بلقاسم مغزوشن - قراءات نقدية.. "ما وراء الأفق الأزرق" لمولود بن زادي.. رواية ثريّة وخصبة لغويا.. جديرة بأن تدرس في المعاهد والجامعات العربية!

(أول مرة يقرأ كاتبُ المقال روايةً ثرية وخصبة لغويًا. ارتقى مولود بن زادي بنصه السردي إلى برج لا يبلغه إلا المتمرسون أدبيًا. "ما وراء الأفق الأزرق" جديرة بأن تُدَرس في المدارس والجامعات العربية لاستعادة إرث لغة الضاد التي عبث بها أهلها دهرًا، حتى أضحى اللسان العربي أعجميًا في شوارعنا وبيوتنا وحياتنا.)

رواية مهجرية
أتحفنا الأديب والمترجم والناقد الجزائري، المقيم في لندن، مولود بن زادي، بمولودٍ روائيٍّ بعنوان "ما وراء الأفق الأزرق" (دار النخبة، 2017). رواية سيرية تَدُجُّ على ضفاف نهر التايمز بمدينة لندن، والتي قلَّما تمُسك سماؤها عن سكب أمطارها الغزيرة وإسدال ضبابها الكثيف.

الحنين إلى الأوطان والنزعة الإنسانية
تجسُ "ما وراء الأفق الأزرق"، وهي الرواية الثالثة (الرواية الأولى: "عبرات وعبر" 2011، والثانية "رياح القدر"، 2014) للأديب المغترب بن زادي، نبض سجال الكَاتب العربي لفرض اسمه الأدبي في سماء عربية تستعدي الإبداع وتسخر من غيث الكلمات الجميلة. رواية تشدُو بأوتار حنين الأوطان وتعبقُ بالإنسانية وتحملُ هموم غرباء الديار وهواجسهم الكثيرة، تحت طائلة أشباح الماضي المرير وازدراء بني جلدتهم لمساهماتهم الفكرية. شخصيتان محوريتان، رجل وامرأة، أثثتَا متن الرواية: الكَاتب الجزائري خالد (بن زادي نفسه؟) واللبنانية وفاء هدى سلطان، مُدرِّسة أدب عربي في جامعة "وست منستر" بلندن.

رواية تنتقد عزوف العربي عن القراءة
ترِدُ خالد رسالة من وفاء أبدت من خلالها اهتمامها بأعماله الروائية. فتبدأ رحلة تبادل رسائل مفعمة بالرومانسية واللطف والتأدب. جمعهما شغف الأدب والمعرفة. شعرتْ أنها تعرفه منذ أمد بعيد. إحساس غريب ولغز محير: فكلما تدفقت الكلمات السلسة، اتَّقد شوق لقاء الآخر. انبهرت وفاء بأسلوب كتابات خالد، وبفضله أحبت مجددا أعمال توفيق الحكيم، والعقاد، والمنفلوطي، ومي زيادة، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران. يطلب منها خالد مراجعة روايته بعدما ملَّ من وعود زائفة وردته من الأصدقاء والذين تحججوا بضيق الوقت، وتراكم العمل، وكثرة الانشغالات. يتأسفان كذلك عن تدني مستويات القراءة في الأوطان العربية (يقرأ العربي ربع صفحة سنويا مقابل سبعة كتب للقارئ الغربي!)، وأحزنهما عزوف العرب عن ارتشاف عصارة الأدب العالمي والعربي على حد سواء، عدا إسهابهم في التهام كتب الدين والطبخ وتفسير الأحلام والنكاح.

ما جدوى لقاء ينتهي بالفراق
كما عكف خالد على إنهاء قاموس المترادفات العربية بتفانٍ وإصرار كبيرين، وكيف لا واللغة العربية تزخر باثني عشر مليون كلمة! المعجم الذي استنزف قواه ووقته، إذ تجد غرفته تعج بالكتب والمجلات. من أجل ذلك سلا بال خالد عن الآنسة وفاء، المدمنة على تناول الشكولاتة. كان خالد ينوي استشارة وفاء في رواية له قيد الكتابة. اشترط عليها عدم الخوض في حياته الشخصية والأسرية ثم اقترح عليها لقاءً في حديقة "غرينتش" القريبة من بيته. طلبت منه إحضار روايات عربية مفتقدة في المملكة المتحدة، فاغتبط خالد كثيرا قبل الموعد الخَضِر، فاقتنى تذكرتين لحضور حفل موسيقي يكون مفاجأة سارة لها. لكن وفاء تعذرت عن المجيء في آخر لحظة فاصفرَّ الزرع وشعر خالد بالإحباط الشديد الذي قذفه إلى ماضٍ ذي شجن كان قد رماه بلا يقطين إلى عُدوة الجزر البريطانية.
يتساءل الروائي بن زادي من خلال هذا العمل عن جدوى اللقاء إِنْ يؤول إلى الفراق الأليم، وفائدة فرح يليه قرح وعذاب؟

ما وراء الأفق الأزرق تقترح عمرانا روائيا جديدا
عقب رسالة وفاء الثانية والتي دغدغت مشاعره، تقبَّل خالد اعتذارها واتفقا على موعد ثانٍ داخل مقهى إيطالي اسمه "كوستا" بمركز "ستراتفورد" التجاري في الجهة الشمالية لنهر التايمز أين تسكن وفاء. وهما يرتشفان فنجانَيْ كابتشينو، مبتسمين ومعجبين بسحر أول لقاء، تجاذبَا أطراف الحديث عن الواقع الباهت للرواية العربية، ثم تكاتفَا في إيجاد صرح عمراني روائي جديد غير نمطي لم يصل إليه أحد من قبل، بعيدا عن التقليد الأعمى واجترار ما كُتب من طرف الروائيين الآخرين. فيجتهدان معا لكتابة رواية على المباشر تتابع الجماهير فصولها وهي تكتب شيئا فشيئا بكل محاسنها ومساوئها ودون تنقيح أو ماكياج. يشاركان معا في دور البطولة. فهل سينجحان في تشييد ذلك البنيان الروائي بلا عراقيل؟
وفي هذا اللقاء، أهداها خالد كتاب "مدرسة المغفلين" لتوفيق الحكيم، وفي الليلة راقت لها قصة "ليلة الزفاف".

انتقاد العلاقات البشرية الزائفة
"ما وراء الأفق الأزرق" نص يعري زيف العلاقات البشرية ويكشف خساسة هؤلاء الذين يتقنون ارتداء أقنعة الحب والمودة والإخلاص، ويكثرون من مساحيق الابتسامات للآخر في مجتمعات عربية مازالت تحتكم للمظاهر المزيفة.
في هذا الإطار، سرد لنا الروائي من خلال هذا النص قصة معجبة مزيفة تظاهرت بشراء رواية خالد وقراءتها مرتين وأشادت بالقصة وأسلوبها. وأرسلت له صورتها في لباس النوم الشفاف كأنها عروس ليلة الدخلة لجذبه. وعندما طلب منها رأيها في عمله السردي، لم تجد ما تقول لأنها لم تقتن روايته ولم تقرأها، فحذفته من قائمة الأصدقاء وأفلت من الشبكة الافتراضية بلا رجعة! إيحاء لهشاشة العلاقات البشرية وزيفها.

انتقاد ظاهرة التهكم بالآخرين
وسرد لنا الروائي المهجري بن زادي قصة الفتاة الجزائرية "رزيقة" التي صادفها خالد بحديقة "ريتشموند"، والتي شاءت الأقدار أن يكون وجهها قبيحاً، ولم يكن ذلك خطأها. فاتَّخذ أقرب الناس إليها صفتها تلك مطيَّة لإيذائها والسخرية منها صباحاً مساءَ، فألصقوا بها اسم "المزعوقة" (أي "المنبوذة").

الإنسانية والحرية
في مشهد سردي آخر، خالف خالد صديقته اللبنانية وفاء حيال مفهومَيْ الإنسانية والحرية، إثر هجمات "شارلي إبدو". إذ استغربت وفاء تجاهلَ خالد حملات التعاطف مع الجريدة الساخرة.
خالد دافع عن حرية العقيدة والتفكير في قوله: "لشدّ ما تألّمتُ لأرواح سقطت في سبيل أفكارها ومواقفها ودفاعها المستميت عن مبادئ الحرية والديمقراطية والحضارة في أنحاء المعمورة. وكيف لنفس أن تَقتلَ نفساً لأنها اختلفت عنها في العقيدة والتفكير؟!"
وانتقد سفك دماء البشر باسم الدين. فقال: "لا أفهم لماذا يسفك الناسُ دماءَ بشرٍ مثلهم في سبيل الله. فالله، مثلما أراه، أعظم من أن يحتاج إلى جنود يقاتلون في سبيله، ويسفكون دماء الأبرياء إعلاءً لكلمته. أليس الله على كل شيء قدير! وهو أرحم من أن يعاقب بشرا خرجوا من أرحام غير مسلمة، لها دينها ومنطقها وحريتها."
ودافع عن مبدأَيْ المساواة والعدل بدون تفاضل أو انتقاء، لتجسيد الإنسانية الحقَّة، المجردة من ثوب الذاتية والرغبات والتمييز بين البشر لأسباب عرقية أو دينية أو لغوية. فهو يحزن لكل البشر الذين يموتون في أفريقيا وآسيا وأوروبا وكل أرجاء الدنيا وفي كل الأوقات، لا في مناسبات فحسب. والحزن يكمن في النفس وليس مظاهر. والإنسانية مشاعر طاهرة وليس أنانية. فقال: "الإنسانية والأنانية خطان لا يلتقيان أبدا."

حرب الرواية الجزائرية
عبر المؤلف عن صراعه لأجل البقاء في عالم الكتابة وأبى رمي القلم بسهولة في النهر اللندني وخاض معارك ضد الإقصاء والتهميش بكل ثقة: "أبحرَ أسطولي الرابض في المحيط الأطلسي إلى المتوسط، فحلقت منه المقاتلات أسرابا وانطلقت منه صواريخ تباعا، فأصابت أهدافها إصابات دقيقة بالغة. وإني قادر على ضرب مواقع خصومي جوا وبحرا، واجتياحها برا، وقهر أي جيش، وتدمير كل معقل من معقل من معاقل الإقصاء والتهميش".

شخصية مجهرية ثالثة ظهرت وقحة وجاحدة إلى أبعد آفاق "ما وراء الأفق الأزرق" (في الفصل الحادي عشر)، متمثلة في عبد الله الشقيّ، الذي نكر جميل خالد الذي موَّل صفحته الأدبية على مواقع التواصل الاجتماعي وأخرجها من نفق الرداءة. فانتشرت بشكل رهيب. مرت الأسابيع فانقلب المتطفل الشقيّ على خالد، فراح يستل قلمًا افتراضيًّا ليطعن ظَهْرَ مَنْ أحسنَ إليه آنفًا!
الشقيُّ - الذي عجز عن كتابة جمل مفيدة وسليمة في صفحته التي يديرها كثورٍ أعورَ في ليل دامس، والذي لم يُعرف عنه أي سلعة أدبية خلا انتحال صفة مدير أكبر صفحة روائية جزائرية - اتَّخذ من السخرية والإهانة العلنية إزاء المتخلق خالد مادةً دسمةً وسامةً لتقزيم روائيٍّ طيب القلب أغدقه سابقا بالإحسان والمساعدة.

شقَّ خالد دربًا أدبيًا في غاب موحش، عرَّضه للافتراس والاحتقار وحتى الوعيد... غذى الحسد ضغينة عبد الله الشقيّ، فاستباح لحم خالد وتوغر صدره وَرَمَ حقدٍ لا مبرر له في كل الأديان والأعراف. والشتائم تتوالى من الشقيّ الذي سعى حانقًا لاحتكار سماء الأدب وقطع الطريق أمام خالد. فانطلقت صرخة من أعماق خالد معبرة عن تحدي الجحود والتهميش:
يا من أهملتني وأنكرت وجودي
ورميتني بطلب الشهرة والخلود
من بعد سهادي وعنائي وجهودي
لخدمة اللغة والأدب بغير حدود
اعلمْ أن كل تهميش أو جحود
لا يعني مطلقا أني غير موجود
اعلمْ أن إرادتي صماء كالجلمود
وأن إبداعي فضاء لا يقيَّد بقيود".

لكن هذا البلاء لم يثن من عزيمة خالد الذي اهتدى إلى فتح صفحة أدبية مماثلة تحمل اسما مماثلاً لاسترداد حقه المغتصب. التف كبار الشرفاء حوله وآزروه وشجعوه على مواصلة مشواره.

إدانة ظاهرة التقليل من شأن الكتاب المبتدئين
وعالجت الرواية وبامتياز ظاهرة التقليل من شأن كُتاب في مستهل الطريق لأسباب لا تمت للإبداع بصِلة، بل هي مجرد افتراءات وتصفية حسابات شخصية بطرق دنيئة ومضحكة في آنٍ واحدٍ. الاستخفاف بالآخر واستفحال الهويات المزورة على مواقع التواصل الاجتماعي نخرت بالصداقات العربية وأرجعتها إلى صراعات عصور الجاهلية الأولى. كما شرحت الرواية انسلاخ قيم الحب الذي أصبح مصطنعا وأصابه الصدأ، في زمن طغت فيه الماديات على الأخلاق.

دفاع مستميت عن اللغة العربية
على خطى ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران، انتفض بن زادي على شرذمة من المثقفين يدَّعون زورًا أن اللغة عربية عقيمة وعاجزة عن مواكبة العصر وسرد موضوع الجنس.
جرَّنا اللغوي بن زادي إلى علاقة المجتمع العربي بلغته العربية، والتي اتهمها الجاهلون بالتطرف والتعصب ومناشدة الإرهاب، مع أن اللغة بريئة من أفكار الإنسان وأفعاله الشنيعة. فأعطى مثاليْ "الروض العاطر في نزهة الخاطر" للشيخ النفزاوي وكتاب "ألف ليلة وليلة".

الرحيل إلى ما وراء الأفق الأزرق
في نهاية الرواية، تكتشف وفاء الحالة الأسرية لخالد المتزوج، فتنفد جرَّة صبرها من ولوج قلب الرجل الذي أحبته منذ أول نظرة ولمسة. تبخر حلم بلوغ "ما وراء الأفق الأزرق" رفقة وفاء، فكان الفراقُ عيدًا مُوجعًا لخالد: "سأرحل إلى ما وراء الأفق الأزرق حيث أنتمي وأشعر بالحرية والأمان والسلام. سأرحل للقاء تلك الأرواح الوديعة الآمنة الأمينة التي لا تقدس الذات وإنما الإنسانية، ولا تعرف المكر أو الغدر، ولا ينتابها طيف الأنانية والحسد والحقد."
وقبل انسحابها من حياته، أهدت خالد صورتها المتبرجة. كانت صبوحة وجميلة، لها جينات أوروبية، فأبوها من أب لبناني وأم هولندية وأما والدتها فهي إسبانية.

(أول مرة يقرأ كاتبُ المقال روايةً ثرية وخصبة لغويًا. ارتقى مولود بن زادي بنصه السردي إلى برج لا يبلغه إلا المتمرسون أدبيًا. "ما وراء الأفق الأزرق" جديرة بأن تُدَرس في المدارس والجامعات العربية لاستعادة إرث لغة الضاد التي عبث بها أهلها دهرًا، حتى أضحى اللسان العربي أعجميًا في شوارعنا وبيوتنا وحياتنا.)



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...