آمال كبير - الآخر والتمركز حول الأنثى في قصص (ناصر سالم الجاسم) الإلكترونية

تمهيد:
قبل وقت قصير كانت رواية “الجنين الميت” للكاتب السعودي “ناصر سالم الجاسم” تمثل خطابا مركزيا يتوارى خلف نفسه، ليداري سوأة الإحباطات التي توغلت واستشرت في خلايا المجتمع السعودي بسبب الهيمنة الدينية السلطوية، وقوانين الترهيب القائمة على الوصاية الأخلاقية والدينية المطلقة على المجتمع في ظل شراهة العولمة والثراء المادي.
يعلن الكاتب عن الفتح الرسمي لموقعه الإلكتروني الخاص بالقصة والرواية، فنجد فيها من الجرأة والمباشرة القدر الذي كان متواريا خلف جرأة مكبوتة وتمنّع عن الجهر بالقول، فالعناوين التي نصادفها في مجموعته القصصية الإلكترونية – المعلن عنها – عناوين جريئة لمضامين أكثر جرأة، يربطها خيط واحد ويقودها إلى استبكاء فني لفحولة تضيع مفهومها في ضجيج القيم، وتستبدل مقوماتها بكل دخيل، بمفهوم ثوري رافض ومتمرد، يأكل منسأة الهيكل الثقافي الذي ينتمي إليه. وكأنه يحاول أن يصنع “… تاريخا متخيلا ذا زمنية متميزة خاصة داخل التاريخ الموضوعي… الذي يتجاوز هذه المظاهر الحداثية الخارجية ليغوص في أعماق ما يدور في ما وراء وفي باطن وفي ما بين الأفراد والجماعات والطبقات والأحداث والوقائع الجزئية والعامة، الذاتية والجماعية، ومن مشاعر وهواجس ورغبات وتطلعات وإرادات وإيديولوجيات وأفكار وقيم ومواقف ولغات وتناقضات وصراعات وأزمات ومؤامرات وتداخلات وتمايزات وعوامل وأسباب وشروط، وأوضاع نفسية واجتماعية وقومية وعالمية وكونية، ومكتشفات جغرافية وعلمية وتكنولوجية، وإمكانيات وتجاوزات ظاهرة أو كامنة، وما يجمعها وما يفرقها من أزمنة وأمكنة ومصالح” = محمود أمين العالم، أربعون عاما من النقد التطبيقي، ص16. وفي كل هذا الحلم يبدو جليا كيف يمكن للسلطة أن تكسر الإبداع أو أن تحدّ من حريته على الأقل.

الآخر/الأنثى في قصص ناصر الجاسم:

يلجأ الكاتب في قصصه إلى حالة من حالات التصريح بالثورة الكامنة في خيال الفرد السعودي وهو يعبر في ذلك عن تحرير ملكة الخيال؛ والخيال هنا ليس ما هو مخالف للواقع بل هو الواقع نفسه لكن بعيون جديدة وبرؤية مكتشفة، وراغبة في تسليط أضواء العقل على ما يحاك في ظلام الضمائر الواعية لأزمتها ” وإذا حدث وقمت أو قام شخص غيري سارد أو شاعر وفعل ذلك، فلماذا الذي يعارض ذلك الفعل مني أو من غيري يسرعُ في البحث عن المكتوب الجنسي ويقرأه ويقبل عليه بنهم وربما أنكر قراءته له أو اطلاعه عليه؟
ربما لأننا في العالم العربي تربينا تربية قاسية على ثقافة العيب، وكانت هذه النتيجة التي يفترض أن تبحث في حقل علم النفس، لذلك تأتي الكتابة الجنسية لديّ على أنها جزء من الفعل الإنساني الطبيعي، ومن حتمية التعالق البشري، وبما أنها عندنا في وضع يحتاج إلى أن تكتب فقد كتبتها ” = حوار، موقع القاص والروائي السعودي ناصر سالم الجاسم. فالآخر بالنسبة إلى الكاتب هو السلطة الشمولية المهيمنة على الأفكار والتوجهات الإنسانية، وهو الإنسان المعلّب والمعقم بشتى أنواع القوانين الحافظة التي تفقد جدواها وفعاليتها بعد حين، مما يؤدي إلى تحول الكائن البشري إلى مادة مسمومة؛ غير قابلة للاستعمال السلطوي ضمن حدود الإنتاج القسري للعقول والتصرفات والمبادرات.

الآخر بالنسبة إلى الكاتب هو تلك الأنا المتربعة على شفا الضمير المنحدر نحو الهاوية اللا-أخلاقية واللا-دينية، في الوقت الذي يعتقد فيه الأوصياء على النفوس والأحاسيس، أنهم يرعون مجتمعا متدينا دينا صحيحا كاملا لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه ” طقوس العزاء المكابرة مستمرة وأبي وحده قد عرف بالجنازة الثامنة حين أوشكت دموعي البكر على الاستيقاظ، قال أبي للمرة الأولى ليشغل المعزين الذين يقدسون الكبرياء عن لمعان عينيّ: “مات نصفها الأيمن وظل النصف الحاوي قلبها حياً وهي حاملة بحملها ذي الأربعة أشهر، فسأل محارمُها قاضياً وأفتاهم بوجوب دفنها على أن يرخوا أربطة حبال كفنها ويخففوا من غطاء قبرها ويعلموه بعلامة لعل الله يحدث بعد ذلك أمراٌ وبعد خمسة شهور شق لنفسه بماء جسده الأصفر فتحة في غطاء القبر وخرج منها، فرآه قناص طفلاً عارياً قزما يخرج من القبر ويلعب بين القبور مع الدويبات في الصباح، وإذا أظلم المساء يعود إلى القبر من فتحته التي فتحها، فأخبر ذويه بما رأى وعادوا إلى قاضيهم فسألوه ثانية فأفتاهم بأن لا تصبح القبور إلا وأطفال من أصلابهم يلعبون بينها ليألفهم فيأخذونه معهم، وحين أمسكوا به صرخت الأم في قبرها صرخة عظيمة ومات نصفها الأيسر، فقاموا وغطوا فتحة القبر إكمالاً لفتوى القاضي ومنذ ذلك الحين والناس تسمي ذاك الطفل “القزم بقُبير”” = قصة الخيبات.
الآخر في قصص “ناصر الجاسم” هو المهمش الذي يدور حول نفسه في دوامة جارفة، ليتحول إلى محور للصراع الذي يقض مضجع المركز، فيصبح بفعل التأثير الخفي على مجرى الأحداث مركزا، ويحول السلطة المفروضة عليه إلى هامش، غير أن القصة في كل مرة تنتهي فيها إلى مصير مجهول، مرير، مدمّر، تثبت – من جديد – أن نسق الصعلكة العربي مازال قائما ومسيطرا على الثقافة المعاصرة، وأن فكرة الخروج على القبيلة (السلطة، الدين، الأخلاق، العادات والقيم…) تنتهي إلى التشرد والتشرذم، وتخلق مجتمعا سريا بديلا، محاصرا ومطاردا، وغير منتج وغير فاعل، ولكنه مجتمع مهدم وحاقد وغير سوي، مقابلة بالمجتمع الأصيل الذي كان ينتمي إليه “حاولت أن تضفي على الجو الرمادي نوعاً من المرح فقالت:
– هل تريدني أن أتوب حقا يا صاحب الغش الأدبي؟ يا مدعي المبادئ والقيم؟ أنت مثلي ثائر ولكن ثورتك لا تكتب في تاريخك ولا تاريخ عائلتك فأنت رجل وأنا امرأة، أنت لك الحق في الثورة وفي تلبية نداء الغريزة أما أنا فلا..
حاول أن يغير مجرى الحديث فقال:
– أنت وقتية في مشاعرك!
– تقصد بأنه في إمكاني أن أتوب ؟!
– لِمَ لا ولديك غذاء الروح؟
– تقصد القرآن؟ كيف تتحدث عن القرآن وأنت زير نساء فاسق عربيد؟

سكت أمام جوابها وخرس! فسلّت السيجارة من فمه وأشعلت آخر سيجارة في علبة دخانه، وبدأت تدخن بأنفاس عميقة في ارتياح تام وكأنها انتصرت عليه ” = قصة الثائرة.
إن الصعلكة الفكرية التي يتحول إليها الفرد المقموع في المجتمعات المهيمنة تنتهي إلى الفشل الذريع، وتقوّض المحور الذي تقوم عليه البنية السّوية للأفراد مع السلطات التي يقبعون تحت لوائها، لكنها لا تغير شيئا، بل تضيف أشياء قد لا تكون إيجابية في مجملها، غير أنها تمثل الانحراف الذي لا بد له أن يكون، كي يستوي ماء النهر في مجراه من جديد.
لكن ما تريد القصص أن تقوله ليس هذا، إن القصة عادة لا تناصب العداء لأحد، لكنها تقول ما يود الآخر أن يقوله دائما: (أنا حرّ)، بمعنى أنّ أبطال القصة – غير العاديين وغير المتوقعين – قادرون على أن يفعلوا ما يريدون دون أن تكون لأي قيمة موجِّهة ومسيِّرة، القدرة على الوقوف أمام نمط اختياراتهم، التي قد تكون بديلا وقد لا تكون مطمحا من الأساس لو توفرت لها مناخات أكثر حرية لقول ما تريده فعلا، وبشكل نهائي،
على هذا يصادفنا بين ثنايا القصص سؤال مهم وصريح وغامض أيضا وهو: لماذا يعتقد الفرد المغلوب على فكره أن الحرية الجنسية هي الوجه الأمثل للتحدي وللتغيير، وهل من الممكن أن تكون تعاسة الفرد العربي المسلم وعدم إحساسه بالسعادة ناتجة فقط عن حرمانه من ممارسة الجنس علنا؟ مع العلم أن المركزية في العالم ككل لا تنفي عن مواطنيها حق ممارسة الجنس فقط، بل يتعدى ذلك إلى ما هو أخطر وما هو أعمق؛ إلى الحرمان من حق الكلام ومن حق الإبداع ومن حق القراءة ومن حق الحلم، وغيرها من المتطلبات الإنسانية الأكثر رقيا ووعيا وإيجابية ” وتمثل أيضا في الزحف العائلي إلى مكة، وكنتُ ممن زحف إليها ولكن بلا عائلة، لأنني مذنب متخصص، فقد أنهيت سنة عاطفية في غزل النساء، ولو أن الدنيا خَلَتْ من النساء لخلتْ صحيفتي من الذنوب، يا لروعة النساء! كل شيء فيهن يشدّك إلى التغزل بهن، أجسادهن وملابسهن وأصواتهن وأحذيتهن وشعورهن وحليهن، وحتى أسماؤهن التي تنشر في الصحف تجذبك إلى اشتهائهن، وحين دخلتُ الحرم كنت حريصا على أن تنظر عيناي إلى موضع قدمي وأنا أطوف وأسعى خوفا من أن تجرني أنثى إلى التغزل بها، وقد تناهى إلى سمعي صوت عاقد أنكحة يتلو صيغة زواج شاب على شابة حول مقام إبراهيم، فحين قالت الفتاة قبلتك زوجًا، رجف قلبي، فنسيت حرصي، ورفعت رأسي، فذبحتني العينان الحجازيتان، وسألت نفسي: لماذا رجال هذه الأرض أكثر رجال الكون حاجة للأنثى؟ ولماذا نساء هذه الأرض أكثر نساء الكون حاجة للذكر؟ ولماذا نحن أكثر شعوب الأرض غزلا في الهواتف وآذاننا تعشق قبل عيوننا؟ ولماذا أرباح شركات الاتصالات لدينا معتمدة على الغزل الهاتفي والجنس الصوتي؟ ولماذا مكاسب السحرة في البحرين وعمان وسوريه والمغرب ومصر تعتمد على غزلنا الشيطاني وغيرة رجالنا ونسائنا الشوهاء؟” = قصة سوق الحرام. ألا يمكن أن يكون خطاب الكاتب حول الممارسات السرية الخفية – كرد فعل على الكبت والحرمان – هو طغيان آخر على فكر القارئ العربي واضطهاد للرغبة الفعلية في التغيير، أو التمرد والثورة بشكل مختلف عما يلمح الكتاب في الوطن العربي – السعودية أنموذجا- إليه في كل كتاباتهم الداعية إلى كشف المستور والمناداة بالانفتاح، ألا يمكن أن يكون الانفتاح الفعلي مختلفا عن مجرد ممارسة فعل غريزي – قد يتحقق تلقائيا – إذا توفرت شروط الحضارة الفكرية المبنية على حسن تدبر العقل والعلم والابتكار؟

في الحقيقة إن ما يصادفنا في القصص من انفعالات وهواجس يلغي حق القارئ في قراءة ما يجب أن يكون فعلا من أفعال التغيير، بل إن الكتابة التي تحاول النهوض بشأن الحرية تتحول بدورها إلى سلطة جبرية تمارس ما تنوي نفيه، وتثبت ما تهاجمه، وتحيد عما تدافع عنه “دخلوا عليه بعد أن اقتحموا الباب الموصد بالأقفال فوجدوه مسبلاً ذراعيه المشعرتين على مؤخرتها الفسيحة العريضة وهو يبكي ويضرب بوجهه على لحم ردفيها المعطر الميت فنهره أبوها: كان عليك أن تيمم وجهها شطر القبلة، وأن تبكي عند رأسها لا عند كفلها، فرد عليه بعد نشقة طويلة: لم أجد من رأسها إلا الأذى بينما وجدت في أسفلها الحب والسعادة ويضرب لهم بيده على عجيزتها فيرتج اللحم الميت من تحت لباس الحرير وتنتشر في الغرفة رائحة العطر الأخير” = قصة خمرة الكاهن. بعد قراءة قصص الكاتب سيخيّل إلينا أنه من غير المقبول – إن لم من المستحيل – إعادة التفكير في المكان الذي ينتمي إليه هؤلاء الأبطال جدا، دون أن يكون لأصواتهم المتعددة مكان تحت الشمس، لكنه ليس حديثا عن المكان بشكله الجغرافي، إنما بحدوده الثقافية الأصيلة التي تمثل فيها المرأة هاجسا وعبئا، لم يستطع الرجل أن يتخلص منه وإن كان يبدو ظاهريا أنه يفرض سطوته عليه.
لكن السؤال الأهم: أين القصة الفعلية التي يريد الكاتب أن يرويها وهو يلمح تارة إلى الماء الأسود وتارة إلى الخمور المعتقة الأصيلة؟ ما هي الأسباب التي دفعت المجتمع إلى اختراع كل تلك الانحرافات التي تبدو وكأنها تلقيحات وقائية لأمراض تمت الإصابة بها فعلا؟
لا يبدو من خلال القصص التي يرويها الكاتب أن تلك الحكايات هي مجرد رصد لأهواء ماجنة في مجتمع مترف، بل هي أكبر من ذلك، وأعمق من كل الأهواء التي عاصرت الإنسان وعاصرها كلما اشتد به الترف والاضطهاد ليتنفس الحرية، ثم يعود إلى ممارسة القيم التي ألفها بشكلها الصحيح. يبدو أن الانحراف يستدرج الأمة في هوادج هؤلاء الرحّل الموسومين بالعروبة حينا وبالإسلام أحيانا، في حين أن الخطأ ليس خطأ العروبة ولا خطأ الإسلام.
وعلى الرغم من الجرأة التي وسمت بعض النصوص التفاعلية القصيرة (قصة سحاقية)، فإن الكاتب كان يستخدم لغته الشعرية المتعودة كي يمزج الكلمات النابضة بالحياة بأوصافها المنمقة، التي لم تكن تجعلها حبيسة الفن فحسب، بل وتؤكد ولاءها للمركزية التي تنتمي إليها الكتابة التي ينضوي تحت لوائها الإبداع “في اللحظة التي أيقنت فيها أن صورتي أمامهم ممددة على طاولتهم المستديرة وأنهم يخططون لإسقاط خصلات شعري من جذورها ويتآمرون على ابتسامتي، ويختلفون حول كيفية وقف الدماء عن قلبي، ويعرض زعيمهم عليهم خطة تفجير عقلي، ويتساءلون: متى تكون ساعة الصفر؟ كان أبي بجانبي يقول: تنافست الحمى والنوم في أيهما الأقدر على إسقاط بناء من علٍ، وابتدأت الحمى عملها، فسخن جسد البناء ولكنه تماسك فوق جسر الخشب المعلق.. ثم داهم النوم البٌناء- بعد أن فرت الحمى مهزومة من جسده- فأوقعه على الأرض ومات من فوره ” = قصة السقوط. فليست مشكلة الكاتب في الموضوع إذا ولا في الثيمة التي استغلها بؤرة لموضوعاته، المشكلة في الكلمات والإشارات التي تراود القارئ عن نفسه وتمنحه إحساسا مسبقا بالهزيمة القرائية وبالانهيار النقدي، إن ما تقوله الكتابة العربية عموما ليس هو القول الضروري دائما لكنه القول الموشح بالواجب حينا وبالضمير أحيانا، ولكن أي ضمير يمكن أن يقذف بالقارئ إلى تلك اللّجج المتلاطمة ثم يحرمه من محاولة النجاة؟
ما نلاحظه جليا أن الكاتب هنا – وفي الوقت الذي نعتقد أنه يريد أن يمنح هؤلاء الشخوص صوتهم الخاص بهم- نجده يغيب أصواتهم تحت قمع الصوت الواحد، سواء أكان صوت أحد الشخوص دون غيرها أو صوت الراوي دون سواه، وهو يقصد ذلك تماما، كي يبين أن الهيمنة الفكرية في المحكي العربي لا حياد عنها مهما حاول الكاتب أن يحيد.
ما يبدو واضحا بالمقابل هو أن الحرية التي ينشدها الإنسان في القصص ليست معطى خارجيا عن طبيعة تكوينه، الحرية مؤمنة بالقمع إيمانا قطعيا، ولهذا فالشخوص مهزومة هزيمة مسبقة؛ مما يجعل حريتها قابعة في مكان مهجور من لاوعيها تعبر عنها الشخصية بشكلها المنحرف عن المقومات الأكثر قداسة، بشكل واع ومدمر للذات، والسؤال هنا: من الذي يقمع حرية الشخوص في القصص بالضبط؟
إن تتبع التدرج في الحكاية وطرح العقدة بشكل صريح، يجعل الكاتب يقف عند حد فاصل يجعله متحفزا للقول ومقموعا في لحظة الكتابة؛ هذا يجعله صريحا في البداية ثم يعود إلى الالتفاف حول الحدث ليجعله في دائرة المتخيل إن كان واقعا وفي دائرة المرفوض إن كان فاعلا.

ويبدو أن الكاتب بهذا الفعل لا يريد أن يتدخل في حركة البناء والهدم التي يعتزمها الفن أو الكتابة بالتحديد، لكنه يريد بشكل أو بآخر أن يؤذي المركز الذي ينوء بهيمنته الثقافية ويورثها للآخر الذي يرضى بأن يسلطها على نفسه بشكل أصيل ” جرد غرمان الرجل الميت من ملابسه كلها وأخذ يسوطه بلذة عظيمة، يسوطه على رجليه، وعلى صدره، وعلى ظهره، وعلى مؤخرته، يرفع السوط عالياً حتى يبين شعر إبطه ثم يهوي به سريعاً على الجسد الميت حتى يرتج من شدة الجلد المتعاقب، يفعل غرمان ذلك كله وهو ينظر بحقد إلى موضع سوأة الرجل الميت، وحين تجهد يده من السوط يكون قد اطمأن إلى أنه قد طهر الرجل الميت من ذنوبه فينزل السوط من يده ويمسك بيد الرجل اليسرى ويضعها من عند مرفقها على ركبته بحيث تكون لها متكأ ثم يكسرها كسراً يسمع فيه تهشم العظمة الرابطة بين الساعد والكتف ليتيقن أن الرجل الميت لن يتمكن من أخذ كتابه بشماله، ثم يغسل الميت ويجهزه للدفن وقبل أن يسلم الميت للمشيعين وللمصلين عليه يحث الخُطى إلى حفر قبر له، يحفر غرمان القبر ويزيد في سعته ولما ارتضت عيناه المساحة المحفورة، فتل صرّة البذور المتدلية من رقبته على صدره وبذر القبر ببذور الحب والشعير حتى أمست أرض القبر سجادة من بذور تكفي لأن يتلهى بها الدود ويشبع عن أكل جسد الرجل الميت، يأكل ويشبع ثم يموت وتنتهي دورة حياته قبل أن يدرك بأسنانه جسد الرجل الميت ” = قصة جلاد الموتى.
إنه يريد ببساطة أن يربط بين العبودية والانحراف، وهو في الوقت نفسه يعمل على كشف التأثيرات التي يمكن أن تكون هادمة للمجتمع جراء التفاعل بين هذين النسقين المدمِّرين.
على هذا يشير الكاتب تباعا إلى أن المرأة في المجتمعات المهيمنة هيمنة ذكورية محضة، قد تعلمت فكرة مقيتة عن نفسها، تعلمت أنها مجرد أداة للإثارة (قصة هيفاء)، ويكفيها أن تمتلك مفاتن على قدر من البروز والتأثير كي تحظى أولا بالرجل، وثانيا بالمتعة، وثالثا بالمكانة التي تجعلها سيدة، لا شيء يمكنه أن يكون جديدا أو مخترعا، لكن الإدهاش في القصص هو أنه في الوقت الذي تحاول المرأة فيه أن تفرض وجودها في حياة الرجل، ينسحب الرجل إلى خداع وجوده معها بأن يجعلها هدفا مهما لسطوته (قصة الثائرة).

د. آمال كبير
* جامعة تبسة/ الجزائر

الآخر والتمركز حول الأنثى في قصص (ناصر سالم الجاسم) الإلكترونية ~ القاص والروائي السعودي ناصر الجاسم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...