خالد الدامون - حين يصير الشعر ملاذ الذات الأمثل..والبلسم الإنساني الشافي في وصفة الأطباء ااشعراء ضد المرض/ الجائحة

قراءة تأملية عاشقة ل " إنها القيامة" لإليزابيت ميتشيل و" ماذا سأعطي؟"لرافييل كامبو.

------------------------------------------------------------------

مرحلة صعبة تعيشها البشرية على مستوى وجودها الإنساني مع فيروس كورونا، مرحلة أرخت بأحزانها وهمومها على النفوس..مرحلة الصدمة..إذ فجأة فتح العالم عينيه فلم يجد لظلنا أثر، اختفينا من الشوارع ..الحدائق..الساحات..المساجد..المعابد..وتلفعنا بملاءة نفي الذات في الحجر وقاية من فيروس معدي شديد الخطورة على الوجود البشري، استوطنا المنازل بشكل يومي ، نترقب من داخل الحجر ..إطلالة أمل من النوافذ..نشرات الأخبار..الندوات والبلاغات الآتية من مسرح العمليات في مستشفيات العالم المريض! ننظر ونرى ولا نصدق ما جرى؟ وفي حمأة الإستغراب والدهشة ، والرعب والهلع الذي لا يليق إلا بساعة الحرب ..وقيام الساعة..في خضم هذه القيامة..كان هناك محاربون ومحاربات، يضحون بأنفسهم من أجل الإنسان والحياة..كان هناك أطباء وطبيبات؛ ممرضون وممرضات في المستشفيات يصاحبون ويصاحبن مرضى فيروس كورونا مدججين بلباسهم الواقي .بإرادتهم الصلبة، وبحسهم الإنساني العميق، وقد ارتيئت في هذا المقال المتواضع أن أتحدث عن نموذجين من الأطباء الشعراء، النموذج الأول يمثل الأطباء الذين في عز المعركة يأخذون نفسهم في استراحة عابرة ليكتبو الشعر في زمن كورونا وهذا النموذج تمثلها الطبيبةالشاعرة الأمريكية " إيزاليل متشيل" والنموذج الثاني يمثل أولائك الأطباء الشعراء الذين يوظفون الشعر في منهجية التواصل مع المرضى وهم يشرفون على علاجهم، وهذا النموذج يمثله الشاعر ذو الجنسية الأمريكية أيضا " رفاييل كامبو" اختيار طبيبين من بلد واحد فرضته علي المادة المرجعية القليلة التي تسجل أولائك الأطباء الذين يوثقون بالشعر ملاذهم الإنساني الأمثل ..سواء في وجه الجائحة او أمام المرضى وهم يقدمون الشعر ضمن الخيارات المعنوية التي أثبتت جذارتها في مساعدة المرضى على الإحساس بالأمل!

إيليزابيت متشيل نموذج الأطباء الشعراء الذين جعلوا الشعر
---------------------------------------------------------------------.
ملاذ الذات الأمثل..
---------------------------------------------------------------------

التجأت إليه وكتبت قصيدتها " إنها القيامة" وهي تبثها صوتها الإنساني العميق الذي يصرخ برقة! في وجه الغول. من المركز الطبي ببوسطن :

إنها القيامة .
-------------------------------------------------------------------------
النرجس البري أخرج رأسه من التربة
وفتح أذرعه المشرقة على سموات أكثر زرقة
لكن، مع ذلك ، مليئة
بخوف غامض وقلق
إذ تغلق المسارح أبوابها ويتوقف السفر
وتعرض محلات البقالة رفوفها الفارغة
حيث كانت مناديل الحمام ومحلول التبيض
وأكياس الطحين تصطف بصفوف مستقيمة.

معدتي تتلوى وأصابعي ترتعش
بينما أتحضر لأفعل ساحة المعركة
المكان الذي لطالما أحببته وشعرت فيه بالإرتياح
بات الأن ميدانا من القطرات المرشوشة عبر غرفة
او المترصدة على مقبض أو مغسلة لكي تجد طريقها
إلى داخل أيدينا أو أفواهنا أو عيوننا الواثقة
تلك التي تلمسك حين تكون مريضا
تقول لك كلمات مطمئنة وتبحث عن حل لألمك.

إنها القيامة
بينما يبدأ الربيع من جديد
وتنتشر الأزهار ذات الألوان الزاهية
في حديقتي الخلفية الجيرن ينزهون كلابهم
ويمشوز عبر الشوارع الهادئة
أمط قفازي الأرجوانيتين على يدين ثابتين
أربط مئزري الأصفر خلف ظهري
وشعري داخل قلنوسة زرقاء،
فمي وأنفي، وعيناي داخل دروعها المترقبة
إنها القيامة.
المصدر: المنبر الثقافي العربي ضفة ثالثة.

إن الناظر العاشق والمتأمل للقصيدة اول ما سيسترعي اهتمامه هو العنوان ، "إنها القيامة." لماذا القيامة إذن؟
يمكن القول أن الطبيبة الشاعرة إليزابيت متشيل أرادت باختيارها لهذا العنوان أن تثير انتباهنا فمن وظائف العنوان أن يثير ويدهش ويحفز على القراءة ، ولا غرو هنا أنه يناسب المشهد المأساوي الدرامي الذي يجري على مسرح العالم اليوم ، وأرجح باعتبار ديانة الشاعرة التي هي المسيحية أن توضيف " القيامة للتعبير شعريا وفنيا عن وضع العالم في مواجهة فيروس كورونا المستجد يستمد وجاهته من المدلول المسيحي للقيامة التي تحيل على ضرورو مقاومة ومواجهة المأساة بشجاعة وصبر وتجلد حتى تحقيق النصر الذي يحمل في مخاض تحققه ولادة جديدة.

تتكون القصيدة من ثلاث فقرات شعرية ، وتتأطر داخل المنجز الإبداعي لقصائد النثر،في الفقرة الاولى تتحصر الشاعرة وهي تقف أمام مشاهد أثرت في نفسيتها كثيرا، مشهد الربيع وتفتح النرجس الذي كان مبعث اطمئنان في الأيام العادية ، لم يعد امره كذلك في أيام كورونا الإستثنائية، فكبف تحس بحلاوة الربيع وهي تنظر بمرارة لكورونا الشبح المخيف وهو يغلق المسارح، ويوقف السفر، يبث في الناس الهلع التي يترجمها إقبالهم الهستيري على إفراغ محلات البقالة من الغذاء واوراق الحمام والطحين حتى غدت تلك المحلات لا تعرض غير الرفوف!
في الفقرة الثانية يتضح بجلاء أن تلك الهستيريا في افراغ محلات البقالة من المواد الأساسية قد أضرت بالناس الذين اتوا بعدهم حيث لم يجدوا ما يشترون! لينضاف لديها إحساس الجوع على إ حساس الخوف، وقد تكون تعرضت لهذا الموقف لكن ذلك لم يثنيها عن المواجهة ..والمقاومة..تقول:

معدتي تتلوى وأصابعي ترتعش
بينما أتحضر لأفعل ساحة المعركة

في المستشفى الذي تعمل به والذي طلما شعرت فيه بالإرتياح ، والذي أصبح اليوم ميدانا للفيروس بالنظر إلى احتضانه للمرضى المصابين الذي قد يطلقون تلك القطيرات مع تنفسهم فتدخل الغرف..او تجثم على مقبض او مغسلة تترصد ضحيتها..وهي تريد التسلل للأيادي والأفواه والعيون الواثقة،تلك التي تظل أمام لباس الوقاية وحدها صلة وصل بين الطبيب والمصاب بالفيروس المرعب..

تلك التي تلمسك حين تكون مريضا
تقول لك كلمات مطمئنة وتبحث عن حل لك.
إن العيون في معركة القيامة منشغلة ، تنظر للمريض تبثه دفئ الأحاسيس بأبعاد الفكرة الشاعرة التي تبحث عن بلسم للمريض.

في الفقرة الثالثة والأخيرة تكشف الشاعرة وجه التناقض في الزمن وفي الطبيعة ، فالوقت وقت الأزهار و الألوان الزاهية . وقت حياة وفرح..لكن هيهات .الوقت نفسه أيضا هو وقت القيامة ينبئ بالحزن والموت، ورغم ان هناك من ينزه كلابه في الحديقة الخلفية ..فالوت الحقيقة هو الذي تملكه الطبيبة الشاعرة ، التي تدير ظهرها لكل المتع وتتهيأ للمعركة:

( فبنما) الجيران ينزهون كلابهم
ويمشون عبر الشوارع الهادئة
امط قفازي الأرجوانيتين على يدين ثابتتين
أربط مئزري الأصفرخلف ظهري وشعري خلف
قلنوسة زرقاء، خلفي وأنفي ، وعيناي
داخل دروعها المترقبة...إنها القيامة!

أنها القيامة..عند الطبيبة الشاعرة إليزابيت متشيل ..ملحمة بصيغة المؤنث ، فقراتها وصور الملحمة تحيل على بعضها البعض في انسجام مدهش! بلغة تتأسس على استخدام مفردات شفافة وموحية ، صيغت بشكل نثري بديع، النثر حين يلامس السقف، او لم يقل فريدريك نيتشه في أحد مأثوراته، " الشعر قمة النثر" ، هو أيضا وفي خضم هذه الجائحة وكما تتبعتم معي الملاذ الإنساني والجمالي والفلسفي للشاعرة، احتمت به ، تمثلته واقترفته وهي تقف واثقة على أرضه..أرض الشعر المدهشة والمعطاء.
الشاعرة في قصيدتها أيضا تحتمي بالشعر من خوفها وقلقها من مستجدات الطبيعة وتناقضات الحياة،تحتمي بالكتابة في حضرته، لتحسم لصالحها..لصالح الإنسانية معركة القلق الوجودي مع الجائحة / القيامة.

الشاعر الطبيب رافييل كامبو: حين يصير الشعر البلسم الإنساني الناجع في وصفة الأطباء الشعراء.
---------------------------------------------------------------------

على عكس إليزابيت متشيل في انصرافها المفروض عليها من الاستمتاع بالربيع وعناصر الطبيعة بسسب ظرفية الوباء المرعب ..نجد رافييل كامبو وهو طبيب وشاعر امريكي يلجأ إلى الطبيعة وعناصرها والإقبال عليها رمزيا في تواصله مع المرضى ، لأن وقت كنابته للنص اختلفت عن وقت إليزابيت فالظرفية الزمكانية لم تكن محفوفة بوباء كورونا ..

قبل ان أعرض عليكم النص الشعري لرفاييل كامبو ، لا بأس ان أشير إلى الإرتباط الكبير للطب بالإنسان وبالتالي ليس غريبا ان نجد هناك أطباء شعراء ، غير أنه يمكن القول ايضا ان هذا الامر في الولايات المتحدة الأمريكية تشرف عليه المؤسسات الطبية فالشعر غدى مكونا وعنصرا معنويا اساسيا في علاج المرضى ، والشاعر الطبيب رفاييل من الكوادر الثقافية الذي يعمل محررا للشعر في مجلة الجمعية الطبية الأمركية وفد راكم تجربة طويلة في هذا الميدان.

إن رافييل كامبو من الفاعلين الأساسيين في تجربة توضيف الشعر لمعالجة المرضى، في بوسطن يبدأ نهاره بارتشاف فنجان قهوة فجرا، ثم يكتب ما تيسر من الشعر ويتوجه إلى المستشفى، هناك وفي خضم عمله يتقاسم الشعر مع المرضى ، وهو في نظره اجمل ما يمكن ان يعطيه الإنسان كهدية. يقول في نصه الذي جاء ضمن تقرير ShareAmerica وقمت بتوضيب معناه العربي المترجم من الإنجليزية من طرف الموقع المذكور .:
ماذا سأعطي؟
----------------------------------------------------------------

ما اود أن أقدمه لهم، هو ليس
طمأنتهم أن الرئتين تبدوان في حالة جيدة،
أن الشامة التي لا حظوا تغييرا فيها ليست سرطانا جلديا
ولكن بدلا من الخوف المترجم بنصائح طبية
أمنحهم دهشتي في رؤية هطول المطر
وكأن العالم كله يبكي
وكيف ينزلق ذلك برفق على شعر رأسي
هذا هو ما أود ان أعطيهم إياه!

هذا النص للطبيب الشاعر رفاييل كامبو تمت كتابته على الأرجح بعد تجربة إنسانية مع أحد المرضى الذي كان يعاني من مرض صعب على مستوى الرئة او سرطان الجلد، وهو امر في جميع الأحوال صعب على المريض وعلى الطبيب معا، فكيف يمكن التعامل مع هذا الوضع الحساس؟
إن رفاييل كامبو وانطلاقا من خلفيته الشعرية، أن الحديث امام المريض عن المرض باستحضار المعطيات الطبية للمريض وتطور المرض من خلال الكشوفات الصحية اليومية او الأسبوعية تزيد المريض تدهورا وقد يصل به الأمر إلى فقدان الأمل، واستعجال قدوم الموت، لذلك نرى ااشاعر مز خلاله النص ماذا سأعطي؟ لا يعطي في حديثه مع المرضى تلك المعطيات الخاصة بحالته الصحية، بل ينأى بنفسه وبنفوس مرضاه عن الإنشغال بنصائحه الطبية.
يقول في هذا الصدد الذي اتينا على ذكره:

ولكن بدلا من الخوف المترجم بنصائح طبية
امنحهم دهشتي في رؤية هطول المطر
وكأن العالم كله يبكي...

صورة شعرية تجسد الفلسفة الشعرية لطبيب خبير ينطلق من ماهية الإنسان اولا، حينما ننطلق بصدق من أعماقنا يمكن مهما كانت ظروف الآخر من الوصول إلى أعماقه، فالشاعر هنا طبيبا يراهن على الشعر للوصول إلى ارواح ونفوس المرضى..وهنا السر الكبير تتمكن منه وقد جعلت نفوس المرضى تبتسم وتتأملك بوجهك الإنساني المشرق الحامل للأمل..

الشعر إذن قوة جمالية وإنسانية في نصنا الشعري هذا، قادر على ان يعطي للناس صوتا ، تماما كما يقول صاحبه من:" أسباب قوة الشعر هو أنه يمنح الناس صوتا ، فهو يتيح لنا الإستماع إلى صوت شخص آخر، وأن نكون حاضرين في تجربته"
-------------------------------------------------------------------
* خالد الدامون

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...