محمد فريد أبو حديد - الشعر المرسل أيضا..

نشرت الرسالة ترجمتين لقطعة من رواية (عطيل) الشهيرة إحداهما نثر والأخرى شعر مرسل وقد حاولت أن أعرف رأي الأصدقاء في أوقع الترجمتين في نفوسهم أهي الترجمة الأولى أم الثانية. وكان رأي الكثرة إنه الشعر المرسل. على أن بعضهم استدرك في قوله، فقال إن الذي يقرأ السطر الواحد من الشعر المرسل ثم يقف في آخره ينتظر ما اعتاد انتظاره من انتهاء المعنى يشعر بالمضاضة، ويقبح قي عينيه ذلك الأسلوب.

ولكنه إذا قرأ ذلك الشعر المرسل على سجيته فلم يقف إلا حيث يقف به المعنى وجده قولا سائغا لا قبح فيه.

وها أنا ذا أعرض على القارئ صفحة من رواية صغيرة لي بها علم وهي في شعر مرسل. وقف فيها رجل غجري يحاول إلانة قلب فتاة من جنسه جامحة العاطفة معرضة عنه. وهي تجيبه إجابة تمنع ودلال.

الفتى: جرحت فؤادي
بدلال يثير فيّ لهيباً
فأعيدي سعادتي وأعيدي
بسمات الرضا أعيدي حياتي
الفتاة: (ضاحكة ساخرة)
ليت قلبي يسير طوعي سميعاً
فيلبي نداء كل شفيع.
إن قلبي له هواه فيمضي
حيث شاء الهوى جموحاً عنيداً.
الفتى: كنتِ (ميسون) سلوتي وحياتي
فاذكري عهدنا القديم وعودي
لفؤادي الجريح يا ميسون.
الفتاة: (بعناد) إن ماء العيون يحلو جديدا
وجمال الغرام أن نتولى
كفراش الربيع بين الزهور
الفتى: (بتذلل)
أنت روحي. وكيف أحيا وحيدا؟
فانظري لي ببسمة لأداوي. . مهجتي
الفتاة (جامدة) إنه كلام ثقيل
الفتى: (غاضبا)
ويل نفسي - أما بصدرك قلب؟
الفتاة: (ضاحكة)
لا تحاول نوال حبي رجاءً
لا ينال الهوى بدمع وشكوى
إنما الحب آمر ليس يعصى
يأخذ القلب قاهراً منصورا

ولعل القارئ إذا اتبع نصيحة ذلك الصديق فقرأ ذلك القول كما يقرأ النثر واقفا عند نهاية المعاني وجد فيها ما يقبله ذوقه.

هذا وقد عرضت لي ترجمه بارعة لقصة أخرى من قصص شكسبير، وهي ترجمة أستاذنا المفضل محمد بك حمدي ناظر مدرسة التجارة العليا، وقد كانت ترجمة حلوة بديعة دقيقة في نثر حلو ممتع، واتفق أن قطعة من تلك القصة كانت كذلك مترجمة في شعر مرسل، فرأيت أن أتبع الموازنة الأولى بموازنة ثانية، لعل ذلك يكون أفسح في التدليل وأقوى إعانة على صدق الحكم.

وتلك القطعة المختارة هي في الموقف المشهور الذي وقفه أنطونيس يرثي قيصر بعد مقتله، وفيه استطاع تحويل رأي العامة من الحنق على قيصر والعطف على قاتليه إلى الثورة للثأر له والانتقام من أعدائه.

ترجمة الأستاذ حمدي بك: أنتوني: أيها الأخوان. أيها الرومان. بني وطني. أعيروني أسماعكم فإني ما جئت للتمدح بقيصر ومناقبه، ولكن لأواريه لحده وأهيل عليه التراب. فقد جرينا على أن ما يعمل الإنسان من شر يخلفه، وما يعمل من خير يرمس معه في غمار الرمم ولفيف الرفات، وهذا شأن قيصر معنا اليوم نتناسى مناقبه ونعدد معايبه. قال لكم بروتاس وهو رجل الشرف الصميم: إن قيصر طماع فان كان كذلك كان ذنبه يوجب الأسى والأسف كما كان جزاؤه أدعى للحزن والشجن، إني أقف بينكم الآن في جناز قيصر بإذن من بروتاس وهو رجل النبل والفضل وبإذن من زملائه الآخرين وكلهم مثله أجلاء نبلاء، ولكن قد كان لي في قيصر صديق حميم وبر كريم، لم أعهد فيه الطمع الذي يرميه به بروتاس رجل الفضل والشرف، أتاكم قيصر بالأسرى مكبلين فملأت دياتهم بيت المال، فهل كان في عمله هذا ما ينبئ عن طمع. كان قيصر يبكي شفقة ورحمة كلما ذرفت الفقراء دموع الفاقة والإملاق، وعهدي بالطماع أخشن طبعا وأغلظ كبدا، ولكن بروتاس يقول انه طماع وبرتاس كما تعلمون رجل الفضل والشرف. ألم تروا إني عرضت عليه التاج ثلاث مرات في (لوبركال) فكان يرفضه في كل مرة؟ فهل كان هذا لطمع فيه؟ ومع ذلك فان بروتاس يقول انه طماع، وبروتاس رجل الفضل والشرف. لا أريد أيها السادة أن أدحض دليل بروتاس ولا أن أقارعه الحجة بالحجة، وإنما أنا أقول ما أعرفه من الحق الصراح. لقد كنتم كلكم تحبون قيصر حباً جماً فهل كان ذا من غير داع وبلا مسوغ؟ إذن ما الذي يمنعكم الآن أن تقيموا عليه شعار الحداد؟ يا للعدالة! لقد أويت إلى قلوب الوحوش الضارية فغادرت الإنسان جباراً عتياً فاقد الرشد والصواب. عفواً سادتي إن قلبي مدرج مع قيصر في أكفانه فأمهلوني حتى يرتد إليّ.



محمد فريد أبو حديد


مجلة الرسالة - العدد 12
بتاريخ: 01 - 07 - 1933






مجلة الرسالة - العدد 12

بتاريخ: 01 - 07 - 1933

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...