محمد الأمين ولد الكتاب - الحملات الاستعمارية البرتغالية على السواحل الموريتانية .. أهدافها وأضرارها

لقد قام الباحث الموريتاني د. أحمد ولد المصطف بترجمة كتاب “اكتشاف و غزو غينيا ” الذي وضعه المؤرخ البرتغالي غوميس إيانس أزرارا سنة 1453. و يكتسي هذا الكتاب أهمية بالغة بالنسبة للمهتمين بالتاريخ الموريتاني، كونه يوضح بكل جلاء دوافع و أهداف و أضرار الحملات الاستعمارية الكاسحة ، التي قام بها البرتغاليون خلال القرن الخامس عشر، بأمر من ملكهم افونصو الخامس ، و تحت إشراف الأمير هنري المدعو لدى البرتغاليين بهنريكه ، ضد الفضاء الجغرافي الذي يشمل السواحل الصحراوية و جزر الكناري و السواحل الموريتانية و جزر الرأس الأخضر و سواحل غامبيا و السنغال و غينيا.

و تكمن أهمية هذا الكتاب بالنسبة للموريتانيين تحديدا، في كونه يلقي أضواء كاشفة على طبيعة و نمط حياة و تقاليد السكان الذين كانوا يقطنون السواحل الموريتانية و البراري المحاذية لها في تلك الحقبة الزمنية. كما تمكن قراءة الكتاب عينه، في ضوء السياق الذي اكتنف الأحداث الواردة فيه ، من تبين مدى شراسة ووحشية الهجمة الاستعمارية البرتغالية على سكان المنطقة المسالمين ، وكذلك من تقييم مدى مفعولها المدمر على أمنهم و سلامتهم و مقدرتهم على مزاولة نشاطهم الاقتصادي، و على مختلف أوجه حياتهم السوسيو ثقافية. كما يتيح التمعن في هذا الكتاب الوقوف على عدة أمور جديرة بالعناية، لعل من أهمها :

السياق الذي اكتنف الحملات الاستعمارية البرتغالية و الوسائل المعبأة من أجل إنجازها

نوعية الرجال الذين كان يتم انتقاؤهم للمساهمة في هذه الحملات الاستعمارية و العقلية السائدة لديهم

الدوافع الأساسية المحفزة للمغامرين البرتغاليين للمساهمة في الحملات الاستعمارية

الأضرار البالغة التي ألحقتها هذه الحملات بساكنة السواحل الموريتانية

معرفة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية لساكنة المنطقة إبان الحملات المذكورة.

كما أن تدبر ما قد تم سرده في الكتاب من أحداث ووقائع، يبعث على إبداء بعض الملاحظات و طرح بعض التساؤلات.

السياق الذي اكتنف الحملات الاستعمارية البرتغالية و الوسائل المعبأة لإنجازها

تتنزل هذه الحملات في سياق عام قد اتسم ،ابتداء من أواخر القرن الرابع عشر، بانحسار التواجد و النفوذ العربيين في الأندلس، و ازدياد عنفوان حركة الاسترداد في اسبانيا، و توالي الهزائم التي حلت بالجيوش العربية في الأندلس، و التي أفضت إلى سقوط الجزيرة في أيدي الأسبان، وإلى احتلال مدينة سبة سنة 1415 من طرف البرتغاليين، فضلا عن تفاقم أعمال القرصنة قبالة السواحل المغربية و التونسية و الجزائرية. و مما زاد الطين بلة هي الصراعات المريرة بين ممالك بني الأحمر في الأندلس و بني مرين في المغرب و بني عبد الوادي في الجزائر.

هذا في الوقت الذي كانت فيه كل من اسبانيا و البرتغال تتمددان بشكل مطرد باتجاه القارتين الأمريكية و الإفريقية ، بفضل قوة أساطلهما البحرية ، و قدراتهما العسكرية ، و حيويتهما الاقتصادية ، و بدافع تعصبهما الديني الشديد المدعوم بقوة من طرف الفاتكان.

أما الوسائل التي تمت تعبئتها للقيام بهذه الحملات فتتمثل في أساطيل من السفن يجهزها و يزودها بالمؤن و المعدات الضرورية للملاحة البحرية الأثرياء البرتغاليون الباحثون عن التربح و الثراء بإيعاز من السلطات الرسمية ، وذلك لوضعها تحت تصرف طواقم قد تم إعدادها و تكوينها و قيم بتعزيزها بزمر من الأفاقين ممن يتصفون بالقسوة و الوحشية وانعدام أي ضمير أو وازع أخلاقي، وذلك بهدف جلب مختلف البضائع و شتى السلع بما في ذلك السبايا و الرقيق و باقي الغنائم الأخرى المنتزعة عن طريق السطو و السلب و الاختطاف.

و ما قد قام به القراصنة البرتغاليون من غارات و ترويع للناس في منطقتنا على مدى 10 سنة، هو نفس ما كانوا يقومون به و لوقت طويل على السواحل المغربية و الجزائرية و التونسية و غيرها.

نوعية الرجال الذين كان يتم انتقاؤهم للمساهمة في هذه الحملات الاستعمارية و العقلية السائدة لديهم

كان يتم انتقاء ربابنة وطواقم و بحارة السفن المجهزة للقيام بالحملات الاستعمارية و أعمال القرصنة و النهب ، وفق مواصفات محددة . فالربابنة و الطواقم المؤطرة ، هم من أولياء نعمة البلاط الملكي و أصفياء الأمراء و أقارب كبار التجار الممولين لهذه الحملات . أما البحارة فكانوا في معظمهم من شذاذ الآفاق و الرعاع و السفلة القساة المتعطشين إلى الكسب بأي ثمن و بأية وسيلة .

و يمتاز الجميع بضيق الأفق و التعصب الديني و كراهية المسلمين و الاعتقاد الراسخ أن الإساءة إليهم و القسوة تجاههم ضرب من العبادة ترضي الكنيسة و تقرب من الرب ، و من ثم فإن سبيهم و استرقاقهم ومعاملتهم كبضاعة تباع و تشترى هي ممارسات مربحة في الدنيا و الآخرة,

و رغم ما يتصف به البحارة البرتغاليون من قسوة ووحشية و رعونة، تنضح من كل فصول الكتاب، فإنهم يعتبرون أنفسهم إشرافا، و خيرين، بل أرواحا مقدسة تحفها بركة الرب و تحدوها الرغبة في خدمة الكنيسة و إعلاء كلمة السيد المسيح. و قيامهم بالهجمات الاستعمارية ، و سبيهم للمسلمين إنما هو ابتغاء لمرضا ة الرب و تحقيقا لرغبة الملك و الكنيسة الكاثوليكية . و لذلك فإنهم على قناعة تامة أن الرب معهم ، يحيطهم برعايته و يكلؤهم بعينه التي لا تنام ولا يمكن أن يفرط فيهم بحال من الأحوال.

الدوافع الأساسية المحفزة للمغامرين البرتغاليين في الحملات الاستعمارية

إن الدوافع التي كانت تكمن وراء اندفاع العديد من البرتغاليين إلى المشاركة في غزو المنطقة، متعددة و متنوعة. فهناك دوافع اقتصادية و اجتماعية و سيكولوجية و عقدية.

فعلى الصعيد الاقتصادي كان ثمة نزوع عارم لدى جموع كبيرة من الرجال الباحثين عن وسائل للعيش، نحو الانخراط في نشاط القرصنة و الارتزاق ، و جوب الأفاق سعيا إلى الثراء و الارتقاء الاجتماعي. سيما و أن العديد من الأثرياء و المتنفذين كانوا يوفرون لهم سفنا مجهزة ، و يغرونهم بالمال و الحظوة الاجتماعية و مباركة الكنيسة للإبحار على متنها.

على الصعيد الاجتماعي كانت المشاركة في أعمال القرصنة المنظمة و المقننة تشكل طريقا إلى الترقية الاجتماعية من خلال الحصول على ألقاب ارستقراطية و أوسمة شرف من طرف الملوك و الأمراء ، وعلى صكوك غفران من جانب الكنيسة تؤمن الدخول إلى الجنة في حالة ” الاستشهاد”. الشيء الذي كان القراصنة وكل المغامرين يرون أنه يؤمن لهم مكاسب مالية واجتماعية و روحية .

على الصعيد السيكولوجي تشعر الألقاب الأرستقراطية و الأوسمة و النياشين الممنوحة، تشعر الرجال الذين يحصلون عليها بالزهو و الفخر لما تكفله من رفعة و مكانة مرموقة في المجتمع البرتغالي الخاضع للعقلية الإقطاعية وقت ذاك.

و على الصعيد الروحي فقد رسخت الكنيسة في الأذهان كره المسلمين و صوابية قتالهم و مشروعية تدميرهم ، مرضاة للبابا و للكنيسة المقدسة و للرب “المحب” للمسيحيين دون سواهم، كما يعتقدون.

الأهداف المتوخاة من هذه الحملات الاستعمارية

كان البرتغاليون يهدفون من وراء غزوهم لمنطقتنا و المناطق المصاقبة لها ، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية، لعل من أهمها :

الوقوف على إمكانيات التوغل داخل الحيز الممتد من رأس بوجد ور إلى غينيا.

التعرف على كل العقبات و العراقيل التي قد تحول دون ذلك

معرفة طبيعة الشواطئ و التيارات و أنواع الرياح التي تهب عليها و اتجاهاتها.

قياس عمق البحر المحاذي لسواحل بلدان المنطقة.

رسم خرائط جديدة و محينة للمنطقة

اكتشاف و تحديد إحداثيات الجزر التي يمكن التزود بالماء الشروب منها ، بغية احتلالها و إقامة قلاع و حصون دائمة عليها.

معرفة عدد و نوعية و نمط حياة الساكنة.

التعرف على الموارد الطبيعية و الثروات الحيوانية لبلدان المنطقة.

البحث عن أراض صالحة للاحتلال ، ليتم استعمارها.

وضع خرائط توضح نوعية التضاريس و موقع المدن و القرى بالمنطقة

الأضرار البالغة التي ألحقتها هذه الحملات الاستعمارية بساكنة السواحل الموريتانية

لقد الحق الغزاة البرتغاليون أضرارا جسيمة بشعوب المنطقة بكاملها و بوجه خاص بالسواحل الموريتانية و ساكنتها. حيث كانوا يقومون بغارات مباغتة على تجمعات و قرى المواطنين الآمنين فيخربون هذه التجمعات و يشتتون سكانها و ينهبون أمتعتهم و يعرقلون أنشطتهم الاقتصادية و يقومون بمطاردتهم على الشواطئ و في البراري و يمسكون بهم و يشحنونهم في سفنهم، كما تشحن المواشي ليبيعوهم في أسواق النخاسة في البرتغال.

وقد أفاد المؤلف في كتابه أنه قد تم ما بين سنة 1441 و سنة 1448 أسر و سبي ما يزيد على 600 شخص بين الرجال و النساء و الأطفال من ساكنة السواحل الموريتانية إضافة إلى مئات القتلى و الجرحى. علما أن اجتثاث و قتل مثل هذا العدد من الناس يعتبر نزيفا بشريا مريعا في تلك الفترة.

معرفة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية لساكنة المنطقة إبان الحملات المذكورة

لقد تعرض غوميس إيانس دي أزورارا في كتابه المشار إليه لنمط العيش و أسلوب الحياة سكان الساحل الموريتاني خلال القرن الخامس عشر ، مشيرا إلى طبيعة تجمعاتهم السكنية و نوعية أنشطتهم الاقتصادية و خصائص ممارساتهم الاجتماعية ، إضافة إلى تقاليدهم في ما يتصل بالملبس و المأكل و طرائق العيش الأخرى.

و بخصوص حياتهم الاقتصادية، كما وصفها الكاتب، فإنها تقوم في الأساس على تربية المواشي من إبل و ضأن و معز و بقر وخيول و حمير. و هم يرتحلون بانتظام. و يمارسون صيد النعام و الغزلان و الأرانب و الحجل.

كما أنهم يمارسون التجارة . و السلع التي يتم الاتجار بها هي : الذهب و الملح و التمور و الجلود و الرقيق و ريش النعام و الصوف و الدهون و العطور و العنبر و جلود قطط البحر….

و يستخدمون الجمال و الخيول و الحمير كوسائل للركوب و نقل السلع و البضائع. و يتوفرون على أعداد كبيرة من الإبل.

يذكر المؤلف كذلك أن هولاء السكان كانوا إذ ذاك يقتاتون على اللبن وقليل من اللحم و بذور و ثمار الأعشاب و النباتات البرية. وقد لا يتغذون لعدة شهور هم و خيولهم و كلابهم إلا على اللبن على حد قوله. و الذين يعيشون منهم على الشواطئ و بمحاذاة السواحل لا يقتاتون إلا على الأسماك دون خبز أو أي شيء أخر. ويأكلون الأسماك ك نيئة أو مجففة.

لباس معظمهم عبارة عن سترات من جلود في حين يلبس شرفاؤهم البرانيص و يملكون الخيل و السروج الجميلة. و تلبس النساء البرانيص كذلك . ولا يسترن سوى وجوههن في حين يتركن باقي أجسادهن شبه عارية. حيث إن الوجه هو الذي يعتبر عندهم عورة للمرأة. و يستنقص الكاتب عقول ألئك الناس الذين يحرصون على ستر وجوه نسائهم و لا يرون غضاضة في ترك بقية أجسادهن شبه عارية كما يقول.

وقد وصف الكاتب النساء بالكرم و الدلال و حب التزين بالذهب و الفضة و الخرز و الحلي. ووصف علية القوم بالمروءة و السخاء . و كدليل على ذلك ، ذكر ما قد حظي به الرحالة البرتغالي جوواوو فرناندس من كرم الضيافة من طرف أحد سادة الموريتانيين يدعى أهوده ميمام.

تلكم هي أهم ملامح الحياة الاقتصادية و السوسيو ثقافية التي يستشفها القارئ من كتاب دي أزرارا ” تاريخ اكتشاف و غزو غينيا”.

إبداء بعض الملاحظات و طرح بعض التساؤلات

لقد خرجت من قراءتي للكتاب بمجموعة من الملاحظات بعثت في نفسي كثيرا من الدهشة و الحيرة. كما ولدت في ذهني عدة تساؤلات.

أما الملاحظات فهي:

أولا : انعدام أية سلطة مركزية ضمن كل الحيز الجغرافي الموريتاني الذي اجتاحه البرتغاليون من شِأنها أن تلم شعث المجتمع و تنظم سلوكه و تأطره ، على غرار المجتمعات المصاقبة له . إذ أن في جزر الكناري و في منطقتي الرأس الأخضر و السنغال، كان هناك ملوك و أمراء و قادة يلتف حولهم الشعب و يضبطون أعماله و ينظمون تصرفاته و ردات فعله وفق قواعد متواضع عليها..

ثانيا: ضعف مقاومة سكان السواحل الموريتانية لغارات و هجمات القراصنة البرتغاليين، خلافا لما كان عليه الأمر لدى سكان جزر الكناري و الرأس الأخضر و السنغال. علما أن الأسلحة المتوفرة لديهم جميعا تكاد تكون متشابهة و متساوية من حيث البدائية و البساطة.

ثالثا : عدم استنكاف من يتم أسرهم من السكان عن تقديم المعلومات الوافية والدقيقة عن أماكن تواجد مخيمات و مضارب و مداشر بني جلدتهم للقراصنة البرتغاليين. الشيء الذي ينافي القيم الدينية و الأخلاقية و حس الشرف عند المسلمين. و غيرهم.

أما التساؤلات التي وردت إلى ذهني فهي الآتية:

ما سبب هذه المسلكيات ؟ هل هي البداوة؟ هل هو غياب سلطة مركزية ناظمة و مؤطرة للسكان؟ هل كان ذلك نتيجة لطبيعة التضاريس و خصوصية المناخ و غياب أي غطاء نباتي يمكن الاحتماء به من هجمات القراصنة؟

كيف استطاعت زمر تتكون في الغالب من بضع قراصنة غرباء حريصين على حياتهم ، دخلاء على المنطقة و منهكين من جراء وعثاء السفر كيف استطاعوا اقتحام البراري الموريتانية و تحمل الحرارة اللافحة لمطاردة و أسر و سبي عشرات من الرجال الذين هم بين ذويهم وعلى أرض هم أدرى بتضاريسها و أقدر على تحمل طقسها ؟

هل يمكن تصور هكذا تصرف من أناس كان أجدادهم قد احتضنوا و واكبوا وآزروا حركة المرابطين ، و تشبعوا بقيمها و تقاليدها الجهادية؟

هناك تساؤل أخر ورد إلى ذهني بعد قرا ء ة هذا الكتاب ، و هو : كيف أن الذاكرة الجمعية لساكنة هذه البلاد و خاصة الحيز الذي عانى مباشرة من الحملات البرتغالية الوحشية ، لم تحتفظ بالكثير من ذكريات المعاناة المريرة التي أذاقهم إياها البرتغاليون؟

حيث لا حكايات و لا أساطير شعبية تتناقلها الأجيال عن هذه المكابدة القاصمة و المحنة الساحقة التين دامتا زهاء عشر سنوات؟

أعتقد في نهاية المطاف أن كل ما يمكن التماسه من تعلات للتصرفات المحيرة التي أومأنا إليها آنفا هو ربما مفعول عنصر المباغتة و بدائية الأسلحة المتوفرة وضعف الوسائل الدفاعية الموجودة حينذاك لدى سكان السواحل الموريتانية . علما أن الأسلحة التي قاتل بها الكناريون لم تكن سوى الحجارة و العصي و النبال . و لم تكن أسلحة سكان الرأس الأخضر و السنغاليين هي الأخرى إلا النبال و الرماح البدائية.

و على أي فسوف تظل هذه التساؤلات تعتمل في ذهني إلى أن أجد لها أجوبة تشفي الغليل و ترضي الفضول و تزيل التعجب بإزالة سببه، إذ أنه متى عرف السبب بطل العجب كما يقال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...