أحمد فؤاد الأهواني - بحث في الأبجدية بمناسبة اقتراح تغيير الحروف العربية ورسم كتابتها

أبجد أو أبو جاد، مستهل الكلمات الثمانين التي اعتاد العرب أن يدلوا بها على ألف بائهم. هذه الكلمات تنطق كالآتي (أبجد - هوز - حطي - كلمن - سعفص - قرشت - ثخذ - ضظغ)

والأصل أن يرمز لهذه الحروف بأبجد، وفي تاج العروس (وقيل أبا جاد كصيغة الكنية). وجاء في موضع آخر: (وقال قطرب - هو أبو جاد، وإنما حذفت واوه وألفه، لأنه وضع لدلالة المتعلم، فكره التطويل والتكرار وإعادة المثل مرتين، فكتبوا أبجد بغير واو ولا ألف، لأن الألف في أبجد والواو في هوز قد عرفت صورتهما، وكل ما مثل من الحروف استغنى عن إعادته

وفي دائرة المعارف الإسلامية: (وترتيب الحروف في هذه المجموعة هو نفس الترتيب في العبرانية والآرامية، وهذا يثبت إلى جانب أدلة تاريخ الخط نظرية أن العرب تلقوا أبجديتهم عن الأنباط. أما الأحرف الستة الخاصة بالعرب فقط فقد وضعت في آخر المجموعة

وأصحاب المعاجم من العرب، ولو أنهم لم يفطنوا إلى الموازنة بين الأبجدية العبرانية والآرامية القديمتين، وبين الأبجدية العربية، إلا أنهم فصلوا بين الحروف الأولى وبين الأحرف الستة الأخيرة، فقالوا عن الكلمات الأولى أنهم (ملوك مدين) ثم (وجدوا بعدهم ثخذ ضظغ فسموها الروادف). وفي التاج شرح القاموس، وهي أحرف ليست من أسمائهم. وهذا يدل على أن الأصل الذي انحدرت عنه الأبجدية العربية أصل قديم عبراني وآرامي، ولكن العرب نسوا ذلك الأصل

على أن بعض الباحثين من العرب رجحوا أن يكون أصلها أعجمياً. في تاج العروس (ثم الاختلاف في كونها أعجميات أو عربيات كثير، فقيل أنها كلها أعجميات كما جوزه الم وهو الظاهر. ولذلك قال السيرافي لاشك أن أصلها أعجمية، أو بعضها أعجمي وبعضها عربي كما هو ظاهر كلام سيبويه وغير ذلك مما ذكره الرضي وغيره، ووسع الكلام فيها الجلال في المزهر. وجزم جماعة بأن أبجد عربي، واستدلوا بأنه قيل فيه أبو جاد بالكنية، وإن الأب لاشك أنه عربي، وجاد من الجود، وهو قول مرجوح)

وأخذت دائرة المعارف عن تاج العروس هذا الرأي فقالت (على أن بعض النحاة من العرب كالمبرد والسيرافي لم يقتنعوا بالتفسير المتداول عن الأبجدية، وصرحوا بأن هذه الأحرف لابد أن تمتد إلى أصل أجنبي)

وفي دائرة المعارف أيضاً (والأصل العبراني والآرامي للأبجدية العربية مما لاشك فيه ومع ذلك فإن العرب لجهلهم باللغات السامية الأخرى، ولتحيزهم، وتعصبهم لجنسهم وشخصيتهم، حاولوا تفسير أصل الأبجدية التي وصلت إليهم مع التقاليد تفسيراً جديداً. وهي تفسيرات شائقة حقاً، ولكنها ادخل في باب الخرافات)

في القاموس (أبجد إلى قرشت - وكلمن رئيسهم - ملوك مدين) وفي تاج العروس (وفي ربيع الأبرار للزمخشري أن أبا جاد كان ملك مكة، وهوز وحطي فوج من الطائف، والباقين بمدين

وقيل بل أنها أسماء شياطين، نقله سحنون عن حفص بن غياث

وقيل أولاد سابور، وغير ذلك

قال وقد روي أنهم هلكوا يوم الظلة مع قوم شعيب عليه السلام، فقالت ابنة كلمن ترثيه:

كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله

سيد الحتف أتاه ال ... حتف ناراً وسط ظله

وهم أول من وضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم

وفي دائرة المعارف (وقد نشأ إلى جانب هذا الترتيب القديم الذي يعود بنا إلى أصل الأبجدية العربية، الترتيب المستعمل في الوقت الحاضر. والفكرة فيه أن توضع الحروف المتشابهة في الرسم بعضها إلى جانب بعض، فمثلاً ت ث، يأتيان بعد ب وهكذا ثم هـ وي توضع في الآخر

وقد احتفظت الأبجدية المغربية بهذا الترتيب حتى الوقت الحاضر وهو: أب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي

أما الترتيب الذي وضعه الخليل في كتاب العين، فهو ترتيب يتبع أساسا صوتياً فسيولوجياً، فيبدأ بالحروف الحلقية ثم ينتهي بالحروف الشفوية. وهذا الترتيب هو:

ع ح خ غ ق ك ج ش ص ض س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م وأ ي

ويشبه هذا ما ذكره الأزهري في التهذيب والمحكم لابن سيده)

وجاء في دائرة المعارف أيضاً أن هذه الحروف لها قيم عددية تشبه ما هو موجود عند العبرانيين والآراميين. من الهمزة إلى القاف تدل على واحد إلى مائة، والتسعة الباقية من مائة إلى ألف

واعتمد المنجمون على خصائص الحروف العددية فاستعملوا أبجد وأخواتها كتعاويذ وطلاسم سحرية. فكل حرف من الألف إلى العين يدل على إله أو قوة طبيعية. وعلى أساس هذه الصلة المتبادلة بين العدد والحرف من جهة، وبين الرموز المقابلة لها من جهة أخرى قام بناء من السحر. وكان اليهود يزاولون ما يشبه هذا في القرون الوسطى

هذه هي خلاصة القول عن الأبجدية. ومنها يتضح أمران: الأول أنها ترجع إلى أصل عبراني وآرامي، والثاني أن الناس انصرفوا بها إلى عالم الطلاسم والتعاويذ والسحر

ولهذين السببين صدف المسلمون عن استعمالها، وزهدوا فيها وفكروا في وضع ألف باء أخرى كما سبق

على أن كثيراً من المسلمين لم يجدوا حرجاً في اتباعها

جاء في الشاطبية ما يأتي

جعلت أبا جاد على كل قارئ ... دليلاً على المنظوم أول أولا

وشرح الإمام أبو القاسم القاصح هذا البيت فقال

أخير أنه جعل حروف أبي جاد دليلاً أي علامة على كل قارئ نظم اسمه في القراء السبعة ورواتهم أولاً أولاً، أي الأول من حروف أبي جاد للأول من القراء. ففي اصطلاحه أبج لنافع وراوييه، فالهمزة لنافع، والباء لقالون، والجيم لورش. . . الخ

وقد نهى القابسي عن تعليم أبي جاد، ووجوب اتباع ألف باء أخرى على الصورة المغربية، وهي التي ذكرناها سابقاً ونقلنا عن دائرة المعارف أن المغاربة لا يزالون يتبعونها إلى الآن. وفيها خلاف يسير في الترتيب من حيث التقديم والتأخير عن ألف باء المتبعة في مصر وفي كثير من معاجم اللغة كالقاموس واللسان والصحاح. ولكن القاعدة واحدة وهي تجاور الحروف ذات الرسم الواحد في الكتابة. ونثبت هذه الألف باء المتبعة في مصر من باب الموازنة

اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ وي

هذا الترتيب وضعه نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر العدواني في زمن عبد الملك بن مروان. وهو الترتيب الذي عليه العمل الآن في البلاد العربية، وجرى عليه أصحاب الصحاح والقاموس ولسان العرب وغيرهم. والمقصود منه ضم كل حرف إلى ما يشبه في الشكل

والذي دفعهما إلى وضع هذا الترتيب، هو النظر في حروف الهجاء والتفكير في تنقيطها، لما كان يقع في قراءة القرآن من التصحيف. فاخترعا النقط كتميز الحروف المتشابهة في الشكل منعاً للالتباس

جاء في الإتقان (اختلف في نقط المصحف وشكله. ويقال أول من فعل ذلك أبو الأسود الدولي بأمر عبد الملك ابن مروان، وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر وقيل نصر ابن عاصم

وقد دعا النقط إلى ملاحظة الحروف المتشابهة في الرسم. فالباء والتاء والثاء واحدة، وإنما تتميز بالنقط فقط. لذلك تدرج الذين نقطوا الحروف إلى وضع الترتيب الجديد للألف باء وهو ترتيب المشارقة.

وعندنا أن هذا الترتيب الجديد، سواء أكان ترتيب المشارقة أم كان ترتيب المغاربة، إنما وضع لتيسير التعليم على الصبيان، على الأخص لأن قاعدته الرسم والكتابة. وهذه الألف باء لا يحفظها الصبي إلا كتابة، لأنه لا يستطيع ضم حروفها في كلمات، وإذا كان بعضهم يحفظها حرفاً حرفاً، فإن هذا الحفظ يسير جنباً إلى جنب مع تعلم كتابتها

أما أبجد هوز، فلأنها تجتمع في كلمات، فلم يكن بد ولو على سبيل الاختراع من إلباسها معاني مختلفة. وليس هذا غريباً عن قواعد علم النفس، فكل لفظة يقابلها معنى، لذلك تعددت الروايات عن معنى هذه الكلمات وألبسوها ثوب الخرافة. فهي تارة أسماء ملوك بادوا، وتارة أخرى أسماء شياطين، وتارة ثالثة أسماء أولاد سابور

كما أن هذه الكلمات لبعدها عن العربية الصحيحة، تثير التعجب الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى السخرية في نفس العربي الأصيل. في تاج العروس قصة - أن صحت - يتضح منها سخرية أعرابي من أبي جاد. ويذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي أعرابياً فقال له: هل تحسن أن تقرأ القرآن؟ قال نعم. قال: فاقرأ أم القرآن. فقال: والله ما احسن البنات فكيف الأم؟ قال: فضربه ثم أسلمه إلى الكتاب فمكث فيه ثم هرب، وأنشأ يقول:

أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات
كتابَ الله في رق صحيح ... وآيات القرآن مفصلات
فخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصاً وقُرّيشات
وما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين من البنات

دكتور

أحمد فؤاد الأهواني

مجلة الرسالة - العدد 593
بتاريخ: 13 - 11 - 1944

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...