عبد القادر الأسود - البحر في الأدب العربي دراسة أدبية.. 4- باب: البحر في النثر العربي

باب:
البحر في النثر العربي


في الواقعِ لا يمكنُنا أن نَسْتَقْصيَ كلَّ ما ذكرَه العربُ عن البحرِ في نَثْرِهم منْ حكاياتٍ ورواياتٍ وخُطبٍ ومَلاحِمَ شعبيَّةٍ ، لأنّ النثْرَ كثيرٌ وكثير جدّاً، لكنّنا سنوافيك ــ عزيزي القارئ ــ من كلِّ وادٍ بزهرة ، وقد تمثّل الربيعَ زهرة ،إنَّما سنبدأ بأديب كبيرٍ من أُدباءِ العربيَّة ، ألا وهو الأديبُ الكبيرُ مصطفى صادق الرافعي ، لِمــا في ذلك مِنْ مَغْزًى عميقٍ ستلاحظُه ــ أيّها القارئ الكريمُ ــ وأنت تستعرضُ نصوصَه .
فالبحرُ ــ عند الرافعي ــ أنثى تحمل وتلد ، إنّما تَلِدُ المعانيَ للشعراءِ بينما تلدُ النساءُ البناتِ والأبناءَ ، وتلد الأرضُ النباتَ والحدائقَ الغَنّاء ، يقول : ((ويرى الشعراءُ في ساحلِكَ ما يَرون في أرضِ الربيعِ ، أنوثةً ظاهرةً تَلِدُ المعانيَ لا النّباتَ )) . (1) ليلاقي ، في نظرته هذه ، الشاعرَ الكبيرَ : حافظ إبراهيم، الذي يقول بلسان حال اللغة العربية :
أنا البحر في ساحلـــه الـدرُّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صَدفاتي ؟
والبحرُ هو الربيعُ الثاني يوحي بلونِه الأزرقِ ما يوحيه الربيعُ بلونِهِ الأخضرِ من سعادةٍ ولكنْ أرقُّ وألطفُ،يقول:((إذا احتدم الصيفُ ، جعلتَ أنتَ أيها البحرُ للزمن فصلاً جديداً يُسمّى {الربيع الثاني} ويوحي لونُك الأزرقُ إلى النفوس ما كان يوحيه لونُ الربيــــعِ الأخضرُ إلاّ أنَّه أرقَّ وألطفَ)).(2)
أما العُشّاقُ فإنّهم يسمعون صدىً لتأوُّهاتِهم في أنسامِ البحرِ اللطيفةِ، يقول:((ويُحسُّ العُشّاقُ عندك ما يُحِسّونَه في الربيعِ:أن الهَواءَ يَتأوّهُ..! وبالربيعين الأخضرِ والأزرقِ ينفتحُ بابان للعَالَمِ السِّحْرِيِّ العَجيبِ)).(3)
هكذا،إذاً،نظر الرافعيُّ إلى البحرِ،فهو إنسانٌ رَهيفُ الحِسِّ ، متعاطفٌ مع العشّاق،يَرِقُّ لعذاباتِهم،ويتعذّبُ لآلامِهم،ويُشاركُهم تَأوُّهاِتهم كما يُشاركُ الربيع بإضفاءِ السّحرِ والجَمالِ والبَهْجةِ على الكونِ ليَسْعَدَ الإنسانُ ، ويُشاركُ السماءَ في رسمِ صورةٍ سِحْريَّةٍ تَطوفُ بخيالِ الإنسانِ ، وتَسبحُ به في عَوالِمَ تَسرحُ بالقلبِ وتَخْلُبُ اللُّبَّ:((ما أجملَ الأرضَ على حاشيةِ الأزرقيْن البحرِ والسماءِ ، يَكادُ الجالسُ هنا يَظُنُّ نفسَه مَرسوماً في صُورةٍ إلهيَّةٍ)).(4)
ثمَّ إنَّ البحرَ عنـده عــينُ الكرةِ الأرضيّـةِ التي تبكي بها أسىً وحُزناً على مصيرِها الذي ستؤولُ إليه يوماً ما ، عندما يَحينُ حِينُها ، يقول :
(( وقفتُ يوماً على شاطئِ البحرِ،فخُيِّلَ إليَّ أنّهُ عيْنٌ تَبكي بِها الكُرةُ الأرضيَّةُ بكاءً على قَدَرِها)). (5)
والبحرُ ، في نظرِه ، جَبّارُ الحياةِ ، تتجلّى فيه صفاتُ القوَّةُ والشِّدَّةُ والعُنْفُ في أجْلى مَظاهِرِها ، كما يتجلّى فيه اللّينُ في أبهى تَجَلياتِه ، فهو إذاً جامعُ الضِدّيْنِ ، ومَظهرُ المُتناقضيْن ، في هذا الجانبِ ، لكنّه حين يَصِفُه بالقَداسَةِ،وسَعَةِ الرّوحِ،ونقاءِ المادّةِ،لا يَذكُرُ أضدادَها يقول:((كنْ مثلي جَبّارَ الحياةِ،مُجْتَمِعاً مِن أَلْيَـنِ اللّـينِ وأَعنفِ القُوَّةِ، كنْ مِثلي قِدِّيسَ الحيــاةِ ، واسعَ الروحِ ، نظيفَ المـــادّةِ ، مستعيناً لواحدةٍ بواحدةٍ)). (6)
كما يَرى أنّ البحرَ دائمَ التَّجَدُّدِ ، دائمَ الحركةِ ، حتى لا ييأسَ وحتّى لا تَفْسُـدَ مياهُه، فهو لذلك يدعو الإنسانَ ليقتديَ بالبحرِ ، فيكونَ دائمَ الحركةِ ، يسعى إلى تجديدِ نفسِه حتى لا يتسرَّبَ إليها اليأسُ،وحتّى لا يتغلغلَ فيها الوّهْنُ فيُفِسدَها،يقول:((وأعرف للبحر في نفسي كلاماً ، فهو يوحي إليَّ أنْ تَجَدَّدْ في آمال ِقلبِكَ كأمواجي لِكيْلا تَمَلَّ فتيْأسَ ، وتحرّكْ..تحرّكْ في نَزَعاتِ نفسِكَ كتياري لئلاّ تَـرْكُدَ فَتفْسُدَ، وتَوَسَّعْ، تَوَسَّعْ في مَعاني حياتِك كأعماقي لئلا تَمتلئَ فتتعكَّرَ،وتَبَحَّرْ تَبَحَّرْ في جَـوِّكَ الحُرِّ كرِياحي لِئلاّ تَسْكُنَ فتَهْمَدَ)). (7) ويَقْصِدُ بالتَبَحُّرِ ــ هنا ــ
التوسُّعَ .
وثمّةَ حوارٌ شيّقٌ بديعٌ في كتابِ جواهرِ الأدَبِ أجراه مؤلِّفُهُ على لسانِ كلٍّ من البرِّ والبحرِ يتحدّث فيه كلٌّ منهما عن خصائصِه ومزاياه ومزايا صاحبِه وما خصّهما اللهُ به، وما أبدع فيهما من عجائبِ الخَلقِ وغرائبِه ، يقول على لسان البرِّ:((يا صاحب الدَرِّ ومَعْدِنَ الدُرِّ ، أَطرقتَ رياضي ومزّقتَ جسوري وأحواضي، وأغرقتَ جُثّتي ، ودخلتَ جَنَّتي ، وتلاطمت أمواجُك على وجنتي ، وأكلت جَزائري وجُروفي ، وأهلكت مرعى فَصيلي وخَروفي ، وأهزلتَ ثوري وحَمَلي ، وفَرسي وجَملي ، وأَجريْتَ سُفُنَك على أرضٍ لم تجرِ عليها ، ولم تُمِلْ طَرْفَ غُرابِها إليها ، وغَرَستَ أوتادَها على أوتادِ الأرض ، وعَرَّسْتَ في مواطِنِ النَّفْلِ والفرض ، وجعلتَ مَجرى مراكِبِك في مجرى مراكبي ، ومشى حُوتُك على بطنِه في سعدِ أخبيةِ مَضاربي ، وغاص ملاحُك في ديار فرحي ، وهاجرتَ من القُرى إلى أمِّ القِرى ، وحَمَّلتَ فلاحي أثقالَه على القِرى ، وقد تلقيْتُك من الجنادِلِ بصَدْري ، وحَمَلتُك إلى بَرزَخِكَ على ظهري ، وقبَّلتُ أمواجَك بثغري ، وخَلَقتُ مقياسي فرَحاً بقدومِك إلى مِصري ، وقد حيَّرتَ وعدّلتَ وفعلتَ فلعلَك . تَغيضُ ولا يكون ذهابُك عن ذهابِ بغيض ، أو تُفارق هذه الفجاجَ وتختلط بالبحرِ العَجّاجِ ، وإنْ لم تفعلْ شَكَوْناك إلى مَن أنزَلَك من السماءِ ، وأنعمَ بك علينا من خزائنِ الماء ؟




إذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تُغِثْ
عِبــــاداً فمولاهمُ يُغيثُ ويرحــمُ
وإن صدرتْ منهم ذنوبٌ عظيمةٌ
فعفو الذي أجراك يا بحرُ أعظمُ
نَمُـــــــدُّ إليــــه أيدياً لـم نَمُدَّهـــــا
إلى غيرِهِ واللهُ بالحـــــــــــــالِ أَعلَمُ
ثم قال على لسان البحر: يا بَرُّ يا ذا البِرِّ ، أهكذا تُخاطِبُ ضيفَك وهو يُخصِبُ شتاءك وصيفك ؟! وقد ساقني اللهُ إلى أرضِكَ الجُزُرِ ومَعْدِنِ الدَرِّ والخَزْرِ لأُبْهِجَ زرعَها وخيْلَها ، وأُخرجَ أَبَّها ونخيلَها، وأُكرِمَ ساكنَك، وأُنزِلَ البَرَكَةَ في أماكنِك ، وأُثبِتَ لك في قلبِ أهلِكَ أحكامَ المحبَّةِ ، وأُنْبِتَ بك لهم في كلِّ سُنبلةٍ مئةَ حبَّةٍ ، وأُحْييكَ حياةً طيِّبةً يبتهجُ بها عمرُك الجديدُ ، وتتلو {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى}. (8) ألسنةُ العبيدِ ، وأُطهِّرُك من الأوساخ ، وأحمِلُ إليك الإبليز فأُطيّبُك به من عَرَقِ السِباخ ، وأنا هديَّةُ اللهِ إلى مِصرِك ، ومَلِكُ عَصرِك القائمُ بنصرِك ، ولولا بركاتي عليك ومسيري في كلِّ مَسْرى إليك ، لكنتَ وادياً غيرَ ذي زرعٍ وصادياً غيرَ ذي ضَرْعٍ .


سَرَيْتُ ، أنا ماءَ الحيــاة ، فلا أَذًى
إذا ما حَفِظتَ الصحْبَ فالمالُ هيّنُ
فكن خَضِراً يا برُّ واعْـلَـــــــمْ بأنّـني
إلى طينِك الظمــــــآنِ بالرِيِّ أُحْسِنُ
وأَسعى إليــــه مِن بـــلادٍ بعيــــــدةٍ
وأُحْسِنَ أَجْـــري بالتي هي أحسَنُ
إذا طاف طُوفــــاني بمِقياسُكَ الذي
يُسِرُّ بإتْيــانِ الوفــــــــــــــــــاءِ ويُعلنُ
فقُـمْ وتَلَقّـــــــاهُ ببسطتِــــــــــك الـــتي
لروضها فضــــــلٌ على الروض بيّنُ
ولَعَمْري لقد تَلَطَّفَ {البرُّ} في عتابِه وأحْسَنَ ، ودَفَعَ{البحرُ} في جوابِه بالتي هي أَحسنُ ، وقد اصْطَلَحا ، وهُما بحمدِ اللهِ أَخَوانِ مُتضافران على عِمارةِ بلادِهِ ونَشْرِ الثروةِ ونُمُوِّ الخيرات بين عبادِه ، فاللّهُ تعالى يُخصِبُ مَرْعاهما ويَحرُسُهما ويَرْعاهُما.(9)
وركبَ ابنُ مُكانس البحر فكَتَبَ إلى والده يصف البحرَ ومخاطرَه وسفنَه ومخاطرَ هذه المغامرة وتمنّيه بانتهائها ، لا سيما وقد أخذ العطش منه كلَّ مأخذ، ولا ألذَّ من الماء على الظمأ فكيف إذا كان يرى الماء من حوله لكن هذا الماء لا يبلُّ ليلاً ولا يروي ظمأً ، يقول مستعملاً لغة العروضيين :((..يا مولانا وأَبُثُّك ما لاقيتَ مِن أهوالِ البحرِ وأُحدِّثُ عنه ولا حرج ، فكم وَقَعَ المملوكُ من أعاريضه في زُحافٍ تَقطعُ منه القلبَ لَمّا دَخَلَ إلى دوائرِ تلك اللُّجَجِ ، وشاهدتُ منه سلطاناً جائراً يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً، ونَظَرْتُ إلى الجَواري الحِسان ، وقد رَمَتْ أُزُرَ قُلوعِها وهي بين يديه ــ لقلَّةِ رجالها ــ تُسبى، فتحقّقتُ أنَّ رأيَ مَن جاء يَسعى في الفُلْكِ غيرُ صائبٍ،واستصوبْتُ ــ هنا ــ رأيَ مَن جاء يمشي وهو راكبٌ، وزاد الظمأُ بالمملوكِ وقد اتّخذَ في البحرِ سبيلَه ،وكم قُلتُ من شدَّةِ الظمأ: يا تُرى ــ قبلَ الحُفرةِ ــ أَطْوي مِن البحرِ هذه الشُقَّةَ الطويلة ؟


وهل أُباكِرُ بحرَ النيلِ مُنْشرِحاً وأَشربُ الحلوَ مِن أَكوابِ مَلاّحِ
بحرٌ تلاطمت علينا أمواجُهُ حتّى مِتْنا مِن الخوفِ ، وحَمَلْنا على نَعْشِ الغُرابِ، وقامت {واواتُ} دوائرِهِ مقامَ {مع} ، فنَصِبْنا للغَرَقِ لما استوت المياهُ والأخشابُ ، وقارن العبدُ ، فيه ، سوداءَ اسْترقَّتْ مَواليَها وهي جاريةٌ ، وغَشِيَهم منها،في اليَمِّ ، ما غَشِيَهم، فهل أتاك حديثُ الغاشيَةِ واقَعَها الريحُ فحَمَلَتْ بِنا، ودخلها الماءُ فجاءها المخاضُ ، وانشقَّ قلبُها لِفَقْدِ رجالِها ، وجَرى ما جَرى على ذلك القلبِ ففاضَ ، وتَوَشَّحَتْ بالسَوادِ في هذا المأْتَمِ ، وسارَتْ على البَحرِ وهي مَثَلٌ ، وكم سُمِعَ فيها للمَغارِبَةِ على ذلك التَوْشيحِ زَجَلٌ بِرَجّ مائي ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عد من المصبرين في التابوت تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأن بياضها سواد وتمشي مع الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود وتتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء وكم تطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين وتتصابى إذا هبت الصبا وهي ابنة مائة وثمانين وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال وتدعي براءة الذمة وكم أغرقت لهم من أموال هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج وكم وجلت القلوب لما صار الأهداب مجاذيفها على مقلة البحر اختلاج وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد ولقد رأيتها بعد ذلك التعاظم وقد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد)).(10)
أمّا صاحب كتاب {الله يتجلّى في عصر العلم} فقد نحا في نظرته إلى البحر منحىً آخر ، منحى الاعتبار بما في البحر من جمال وعجائب دالّة على عظيم قدرة الخالق {سبحانه} وبديع خلقه ، وما يتركه ذلك في نفس الإنسان دهشة ممزوجة بالسعادة والمُتعة والعَجْزِ عن إدراكِ كُنْهِ ذلك كلِّهِ، فكيف يستطيع هذا الإنسانُ أن يُدرِك الذاتَ الإلهيّةَ التي أبدعت هذه الموجودات ؟ يقول :((..انظر إلى النغم الموسيقي الرائع كم يثير في الأسماع من بهجة ورضا ، وكم يحرك في النفس من عواطف وأحاسيس.. إنّك لو ذهبتَ تطلُبُه بفكرك في طبقات الأثير ، تَرُدُّ كلَّ ذبذبةٍ فيه إلى ضوابطَ من الفَنِّ ، وقواعدَ من العِلم ، لأعْيَتْكَ مَذاهِبُه ، ولانتهى بك المطافُ إلى غيرِ طائل .. ، ثمَّ انْظرْ إلى البحرِ في سَعَتِه وامتدادِه.. كم تأخُذُ صفحتُه الرقراقةُ المتموِّجةُ من نفسِك ، وكم تبلُغُ عَظَمَتُه وروعتُه من قلبك حين تَملأُ عينَيْكَ منه ، وتُرَدِّدُ النظرَ فيه ، ثمَّ انْظُرْ كيف بك إذا ألقيتَ بنفسِكَ في عُبابِه ، ورَميْتَ بها في ثَبَجِهِ.. مَنْ أنتَ ؟ وما تكون ؟
فكيف بهذا الخالقِ العظيمِ ؟ نَرْمي بعقولِنا القاصرةِ وأفكارِنا المحدودةِ في عَوالِمَ لا نهايةَ لها ، نُريدُها أنْ تُحيطَ به وتُخضعَ حقيقتَه لما تَخضعُ له حقائقُ الأشياءِ في عالمنا المحدود؟
لماذا لا نَقفُ من هذا الخالقِ العظيمِ موقفَنا من النغمِ الموسيقي نَلْتَذُّ بسماعِه، أو البحر نَتملَّى جمالَه؟ ولم نَعْدِلْ عن هذا إلى مسابقةِ النَغَمِ في مَسْراهُ، أو مُطاوَلَةِ البحرِ في عَظَمَتِهِ ؟ ذلك هو الضلالُ البعيد.
وإنّ حركاتِ السَمَكِ ، وتَمَوُّجاتِ حشائشِ البحرِ في نُعومَةٍ تحت
سطحِهِ ، لَتَملأُ نفسَ الإنسانِ بشعورٍ مِنَ الانْسجامِ يَستجيبُ إلى تَشَوُّقِهِ.
وقد تَقعُدُ روحُ الإنسانِ هادئةً فوق شاطئ جزيرةٍ مَرجانيَّةٍ ، ويُغنّي لها البحرُ المُتلاطِمُ.الحكمةُ تُوجِبُ أنْ يَتوسَّطَ هذا الفنُّ بين الإصابَةِ والخطأِ حتى لا يُستَغنى عن اللِّياذِ باللهِ أَبَداً ، ولا يقعُ اليأسُ مِن قِبَلِهِ أبداً؛ وعلى هذا سَخَّرَ اللهُ الإنسانَ وقَيَّضَهُ وخيَّرَهُ في هذا الأمرِ وفوَّضَه ؛ ومَنَعَ من الثِقةِ والطُمأْنينَةِ إلاّ في معرفتِه وتوحيدِه وتقديسِهِ وتَمجيدِهِ ، والرُجوعِ إليْه ؛ انظرْ إلى حديثِ الطِبِّ ، فإنَّ عندَه الصِناعةُ تَوَسَّطَتِ الصَوابَ والخطأ ، لتكونَ الحكمةُ ساريةً فيها ، وليكون اللُّطفُ معهوداً بها ؛ لأنَّ الطِبَّ كما يَبْرَأُ به العليلُ ، قد يَهْلِكُ معَه العليلُ ، فانظرْ إلى حديثِ البحرِ ورُكوبِ البأسِ المُتَيَقَّنِ فيه ، وجَوْبِ الطولِ والعَرضِ وإصابَةِ الرِّبحِ ، وطَلَبِ العِلمِ ، كيف توسَّطَ بين السلامةِ والعَطَبِ، والنَجاةِ والهَلَكَةِ، فلو استمرتِ السلامةُ حتى لا يُوجد مَن يَغرقُ ويَهْلِكُ ، لَكان في ذلك مَفْسَدَةٌ عامّةٌ ؛ ولو استمرَّتْ الهَلَكَةُ حتى لا يُوجد مَن يَسلَمُ ويَنجو، لَكان في ذلك مَفْسَدةٌ عامَّةٌ ؛ فالحِكمَةُ إذاً ما تَوَسَّطَ هذا الأمرَ حتى يَشكرَ اللهَ من ينجو،ويُسلِّمَ نفسَه للّهِ مَن يَهْلِكُ)).(11)
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب {رضي الله تعالى عنهما}
يصف له البحر فقال:((.. يا أمير المؤمنين البحرُ خَلْقٌ عظيمٌ يَركبُهُ خلقٌ صغيرٌ ، دودٌ على عُودٍ)). (12)
وهذا مما يؤكِّدُ حقيقةَ ما ذهبنا إليه من أنَّ العرب لم يكونوا أُمَّةَ بحرٍ ولم تكن لهم خبرةٌ به و لا تجارب مهمَّة معه ، وبالتالي ، يفسّر رهبتهم منه وخوفهم من عواقب ركوب ظهره والإبحار فيه .
وقد بقيت هذه النظرة إلى البحر هي الغالبة حتى ما بعد عصر الفتوحات حيث ركب العرب المسلمون البحر فاتحين أجزاءً من جنوب القارة الأوربيّة ناشرين فيها العدالة ونور العلم والهداية ، فهاهو الصاحب بن عباد يأخذ يقول:




إذا أدنـــاك سلطــــانٌ فـــــزده من التعظيم واصحبـــــهُ وارقبْ
فما السلطانُ إلا البحرُ عظماً وقربُ البحر محـذورُ العواقبْ
(13)
وهو في ذلك إنّما يعمل بمقولة:((البحر لا جواز له، والملك لا صديق له والعافية لا ثمن لها)).(14)
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:((مُخَالَطَةُ الأَشْرَارِ عَلَى خَطَرٍ،وَالصَّبْرُ عَلَى صُحْبَتِهِمْ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ ، الَّذِي مَنْ سَلِمَ مِنْهُ بِبَدَنِهِ مِنْ التَّلَفِ فِيهِ ، لَمْ يَسْلَمْ بِقَلْبِهِ مِنْ الْحَذَرِ مِنْهُ )).(15) وهو دليلٌ آخر على النظرة السلبية إلى البحر عند العرب ، فهو شرّيرٌ مخيف .
أمّا في أخبار الظرفاء والمتماجنين فإنَّنا نرى البحر يتحوّل إلى قصعةٍ كبيرة من المرق في وليمة دعا إليها الهُدهدُ نبيَّ الله سليمان {عليه السلامُ} ومعه جيشُه ، والذبيحةُ جراده، حين جاء الهدهد إلى سليمان فقال: ((أريد أن تكون في ضيافتي ، فقال سليمان : أنا وحدي ؟ فقال : لا ! بل أنت والعسكر ، في يوم كذا ، على جزيرة كذا ؛ فلمّا كان ذلك اليوم ، جاء سليمان وعسكره ، فطار الهدهد ، فصاد جرادةً ، فخنقها، ورمى بها في البحر ، وقال : كلوا ، فمن لم ينل من اللّحم نال من المرقة ؛ فضحك سليمان من ذلك وجنوده حولاً كاملاً . (16)
وفي هذا البحر من الأمم أكثر مما في البرِّ بكثير وفي الإنسان من جميع هذا الخلق الذي فيه قد اختُصِرَ العالَمُ الأكبر ، ولذلك كان أكمل خلق اللهِ وبذلك استحقّّ أن يكونَ خليفتَهُ في أرضِهِ ، كما رُوِيَ عن سيِّدِنا عُمرَ بنِ الخَطّابِ {رضي الله عنه} أنّه قال:((خلق اللهُ تعالى أَلفَ أُمَّةٍ وعشرين أُمَّةٍ ، منها ستُمئةٍ في البحر وأربعُمائةٍ وعشرون في البرِّ ، وفي الإنسان مِنْ كُلِّ خَلْقٍ، فلذلك سَخَّرَ اللهُ له جميعَ الخَلْقِ ، واستُجمِعت له جميعُ اللّذّات،وعمِل بيدِه جميعَ الآلاتِ وله النُطْقُ والضَحِكُ والبُكاءُ والفِكرةُ والفِطنةُ ، واختراعاتُ الأشياءِ ، واستنباطُ جميعِ العلوم ، واستخراجُ المعادن ، وعليه وقَعَ الأمرُ والنهيُ ، والوعدُ والوعيدُ ، والنعيمُ والعذابُ ، وإيّاهُ خاطَبَ ، وله قَرَّبَ . وخَلَقَ اللهُ تعالى إسرافيلَ {عليه السلام} على صورةِ الإنسان، وهو أقربُ الملائكةِ إليه وفي الحديث:((لا تَضْرِبوا الوجوهَ فإنّها على صورةِ إسرافيل)).وآياتُ اللهِ تعالى أكثرُ مِنْ أنْ تُحصَرَ { فتبارك الله أحسن الخالقين}. ))(17)
ولِحُورِ البحر نصيبٌ وافرٌ من الأدب العربي فقد حكى القَزويني عن بعضِ البَحريين أنَّ الريحَ ألقتهم على جزيرةٍ ذاتِ أشجارٍ وأنهارٍ ، فأقاموا بهامُدَّةً ، وكانوا إذا جاء الليلُ يَسمعون بها هَمْهَمَةً وأصواتاً وضَحِكاً ولَعِباً ، فخرج مِن المَراكِبِ جماعةٌ وكَمَنوا في جانبِ البحرِ ، فلمّا جاء الليلُ خَرَج بناتُ الماءِ على عادتِهِنَّ ، فوَثَبوا عليهِنَّ ، فأخَذوا منهُنَّ اثنتينِ فتزوَّجَ بهما شخصان ، فأمّا أَحدُهُما فوثق بصاحبتِهِ فأطْلَقَها فوثَبَتْ في البَحْرِ ،وأمّا الآخرُ فبقي مع صاحبته زماناً ، وهو يَحرُسُها ، حتى ولَدت له ولداً كأنَّه القَمَرُ ، فلمّا طاب الهواءُ ورَكِبوا البحرَ ووثق بها فأطْلَقَها ، فأغْفَلَتْهُ وألْقَتْ نفسَها في البحرِ فتأسَّفَ عليها تأَسُّفاً عظيماً ، فلمّا كان بعدَ أيّامٍ ظَهَرتْ من البحرِ ودَنَتْ من المراكِبِ وألقتْ لصاحبِها صَدَفاً فيه دُرٌّ وجَوهَرٌ فباعَه وصار من التُجّار .
ونظيرُ هذه الحكايةِ ما ذكره ابنُ زولاقٍ في تاريخِه أنَّ رَجُلاً من الأَندلس، من الجزيرة الخضراء ، صاد جاريةً منهُنَّ حسناءَ الوجهِ ، سوداءَ الشَعْرَ ، حمراءَ الخدّيْن ، نجلاءَ العيْنيْنِ كأنَّها البدرُ ليلةَ التَمامِ ، كاملةَ الأوصافِ ، فأقامت عندَه سنين ، وأحبَّها حُبّاً شديداً ، وأَوْلَدَها ولداً ذَكَراً وبَلَغَ مِن العمرِ أربعَ سنين ، ثمَّ إنَّه أرادَ السفرَ فاصْطحَبَها معه ووَثق بها، فلمّا توسّطت البحرَ أخذتْ وَلَدَها ، وألقتْ نفسَها في البحر ، فكاد أنْ يُلْقي نفسَه خلفَها حسرةً عليها ، فلم يُمَكِّنُه أهلُ المَركَب من ذلك، فلما كان بعد ثلاثةِ أيّامٍ ظَهَرتْ له وألقتْ له صَدَفاً كثيراً فيه دُرٌّ ، ثمَّ سلَّمتْ عليه وتركَتْه، فكان ذلك آخرَ العهدِ بها فتبارَكَ اللهُ ما أكثرَ عجائبِ خَلْقِه.(18)وتبارك اللهُ ما أخصب خيال هؤلاء ، وإن كنتُ منهم حيث أقول:


يا عروس البحر غني هللّي واسبحي في النورِ قَرِّي أَعيُنــا
أنا والبحرُ وليلي ها هنـــــــا وصبـايـــــــا الشعر تحنو بالمنى


وما أظنُّ هؤلاء موجودات إلاّ في أخيلة الشعراء والأدباء ، وإلاّ فما لحور البحر هؤلاء قد هجرنَنا منذ تلك العصور ؟
وأمّا في أصل البحار وما فيها من ماء وعددها وصفات كلٍّ منها وما فيها من عجيب خلق الله ، فقد روي عن سيدنا عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ {رضي الله تعالى عنهما} أنّه قال:((لمّا أراد اللهُ تعالى أن يخلُق الماءَ خلقَ ياقوتَةً خضراءَ لا يَعلَمُ طولَها وعرضَها إلاّ اللهُ {سبحانه وتعالى} ثمّ نَظَرَ إليها بعينِ الهيْبةِ فذابتْ وصارت ماءً ، فاضْطَرَبَ الماءُ فخَلَقَ الريحَ ووضعَ عليها الماءَ ، ثمّ خَلَقَ العرشَ ووضعَه على متنِ الماءِ ، وعليه قولُه تعالى: {وكان عرشه على الماء}.
ثم قال :واعلمْ أنّ بحرَ الظُلُماتِ لا يَدخلُه شمسٌ ولا قمرٌ ، وإنّ بحرَ الهندِ خليجٌ منْه ، وبحرُ اللاذقيّةِ خليجٌ منه ، وبحرُ الصينِ خليجٌ منه ، وبحرُ الرومِ خليجٌ منه ، وبحرُ فارسَ خليجٌ منه ، وكلُّ هذه البحارِ التي ذكرتُها أصلُها من البحرِ الأسودِ الذي يُقال له البحرُ المحيطُ ، وأمّا بحرُ الخَزرِ وبحرُ خُوارِزْمَ وبحرُ أَرمينيّةَ والبحرُ الذي عندَ مدينةِ النحاسِ وغيرُ ذلك من البحارِ الصِغارِ فهي منقطعَةٌ عن البحر الأسودِ ، ولذلك ليس فيها جَزْرٌ ولا مَدٌّ ، وقيلَ سُئل النبيُّ عن الجَزْرِ والمَدِّ فقال : هو مَلَكٌ عالٍ قائمٌ بين البحرينِ إنْ وَضَعَ رِجلَه في البَحرِ حَصَلَ لَهُ المَدُّ وإذا رَفَعَها حَصَلَ له الجَزْرُ ، قيلَ إنّما سُمّيَ البحرُ الأسودُ لأنَّ ماءه فيه رأيَ العين كالحِبْرِ الأسودِ ، فإن أَخَذَ منه الإنسانُ في يدِهِ شيئاً رآه أبيضاً صافياً إلاّ أَنَّهُ أَمَرُّ مِن الصَبْرِ مالحٌ شديدُ المُلوحَةِ ، فإذا صار ذلك الماءُ في بحرِ الرومِ تَراهُ أخضرَ كالزِنْجار ِ، واللهُ تعالى يَعلمُ لأيِّ شيءٍ ذلك ، وكذلك يُرى في بحرِ الهِنْدِ خليجٌ أحمرُ كالدَمِ ، وبحرٌ أصفرُ كالذَهَبِ ، وخليجٌ أبيضُ كاللّبَنِ ، تتغيَّرُ هذه الألوانُ في هذه المواضِعِ والماءُ في نفسُه أبيضُ صافٍ ، وقيلَ إن تَغَيُّرَ الماءِ بلونِ الأرضِ . (19)
وأمّا ما يَخْرُجُ مِن البحرِ من السَمَكِ وغيرِهِ ، فهذه جملة من المشاهدات والقَصص التي تحوي من العجائب الشيء الكثير ، ونحن ننقلها كما رواها أصحابها،إذ غنيٌّ عن البيان أنّنا لا نتحرى الحقيقة العلميّة ــ هناــ وليس هذا من مهمّتنا،فيما نرمي إليه،إنّما نحن نتحدّث عن أثر البحر في أدب العرب ، شعرهم ونثرهم ، وحسب.
من ذلك ما رُوِيَ عن جابِرٍ بنِ عبدِ اللهِ {رضيَ اللهُ تعالى عنهما} قالَ : ((بَعَثَنا رسولُ اللهِ إلى ساحلِ البحرِ وأمَّرَ علينا أبا عُبيدةَ {رضي الله تعالى عنه} نتلَقّى عيرَ قريشٍ ، وزَوّدَنا جُراباً مِن تَمرٍ لم يَجِدْ لنا غيرَهُ فكان أبو عُبيدةَ يُعطينا تمرةً تمرةً نَمُصُّها ، ثمَّ نَشْربُ عليها الماءَ فتكفينا يومَنا إلى الليل ، فأشرفْنا على ساحلِ البحرِ ، فرأينا شيئاً كهيئةِ الكَثيبِ الضَخْمِ فأتيناهُ فإذا هو دابَّةٌ من دَوابِّ البحرِ تُدْعى العَنْبَرَ ، فأقمْنا شهراً نأكلُ منها ونحن ثلاثُمئةٍ حتّى سَمِنّا ، ولقد رأيْتُنا نغترفُ من الدُهنِ الذي في وَقْبِ عينَيْها بالقِلالِ ونقطعُ منه القِطعةَ كالثورِ ، ولقد أَخذَ مِنّا أبو عُبيدةَ ثلاثةَ عَشَرَ رجلاً فأقعدهم في وَقْبِ عيْنِها،وأَخَذَ ضِلْعاً من أضلاعِها فأقامها ثمّ رَحَلَ أعظمُ بعيرٍ معنا فمَرّ من تحتِها وتَزَوّدْنا من لحمِها،فلمّا قَدِمْنا المدينةَ ذَكَرْنا لرسولِ اللهِ ذلك فقال:هو رزقٌ أخرجَه اللهُ لكم فهل معكم شيءٌ من لحمها؟فتُطعِمونا؟فأرسلْنا له منه فأكلَه ))
وقيل يَخرُجُ من البحرِ سَمَكَةٌ عظيمةٌ فتتبعُها سَمَكةٌ أُخرى أعظمُ منها لتأكلَها فتَهرُبُ منها إلى مَجْمَعِ البحريْن فتَتْبَعُها فتَضيقُ عليها مجمعُ البحرين لعِظَمِها وكِبَرِها ، فترجِعُ إلى البحرِ الأسودِ،وعرضُ مَجمَعِ البحرين مئةُ فرسخٍ،فتبارك اللهُ ربُّ العالمين.
و هذه طائفة من أخبار البحر وردت عن رجل له مع البحر علاقات متينة وتجارب كثيرة ــ فيما يبدو ــ ذكرها في كتابه المسمّى بـ {تُحفةِ الألباب} فيها الكثيرُ الكثير من الطريف والغريب في آن ، قال : ((ركِبتُ في سفينةٍ مع جماعةٍ فدخَلْنا إلى مَجمَعِ البحرين ، فخَرَجتْ سمكةٌ عظيمةٌ مثلُ الجَبَلِ العظيمِ ، فصاحتْ صيحةً عظيمةً لم أَسمَعْ قَطُّ بأَهْوَلَ منها ولا بأَقوى ، فكادَ قلبي يَنخلِعُ وسَقَطْتُ على وجهي ، أنا وغيري ، ثمَّ ألقتْ السمكةُ نفسَها في البحرِ فاضطربَ البحرُ اضطراباً شديداً ، وعَظُمتْ أمواجُه، وخِفْنا الغَرَقَ فنجّانا اللهُ تعالى بفضلِهِ ، وسَمِعْتُ الملاّحين يقولون : هذه سَمَكَةٌ تُعْرَفُ بالبَغْلِ .
وقال:ورأيتُ في البحرِ سَمَكَةً كالجبلِ العظيمِ ومِن رأسِها إلى ذَنَبِها عِظامٌ سُودٌ كأسنانِ المِنشارِ ، كلُّ عَظْمٍ أطولُ من ذراعين ، وكان بينَنا وبينَها في البحرِ أكثرُ من فرسخٍ ، فسمعتُ الملاّحين يقولون : هذه السَمَكَةُ تُعرَفُ بالمِنشارِ ، إذا صادفتْ أسفلَ السفينةِ قَصَمَتْها نصفين ، ولقد سَمِعتُ مَن يقول أنّ جماعةً ركِبوا سفينةً في البحرِ ، فأرسوا على جزيرةٍ فخرجوا إلى تلك الجزيرةِ فغَسَلوا ثيابَهم واستراحوا ، ثمّ أَوْقَدوا ناراً ليَطبخوا فتحرّكتْ الجزيرةُ وطَلَبَتِ البحرَ وإذا بِها سمكةٌ ، فسبحانَ القادرِ على كلِّ شيءٍ، لا إلهَ إلاّ هو ولا معبودَ سِواه ، وقيلَ إنّ في البحرِ سمكةٌ تُعرَفُ بالمَنارةِ لِطولِها يُقالُ إنّها تَخرُجُ مِنَ البحرِ إلى جانبِ السفينةِ فتُلْقي نفسَها عليها فتُحطِّمُها وتُهلِكُ مَن فيها ، فإذا أَحَسَّ بِها أهلُ السفينةِ صاحوا وكبَّروا وضَجُّوا وضَرَبوا الطُبولَ ونَقَروا الطُسوتَ والسُطولَ والأخشابَ لأنّها إذا سمِعتْ تلك الأصواتَ ربّما صَرَفَها اللهُ تعالى عنهم بفضلِه ورحمتِهِ )) . وقال الشيخُ عبدُ اللهِ ، صاحبُ تُحفَةِ الألبابِ ، نفسُه : (( كنتُ يوماً في البحرِ على صخرةٍ فإذا أنا بِذَنَبِ حيَّةٍ صفراءَ مُنَقَّطةٍ بسوادٍ طُولُها مِقدارُ باعٍ فطَلَبتْ أنْ تَقبِضَ على رِجْلي فتباعَدْتُ عنها ، فأَخْرَجتْ رأسَها كأنّه رأسُ أرنبٍ مِن تحتِ تلك الصخرةِ، فَسَلَلْتُ خِنْجَراً كبيراً كان معي فطَعَنْتُ بِهِ رأسَها فغارَ فيه فلم أَقْدِرْ على خلاصِهِ منها ، فأَمسكْتُ نِصابَه بيديَّ جميعاً وجعلتُ أَجُرُّهُ حتّى أَلْصَقْتُها ببابِ الجُحْرِ ، فتركتْ الجُحْرَ وخَرَجتْ من تحتِ الصخرةِ فإذا هي خمسُ حيّاتٍ في رأسٍ واحدٍ ، فتعجَّبتُ من ذلك وسألتُ مَن كان هناك عن اسْمِ هذه الحيَّةِ فقال : هذه تُعرَفُ بأُمِّ الحيّاتِ ، وذَكروا أَنّها تَقْبِضُ على الآدَميِّ في الماءِ فتُمْسِكُهُ حتّى يَموتَ وتَأْكُلُهُ ، وأَنَّها تَعْظُمُ حتّى تَكونَ كلُّ حَيَّةٍ أكثرَ مِن عشرين ذِراعاً وأن تَقلِبَ الزوارقَ وتأكلَ مَن قَدَرتْ عليه مِن أصحابِها ، وأنَّ جِلْدَها أَرَقُّ مِن جِلدِ البَصَلِ ، ولا يُؤثِّرُ فيها الحديدُ شيئاً )) .
وقال:(( ورأيتُ مرّةً في البحرِ صخرةً عليها شيءٌ كثيرٌ مِن النارِنجِ
الأحمرِ الطَرِيِّ الذي كأنَّهُ قُطِعَ من شجرةٍ ، فقلتُ في نفسي هذا قد وَقَعَ مِن بعضِ السُفُنِ ، فذهبتُ إليهِ فقَبَضْتُ منه نارنجةً فإذا هي مُلْتصِقةٌ بالحَجَرِ فجَذَبْتُها فإذا هي حيوانٌ يتحرّكُ ويَضرِبُ في يدي ، فلَفَفْتُ يَدي بِكُمِّ ثوبي وقَبَضْتُ عليه وعَصرتُه فخرج مِن فِيهِ مياهٌ كثيرةٌ ، وضَمُرَ فلم أَقدِرْ أَنْ أقلَعَه من مكانه ، فتركتُه عَجزاً عنه ، وهو من عجائب خلقِ اللهِ تعالى ، وليس له عينٌ ولا جارحةٌ إلاّ الفَمَ ، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ لأيِّ شيءٍ يَصلُحُ ذلك المخلوق )).
ثمّ قال:((ولقد رأيتُ يوماً على جانبِ البحر عُنقودَ عنبٍ أسودَ كبيرِ الحَبِّ أخضرَ العُرجونِ كأنّما قُطِفَ مِن كَرْمِهِ ، فأخذتُه ، وكان ذلك في أيامِ الشِتاءِ ، وليس في تلك الأرضِ التي كنتُ فيها عِنَبٌ ، فرُمْتُ أنْ آكلَ منه، فقبضتُ على حَبّةٍ منه وجَذَبْتُها فلم أَقْدِرْ أنْ أَقلَعَها مِن العُنقودِ حتى كأنّها من الحديدِ قوّةً وصَلابةً ، فجذبْتُها جَذْبةً أقوى من الأولى فانقشرتْ قشرةٌ من تلك الحبَّةِ كقِشْرِ العِنَبِ وفي داخلِها عجمٌ كعجمِ العِنَبِ ، فسألتُ عن ذلك فقيل لي : هذا من عِنَبِ البحرِ ورائحتُه كرائحةِ السَمَكِ)) .
وفي البحرِ ، أيضاً ، حيوانٌ رأسُه يُشبِه رأسَ العِجلِ وله أنيابٌ
كأنياب السِباعِ ، وجِلدُه له شعر كشعرِ العِجلِ ، وله عُنُقٌ وصَدرٌ وبطنٌ ، وله رجلان كرجلِ الضِفدَعِ ، وليس له يَدان ، يُعرَفُ بالسَمَكِ اليهوديِّ ، وذلك أنّه إذا غابتِ الشمسُ ليلةَ السَبْتِ يخرُج من البحرِ ويُلقي نفسَه في البرِّ ، ولا يتحرّكُ ، ولا يأكُلُ ولو قُتِلَ ، ولا يَدخُلُ البحرَ حتّى تَغيبُ الشمسُ ليلةَ الأحَدِ ، فحينئذٍ يدخل البحرَ ولا تَلحقُهُ السُفُنُ لخِفّتِه وقوّتِه ، وجِلدُه يُتَّخَذُ منه نعلٌ لصاحِبِ النَقْرَسِ فلا يَجِدُ لهُ أَلَماً ما دام ذلك الجِلدُ عليه، وهو من العَجائبِ . وقيل إنّ في بحرِ الرومِ سمكاً طويلاً طولُ السمكةِ مئةُ ذِراعٍ وأكثرُ ، وله أنيابٌ كأنيابِ الفيل تُؤخَذُ وتُباعُ في بلادِ الروم ، وتُحمَلُ إلى سائرِ البلاد ، وهي أحسنُ وأقوى من أنيابِ الفيل ، وإذا شُقَّ النابُ منها تَظهَرُ فيه نُقوش عجيبةٌ ، ويُسمّونَه الجوهَرُ، ويَتّخذون منه نُصُباً للسَكاكين ، وهو مع قوّتِه وحُسْنِ لونِهِ ثقيلُ الوزنِ كالرَصاصِ .
وفي البحرِ أيضاً سمكٌ يُسمّى الرَعّادُ إذا دَخَلَ في شَبَكةٍ فكلُّ مَن جَرَّ تلك الشبكةَ ، أو وَضَعَ يدَه عليها أو على حبلٍ من حِبالِها، تأخذُهُ الرَعْدَةُ حتى لا يَمْلُكَ من نفسِه شيئاً ، كما يَرتعِدُ صاحبُ الحُمّى ، فإذا رفع يدَه زالت عنْه الرَعْدَةُ ، فإن أعادها عادت إليه الرّعدةُ ، وهذا أيضاً
من العجائب، فسبحان اللهِ جَلّتْ قُدرَتُه.
وقال صاحبُ تُحفةِ الألباب ،حدّثني الشيخ ُأبو العبّاسِ الحِجازيُّ قال:حدّثني رجلٌ يُعرَف بالهارونيّ مِن وَلَدِ هارونَ الرشيد أنّه ركِبِ سفينةً في بحرِ الهِندِ فرأى طاووساً قد خرجَ من البحرِ أَحسن من طاووسِ البرّ وأجمل ألواناً، قال : فكَبَّرَ بالحَسَنَةِ فجعل يَسبَحُ ويَنظُرُ إلى نفسِه ويَنشُرُ أجنحتَه وينظُرُ إلى ذَنَبِه ساعةً من الزمن ثمّ غاص في البحر، وفي البحرِ دابّةٌ يُقالُ لها الدلفين تُنجي الغريقَ لأنّها تَدنو منه حتّى تَضَعُ يدَه على ظهرِها فيستعين بالاتّكاءِ عليها ويتعلّقُ بها فتَسبَحُ به حتّى يُنجيه اللهُ بقدرتِهِ ، فسبحان مَن دَبَّرَ هذا التدبيرَ اللّطيفَ وأَحكَمَ هذه الحِكْمةِ البالغةِ.
والسمكُ ــ كمايروي صاحب تحفة الألباب هذه ــ يملُك ذائقةً فنيّة حيث يحب سماع الغناء والموسيقا ، ولا نستغرب ذلك إذ ثبت بالتجربة العلميّة أنَّ البقر مثلاً يزداد حليبُها إذا ما وضعوا لها موسيقا معيّنة كما أنَّ الإبل تزداد سرعتها بالحداء ، وفي القصص أنّ الحيّةَ أيضاً تخرج من جُحرها لسماع عزف الراعي ، فلا غرابة ، إذاً، إذا كان السمك من هذه الحيوانات الراقية ، كما يدّعي صاحبُنا ، حيث يقول : ((وزَعموا أنّ السمَكَ يتَّجِه نحو الغناءِ والصوتِ الحَسَن ويصبو لسَماعه و قيل إنّ بعضَ الصيادين يَحفرون في البحرِ حفائرَ ثم يَجلِسون فيَضرِبون بالمَعازِفِ وآلاتِ الطَرَبِ فيَجتمِعُ السمكُ ويقعُ في تلك الحفائرِ ، وقيل إنّ الدِلفينَ وأنواع السمك إذا سمعتْ صوتَ الرعدِ هرَبتْ إلى قَعرِ البحر، وقيل إن خيلَ البحرِ توجَدُ بنيلِ مِصْرَ وهي في صفةِ خيلِ البَرّ ِ، وقيل إنّها تأكُلُ التماسيحَ ، وربّما خرجت فرَعَتِ الزرعَ ، وإذا رأى أهلُ مِصْرَ أثرَ حوافرِها حَكَموا أنَّ ماءَ النيلِ ينتهي في طُلوعِه إلى ذلك المكان ، وقيل إنّ في البحرِ المحيطِ شيئاً يتراءى كالحُصون، فيرتفعُ على وجهِ الماءِ ، ويظهر منه صورٌ كثيرةٌ ويَغيبُ )).
ومن عجيبِ ما حُكي أنّ في البحر جزيرةٌ فيها ثلاثُ مدنٍ عامرةٍ، وهي كثيرةُ الأمطارِ وأهلُها يحصُدون زرعَها قبلَ جَفافِهِ لقِلَّةِ طُلوعِ الشمسِ عندَهم ، ويَجعلونَه في بيتٍ ويُوقِدون حولَه النيران حتّى يَجِفّ .
وعجائب البحر لا تحصى ولا يمكن حصرها في الأدب العربي حيث يتضافر في نسجها الخيال مع الواقع وتمتزج الخرافة بالحقيقة . يُقال إنّ الإسكندرَ لمّا سارَ إلى بحرِ الظُلُمات مَرَّ بجزيرةٍ فيها أُمَّةٌ رؤوسهم مثل رؤوسِ الكِلابِ يخرُج من أفواهِهم مثلُ لهبِ النارِ وخَرَجوا إلى مراكبه وحاربوه ثم تخلص منهم وسار فرأى صوراً متلوِّنةً بألوانٍ شتّى، وسمَكاً طولُه مئةَ ذراعٍ وأكثر وأقل،فسبحان الله تعالى ما أكثر عجائب خلقه. (20)
وأمّا عن جُزُرِ البحار فقد ورد في الأدب العربيُّ الكثير في وصفها ووصف سكانها وما خلق الله فيها من الغرائب والعجائب .
يقال إنّ الاسكندر مَرَّ في بعضِ الجزائرِ على قَصْرٍ مصنوعٍ من البِلّوْر ِ على قلعة مُحْكَمةِ البِناءِ وحولَها قناديلُ لا تُطفَأُ .
ومِن جزائرِ البحرِ جزيرةُ القمر {وهي اليوم إحدى دول الجامعة العربية} ويُقال إنَّ بها شجراً طولُ الشجرة منها مئتا ذراعٍ ودَوْرُ ساقِها مئةٌ وعشرون ذراعاً ، وبها طوائفُ من السودان عَرايا الأبدان يَلتحِفون بِوَرَقِ الشجرِ ، وهو ورقٌ يشبه ورقَ الموزِ لكنّه أسمكُ وأعرضُ وأَنعمُ ، ويُقالُ إنّ هذه الجزيرةَ بالقربِ من نيلِ مِصرَ ، وإنّ هذه الأمّة التي بها يتمذهبون بمذهب الإمام الشافعيِّ {رضي الله تعالى عنه} وهم في غايةِ اللّطافةِ من الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالقُربِ منهم مَعْدِنُ الذهبِ والياقوتِ، وبها الفِيَلَةُ البيضُ وحيواناتٌ مختلفةُ الأشكالِ من الوحوشِ وغيرِها ، وبها العُودُ القُماريُّ والآبنوس والطواويس ، وبها مُدُنٌ كثيرةٌ .
ومنها جزيرةُ الواق خلف جبلٍ يُقال له اصْطَفْيون ، داخلَ البحر الجنوبيِّ ، ويُقال إنّ هذه الجزيرةَ كانت ملكتُها امرأةً ، وإنّ بعضَ المسافرين وصلَ إليها ودخلها ورأى هذه الملكة وهي جالسةً على سريرٍ وعلى رأسِها تاجٌ من ذهب ، وحولَها أربعُمِئةِ وَصيفةٍ كلُّهُنَّ أبكارٌ ، وفي هذه الجزيرةِ من العجائبِ شجرٌ يُشبِهُ شجرَ الجوزِ وخِيارَ الشَنبرِ ويحمِلُ حملاً كهيئةِ الإنسان، فإذا انتهى سُمِعَ له تَصويتٌ يُفهَمُ مِن {واق واق} ثم يَسقُط ، وهذه الجزيرةُ كثيرةُ الذهبِ حتّى قيلَ إن سَلاسِلَ خِيمهم ومقاوِدَ كلابِهم وأطواقَها من الذهب .
ومنها جزيرةُ الصين ، يُقال إنّ فيها ثلاثُمئة مدينةٍ ونَيِّفاً ، سوى القُرى والأطراف ، وأبوابُها اثنا عشرَ باباً ، وهي جبالٌ في البحر ، بين كلِّ جبلين فُرْجَةٌ وهذه الجبالُ تَمُرُّ بها المراكبُ مسيرةَ سبعةِ أيّامٍ ، وإذا جاوزت السفينةُ الأبوابَ سارت في ماءٍ عذْبٍ حتى تصلَ إلى الموضِعِ الذي تُريدُه، وفيها من الأوديَةُ والأشجارُ والأنهارُ ما لا يمكن وصفُه ، فتبارك اللهُ ربُّ العالمين .
وقيل إنّ الاسكندر لما فَرَغَ من بناءِ سَدِّهِ حَمَدَ اللهَ تعالى وأثنى عليه ثمّ نامَ وإذا بحيوانٍ عظيمٍ صَعِدَ من البحرِ إلى أعلى وسَدَّ الأُفُقَ ، فظَنَّ مَن حولَ المَلِكِ أنَّه يُريدُ ابتلاعَهم ففزِعوا ، فانتبَه الاسكندرُ فقال:ما لَكم؟فقالوا له : انظر ما حَلَّ بِنا ، فقال: ما كان اللهُ لِيَأخُذَ نفساً قبلَ انقضاءِ أجَلِها ، وقد مَنَعَني مِن العَدُوِّ فلا يُسَلِّطُ عليَّ حَيَواناً من البحرِ ، قال : فإذا بالحيوان قد دَنا من الملِكِ وقال أيُّها المَلِكُ أنا حَيَوانٌ من هذا البحرِ ، وقد رأيتُ هذا السَدَّ بُنيَ وخَرِبَ سبعَ مَرّاتٍ ، ولم يَزِدْ على ذلك ، ثمَّ غاب في البحر ، فتبارك مَن له المُلكُ العظيمُ ، لا إله إلاّ هو العزيزُ الحكيمُ .
وقيل إن في جزيرة النسناس باليمن مدينةٌ بين جبلين وليس لها ماء يدخل فيها إلا من المطر وطولها نحو ستةِ فراسخٍ ، وهي حَصينةٌ ذاتُ كُرومٍ ونخيلٍ وأشجارٍ وغيرِ ذلك، وإذا أرادَ إنسانٌ الدخولَ إليها حثا أحدُهم في وجهه التراب ، فإن أبى إلاّ الدخولَ خُنِقَ أو صُرِع ، وقيلَ إنّها معمورةٌ بالجانّ، وقيل بخلقٍ من النسناس ،ويقال إنّهم من بقايا قومِ عادٍ الذين أهلَكَهمُ اللهُ بالريحِ العَقيمِ ، وكلُّ واحدٍ منهم شِقُّ إنسانٍ ، ونُقِلَ عن بعضِ المسافرين أنَّه قال : بينما نحن سائرون إذ أقبل علينا الليلُ فبِتنا بوادٍ فلمّا أصبحَ الصباحُ سمعنا قائلاً يقولُ مِن الشَجَرَةِ : يا أبا بُجيرٍ ، الصبحُ قد أَسفَرَ، والليلُ قد أَدْبَرَ ، والقَنّاصُ قد حَضَرَ ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، قال : فلمّا ارتفعَ النهارُ أرسلْنا كلبين كانا مَعَنا نحو الشجرةِ فسمعتُ صوتاً يقول: ناشدتُكَ ، قال : فقلتُ لرفيقي دعْهُما ، قال : فلمّا وَثِقا بِنا نَزَلا هاربين فتبعَهُما الكلبان ، وجَدّا في الجَرْيِ ، فامسكا شَخصاً منهما قال : فأدركناه وهو يقول :




الويلُ لي ممّــــا به دهـاني دهري من الهمــوم والأحزان
قفـــــــا قليلا أيها الكلبـان إلى متى إليَّ تجـــــــــــــــــــــريان
قال:فأخذناهُ ورَجَعْنا فذَبَحَه رفيقي وشَواهُ فعِفْتُه ولم آكلْ منه شيئاً، فتبارَك اللهُ ما أكثرَ عجائبِ خلقِهِ ، لا إله إلا هو ولا معبودَ سواه .
(21)
والبحر مخيفٌ حتى في المنام بحيث يجعل الرجل يبول في فراشه على ذمّة الأبشيهي صاحب كتاب المستطرف من كلِّ فَنٍّ مستظرف حيث روى أنّ امرأةً رفعت إلى القاضي تبغي أن يفرّق بينها وبين زوجها ، وزعمتْ أنّه يَبولُ في الفراشِ كلَّ ليلةٍ ، فقال الرجلُ للقاضي:يا سيدي لا تَعْجَلْ عليَّ حتّى أَقُصَّ عليك قِصَّتي ، إنّي أرى في مَنامي كأنّي في جزيرةٍ في البحرِ وفيها قصرٌ عالٍ، وفوق القَصْرِ قُبَّةٌ عاليةٌٌ ، وفوق القُبَّةِ جَمَلٌ وأنا على ظهرِ الجملِ ، وإنّ الجملَ يُطأطئ برأسِه ليَشرَبَ من البحرِ ، فإذا رأيتُ ذلك بُلْتُ مِن شِدَّةِ الخوفِ ، فلمّا سَمِعَ القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه ، وقال يا هذه أنا قد أخذني البَولُ من هَوْلِه فكيف بِمن يَرى الأمرَ عَياناً ؟ (22) ثمَّة معركة بين البحر والطيور افتعلها عبد الله بنُ المقفَّع لغرض في نفس يعقوب، وقد عرف ابنُ المقفّع ببراعته في إجراء الحكمة على ألسنة الحيوانات في كتابه المسمّى بـ {كليلة ودِمْنة} وقد أوجب علينا تلقُّفَ هذه الحِكَمِ منبّهاً إلى خطرها في البداية حيث قال:((يجب على قارئ هذا الكتاب أن يُديمَ النظرَ فيه من غير ضجرٍ ، ويلتمسَ جواهرَ معانيه ، ولا يَظنُّ أنَّ نتيجةَ الإخبارِ عن حيلةِ بهيمتين ، أو محاورةِ سَبُعٍ لثورٍ:فيَنصرفُ بذلك عن الغرضِ المقصود . ويكونُ مثَلُه مثلَ الصيّادِ الذي كان في بعض الخِلجانِ يَصيدُ فيه السمكَ في زورقٍ فرأى ذات يومٍ في أرضِ الماءِ صَدَفةً تتلألأُ حُسْناً ، فتوهَّمَها جوهراً له قيمةٌ ، وكان قد ألقى شَبَكتَه في البحر ، فاشتملت على سَمَكةٍ كانت قُوتَ يومِه ، فخلاّها وقَذَفَ بنفسِه في الماءِ ليأخذَ الصَدَفَةَ ، فلمّا أخرجَها وجدَها فارغةً لا شيءَ فيها مما ظنَّ . فندم على تركِ ما في يدِه للطمعِ ، وتأسَّفَ على ما فاته ، فلمّا كان اليومُ الثاني تنحّى عن ذلك المكان ، وألقى شبكتَه ، فأصاب حوتاً صغيراً ، ورأى ــ أيضاً ــ صَدَفةً سَنيَّةً، فلم يلتفتْ إليها ، وساءَ ظنُّه بها ، فتركها . فاجتاز بها بعضُ الصيادين فأخذها ، فوجدَ فيها دُرّةً تُساوي أموالاً.
وكذلك الجُهّالُ إذا أَغفَلوا أمرَ التفكيرِ في هذا الكتاب ، وتَركوا الوقوفَ على أسرارِ مَعانيه ، وأخذوا بظاهره )) .
ثم يَسْرُدُ لنا حكايةَ الطيطوى ووكيلَ البحرِ ليخلص بنا في النهاية إلى حكمةٍ مفادُها ألاّ يغترَّ المرءُ بقوَّته إذا آنسَ الضعفَّ في خصمه فربّما كان ذلك في غير صالحه ، ثمّ يضمِّن إثناء الحكايةِ حكمةً أخرى سيلاحظها القارئ من غير شكٍّ، يقول : وقد قيل: لا تَحْقِرَنَّ العدوَّ الضعيفَ المَهينَ ، ولا سيّما إذا كان ذا حيلةٍ ويَقدِرُ على الأَعوان ؛ فكيف بالأسدِ على جَراءتِه وشِدَّتِه ؟ فإنّ مَنْ حَقَّرَ عدوَّه لضَعْفِه أصابَه ما أصابَ وكيلَ البحرِ مِن الطَيْطَوى ، قال شَترَبَةُ: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة: زعموا أن طائراً من طيور البحر يقال له الطيطوى كان وطنه على ساحل البحر، ومعه زوجةٌ له، فلما جاء أوان تفريخها قالت الأنثى للذكر: لو التمسنا مكاناً حريزاً نفرخ فيه : فإني أخشى من وكيل البحر إذا مد الماء أن يذهب بفراخنا. فقال لها: أفرخي مكانك: فإنه موافق لنا؛ والماء والزهر منا قريبٌ. قالت له: يا غافل ليحسن نظرك: فإن أخاف وكيل البحر أن يذهب بفراخنا. فقال لها أفرخي مكانك: فإنه لا يفعل ذلك فقالت له: ما أشد تعنُّتَك ! أَمَا تَذْكُرُ وَعيدَه وتهديدَه إيّاك؟ أَلا تَعرِفُ نفسَك وقَدْرَكَ ؟ فأَبى أن يُطيعَها. فلمّا أكثرتْ عليه ولم يَسمعْ قولَها ، قالت له: إنّ مَن لم يسمعْ قولَ الناصِحِ يُصِبْه ما أصاب السُلحفاةَ حين لم تَسمَعْ قولَ البطَّتين . قال الذَكَرُ: وكيف كان ذلك ؟ قالت الأنثى: زَعَموا أنّ غديراً كان عندَه عُشْبٌ ، وكان فيه بطّتانِ وكان في الغديرِ سلحفاةٌ، بينها وبين البطّتين مودّةٌ وصداقةٌ . فاتّفَقَ أنْ غِيضَ ذلك الماءُ ؛ فجاءت البَطّتان لِوداعِ السُلحفاة ، وقالتا : السلامُ عليكِ فإنّنا ذاهبتان عن هذا المكان لأجل نُقصانِ الماءِ عنه . فقالت : إنّما يبين نُقصانُ الماءُ على مثلي : فإنّي كالسفينةِ لا أقدِرُ على العيشِ إلاّ بالماءِ . فأمّا أنتما فتَقْدِران على العيش حيث كنتما . فاذْهبا بي معكما . قالتا لها : نعم. قالت : كيف السبيل إلى حملي ؟ قالتا: نأخُذُ بطَرَفيّ عُودٍ ، وتتعلّقين بوِسطِه ؛ ونَطير بكِ في الجو. وإياك، إذا سمعتِ الناسَ يتّكلّمون ، أنْ تَنْطِقي . ثم أخذَتاها فطارتا بها في الجوِّ . فقال الناسُ: عجبٌ: سلحفاة بين بطّتين ، قد حملتاها. فلمّا سمعت ذلك قالت : فَقَأ اللهُ أعينَكم أيّها الناس ، فلمّا فتحت فاها بالنُطقِ وقعتْ على الأرض فماتت . قال الذَكَرُ: قد سمِعتُ مقالتََك؛ فلا تَخافي وكيلَ البحر. فلمّا مَدَّ الماءُ ذهبَ بفِراخِها . فقالت الأنثى : قد عَرَفْتُ في بدءِ الأمرِ أنّ هذا كائنٌ . قال الذكر: سوف أنتقم منه . ثمّ مَضى إلى جماعة الطيرِ فقال لهنَّ: إنّكنّ أَخَواتي وثِقاتي:فأعنَّني قلْنَ: ما تُريدُ أنْ نَفعل ؟ قال: تجتمِعْنَ وتذهبنَ معي إلى سائر الطير ، فنشكو إليهنَّ ما لقيتُ من وَكيلِ البحرِ؛ ونقولُ لهُنَّ: إنّكنّ طيرٌ مثلُنا : فأعنَّنا. فقالت له جماعةُ الطير: إنَّ العنقاءَ هي سيّدتُنا ومَلِكَتُنا: فاذهب بنا إليها حتّى نصيحَ بها ، فتظهر لنا؛ فنشكو إليها ما نالَكَ من وكيلِ البحرِ؛ ونسألُها أنْ تنتقمَ لنا بقوَّةِ مُلْكِها. ثم إنّهنّ ذهبنَ إليها مع الطيطوى، فاستغثنَها؛ وصِحْنَ بها؛ فتراءت لهنّ فأخبرْنَها بقِصَّتِهِنَّ؛ وسألنَها أن تَسيرَ معهُنَّ إلى مُحاربةِ وكيلِ البحر، فأجابَتْهُنَّ إلى ذلك. فلمّا علِم وكيلُ البحر أنَّ العنقاءَ قد قصدتْه في جماعةِ الطيرِ خاف من مُحاربةِ مَلِكٍ لا طاقةَ له به. فردَّ فِراخَ الطيطوى؛ وصالحَه فرَجَعَتْ العنقاءُ عنه . (23)
وما دمنا في حديث الحكمة والعبرة ، وما دمنا نتحدّث عن البحر فإليك ــ عزيزي القارئ هذه الحكاية .
يروى أنّ سلطانَ صِقلّيةَ أَرِقَ ذاتَ ليلةٍ ومُنِعَ النومَ ، فأرسلَ إلى قائد البحرِ وقال له : أَنْفِذِ الآنَ مَرْكَباً إلى أفريقيّةَ يأتوني بأخبارِها ، فعَمَدَ القائدُ إلى مقدّمِ مَركَبٍ وأرسلَه ، فلمّا أصبحوا إذا بالمركب في مَوضِعِه كأنّه لم يَبرحْ ، فقال الملكُ لقائدِ البحر: أليس قد فعلتَ ما أمرتُك به ؟ قال نعم قد امتثلتُ أمرَكَ وأَنْفَذْتُ مَركَباً فرَجِعَ بعدَ ساعةٍ وسيحدِّثُك مُقَدَّمُ المركبِ ، فأمَرَ بإحضارِه ، فجاء ومعَهُ رجلٌ فقال له الملكُ : ما منعكَ أنْ تَذهَبَ حيث أُمِرْتَ ؟ قال: ذهبتُ بالمَركبِ فبينما أنا في جوفِ الليلِ والرجالُ يُجَدِّفون إذا بصوتٍ يقولُ يا أللهُ يا أللهُ ، يا غِياثَ المستغيثين ، يُكرِّرُها مِراراً ، فلمّا استقرَّ صوتُه في أسماعِنا ناديناه مِراراً لبّيْكَ لبيك ، وهو يُنادي يا أللهُ يا ألله يا غِياثَ المستغيثين ، فجَدَّفْنا بالمَرْكَبِ نحو الصوتِ فلَقينا هذا الرجلَ غريقاً في آخرِ رَمَقٍ مِن الحياةِ فطَلَعْنا بِه المَرْكَبَ ، وسألناه عن حالِه فقال : كنّا مُقلِعين من أفريقيّةَ فغرِقَتْ سفينتُنا منذُ أيّامٍ وأَشرَفْتُ على الموتِ ، وما زِلتُ أصيحُ حتّى أتاني الغوثُ من ناحيتِكم ، فسبحان من أَسْهَرَ سُلطاناً وأرَّقَهُ في قصرِهِ لغريقٍ في البحر حتّى استخرَجَه من تلك الظُلُماتِ الثلاثِ ، ظلمة الليلِ وظلمةُ البحرِ وظُلمةُ الوَحْدةِ،فسبحانَه لا إلهَ غيرُه ولا معبودَ سِواه. (24)
وما دمنا في حديث العِظة والعِبرة ، لا بأس أن نسوق هذه الحكاية التي رواها الأبشيهيُّ عن ذي النون المصريِّ {رحمه الله} خاصّة وأنّ لها علاقة بالبحر ومفرداته ، قال: قال ذو النون المصري : بينما أنا في بعض سياحتي إذ مررت بشاطئ البحر فرأيت عقربا أسود قد أقبل إلى أن جاء إلى شاطئ البحر فظننت أنه يشرب فقُمت لأنظرَ فإذا بضفدَعٍ قد خرجَ من الماءِ وأتاه فحَمَلَه على ظهرِهِ وذهبَ به إلى ذلك الجانبِ.قال ذو النون : فائتزرت بمئزري وعُمْتُ خلفَه، حتى إذا صَعِدَ من ذلك الجانِبِ صَعِدْتُ وسرت وراءه ، فما زال حتى جاء إلى شجرةٍ فوجدتُ تحتَها غُلاماً نائماً من شِدّةِ السُكْرِ قد أَقبَلَ عليه تِنّينٌ عظيمٌ، قال: فلَصَقتِ العقربُ برأسِ التِنّين ولَسَعَتْه فقتَلَتْه، ثمَّ رَجَعَتْ إلى ظَهْرِ الضِفْدَعِ فعَبَرَ بها إلى الماءِ،وسار بِها إلى المكان الذي جاءت منه ، قال ذو النون: فتعجّبتُ من ذلك وأنشدتُ :




يا راقداً والجليلُ يحفظُــــــهُ من كلِّ سوءٍ يكون في الظُلُمِ
كيف تَنامُ العُيونُ عن مَلِكٍ يأتيكَ منــه فوائــــدُ النِّعَـــــــمِ
ثم أيقظتُ الغلامَ وأخبرتُه بذلك ، قال : فلمّا سَمِعَ ذلك قال : أُشهِدُكَ على أنّي قد تبتُ عن هذه الخَصلَةِ،ثمّ جَرّيْنا ذلك التِنّينَ ورميناُه في البحر،ولبِسَ ذلك الغلامُ مُسْحاً وساحَ إلى أنْ ماتَ{رحمةُ اللهِ تعالى عليه}
(25)
ونحن لا نرى في هذه القصّة شيئاً من الغرابة فالله جلَّ شأنه يقول في كتابه العزيز:((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)).(26) صدق الله العظيم .


مصادر الباب الرابع:


1 ــ وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي: ج1ص46 .2
2 ــ المصــــــدر نفســــه: ص 47 .
3 ــ المصــــــدر نفســــه: ص 51 .
4 ــ أورق الورد لمصطفى صادق الرافعي : ص 72 .
5 ــ نفس المصدر : ص 72 .
6 ــ نفس المصدر : ص221 .
7ــ نفس المصدر : ص 221 .
8 ــ سورة البقرة ، الآية : / 73/ .
9 ــ جواهر الأدب – (ج 1 / ص 201 ــ 203)
10 ــ خزانة الأدب وغاية الأرب – (ج 1 / ص 48 ــ 52)
11 ــ الله يتجلى في عصر العلم – (ج 1 / ص 7)
12 ــ الإمتاع والمؤانسة – (ج 1 / ص 44ــ 45)
13 ــ التذكرة الحمدونية – (ج 2 / ص 29)
14 ــ التذكرة السعدية – (ج 1 / ص 40)
15 ــ أدب الدنيا والدين – (ج 1 / ص 209)
16 ــ أخبار الظراف والمتماجنين – (ج 1 / ص 47)
17 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 275 ــ 276)
18 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 279 ــ 280)
20 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 294)
21 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 289 ــ295 )
22 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 517 ــ 518)
23 ــ كليلة ودمنة – (ج 1 / ص 19)
24 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 161)
25 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 254 ــ 255)
26 ــ سورة الرعد الآية : /11/

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...