والفصحى لغة التدوين للأدب الفني، ولا تتحقق الاستجابة بين كاتب وقارئ إلا إن فهم القارئ ما دون الكاتب، والواسطة بينهما لغة وأسلوب؛ وذلك هو الحجاب بين الأدب الفني والجمهور العام. وعلاج هذه المشكلة في ناحيتين: الأولى تطويع اللغة حتى تكون صالحة لمخاطبة الشعب كله. والأخرى تعميم التعليم حتى تلتقي الأداتان: أداة الإسماع وأداتاة لاستماع، أو كما يقول المهندسون: أداة الإرسال وأداة الالتقاط.

حين يصدقي الأديب الفنان في استلهامه يخرج عملا فنيا. وهو في هذا العمل الفني يجلو صورة الشعب. ولا غرو أن الشعب يستهويه أن يرى نفسه في المرآة، كما يلذ لكل امرئ أن يشهد شخصه في رسم أو صورة. وأنت إذا صنعت تمثالاً فنياً جميلاً لفلاح في حقل أو عمدة في قرية، وجدت من يروقه التمثال ومن يعجب به بين الفلاحين والعمد. وفي المتحف الزراعي المصري قاعة ملئت بالتماثيل الملونة التي تصف مشاهد الفلاحة ومجالس الريف، وإن الزوار والمتفرجين من المصريين ليقفون عندها طويلاً بما يرونه من أبطالها، ولعلهم هم أنفسهم أولئك الأبطال الماثلون.

فالأديب الفني في مستطاعه أن يقدم عملاً فنياً معبراً عن روح الشعب، مستجيباً لما يجري في وليجة نفسه، ولزم على الأديب إذا هدف إلى شيء من ذلك أن يكون من الشعب على مقربة. بل لا بد أن يحيا بين جوانحه، ويتدسس في صميمه. ويستجيب لذلك كله في صدق وإخلاص وإيمان. فهو من الشعب يأخذ، وإياه يناجي. وما الشعب إلا نموذج من النفس البشرية بما حوت من نوازع وخصائص وأطوار.

حقا أن العمل الأدبي الفني لابد أن تتجلى فيه فكرة أو رأي أو هدف، ولكن هذه الفكرة في العمل الفني يجب أن تكون وثيقة الصلة بالنفس الإنسانية على وجه عام؛ فهي تفهم بالبصيرة لا بالعقل، وما دامت الفكرة نابعة من قرارة النفس، منتزعة من صميم الحياة، ملتقطة من جو البيئة، فهي فكرة قديمة قدم الغرائز والعواطف والنزاعات. وليس للأديب الفنان فيها إلا فخر إثارتها، وفضل يعثها في ثوب جديد، والتذكير بها على نحو طويف. ونحن حين نعجب بفكرة أدبية جميلة فإننا لا نعجب بها إلا لأن الكاتب يزفها إلينا في إطار فني، ويصورها لنا في معرض جذاب، وقديماً انتبه الشاعر العربي لذلك في قوله:

إنما تنحع المقالة في المرء ... إذا صادفت هوى في الفؤاد

إذا مس الأديب من النفوس وترا أرنت النفوس له واستجابت. وإذا أصابت المعاني شغاف القلوب خفقت القلوب لها واهتزت. وهذا (الراديو) ينقل لنا صورة صوتية لمجلس غنائي أنشدت فيه (أم كلثوم) قصيدة (لشوقي) وأهل المجلس من شتى الطبقات، فهم نموذج شعبي صادق التمثيل للشعب، وإنهم ليستمعون إلى الغناء فيبدو إعجابهم بقدر، وما تكاد الشادية تبلغ في إنشادها قول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

حتى تسمع (الراديو) قد أرعد بتصفيق هذا الحشد الزاخر إرعاداً بصم الآذان ويشق العنان. وما كان ذلك إلا لأن هذا المعنى بخصوصه قد أصاب من الشعب شغاف قلبه، ومس وترا حساسا في نفسه. فهذا الشعب قد عانى في دهره الأطول استلاب حريته، واغتصاب حقوقه، فهو مظلوم مهضوم، تمني العدل والإنصاف حتى سئم التمني، وطالب به حتى مل المطالبة، وإنه لواجد في هذا البيت الشوقي الحكيم مناجاة له في محنته، وتأبيدا له في عزمته، وحضا له على أن يبلغ ما يريد بقوة المصاولة والغلاب، لا بمنطق المناقشة والحجاج.

لا يقولن الكاتب إن الجمهور لا يفهم عني، وإنه أدنى مدارك مني، فالكاتب إن استوعب في أدبه إحساس جمهوره، وعبر عما يعتمل في بيئاته، فالجمهور فاهم عنه، مدرك منه. وعلة الجفوة بين الكاتب والجمهور أن يكون الكاتب قد اقتنص شعوراً ليس بالشعور القوي في طوايا النفوس، أو ليس بالشعور العام الذي ينتظم جماعات الناس، وإذن لا يحس الجمهور ما أحس الكاتب، ومن ثم لا نكون بينهما أستجابة، فلا تنبت بينهما ألفة.

ما أكثر ألوان الموضوعات التي تعرض للكاتب الأديب، يجري بها قلمه ويبعث إليها أضواء فنه. إن من هذه الموضوعات ما هو خاص أو أخص، تتمثل فيه نزعات كثيرة من الناس أو قلة. فهو عند هؤلاء الكثيرين أو القليلين أثير وهم إليه في الاختيار يجنحون، ولكن ثمة موضوعات شاملة، فيها نلتقي أشتات المطامع والميول، ولها من مختلف مشكلات الحياة وطرائق العيش نصيب، فهي متصلة أوثق الاتصال بتلك التيارات العميقة العامة التي تجري في أوصال البشرية كلها، لا تقتصر على جيل من الناس ولا تختص بعصر من عصور التاريخ فهذه الموضوعات الشاملة إذا زاولها الأديب الفنان امتد أثرها في كل جانب، وانبسط ظلها على كل ناحية، واستوى في استشعارها بدوي وحضري، وربما استجاب لها السويدي قريباً من القطب حين يستجيب لها الزنجي في خط الاستواء. فهي إلى العالمية أقرب، وإلى الخلود أدنى.

كلما عالج الأديب ناحية ينفسح نطاقها في مجتمع الناس كان صوته أندى، وأثره أشمل وأعمق. وذلك هو أدب الحب يستأثر بالخطوة العزيزة في القصة وفي الشعر وفي غير ذلك من ألوان الأدب، وهل كانت للحب تلك الخطوة إلا بأنه عاطفة إنسانية تلائم كل نفس، وتطاوع كل هوى، وأنه بضعة أصلية في الطبع البشري ينجم عنه كثير من العواطف والتأثيرات، فهو دعوة مستجابة ونداء مسموع، وهو عند الجمهور العام مكفول له القبول.

والتعويل كل التعويل على منهج المعالجة لأمثال هذا الموضوع الإنسًاني العام، فقد يتناول موضوع الحب أديبان أحدهما غير فنان والآخر فنان أصيل. فأما غير الفنان فإنه يطرق الموضوع في تصنع فيقلب الحقائق ويزور الواقعات ويجتلب زائف المؤثرات، ويفوته التهدي إلى بطائن القلب البشري حين تعتمل فيه عاطفة الحب فإذا هو يخرج لنا صورة شوها. لأنها صورة مكذوب بها على الحياة والأحياء. فأما الأديب الفنان فإنه يطرق الموضوع عينه، ولكن على بصيرة وهدى، وفي أمانة وإخلاص، فيخرج عمله صادق الوحي خالد الأثر.

البقية في العدد القادم


محمود تيمور

مجلة الرسالة - العدد 1020
بتاريخ: 19 - 01 - 1953

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...