نبيل عمر - فليسقط العقاد!..

كنا أحيانا نقف على ناصية شارعنا نرتاح قليلا من مذاكرة الثانوية العامة، نقرأ أشعارا عاطفية تسيل شغفا وولعا، وخواطر ننسجها من مشاعر رومانسية متأججة ممزوجة بالشجن الآثر، كانت تستهوينا حكايات الحب المحروم من النهايات السعيدة..قيس وليلي، روميو وجولييت، كُثَّيرْ عزة، أحمد ناجي صاحب قصيدة الأطلال والممثلة زوزو حمدي الحكيم، عبد الحليم حافظ ولبني عبد العزيز في فيلم الوسادة الخالية، همفري بوجارت وإنجريد برجمان في «كازبلانكا»!

وفجأة وسوس لي الشيطان بجملة خبيثة، قلتها ضاحكا: وصبري ونادية!

صبري أعز أصدقائي، كان يعشق نادية جارته عشقا جما، ولا يتصور الحياة دونها، يكتب فيها أشعاره وأحلامه وخواطره دون أن يبوح لها بمكنون قلبه، فقط ينتظرها في الداخلة والخارجة، يرنو إليها من بعيد، وكانت تحس به، وتمنحه كل فترة نظرة دلال تجعل حبال «الآسر» مشدودة.

فإذا بصبري يكفهر وجهه وتٓسْود ملامحه، ويسبني بأمي وأبي ويجري لا يلوي على شئ.

توتر بقية الأصدقاء وانزلقوا في نفق صمت طويل..

رفعت رأسي نحوهم وقلت مغادرا: انتهت صداقتي به إلى الأبد!

عشت بعدها أياما في حالة سيئة، لا أصدق ما قاله.. صبري يدرك أنني لا أقبل الشتيمة والسب بالأم والأب ولو من باب الهزار.

مر يومان ثلاثة ربما أسبوع، وبينما كنت منكبا في حل مسائل الهندسة الفراغية، دخلت علىَّ أمي بكوب من الشاى، وقالت: صبري زارنا اليوم وتحدث معي وهو يعتذر!

بحدة قاطعة: لن اتحدث في هذا الموضوع.

كانت شخصية العقاد قد تلبستني منذ فترة، كنت أهواه منذ قرأت له سيرته الذاتية «أنا»، وحفظت منها مقاطع عن ظهر قلب، خاصة تلك التي رسم فيها شخصيته على صورة «إنسان صلب الإرادة، قوي الشكيمة، حاد الطباع، صارم القرار، معتز النفس، متكبر، عنيد، متعال، لا يعرف الضعف الإنساني إلى عقله ومشاعره سبيلا»!

وكلما كنا نتقابل وأصدقائي المغرمين بالأدب أردد عليهم عبارة العقاد في سيرته: كل الناس إلا عباس!

وهي عبارة كان أصحاب العقاد الصغار وجيرانه في مدينة أسوان التي ولد فيها وعاش أيام صباه يصفونه بها من فرط جبروت شخصيته.

وتابعت حكايات العقاد، مع الناشر العربي الذي جاءه متأخرا عن موعده ربع الساعة فرده عن مجلسه، ولم يتعاقد معه بالرغم من الإغراءات المالية الشديدة التي عرضها عليه، الحبيبة التي شك في حبها له وظلت تطرق بابه بيديها حتى أدمتها دون أن يرق قلبه ويفتح لها، وهتلر الذي عاداه وكتب ضده بينما جيوشه على أبواب الإسكندرية قادمة غازية قبل أن تخسر معركة العلمين، والملك فاروق الذي تحداه علنا تحت قبة البرلمان وهدده بقطع رقبته لأنه لا يحترم الدستور..

هذه الحكايات سالت شظايا تسللت إلى خلايا عقلي وسطت عليه، وأخذت تتشكل في تصرفاتي رويدا رويدا، البعد عن الهزار لأنه ضعف، لا تسامح مع أي إنسان أخطأ في حقك ولو دون قصد لأن التسامح ضعف، والحب أيضا ضعف، والتواضع ضعف، واستبدلت بشخصيتى الريفية المنفتحة البسيطة شخصا جادا صارما عابثا، منطويا إلى حد ما، وذات مرة سألني بعض الأصدقاء بعد أن لاحظوا التغييرات الهائلة التي لحقت بي: ماذا بك؟

سألتهم بدوري : هل تعرفون من هو البطل الشجاع؟

قالوا: الذي يواجه الخوف وقلبه حديد ويحارب بقوة دون وجل.

سخرت منهم: تعريف ساذج دارج بين العامة..البطل في الحرب أو القتال ليس بطلا، لأنه لو لم يقتل أعداءه بجرأة وقوة سوف يقتلونه، هذه شجاعة مُضطرٌ إليها وبطولة مُجْبرٌ عليها وتستند إلى الغريزة، ولم يخترها بإرادته، والغرائز نقيض السمو الإنساني الذي يمثله «أنا الأعلى»!

- وما تعريفك أنت للبطل؟!

- العقاد يقول إن البطل هو ذلك الشخص الذي يلوي عنق ظروفه ويسيرها وفق مشيئته وإرادته، لأن الحرب مجرد لحظة أو فترة في عمر الإنسان، لكن الحياة بظروفها المتغيرة والمتقلبة «حالة دائمة»، والبطل هو الذي يمسك برقبة هذه الظروف في يديه أو يعمل على الإمساك بها ولا يسمح لها أن تكسره أو تهزمه أو تحبطه أو تضعفه.

لم يرض أصدقائي عن التحول الذي حدث، وزاد الطين بلة، دخول الفيلسوفين الألمانيين الشهيرين «نيشته وشوبنهاور» إلى حياتنا، ورحنا نقرأ نظرية الإنسان السوبرمان والإرادة الفردية والإرادة الجماعية، وعرفنا من أين أستقى العقاد تعريفه عن البطولة..

تغربت عن نفسى تماما وعاشت بشخصية العقاد كما رسمها لى خيالى، ملونة ببعض الرتوش المكتسبة من إنسان نيتشه السوبر وتعاسة شوبنهاور المكتئب!

كنت على هذه الحال فلم التفت إلى المصالحة مع محمد صبري، بالرغم من محاولات الأصدقاء المشتركين.

سألني أحدهم: كيف لا تتحمل لحظة غضب وتوتر من أعز أصدقائك؟

قلت محتدا: لم اقل كلمة تسيء إليه..وهذا سلوك همجي التسامح معه ضعف!

- هل تنتهي صداقة ثماني سنوات في خطأ؟..أنتم أصحاب من رابعة ابتدائي، مدرسة وبيت ولعب وسينما وخروج وأكل مع بعض!

- ولو. .الخطأ الأول هو الخطأ الأخير..

ثلاث سنوات وعلاقتي بصبري مقطوعة، لا حس ولا خبر، كل محاولات الصلح سقطت في بئر العقاد ونيتشة وشوبنهاور، علمني هؤلاء الاشرار أن النظر إلى الخلف خطيئة، ومن يسقط منك يسقط من عقلك ووجدانك الى الأبد.. الحياة تمضى إلى الأمام ومن يهينك لا يستحق صداقتك!

وفجأة وجدت محمد صبري أمامي، في حجرتي، وكنت عائدا من الكلية..

مد يده.. مددت يدي، شدني إليه واحتضنا بَعضُنَا بعضا بقوة، نسيت قسوة العقاد وسوبرمان نيتشة وكأبة شوبنهاور..

سألته: أين أنت الآن؟

قال في آسى: معهد تجاري بالزمالك..

وحكي لي ما ندمت عليه ولا أزال حتى الآن.. يا الله كم اذنبت في حق صديقي..

صبري كان متفوقا في الابتدائية والإعدادية، من هؤلاء الذين يحصلون على المجاميع العالية، التحق بشبرا الأعدادية، ثم مدرسة التوفيقية الثانوية درة مدارس شبرا.

ولأسباب لم أفهمها نجح في الثانوية العامة بمجموع ضعيف، يتناقض تماما مع مستواه العلمي والمعرفي، فهو قارئ جيدا، ذكي، قدرته على التحصيل عالية، ثم أعاد السنة فلم يتحسن حاله، واضطر إلى أن يدخل معهدا متوسطا..

انشغل صبري بنادية انشغالا كبيرا، وراح يتابعها، وهي تلاعبه ومازالت، حتى جاءني يسألني: ماذا أفعل؟

أحسست بجريمتي.. كيف جرني عنادي وتكبري وغروري الى التخلي عنه، تركته في لحظات عصيبة في حياته دون أن أقف بجانبه أشد أزره وأعيده إلى حالته الطبيعية، خاصمته وأنا صديقه الوحيد دون أن أغفر له خطأ تافها يحدث ألف مرة بين الأصدقاء كل يوم، لم اتسامح معه فشاركت في ضياعه!

قلت له: اقطع عرقا وسيح دما.. تحدث معها بوضوح واعرف رأسك من رجليك.. مستقبلك أهم من نادية.

عادت المياه إلى مجاريها ولم يكن يمر يوم دون أن نتقابل ونقص وقائع وحكايات قديمة حدثت في سنوات البعد الثلاث.. ثم تزوجت ناديه من قريب لها في يوم اسود على صبري، فدعوته إلى حفل لنجاة الصغيرة..

وتغير صبري لم يعد ذلك الوهج الفكري والروح الوثابة والطموح الفائق..

هل يمكن للزمن أن يرجع، هل فعلا آلة الزمن لها وجود؟، لو كنت بجانبه في أزمته لتغيرت أشياء كثيرة، كنت صديقه الوحيد ولو احتضنته ما وصل إلى هذه النهاية، التسامح ليس ضعفا بل هو كل النبل، التواضع ليس ضعفا بل هو كل النبل، الحب ليس ضعفا بل هو كل الحياة، وليسقط العقاد ونيتشة وشوبنهاور!
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...