مصطفى الشاوي - ديوان «تَراتيلُ الْجِمارِ الْخابِية» لعبد الله فراجي .. اَلتّنْبيرُ على الرّؤيا بَيْن الْعشْق والْجنون

سَأقْطِفُ الْعِشْقَ الّذي في خِصْبِهِ/ تَنْمو الْحُروفُ مِنَ الْجُنونِ..1
من يقرأ نصوص الشاعر عبد الله فراجي يدرك أنه أمام قصائد شعرية قوية تعود به إلى مرحلة ذهبية من تاريخ الشعر المغربي والعربي الحديث وفي نماذجه الراقية التي استطاعت أن تتحرر من الواقعي والإيديولوجي والتاريخي لينظر إليها من منظور رؤياوي عميق على مستويات تكوينية متعددة ، تجعل النص الشعري يتعالى عن البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجته ويفرض نفسه ليؤكد حضوره، وليقرأ في أزمنة أخرى مغايرة.
ولعل أهم ما أثار انتباهنا، وما قد يثير اهتمام كل قارئ متتبع لتجربة عبد الله فراجي الشعرية، هو طبيعة الرؤيا الشعرية التي يصدر عنها الشاعر في ديوانه «تراتيلُ الْجِمارِ الْخابِية» التي تحقق نوعا من الانزياح عما ألفه القارئ ودأب عليه الشاعر في ديوانيه السابقين «المِرْآة والبَحْر» و»مُسافرٌ في الضَّباب»، وذلك من خلال التنبير على منحى رؤياوي مخالف وتبئير مدلولات تَتَّسِمُ بالجدة والحداثة والمغايرة، ورغبة منا في الكشف عن هذه الخاصية الفنية والجمالية ننطلق من فكرة كون «ما لا يشكل بؤرة لا ينبر عليه وما يشكل بؤرة ينبر عليه بقوة»، ونقف إجمالا عند أهم المستويات التي نفترض أن تكشف عن طبيعة الرؤيا الشعرية في الديوان مع الإقرار منذ البدء بأنها لا تنفي غيرها.
يتألف العنوان من ثلاثة مركبات؛ (تراتيل) جمع ترتيلة اسم المَرَّة من رَتَّلَ أي أدى أنشودة مرتلة من الصلاة تتميز بحسن تناسقها، وتَرَتَّلَ في كلامه ترسَّل فيه وتأنّى وأداه منغما وبصوت حسن، وهي في العنوان توصيف لقصائد الديوان، انسجاما مع مقول قول الشاعر في الإهداء: «إلى والدي المشمولين برحمة الله، هذه التراتيل…» وأضيفت الكلمة إلى (الجمار) جمع جمرة وهي القطعة الملتهبة من النار، وتُجمع على جَمْر وجِمار وجَمَرات، والْجَمْرَةُ الظلمة الشديدة، ويصح سحبها على نصوص الديوان باعتبار تأرجحها بين الخمود والأوار، وقد عمق الشاعر هذا المدلول بصفة (الخابية) وهي نار خَمَدَتْ وسكن لهَبُها، لكنه سكون مؤقت لقابلية اشتعالها من جديد، وكلها خصائص يمكن أن تنسحب على نصوص الديوان الثمانية عَشَرَ، فتغدو الجمار رديفة للقصائد.
يا عَصِيّاً في دَمي/ لا تُحَطّمْ مُهْجَتي/ فَالْهَوى لا يَرْعَوي/ حِينَ تَخْبو جَمْرَةٌ/ مِنْ جِماري في الْجَوَى. ص108
لا مراء في كون نصوص الديوان تأتلف وتختلف مع ما كتبه الشاعر آنفا ، ذلك أن الديوان المقروء تَسْكنُ مختلَفَ نصوصِه مسحة روحية لا تُخفي بكل تأكيد ما هو فكري وفلسفي بحكم ثقافة الشاعر وذخيرته المكتسبة التي تسترفد من معين علوم معرفية متعددة الشيء الذي يجعل النص الشعري عند الشاعر يخضع لمنظور بنائي فني رصين شكلا ومضمونا يقوم على البرهنة أكثر مما يستند إلى الأهواء والأحاسيس غير المبررة والعواطف الزائفة. إنها تعبر عن موفق رصين ومبدأ راسخ لا يقبل المزايدة، ومن ثمة فإن رؤى الشاعر مبررة ليس فنيا فحسب بل وفق منطق حجاجي وتأطير نسقي.
وينم البناء الفني عن تجربة عميقة ودراية واسعة انعكست على مستوى تأثيث النص الشعري الذي يخضع إلى نظام مقطعي محكم تؤشر علي مقاطعه فواصل مختلفة، بحيث يخضع الشاعر المقطع نفسه في بعض النصوص الشعرية في الديوان إلى تقطيع جزئي وفق مقاطع صغرى ، مما يؤشر على بناء شعري شجري انسجاما مع طبيعة المتخيل الشعري الذي يسعى الشاعر إلى تأثيثه وفق رؤياه الفكرية التي يستند إليها.
يمكن أن يلاحظ القارئ تقاطع ثلاثة أبعاد أساسية في مجمل نصوص الديوان: البعد الوجداني والبعد الفكري والبعد الذاتي. كما يمكن أن تصنف النصوص الشعرية وفق موضوعات مهيمنة هي الرحيل والكسر والعشق، لكن هذا التصنيف لا ينفي حضور تيمات صغرى ممكنة. ونقف عند ثلاثة مستويات للتنبيرر يكمل كل منهما الآخر.

التّنْبير على الرّؤيا/ العشق:
لا يملك القارئ لديوان «تراتيلُ الجمارِ الخابية» إلا أن يجزم بأن نصوص الشاعر عبد الله فراجي نصوص رؤياوية، وهي خاصية تميز بها الشعر التأملي والفلسفي لابتعاده عن المباشرة في التعبير عن الحقيقة المتخيلة، واعتماده الرموز والإيحاءات والإشارات والمضمرات والأقنعة التي تحول دون الكشف بسهولة ويسر عن المدلول الشعري الذي يظل متواريا خلف لغة شعرية استعارية، قوامها الانزياح عن المتداول مما يجعل المدلول النصي يظل مع كل قراءة.مع العلم أن التنبير على الرؤيا هو جعل الرؤيا موضوعا في ذاته لا مكونا فنيا من مكونات النص الشعري فحسب وذلك استنادا إلى اعتبار الرؤيا بؤرة دلالية محورية تتمحور حولها القصيدة ، وتحوم حولها مختلف مكونات النص الشعري.
كما يأتي التبئير على الرؤيا في الديوان من خلال التأشير عليها بعدة ملفوظات شعرية في نصوص متفرقة، مما يدل على أنها تظل عند الشاعر توقا واستشرافا وتوقعا: (قَمَري يُعانِقُ في بَهاءٍ بَهْجَةَ الرُّؤيا..)ص98ـ(فَنموتُ ونحْيا/ في الْأقْفاصِ بلا رُؤيا..) ـ (..يَخْشى فينا شَمْسَ الرُّؤيا..)ـ (والأنفاسُ تهادَت في سَكَنِ الرُّؤيا)ص66ـ (إنّي أبْحَثُ عَنْ ظِلٍّ../ عَنْ واحاتٍ../ وَسَرابٍ تَجْلوهُ الرُّؤيا..)ص75.(في مِحْرابِ الْعِفَّةِ والرُّؤيا..)ص79.(أوليسُ، قَدْ عادَتْ بِكَ الرُّؤيا إلى حُلُمٍ تَكَسَّرَ في الْعَراءِ.)ص53.
كما يُنَبِّرُ الملفوظ الشعري (رؤيا) على منظومة من القيم الكونية البانية الكبرى، وهي في الديوان سدرة منتهى الشاعر التواق لمعانقة المبادئ السامية. والشاعر وهو على موعد مع الرؤيا في أبهى تجلياتها يأبى إلا ينظر إلى الواقع نظرة متفحصة للكشف عن أهم مفارقاته وهوما يولد تأرجحا بين العشق والجنون. إذ يتم التنبير على هذين المدلولين ليشكلا محورين واتجاهين معاكسين ومتفاعلين. وبالوقوف عند طينة المعجم الدال على العشق يتبين أنه يمثل العالم الذي تحقق فيه الذات تناغمها،إذ غالبا ما تضاف لفظة العشق بمختلف مشتقاتها إلى ما هو إيجابي ومفيد: (خَمْرَةُ العشق/ دوحة العشق/ ركحة العشق/ قطوف العشق/ بصمات العشق/ جمرات العشق/ كرمة عاشق/ حروف العشق/مدام العشق/ سيزيف العاشق/ إشراقة عشق/ مقام عشق/ دوحة العشق/ رذاذ العشق…).
هكذا تغدو الرؤيا الشعرية في مجمل نصوص الديوان توقا إلى التخلص من الهموم والجراحات والمآسي وذلك بالرقي إلى عالم العشق كعالم مثالي بديل لا تدركه الذات الشاعرة، والذوات الرمزية والأسطورية التي يستحضرها الشاعر، إلا عبر المكاشفة والمعاناة من خلال الوقوف عند أسرارها الدفينة في النفس والمترسبة في الأعماق وعبر الزمن والمتوارية خلف مرايا الوجود في خضم تفاعلها مع الواقع في بعده الوطني والقومي والإنساني.

التّنْبير على الرّوح/ الانفطار:
تتسع دائرة التنبير على روح الذات الشاعرة بشكل لافت للنظر مقارنة بما كتبه الشاعر في ديوانيه السابقين. ذلك أنه عمد إلى توسيع الدائرة الذات ليسع الضمير الدال على الجمع، وبذلك تذوب الذات الشاعرة في الآخر ليصبح امتدادا من امتداداتها المتعددة، منبرا على تيمة الحب التي تجسد العروة الوثقى التي تقوي العلاقة بالعالم بمختلف مكوناته باعتباره مصدر كل الأحاسيس الإنسانية. ولا غرابة مادام الحب يحكم ويتحكم في كل المشاعر على اختلافها بما فيها الفرح والغبطة والحزن والوفاء والألم والبغض والغضب والثورة والانتقام وغيرها. وهو ما يجعل الحب مِلْح الشعر وسُكَّر الْكَلمات. وقد سما الشاعر بهذه المشاعر سموا كبيرا واقتحم بالحب عالم العشق بالمعنى الإشراقي والروحي، وهو ما جعل الذات تعيش حالة انفطار روحي لا انشطار جسدي.
ذا روحُك يا نِصْفي،/ رَيْحانٌ مُنْتَعِشٌ في رَوْنَقِهِ الصّافي،/ قَمَرٌ مَزْهُوٌّ في صَحْراءِ جِماري،/ في سُهْدي وجُنوني،/ في شَجَني،/ ذا روحُكَ يا نِصْفي،/ طَيْفٌ قُزَحِيٌّ في صَبَواتي،/ في ذَرّاتِ الْعِشْقِ عَلى قَلْبي.ص102.
ويؤشَّر على هذا المنحى من خلال عدة مؤشرات لعل أهمها الحضور القوي لأنا الشاعر التي لا يكاد نص شعري في الديوان يخلو منه معضدا فكرة التبئير على العالم الشعري الذي يعتبر الذات محور التجربة في علاقتها بالآخر الذي يمثل دائرة من دوائر اشتغال الأنا. وغالبا ما يصور الشاعر الذات في علاقتها بالآخر في حالة انفطار أو انشطار في كثير من النصوص الشعرية كما في (خمرة الذكريات)، ونادرا ما تصفو النفس ليصورها الشاعر في حالة انسجام مع الآخر ومع المحيط والعالم من حولها في الزمان والمكان كما في (رقصات فراشة). وهو ما جعل الذات تعيش حالة انفطار روحي لا انشطار جسدي كما في (روحك يا نصفي).
ولعل الملاحظ أن الشاعر عندما يحدد المعنية بالخطاب على سبيل الالتفات من داخل النص، يتخيلها روحا في حالة انفطار أو يتخيلها جسدا في حالة انشطار، وكأن النصف المنشطر عن روحه هو الجسد والآخر المنفطر عن جسده هي الروح، بمعنى أن الآخر في كثير من النصوص الشعرية ليس إلا امتداد لأنا الشاعر امتدادا ماديا ومعنويا. لأن ما تشابه من الأرواح ائتألف وما تنافر منها اختلف. يقول الشاعر:
أنا قَيْسٌ/ أنا عُمَرُ،/ ولي شَمْسٌ ولي قَمَرٌ،/ وها جُرْحٌ عَلى جَسَدي. ص95.
التنبير على السواد/ الجنون:
يلاحظ القارئ أن نصوص الديوان تُنَبِّرُ على اللون الأسود تأشيرا وتنصيصا، سواء على مستوى الكتابة من حيث امتدادُ السطر الشعري وامتلاؤُه، أو على مستوى حضور هذه الوحدة المعجمية بمختلف تجلياتها مما يعضد فرضية التنبير على السواد بمختلف أبعاده الدلالية والرمزية والتأويلية. وقليلة هي النصوص التي تصدر عن الرغبة في انحسار السواد على حساب هيمنته.
وهكذا يمكن للقارئ أن يميز بين نوعين من النصوص في ديوان (تراتيل الجمار الخابية) نصوص ينبر فيها على السواد على حساب البياض، ونصوص ينبر فيها على البياض على حساب السواد وهي قليلة، وحتى عندما تنحسر الأسطر الشعرية يأتي انحسارها مؤشرا على الانكسار، نتيجة توزيع الجملة الشعرية على عدة أسطر واستقلال السطر بكلمة واحدة تليها نقط الحذف في كثير من الأحيان:
ـ مثال التنبير على السواد/الهباء النص الشعري (لا شيء تغير يا سيزيف):
لمْ تُثْمِرْ بَعْدَكَ دِمْنَتُكَ المَهْجورَةُ،/ وانْدثرتْ،/ والرحلةُ طالت يا سيزيفُ،/وتاهتْ في بحرِ الظلماتِ.ص13.
ـ مثال التنبير على البياض/البهاء النص الشعري (ترنيمة البهاء):
يا بَهِيَّ الْحُلَلِ،/ هَلْ كَواكَ الضَّجَرُ،/ مِنْ حَبيبٍ ثَمِلٍ/ قَدْ سَباهُ الْقَمَرُ؟ص106.
وتعضّد فرضية التنبير على مدلول السواد هيمنة المعجم الدال على الظلمة والليل (العتمات/ الليالي/ السراب/ الظلمة/ رماد أسود/ جمرات خامدة/ الليلة/ في الليل/ في حلكته/ على صخب الليالي/ سمر الليالي/ في ظلمة الأيام/ وليلي/ الليالي الحالكات/ في ظلمة الزبد/ البهيم/ في الدجى/ زادت حلكته/ رأيتهم في ظلمة/ يهزمه السواد/ الليل من حولي…)
والملاحظ أن التنبير على الظلمة/السواد يؤشر على انعدام الرؤيا أو على رؤيا الظلام.ويمكن أن يُستدلَّ عليها استدلالا رمزيا بالجنون باعتباره تعبيرا عميقا عن مشاعر الاغتراب والضعف والانكسار،وعلى هذا الأساس تأتي الذات الفردية منشطرة في سياق بحثها الدؤوب والمستمر عن المعادل الوجداني المرتجى. وخاصة حينما لا تجد اللحظة الواعدة طريقها إلى الاندماج فيأتي الجنون كتعويض رمزي عن اللامعقول.
وبالوقوف عند المعجم الدال على الجنون، يلاحظ أن هذه الوحدة المعجمية بمختلف مشتقاتها تعكس ما هو سلبي (هَرْطَقَة الْجُنونِ../ جُنونٌ يَنْهَشُني../بَعْدَ رَقْصٍ كَالْجُنون../ وأنا الشَّقي وقَدْ مَلَلْتُ الْجُنونَ../ وَارْتَبْتُ في سَمَرِ اللّيالي مِنْ جُنونٍ هَدَّني../ مَعَ الْجُنونِ مَعَ السَّرابِ../ في تَراتيلِ الْجُنونِ وفي الصَّدى..) هكذا تغدو الرؤيا عند الشاعر تأرجحا بين زمنيين زمن الشك وزمن اليقين، وبين عالمين العالم المادي والعالمي الروحي، وبالتالي فالجنون يكشف العلاقة المعقدة بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود أي بين الشاعر والواقع. وفي سياق هذه العلاقة المعقدة نلاحظ أن النص الشعري عند الشاعر عبد الله فراجي لا ينساق مع الرمز والأسطورة ، بقدر ما يتفاعل معها تعاملا وظيفيا وفنيا إذ يستحضر أبعادها التأويلية ويركز على ما يتناغم ورؤياه الشعرية الخاصة. وتعكس الرموز الأسطورية في الغالب رؤيا الشاعر في انعكاسها المأساوي وفي تجليها التراجيدي للشخوص أمام واقع غير مستقر، وقع يكتنفه السواد وينعدم فيه الوئام ويجهض فيه السلام. وتنفتح نصوص الديوان على الرمز والأسطورة بشكل ملحوظ:ـ (سيزيف) لا شَيْءَ تَغَيَّرَ يا سيزيفُ الْعاشِقُ.. ص14./ ـ (أوليس) في بَحْرٍ مِنَ الْأحْلامِ يا أوليسُ.. ص49/ ـ (سوناتا) ويَعْزِفُ سوناتا الْأمْواتَ على لَحْدي.. 63/ ـ (ميدوزا) هَلْ يَذْكُرُني التّاريخُ وَقَدْ صَلَبَتْني أعْيُن مِيدوزا؟ ص73/ـ (دون كيشوت) يا أيُّها الْمَأسورُ في زَمَنٍ مَضى/ يا دُونْ كِشوطَ زَمانِهِ..ص51./ ـ (السندباد) كُنْتُ فيها سِنْدِباداً لا يُبالي ص24./ كَالسِّنْدِبادِ إذا تَكَسَّرَ زَنْدُهُ.. ص55/ـ (الحلاج) أهِيمُ كَالْحَلاّجِ في مِحْرابِهِ.ص28.
ولا شك في أن النص الشعري في ديوان (تراتيل الجمار الخابية) ينفتح بشكل لافت للنظر على الرموز الثقافية، فتغدو مكونا أساسيا من مكوناته الفكرية ويتخذها الشاعر وسيلة أساسية من وسائل للتعبير أكثر عمقا وتجذرا في النص وتنصهر مع الذات الشاعرة لتصبح قناعا استعاريا يكشف عن كثير من المواقف والرؤى.وتأخذ الأسطورة ميسما مميزا إذ يوظفها باحترافية نادرة بحيث يجعلها تذوب في النص الشعري وليس العكس ، وبالتالي تغدو رمزا يكثف دلالات النص باندماجه وتفاعله بشكل متناغم مع مختلف المكونات النصية للخطاب الشعري.
إن التنبير على عنصر ما يعني بمعنى ما المراهنة على التباين بين القطب المنبر عليه والقطب الغائب أو المغيب، ومن ثمة فإن التنبير على السواد مثلا يحيل على نقيضه البياض والعشق يحيل على الجنون والسؤال يحيل على الجواب والرحيل يحيل على المُقام. وقد تشكل هذه العناصر مجتمعة شبكة استعارية تعكس تجربة الشاعر ومتخيله ورؤياه إلى العالم.
تبين أن الشاعر أحكم بناء وتوزيع نصوص الديوان وتأثيثها وفق هندسة مدروسة؛ إذ يلاحظ القارئ أن الديوان استُهل بنص شعري فيه دعوة إلى المكاشفة أي التعبير بصدق عما يخالج النفس، ثم انتقل إلى تيمة وردت في دواوين الشاعر السابقة مخاطبا سيزيف الشخصية الأسطورية أن لا شيء تغير،لكن مع النص الثاني يحس القارئ بأنه يعيش مع الشاعر بدايات رحلة العبور في طقوسها الأولى مع اختلال الظل المنضود، ومع تجربة التجدد والتمرد،ويطارح ظله بعد أن يدرك أن الإنسان والوطن والعالم في حالة مخاض،فتقتحم الذات عتبات السؤال للولوج عبر الرمز والأسطورة إلى عالم الرؤيا بين الشك واليقين (دون كيشوت والسندباد البحري).
لكن رحلة العبور لم تكن سهلة لعدم القدرة على التخلص من رواسب الماضي ومعيقات الاقلاع الحضاري، حيث تعيش الذات طقوس الانفطار بين تجاذبين أساسين ومنشطرة بين عالمين مفارقين فلا هي استطاعت التخلص من أناها ولا هي ذابت في الآخر. لكن الشاعر يتحدى كل المعيقات وقد عنت له بالأعين الواجفة تباشيرُ الرؤيا عبر لوحات عشق وسفر قوامه التمرد والجنون،ولا ضير إن ظل سائرا على الدرب وحده عبر أرصفة القراصنة وعبر أدراج الليل والهباء، وسرعان ما تعن للشاعر تباشير الفرح عندما يُنَبِّرُ المدلولُ الشعري على عالم الروح والعشق فيعرج عبر زمن الإبحار الممتد لتعرف الرحلة وجهة أخرى بالذات إلى عالم العشق، مرددا ترنيمة البهاء وقد ارتوى بشربة من كأس زلال لا يظمأ بعدها أبدا. وبعد فإن النص الشعري عند الشاعر عبد الله فراجي يصدر عن تأرجح فني بين صنعة محكمة وطبع مصقول، وينم فكريا عن دراية واسعة بأدوات الكتابة الشعرية، نص لا يُثمر إلا في ضوء قراءة جمالية أساسها التفاعل، ولا يكشف عن مدلوله التأويلي إلا بمضاعفة الفعل القرائي،ولا يمنحك أكْلَه كُلَّهُ عند أول قراءة، لأن مدلوله الشعري يتحصّن وراء معجم قوي ولغة شعرية رصينة تعتمد تقنيات أسلوبية مسبوكة بعناية مركزة وصورا بلاغية وشعرية تُوَظَّف باحترافية ودقة عالية لتُشعَّ بمدلولها الفني والجمالي على النص الشعري كله.



ملاحظة:
قدمت هذه القراءة في المهرجان الخامس عشر لربيع الشعر بزرهون المنظم من طرف جمعية الأوراش للشباب تحت شعار: «الشعرية في الكتابة الأدبية الجديدة»، دورة الشاعرين المبدعين عبدالله فراجي والدكتور خالد موساوي، يوم 9 أبريل 2018.

1 ـ عبد الله فراجي، تراتيل الجمار الخابية، مطبعة وراقة بلال، الطبعة الأولى فاس 2018، ص45

د. مصطفى الشاوي
بتاريخ : 13/07/2018
الاتحاد الاشتراكي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...