عبد الوهاب عزام - لزوم ما لا يلزم.. متى نُظم وكيف نُظم ورُتب؟

رجحنا أن أبا العلاء شرع ينظم اللزوميات بعد رجوعه من بغداد كما قلت آنفاً. وقد عرفنا أنه ذكر سن الأربعين والخمسين كثيراً ولم يذكر الستين قط على برمه بالحياة وتعجُّله بالموت - ولو بلغها وهو ينظم اللزوميات لأكثر ذكرها - فساغ أن نقول إن الرجل نظم اللزوميات من سن الأربعين إلى أن نيّف على الخمسين. وأما السبعون فأغلب الظن أنه لم يعن بها نفسه.

وإن قدرنا أنه المعنى بها فقطعة أو قطع قليلة نظمت بعدُ وألحقت بهذه المجموعة التي نُظِمت كلها أو جلها في السن التي قدرتُ.

ويؤيد هذا أن الحوادث التي ذكرها وقعت كما بينت في أوائل القرن الخامس ولم تتأخر عن سنة 420، وكذلك الرجال الذين ذكرهم أحياء كصالح بن مرداس ومحمود بن سبكتكين ماتوا قريباً من هذا التاريخ. وقد رثى الوزير المغربي توفي سنة 418. وأشار إلى وفاة الحاكم بأمر الله وقد توفي سنة 411. فكل حادثة مؤرخة نجدها في اللزوميات تقع في العشرين الأولى من القرن الخامس. وكل رجل ذكره الشاعر ذكر الأحياء هلك حول هذا التاريخ: صالح مات سنة 420، ومحمود مات سنة 421.

وأما مسعود بن محمود الذي تولى سنة 421 فقد ذكره مرة مع أبيه ولم يعد إلى ذكره. فهو لم ينظم في أيام مسعود بعد هلاك محمود، أو لم ينظم إلا نادراً.

وأعزّز بأمر يستأنس به مضموما إلى الأدلة السابقة، أن أبا العلاء ذكر في مواضع من الكتاب أنه لم يشِب، وزعم أنه كان جديراً بأن يشيب، وأنه لا يسره بقاء شعره أسود. يقول:

ويحمل الهم قلبي مُعفياً جسدي ... رأسي أحمُّ وظهري غيرُ مُنأطر
غرَّك سود الشَّعرات التي ... في الوجه مني وأنا الدالف
كلَّفتَني شيمةَ عصر مضى ... هيهات منك العُصُر السالف
أيا مَفرِقي هلا أبيضضت على المدى ... فما سرَّني أن بتَّ أسود حالك قبيح بفَود الشيخ تشبيه لَونه ... بفَود الفتى والله يعلم ذلكا
تأخُّرَ الشيبِ عنّي مثلُ مَقدمه ... على سواي ووقت الشيب ما حضرا

ثم ذكر في مواضع كثيرة لا تقل عن عشرة، شيبَ رأسه وبياضَ شعره، مثل قوله:

نمنا على الشَّيب فهل زارنا ... طيف لأصل الشرخ منتابُ
كانت مفارق جُون ... كأنها ريش غِربه

ثم انجلت فعجبنا=للقار بُدِّل صَربه

أأذهِب فيكمُ أيام شيبي ... كما أذهبتُ أيام الشباب
قد شاب رأسي ومِن نَبت الثرى جسدي ... فالنبتُ آخر ما يعتو بِه الزهَر
أيها الشيب لا يريبُك من كفِّي ... مِقصٌّ ولا بُواريك خِطْر
إن نهيتَ النفس اللجوجَ عن الإث ... م وطابت فإنما أنت عِطر

فقد نظمت اللزوميات وشعره أسود، ثم استمر النظم حتى شاب. وهذا يلائم السن التي ذكرتها والتاريخ الذي حددته. ولو أنه نظمها كلها قبل الأربعين لما ذكر الشيب، ولما استبطأه.

ولو نظمها كلها بعد الخمسين لما ذكر بعد الخمسين لما ذكر المفرق الحالك والشعرات السود ولا يجوز أن يدعى أنه نظم قبل الشيب واستمر ينظم حتى مات، وسن الشيب متصلة بالموت. فقد دلت الأدلة الأخرى على أنه لم يستمر في النظم طول عمره.

ويمكن أن يقال: إن كان أبو العلاء فرغ من نظم اللزوميات أو كاد حين بلغ الخمسين فكيف ذكر الكبر متبرِّما، وطول الثواء متململا، وذكر دنو الأجل وقرب الرحيل، وسقوط الأسنان، في مثل قوله:

طال الثواء وقد أَنَى لمفاصلي ... أن تستبدَّ بضمِّها صحراؤها
وما زال البقاء يُرِثُ حبلى ... إلى أن حان للمَرَس انقطاع
أعلِّل مهجتي ويصيح دهري ... ألا تغدو فقد ذهب الرفاق
تخلفتَ بعد الظاعنين كأنهم ... رأوك أخا وهن فما حملوكا
أيتها النفس لا تُهالي ... شرخي قد مرَّ واكتهالي
لم يبق إلا شفاً يسيرٌ ... قُرِّب من مورِدي نِهالي
فمي أخذت منه الليالي وإنني ... لأشرب منه في إناء مثَّلم
ربِّ متى أرحل عن هذه الد ... نيا فإني أطلت المقام

هذه الأبيات وأشباهها تصدر عن شيخ هِمَّ، بلغ أرذل العمر، وذهب جيله وبقى وحده. ولكن المعري له شأن آخر، فهو يَبرَم بالحياة في عنفوانها ويقول.

شربت سنيَّ الأربعين تجرُّعا ... فيا مقِراً ما شربُه فيَّ ناجع
ويرى أن الحياة بعد الأربعين موت، والوجدان فقد
حياتي بعد الأربعين منيّة ... ووجدان حلف الأربعين فقود

فشكوى أبي العلاء من الضعف، وهتافه بالموت، وبرمه بالحياة لا يدل كل حين على الشيخوخة أو الهرم.

وأما قوله:

فمى أخذت منه الليالي وإنني ... لأشرب منه في إناء مثلِّم

فسقوط الأسنان كثيراً ما يعرض في السن التي قدَّرت انه نظم فيها الكتاب.

وقد ذكر سقوط أسنانه في رسالته إلى أبي الحسن بن سنان وقد تقدم إليه باختصار كليلة ودمنة بأمر عزيز الدولة. وعزيز الدولة قتل سنة 412، ولما يبلغ أبو لعلاء الخمسين.

المبحث الثاني

ترتيب اللزوميات

- 1 -

وضع أبو العلاء خطة هذه المنظومة متكلفاً فيها ثلاث كُلَف كما قال في المقدمة: أن يلتزم في قوافيه حرفاً لا يلزم، وأن ينتظم حروف المعجم كلها، وأن يستوفي في كل حرف الحركات الثلاث والوقف.

وقد تبيّن من تاريخ الحوادث التي ذكرت في هذا النظم ومن تاريخ الرجال الذين ذكرهم ومن الأسنان المختلفة التي ذكرها أن الترتيب الهجائي لا يساير الترتيب الزمني. انظر إلى روىّ الأبيات التي أثبتّها فيما تقدم، وإلى تاريخ الحوادث التي تتضمنها والأسنان التي تذكر فيها تر هذا واضحاً. فلا يسوغ أن نظن أن قطعة على روى الباء مثلاً ينبغي أن يَتقدم تاريخها على قطعة في حرف الميم، وينبغي ألا ينظر إلى الترتيب الهجائي في تتبع آراء أبي العلاء في لزومياته.

- 2 -

ودليل آخر: أنّ كثيراً من القطع المتوالية تتفق في الموضوع أو تتفق في الوزن والقافية بل تتفق في كلمات القافية أحياناً. فلو أنه نظمها ولاء لم يكن للفصل بينها وجه، وكان يلزم أن تكون قطعة واحدة، ولو نظمها قِطَعاً متوالية لم يُجِز لنفسه أن يكرر فيها القوافي والمعاني. فليس الفصل بينها إذا إلا بأنها نظمت في أحيان مختلفة ثم جمعت.

أنظر إلى هاتين القطعتين، وهما متواليتان على الميم المضمومة:

العقل يخبر أنني في لجَّة ... من باطل وكذاك هذا العالم
مثلُ الحجارة في العظات قلوبنا ... أو كالحديد فليتها لا تألم

ويليها:

لم تَلقَ في الأيام إلا صاحباً=تأذى به طول الحياة وتألم
ويُعَدُّ كونُك في الزمان بليَّةً ... فاصبر لها فكذاك هذا العالم

ويقول من قطعة في حرف القاف:

مرازبُ كسرى ما وقت مهجة له ... وقيصر لم يمنع ردَاه البطارق

وفي قطعة تليها:

وهل أفلت الأيام كسرى وحوله ... مرازبه أو قيصر وبطارقه

فلو أن القطعتين نظمتا ولاء ما كرر هذا المعنى.

وأما القطع المتوالية المتفقة في الوزن والقافية، والروي وحركته أو سكونه فكثيرة لا تحوج إلى التمثيل هنا، والأمر كله أبين من أن يطال فيه الكلام.

- 3 -

وهنا نسأل: إن كان أبو العلاء لم ينظم على ترتيب الحروف والحركات فكيف ضمن الوفاء بما التزم من استيعاب الحروف وحركتها؟ إن كان قد نظم على الروي والحركة اللتين تعنَّان له دون أن ينتقل من حرف إلى ما يليه ومن حركة إلى ما بعدها فكيف استوعب الحروف والحركات؟

لنا أحد فرضين: إما أن الرجل كان يأمر كاتبه أن يثبت كل حرف في فصل على حدة، وكان يستعيد، قوافيَ هذا الفصل فيكمل نقصه حتى كملت الحروف والحركات؛ وإما أنه جعل الكتاب كله مجموعة واحدة على غير تفصيل، وكان يقصد إلى تغيير الحروف كل حين على غير ترتيب؛ فلما اجتمع له مقدار كبير من المنظوم رتبه وأكمل نقصه. وبهذا يُشعر قوله في المقدمة. هذا حين أبدأ وأكمل نقصه. وبهذا يُشعر قوله في المقدمة. وهذا حين أبدأ بترتيب النظم.

ونحن نجد في الكتاب قطعاً نظن أنها لم تنظم إلا لضرورة هذا الاستيعاب فالثاء المفتوحة، والذال الساكنة، والضاد المضمومة، والطاء الساكنة، والهاء الساكنة، لم يَنِظم في كل منها إلا بيتين اثنين وهما أقل ما ينظم لإنفاذ خطته. وقد قال هو هذا في آخر المقدمة

- 4 -

نظم أبو العلاء ملتزماً ما لا يلتزم، ومستوفياً الحروف وحركاتها، ورتب كتابه على الحروف وعلى حركات كل حرف، قال في آخر المقدمة:

(وهذا حين أبدأ بترتيب النظم وهو مائة وثلاثة عشر فصلا؛ لكل حرف أربعة فصول. وهي على حسب حالات الرويّ من ضمْ وفتح وكسر وسكون، وأما الألف وحدها فلها فصل واحد، لأنها لا تكون إلا ساكنة. وربما جئت في الفصل بالقطعة الواحدة أو بالقطعتين ليكون قضاء لحق التأليف. وبالله التوفيق).

وقد أدركت أنا بالتأمل في فصول اللزوميات، ترتيباً آخر لم ينبه إليه المعري، وهو ييسر على الباحث عن الأبيات في الكتاب، زيادة على التسيير بترتيب الحروف والحركات؛ ذلك أن الأوزان في كل فصل مرتبة على ترتيب الدوائر والأبحر عند العروضيِين.

فنجد البحر الطويل في الفصل مقدماً على غيره، والمتقارب مؤخراً عن غيره. والأبحر بينهما على ترتيبها. وليس معنى هذا أنه استوفى في كل فصل الأبحر الخمسة عشر، بل المعنى أن ما يوجد من الأوزان في فصل يلتزم فيه الترتيب.

فالذي يبحث عن قطعة أو بيت على الراء المفتوحة - مثل - لا يلزمه، إذا عرف الوزن، أن يبحث في أبيات الراء المفتوحة كلها، بل يطلب البحر الذي فيه وزن القطعة أو البيت في موضعه من الراء المفتوحة. وذلك يسير إذ عرف ترتيب الأبحر في العروض وهو أمر أمم.

هذا ما بدا لي في تاريخ اللزوميات وترتيبها، فمن بدا له ما يؤيد رأيي أو ينقضه، فليتفضل مشكوراً بالإدلاء برأيه والإبانة عن حجته.

ووراء هذا بحث مجمل في أمهات الأفكار التي ضمنها أبو العلاء لزومياته.


مجلة الرسالة - العدد 626
بتاريخ: 02 - 07 - 1945

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...